عِنْدَ الكسُوفِ يُصَلِّي إمَامُ الجمُعَةِ بالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ
===
يوتر بجماعة، لأن الصحابة لم يجتمعوا على الوتر بجماعة في رمضان كاجتماعهم على التراويح، لأن عمر ﵁ كان يؤمهم فيه في رمضان، وأُبَيّ بن كعب ما كان يؤمّهم فيه. والجواب ما قدمناه في حديث ابن حِبَّان: «أنه ﷺ صلّى بهم وأوتر في رمضان، وبَيَّنَ العذر في تأخيره، وأن الخلفاء الراشدين فعلوه». وإنَّ مَنْ تأخَّر عن الجماعة فيه وأحبَّ أن يُصَلِّي آخر الليل، فإنه أفضل كما قال عمر: «والتي ينامون عنها أفضل». وعُلِمَ قوله ﵊: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» (^١) . فأخَّرَه لذلك، والجماعة فيه إذ ذاك متعذرة، فلا يدل ذلك على أن الأفضل فيه ترك الجماعة لمن أحب أن يُوتِرَ أول الليل. كما يُفْهَم من إطلاق اختيارهم.
فصلٌ في صَلَاةِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ والاسْتِسْقَاءِ
(عِنْدَ الكُسُوفِ) وهو تغيُّر الشمس إلى السواد، والخسوف لغةٌ فيه. قال المُنْذِرِي: روى حديث الكسوف تسعة عشر نَفْسًا: بعضهم بالكاف، وبعضهم بالخاء، وبعضهم باللفظين جميعًا، أي فهما مترادفان. أو الكسوف مُخْتَصٌّ بالشمس، والخُسُوفُ أعم. وقيل: يقال بالكاف للشمس، وبالخاء للقمر. وعليه اصطلاح الفقهاء ويؤيده قوله تعالى: ﴿فإذا بَرِقَ البَصَرُ * وخَسَفَ القَمَرُ﴾ (^٢) . وأما ما في «صحيح مسلم» عن عُرْوَة: «لا تقل: كُسِفَت الشمس، ولكن قل: خُسِفَت». فمحمول على رواية في لفظ الحديث.
(يُصَلِّي إمَامُ الجُمُعَةِ بالنَّاسِ) إلحاقًا لها بها. وأجازها مالك والشافعيّ لغيره كسائر الصلاة (رَكْعَتَيْنِ) برُكُوعَيْنِ لا بأربعٍ كما قال الشافعي ومالك. وهو المختار من مذهب أحمد كما في الكتب الستة عن عائشة ﵂ قالت: «خُسِفَتِ الشمس في حياة رسول الله ﷺ فخرج إلى المسجد، فقام فكبَّر وصفَّ الناس وراءه، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كَبَّر فركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. (ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبَّر فركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٣١٩.
(٢) سورة القيامة، الآية: (٧ و٨).
[ ١ / ٣٤٤ ]
نَفْلًا،
===
ولك الحمد) (^١) . ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك. فاستكمل أربع ركعات بأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف. ثم قام فخطب الناس فأثْنَى على الله بما هو أهله ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة».
ولنا ما روى البخاري من حديث أبي بَكْرَة قال: «خُسِفَتِ الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد، وثاب (^٢) الناس، فصلى بهم ركعتين فانجلت الشمس» (ورواه النَّسائي: «فصلَّى بهم ركعتين كما يُصَلُّون». ورواه ابن حِبَّان: «فصلّى بهم ركعتين، مثل صلاتكم».) (^٣) وروى النَّسائي، والترمذي في «الشمائل» والحاكم وصحَّحه، عن عَطَاء بن السَّائِبِ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ فلم يكد يَرْكع، ثم ركع فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك».
وأجيب عن استدلالهم بحديث عائشة بأنه مؤوَّل بما أُوِّلَ به ما روى مسلم عنها، وعن جابر، عن ابن عباس: «أنه ﵊ صلّى ست ركعات بأربع سجدات». وما روى أيضًا عن ابن عباس وعليّ: «أنه صلّى ثمان ركعات بأربع سجدات». وما روى: أبو داود، عن أُبَيّ بن كعب: «أنه ﵊ صلّى خمس ركعات في كل ركعة سجدة». قال محمد: وتأويل ذلك أنه ﵊ لَمَّا أطال الركوع رفع الصفوفُ رؤوسَهم ظنًّا منهم أنه ﵊ رفع رأسه من الركوع، فرفع مَنْ خلفهم، فَلَمَّا رَأَوْا رسول الله ﷺ راكعًا، ركعوا فركع مَنْ خلفهم، فمن كان خلفُ ظَنَّ أنه ﵊ صلّى بأكثر من ركوع. فروى على حسب ما عندَهُ من الاشتباه. ويدل على هذا أنه ﵊ لم يصلّها بالمدينة إلاَّ مرة واحدة.
(نَفْلًا) أي سنة كما رُوِيَ عن أبي حنيفة. وقال بعض المشايخ: إنَّها واجبة وهو
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٢) ثاب: الأصل في التثويب: أن يجيء الرجل مستصرخًا، فيُلَوِّح بثوبه ليُرَى ويشتهر. النهاية ١/ ٢٢٦.
(٣) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
[ ١ / ٣٤٥ ]
مُخْفِيًا مُطَوِّلًا قِرَاءَتَهُ فِيهِمَا، ثُمَّ يَدْعُو حَتَّى تَنْجَلِي الشَّمْسُ. وإنْ لَمْ يَحْضُرْ، صَلَّوا فُرَادَى،
===
مختارُ صاحب «الأسرار»، كما في «النهاية». وفيه إشعارٌ بأنه لا يُشْتَرَطُ فيها الأذان والإقامة، وتُؤَدَّى في الوقت المُسْتَحَبِّ لا المكروه.
ولا يَخْطُبُ عندنا فيها بلا خلاف كما في «التُّحْفَة»، و«المحيط»، و«الكافي»، و«الهداية»، وشروحها. ولكن في «النَّظم»: يَخْطُب بعد الصلاة بالاتفاق، ونحوُه في «الخُلَاصة» و«قاضيخان».
(مُخْفِيًَا) أي قارئًا سرًّا عند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والليث بن سَعْد، وجمهور الفقهاء. (مُطَوِّلًا قِرَاءَتَهُ فِيهِمَا) أي في الركعتين. وقال (أبو يوسف و) (^١) محمد: يجهر بالقراءة فيهما. وهو اختيار الطحاوي، وقول أحمد، لِمَا في «الصحيحين» من حديث عائشة ﵂ قالت: «جهر النبيُّ ﷺ في صلاة الكسوف». ولأبي حنيفة ما في «الصحيحين» عن ابن عباس قال: «انْخَسَفَتِ الشمس، فصلى رسول الله ﷺ والناسُ معه، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة». ولو كانت قراءته ﷺ فيها مسموعة لذكرها ابن عباس ولم يُقَدِّرْها. وروى أصحاب «السنن» وقال الترمذي: حسن صحيح. عن سَمُرَة بن جُنْدُب قال: «صلى بنا رسولُ الله ﷺ في كُسُوفٍ لا نسمع له صوتًا».
(ثُمَّ يَدْعُو حَتَّى تَنْجَلِي الشَّمْسُ) ولا يَخْطُب. (وقال مالك: يُذَكِّرُ الناس من غير خُطبة مرتبة. وقال الشافعي: يَخْطُب) (^٢) خُطبتين بعد الصلاة خلافًا لحديث عائشة (^٣) . ولنا: أنه ﷺ أمر بالصلاة حيث قال: «فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة (^٤)»، ولم يأمر بالخُطْبة. ولو كانت الخُطْبَة مشروعة لبيّنها ﵊. وخطبته ﵊ إنما كانت لرد قول من قال: إن الشمس كُسِفَت لموت إبراهيم ابن النبيّ ﷺ وقوله: ثم يدعو يقتضي تأخير الدعاء عن الصلاة، وهو السّنَّة لِمَا روى الترمذي في كتاب الدعوات، وحسَّنه عن أبي أُمَامَة قيل: «يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير، ودُبُرِ الصلاة المكتوبة».
(وإنْ لَمْ يَحْضُرْ) إمامُ الجمعة (صَلَّوا فُرَادَى) تحرزًا عن الفتنة، لأنها تقام بجمع
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٣) مَرَّ قريبًا فيما يرويه عنها أصحاب الكتب الستة.
(٤) مَرّ قريبًا من حديث عائشة ﵂، فيما يرويه عنها أصحاب الكتب الستة.
[ ١ / ٣٤٦ ]
كَالْخُسُوفِ.
والاسْتِسْقَاءُ دُعَاءٌ واسْتِغْفَارٌ مُسْتَقْبِلًا. وإنْ صَلُّوا فُرَادَى جَازَ
===
عظيم (كَالْخُسُوفِ) وهو نقصان ضوء القمر فإنهم يُصلُّون عند حصوله فُرَادى وهو قول مالك.
وقال الشَّافِعِيّ: يصلُّون فيه بجماعة. لنا: أن صلاته تكون في وقت يحصل بالتجميع فيه مشقّة، ولأنه لم يُنْقَلْ أنه ﵊ جمع له. وكذا يصلُّون فُرَادى عند حصول الضوء القوي بالليل، وعند انتشار الكواكب، وعند حصول الظُّلْمَة القوية بالنهار، وعند حصول الريح الشديدة، والزلازل، والصواعق، والثلج والمطر الدائمين، وعموم الأمراض، والخوف من العدو.
(والاسْتِسْقَاءُ دُعَاءٌ واسْتِغْفَارٌ مُسْتَقْبِلًا. وإنْ صَلَّوا فُرَادَى جَازَ). وهذا عند أبي حنيفة لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًَا﴾ (^١) ولِمَا في «الصحيحين» من حديث أنس: «أن رجلًا دخل المسجد في يوم الجُمُعَةِ ورسول الله قائمٌ يَخْطُب فقال: يا رسول الله ﷺ هلكت الأموال وانقطعت السُّبُل، فادْعُ الله يُغِيثُنَا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم أغِثْنَا، اللهمَّ أَغِثْنَا». وثبَتَ أيضًا أنَّ عمر اسْتَسْقَى ولم يُصَلِّ. وقال مالك: يُسَنُّ للاستسقاء ركعتانِ بِخُطْبَةٍ كالجمعة. وقال الشافعي: كالعيدين. وقال محمد: يجوز أن يصلي الإمامُ أو نائبُه ركعتين كما في الجمعة، ويَقْلِبُ رداءه دون القوم. وهو اختيار الطحاوي، وأبو يوسف مع محمد في رواية، ومع أبي حنيفة في أخرى.
لهم ما في الكتب الستة عن عَبْدُ الله بن زَيْدِ بن عَاصِم: «أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يَسْتَسْقِي بهم، فَصَلَّى بهم ركعتين، وحَوَّل رداءه ورفع يديه فدعا، واستسقى، واستقبل القبلة». متفق عليه. زاد البخاريّ، وأبو داود: «وجهر فيهما بالقراءة»، ولقول ابن عباس: «خرج رسول الله ﷺ مُتَبَذِّلًا (^٢) متواضعًا متضرّعًا حتى أتى المُصَلَّى، فلم يَخْطُب خطبتكم هذه. ولكن لم يزل في الدعاء والتَّضَرُّع والتكبير، وصلّى ركعتين كما يُصَلِّي في العيدين». رواه أصحاب «السنن» وصحّحه الترمذي.
قال بعض علمائنا: يخرج له الشيوخ والصبيان والضَّعَفَة ثلاثة أيام - ولم يُنْقَلُ أكثر منها - متواضعين متخاشعين في ثياب خَلَقَةٍ (^٣) غَسِيلَةٍ (^٤)، مشاةً يقدِّمون الصدقة
_________________
(١) سورة نوح، الآية: (١٠، ١١).
(٢) تَبَذَّل الرجل: ترك التَّزَيُّن والتَّجَمُّل ولبس الخَلَق من الثياب. المعجم الوسيط، ص ٤٥، مادة (بذل).
(٣) خَلَقَة: أي بالية. مختار الصحاح، مادة (خلق). ص: ٧٨.
(٤) غَسِيلة: أي مغسولة. المعجم الوسيط، ص: ٦٥٣، مادة (غسل) أي ليست موجودة.
[ ١ / ٣٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كل يوم بعد التوبة إلى الله تعالى. لكن في مكة وبيت المقدس يجتمعون في المسجد، ولا يخرجون إلى الصحراء. ثم لا يُسَنُّ تكبير الزوائد عندنا وعند مالك في الأصح. وقيل: يكبّر، وهو قول الشافعي. وجه الأصَحِّ قول أنس: «أن رسول الله ﷺ استسقى، فخطب قبل الصلاة واستقبل القبلة وحوَّل رداءه، ثم نزل فصلّى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة». رواه الطَّبَراني.
ووجه التكبير ما رواه الحاكم والطَّبَرانِي من حديث محمد بن عبد العزيز بن عُمَر بن عبد الرَّحْمن بن عَوْف، عن أبيه، عن طَلْحَة قال: «أرسلني مَرْوَان إلى ابن عباس أسأله عن سنّة الاستسقاء، فقال: سنّة الاستسقاء سنّة الصلاة في العيدين، إلا أنّ رسول الله ﷺ قَلَبَ رداءه فجعل يمينه على يساره، ويساره على يمينه، وصلّى ركعتين كَبَّرَ في الأُولَى سبع تكبيرات وقرأ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وقرأ في الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾، وكبَّر فيها خمس تكبيرات». وأُجِيبَ بأنه ضعيف لا يُعَارِضُ ما رَوَى أنس.
وقد تردَّد أبو يوسف في سُنِّيَّةِ الصلاة وعدمها. واتّفقا على جعل خطبته واحدة بعد الركعتين لقول أبي هريرة: «خرج رسول الله ﷺ يومًا يَسْتَسْقِي، فصلَّى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خَطَبَنَا ودعا الله وحوّل وجهه نحو القبلة رافعًا يديه، ثم قَلَبَ رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن». رواه ابن ماجه. ورواه أحمد عن عبد الله بن زَيْد ولفظه: «فبدأ بالصلاة قبل الخُطْبَة، ثم استقبل القبلة فدعا، فلما أراد أن يَدْعُوَ أقبل بوجهه إلى القبلة وحَوَّل رداءه».
ولقول عائشة ﵂: «شكى الناس إلى رسول الله ﷺ قُحُوطَ المطر. فأمر بمنبر فوُضِعَ له في المصلَّى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه. قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر وحَمِدَ الله ﷿ ثم قال.
إنكم شَكَوْتُم جَدْبَ دياركم واستئخار المطر عن زمانه عنكم، وقد أمركم الله سبحانه أنْ تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أَنت الغني ونحن الفقراء. أَنْزِل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين. ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبْطَيْهِ. ثم حوَّل إلى الناس
[ ١ / ٣٤٨ ]
ولا يَقلِبُ رِدَاءَهُ،
===
ظهره، وقَلَبَ أو حوَّل رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلّى ركعتين. فأنشأ الله سحابة فَرَعَدَتْ وبَرَقَتْ، ثم أمْطَرَت بإذن الله. فلم يأْت ﷺ مسجده حتى سالت السيول. فَلَمَّا رأى سرعتهم إلى الكِنِّ (^١) ضحك حتى بَدَتْ نواجذه. فقال: أشهد أنَّ الله على كل شيء قدير، وأنِّي عبد الله ورسوله». رواه أبو داود وقال: غريب وإسناده جيد. ورواه الحاكم في «المُسْتَدْرَك» وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وتُرَجَّحُ رواية تقديم الصلاة على الخطبة، لأنها عن مُشَاهَدَة بخلاف رواية تأخيرها. ورُوِيَ عنهما أنهما جعلا خطبتين بعد الصلاة إلحاقًا لها بالخطبة للجمعة.
(ولا يَقْلِبُ رِدَاءَهُ) أي لا يَقْلِبُ الإمام رداءه عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. والمَرْويّ كان تَفَاؤلًا لقول جابر: «وحَوَّل رداءه ليتحوَّل القَحْطُ». رواه الحاكم. ولقول أنس: «وقَلَبَ رداءه لكي يَنْقَلِبَ القَحْطُ». رواه الطَّبَرَانيّ. لأنه فعلٌ لأمر لا يرجع إلى معنى العبادة، كذا قال الشارح. وفيه: أن فعلَه ﵊ بقصد تحوُّل القحط عينُ العبادة لتميزه عن فعل العادة. لكن قد يُقال: إنَّ هذا خاص به، لأنه عُرِف بالوحي تَغَيُّرَ حال السماء عند قَلْبِ الرداء.
وعند محمد: أنَّ الإمام يَقْلِبُ رداءه بعد مُضِي صَدْر من خطبته لِمَا تقدَّم. وأما الناس فلا يقلبون أرديتهم عندنا. وقال مالك والشافعي: يقلبون. قال عبد الله بن زيد: «اسْتَسْقَى النبيّ ﷺ وعليه خَمِيصَة (^٢) سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فَلَمَّا ثَقُلَتْ قَلَبَها على عاتقه». زاد أحمد: «وحوّل الناس معه». قال الحاكم: على شرط مسلم. قالوا: ولم يُنْكِرْه ﷺ عليهم، فكان تقريرًا له. وأُجِيبَ: إنه إنما يَتِمُّ أنْ لَو عَلِمَ به. وهو ممنوع لِمَا روينا أنه إنما حَوّل بعد تحويل ظهره إليهم.
وينبغي أن يدعو الإمام بالدعوات المأثورة سرًّا أو جهرًا والناس قعود مستقبلي القِبْلة مُؤَمِّنِينَ على دعائه بنحو: «اللهم أغثنا (اللهم أغثنا) (^٣)، اللهم أغثنا سيِّبا (^٤) نافعًا،
_________________
(١) الكِنُّ: كُلُّ ما وقَى الحَرَّ والبرد من المساكن. الخطّابي بحاشية سنن أبي داود ١/ ٦٩٣.
(٢) الخميصة: هي ثَوْب خَزٍّ أو صوف مُعْلَم. النهاية: ٢/ ٨١، والمُعْلَم: اسم مفعول من أعلم، يقال أعلم الثوب: أي جمل له عَلَمًا من طِراز وغيره. المعجم الوسيط، ص: ٦٢٤، مادة (عَلِمَ).
(٣) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٤) السَّيْبُ: العطاء. المعجم الوسيط، ص: ٤٦٦، مادة (ساب).
[ ١ / ٣٤٩ ]
ولا يَحْضرُ ذِمِّيٌّ.
===
اللهم اسقنا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا (^١) نافعًا غير ضارٍ غَدَقًا (^٢) عاجلًا غير رائثٍ (^٣) وآجل، مُجَلِّلًا (^٤) سَحًَّا (^٥) عامًا طَبَقًا (^٦) دائمًا. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم إن بالبلاد والعباد والخلق من الَّلأْوَاء (^٧) والضَّنْك ما لا نشكو إلا إليك. اللهم أَنْبِتْ لنا الزرع، وأدِرَّ لنا الضَّرعِ، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض. اللهم إنّا نستغفرك إنَّك كنت غَفَّارًا فأَرْسِل السماء علينا مِدْرارًا».
فإذا مُطِرُوا قالوا: مُطِرْنا بفضل الله وبرحمته. وإذا زاد المطر حتى خِيف منه الضرر قالوا: «اللهم حَوَالَيْنَا ولا علينا، اللهم على الآكام (^٨) والظِّرَاب (^٩) وبطون الأودية ومنابت الشجر». وهذا دعاء النبي ﷺ في الجمعة الثانية حين قيل: «يا رسول الله ﷺ هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يُمْسِكُها عنا» (^١٠) .
(ولا يَحْضُرُ ذِمِّيٌّ) لأن خروجنا للدعاء وقد قال الله تعالى: ﴿وما دُعَاءُ الكافِرِينَ إِلاَّ في ضَلَالٍ﴾ (^١١) أي ضياع وخسار. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يؤمر أهل الذمة بالخروج ولا يمنعون منه ولا يُمَكَّنُون من الخروج يومًا وحدهم، لأن الاستسقاء لطلب الرزق، والله سبحانه يرزق المؤمن والكافر، وهم لو خرجوا يومًا وحدهم وحصل في ذلك اليوم غيث لحصلت الفتنة.
_________________
(١) مَرِيعًا: في المطبوع سريعًا. والمثبت من المخطوط. وهو يروى على وجهين بالياء والباء، فمن رواه بالياء جعله من المراعة وهو الخصب، يقال منه أمرع المكان إذا أخصب، ومن رواه مُرْبِعًا بالباء كان معناه منبتًا للربيع. الخَطَّابي في حاشية سنن أبي داود ١/ ٦٩١.
(٢) الغَدَقُ: الكثير، مختار الصحاح ٤ ص: ١٩٦، مادة (غدق).
(٣) الرَّيث: البُطْء. المعجم الوسيط، ص: ٣٨٥، مادة (ريث).
(٤) مُجَلِّلًا: أي يُجَلِّلُ - يُغَطي - الأرض بمائه، أو بنباته. النهاية: ١/ ٢٨٩.
(٥) سَحَّ المطر والماءُ، يَسُحُّ سَحًّا: سال من فوق واشتدَّ انصبابه. تارج العروس من جواهر القاموس ٦/ ٤٥٧، مادة (سح).
(٦) طَبَقًا: أي مالئًا للأرض مُغَطِّيًا. النهاية: ٣/ ١١٣.
(٧) اللأْواء: الشدة، مختار الصحاح، ص: ٢٤٥، مادة (لأْي).
(٨) الآكام: جمع الأكم وهو الرابية. النهاية: ١/ ٥٩.
(٩) الظِّرَاب: الجبال الصِّغار. النهاية: ٣/ ١٥٦.
(١٠) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٦١٢ - ٦١٣، كتاب صلاة الاستسقاء (٩)، باب الدعاء في الاستسقاء (٢)، رقم (٨ - ٨٩٧).
(١١) سورة غافر، الآية: (٥٠).
[ ١ / ٣٥٠ ]