المُسَافِرُ مَنْ فَارَقَ بُيُوتَ بَلَدِهِ
===
فقضاهن». وأسقط القضاء مالك والشافعي بالإغماء وقت صلاة واحدة، لأنه عَجْزٌ مانعٌ عن فهم الخطاب فَيُنَافي الوجوب إذا استوعب وقت صلاة. كالجنون في رواية. (وإنْ زَادَ سَاعَةً) أو زمانًا (لَا) يقضي، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنه إذا قَصُرَ يُعْتَبَرُ بما يَقْصُرُ عادة كالنوم، فلا يُسْقِطُ القضاء، وإذا طال اعْتُبِرَ بما يطول عادة كالصِّبَا فَيُسْقِطُ. وقال محمد: يقضي إلاَّ أنْ يزيد على اليوم والليلة وقت صلاة، لأن الكَثْرة بالدخول في حد التكرار وهو ست صلوات.
ولو زال عقله بخمر يلزمه القضاء وإن طال، ولو زال ببنج أو دواء فكذا عند أبي حنيفة، لأن سقوط القضاء عُرِفَ بالأَثر في آفة سماوية، ولا يُقَاس عليه ما حصل بفعله. وعند محمد يسقط القضاء، لأن عقله زال بمباح ابتداء، فصار كما لو زال بمرض. ثم يقضي فائتة المرض في زمن الصحة كاملة، لأن تحصيل الركن فرض وإنما سقط عند الأداء للعذر. ويقضي فائتة الصحة في المرض بحسب القدرة الباقية، ولو بالإيماء. إذ التكليف يعتمد الوسع، فيكلف فيه على القضاء كما يكلف على الأداء.
فصلٌ في صَلَاةِ المُسَافِرِ
السفر لغة: قَطْعُ المسافة. وليس كلُّ قطع تتغيَّر به الأحكام، فبيَّن ما يتغيّر به فقال: (المُسَافِرُ) الشرعيّ الذي يلزمه القَصْر، ويُبَاح له الفِطْر، ويجوز له المسح ثلاثة أيام ولياليها على الخف، وسقط عنه الجُمُعَة، والعيدان والأضْحِيَة (مَنْ فَارَقَ بُيُوتَ بَلَدِهِ) أي البلد الذي هو فيها. وفارق القرية المتصلة بِرُبْضِها (^١) على الصحيح، لِمَا روى مسلم وأبو داودٍ عن أنس قال: «صلّيت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحُلَيْفة (^٢) ركعتين». وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن أبي حَرْب بن أبي الأَسْوَد الدُّؤَلي: «أن عليًّا ﵁ لَمَّا خرج من البصْرَة صلّى الظهر أربعًا ثم قال: لو جاوزنا هذا الخُصَّ قصرنا». والخُصُّ بالضم: البيت من القصب، أو البيت
_________________
(١) الرُّبْض: أساس البناء. النهاية: ٢/ ١٨٥.
(٢) ذو الحُلَيْفَة: ماءٌ من مياه بني جُشَمَ، ثم سُمِّيَ به الموضع، وهو ميقات أهل المدينة نحو مرحلة عنها، ويقال على ستة أميال. المصباح المنير ص: ١٤٦، مادة (حلف).
[ ١ / ٣٨٨ ]
قَاصِدًا مَسَافَة ثلاثَةِ أَيامٍ ولَيَالِيهَا،
===
يُسْقَفُ بالخشب. ويُعْتَبَرُ مفارقة الجانب الذي خرج منه، حتى لو فارق البيوت من جانب خرج منه، ومن جانب آخر بيوت لم يفارقها قصر.
(قَاصِدًا مَسَافَة ثلَاثَةِ أَيامٍ ولَيَالِيهَا) الأيام للمشي، والليالي للاستراحة كذا في «شرح الطحاوي»، أو بالعكس، أو بالبعض لأنه في معناه. قَيَّدَ بقصد المسافة، لأنه لو لم يقصد مسافة، بل سار لطلب الآبق أو غريم ونحوهما لا يقصر. وقَيَّدَ المسافة بثلاثة أيام، لأنها لو كانت أقل من ذلك لا يقصر. وهذه رواية «الأصول». وروى ابن سَمَاعَة عن أبي يوسف، ومحمد: التقدير بيومين وأكثر الثالث. وهو رواية الحسن، عن أبي حنيفة. وقال مالك وأحمد - وهو قول للشافعي ـ: أربعة بُرْد (^١)، والبَرِيدُ أربعة فراسخ (^٢) . وعن الشافعيّ قول آخر: أنه يوم وليلة، وهو رواية عن مالك. وعنهما تقديره بثمانية وأربعين ميلًا، وعن الشافعي تقديره بستَّةٍ وأربعين ميلًا، وعن مالك بخمسة وأربعين ميلًا.
وجه هذه الأقوال حديث مُجَاهد: «سألت ابن عمر عن أدنى مدة السفر فقال: تَعْرِفُ السُّوَيداء؟ قلت: قد سمعت بها، قال: كنّا إذا خرجنا إليها قصرنا». وهو موضع بينه وبين المدينة ستّة وأربعون ميلًا. وقيل: ثمانية وأربعون. وقيل: عشرون فَرْسَخًا. والميل ثلث الفَرْسَخ. ولنا قوله ﷺ «لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليها إلا ومعها زوجها أو ذو رَحِمٍ مَحْرَم منها». معناه ثلاثة أيام. وكلمة «فوق» صلة مثل: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ (^٣) .
وقد روى أحمد، والشيخان، وأبو داود، عن ابن عمر مرفوعًا: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلاَّ مع ذي رَحِمٍ مَحْرَم». وهي لا تُمنع من الخروج لغير السفر بدون المَحْرَم. كذا ذكره بعضهم، وفيه: أنها تُمنع بدون المَحْرَم ولو لم يكن بهذه المسافة لقوله ﷺ «لا تسافر المرأة بَرِيدًا إلاَّ ومعها مَحْرَم يَحرُمُ عليها». رواه أبو داود، والحاكم في «مستدركه»، عن أَبي هريرة. وفي رواية لأحمد، والشيخين، عن ابن عباس مرفوعًا: «لا تسافر المرأة إلاَّ مع ذي رَحِمٍ مَحْرَم، ولا يدخل عليها رجل إلاَّ ومعها مَحْرَم».
_________________
(١) البُرُدُ: جمع البَرِيدُ وهي مسافة قدرها ٤ فراسخ - ١٢ ميلًا= ٢٢١٧٩ مترًا. معجم لغة الفقهاء ص ١٠٧.
(٢) الفَرْسَخُ: مقياس مقداره ثلاثة أميال = ٥٥٢٤ مترًا. معجم لغة الفقهاء ص: ٣٤٣. بتصرف.
(٣) سورة الأنفال، الآية: (١٢).
[ ١ / ٣٨٩ ]
بِسَيرٍ وَسَطٍ، وهُوَ ما سَارَ الإِبلُ والرَّاجِلُ، وفي البَحْرِ مَا سَارَ الفُلْكُ إذَا اعْتَدَلَ الرِّيحُ.
===
فأوْلَى ما اسْتُدِلَّ به عليه قوله ﷺ «يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» (^١) . فهو تنصيص على أن مدة السفر لا تنقص عَمَّا يمكن استيفاء هذه الرخصة فيها، لذكر المسافر مُحَلَّى بالألف واللام، فاسْتَغْرَق الجنس لعدم المعهود كما هو في المقيم كذلك.
فاقتضى تمكن كل مسافر من مسح ثلاثة أيام ولياليها، ولا يُتَصَوَّرُ أن يمسح كل مسافر ثلاثة أيام ولياليها إلاَّ وأن يكون أقل مدة السفر ثلاثة أيام ولياليها. إذ لو كان أقل من ذلك لخرج بعض المسافرين عن استيفاء هذه الرخصة. والزيادة عليها منتفية إجماعًا، فكان الاحتياج إلى إثبات أنّ الثلاثة أقل مدة السفر. ولأن الرخصة كانت منتفية بيقين، فلا تثبت إلاَّ بتيقنِ ما هو سفر شرعي، وذا فيما عيَّنَّاه إذ لم يقل أحد بأكثر منه.
لكن قد يُقَال: المراد بمسح المسافر ثلاثة أيام إذاكان سفره يستوعبها فصاعدًا، إلاَّ أنه احتمال يخالفه الظاهر، فلا يُصَار إليه، فإن قيل: هذا إنما يتم لو كان ثلاثة أيام ظرفًا ليمسح، وهو ممنوع، بل هو ظرف للمسافر. أجيب بأنه ظرف ليمسح، كما أن يومًا وليلة ظرف له، لأن الكلام على نسق واحد. وأيضًا لا يفهم منه حينئذ مدة المسح للمسافر، ولا حكم المسافر الذي يسافر أقل من الثلاثة.
واختار أكثر المشايخ تقدير أقل مدة السفر بالأميال، ثم اختلفوا فيه فقيل: يقدر بثلاثة وستين ميلًا، وقيل: يُفْتَى بأربعة وخمسين ميلًا. لأنها أوسط الأعداد المذكورة. ذكره في «المحيط».
وقيل: بخمسة وأربعين ميلًا. إمَّا بناءً على ما مر من حديث مجاهد، وإمَّا لأن كل من قَدَّرَه بقَدْرٍ فيها أعتقد أنه مسيرة ثلاثة أيام.
(بِسَيْرٍ وَسَطٍ) أي متوسط معتدل (وهُوَ) في البر (ما سَارَ الإِبلُ والرَّاجِلُ) أي الماشي، وذلك لأن أعجل السير سير البَرِيد، وأبطأه سير العَجَلَة، وخير الأمور أوسطها. (وفي البَحْرِ مَا سَارَ الفُلْكُ) أي السفينة (إذَا اعْتَدَلَ الرِّيحُ) بحيث لم تكن عاصفة ولا هاوية. قال الحاكم الشهيد في «جامعه الصغير»: الفتوى على ذلك. وذكر في «العُيُون» عن أبي حنيفة: أنه يُعْتَبَرُ مسيرة ثلاثة أيام في البر، وإن أسرع في السير وسارها في
_________________
(١) أخرجه النسائي في سننه ١/ ٩١، كتاب الطهارة (١)، باب التوقيت في المسح على الخفين (٩٩)، رقم (١٢٩).
[ ١ / ٣٩٠ ]
وما يَلِيقُ بالجَبَلِ، فَيقْصُرُ الرُّبَاعِيَّ
===
يومين أو أقل. (وما يَلِيقُ بالجَبَلِ) إذا كان السير فيه.
(فَيَقْصُرُ) الفرض (الرُّبَاعِيَّ) وفرضه فيه ركعتان، وهو قول البغداديين من المالكية. وقال الشافعي، وأحمد، وبه قال مالك في وجه: فرضه الأربع، ورُخِّصَ له القصر رخصة تَرْفِيهٍ، والإتمام أفضل كالصوم لقوله تعالى: (﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ (^١) ولِمَا في مسلم عن يَعْلَى بن أُمَيَّة قال: «قلت لعمر بن الخطاب ﵁) (^٢) ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمِنَ الناس فقال: عَجِبْتُ مما عَجِبْتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: صَدَقةٌ تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته».
ولنا ما في «الصحيحين» عن عائشة قالت: «فُرِضَتْ الصلاة ركعتين ركعتين، فَأُقِرَّت صلاة السفر وَزِيدَتْ في الحَضَرِ». وفي لفظ البخاري: «فُرِضَتْ الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبيّ ﷺ ففرضت أربعًا، وتُرِكَتْ صلاة السفر على الفريضة الأُولى». وفي «صحيح مسلم» (^٣) عن ابن عباس قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة». أي مع كل طائفة، وهذا رفع منه. وفي لفظ الطَّبَرَانِي: «افترض رسول الله ﷺ ركعتين في السفر، كما افترض في الحضر أربعًا».
وفي النَّسائي، وابن ماجه، عن ابن أبي ليلى عن عمر قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمامٌ غير قصر على لسان محمد». وفي البخاري عن ابن عمر: «صَحِبْتُ رسول الله ﷺ في السفر ولم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصَحِبْتُ عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^٤)» وهو مُعَارِضٌ للمروي عن عثمان أنه كان يُتِمُّ.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: (١٠١).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٣) في المخطوط: الصحيح. والمثبت من المطبوع وهو الصواب لوجود الحديث في صحيح مسلم ١/ ٤٧٩، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٦)، باب صلاة المسافرين وقصرها (١)، رقم (٥ - ٦٨٧).
(٤) سورة الممتحنة، الآية: (٦).
[ ١ / ٣٩١ ]
إلى أنْ يَدْخُلَ بَلَدَهُ، أوْ يَنْوِي إِقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ بِبَلْدَةٍ أوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ،
===
والتوفيق أن إتمامه المَرْوِيَّ كان حين أقام بمِنىً أيام مِنىً. ولا شك أنه حكم منسحب على إقامة أيام مِنىً، فشاع إطلاق أنه أتمّ في السفر. ثم كان ذلك منه بعد مضي صدر من خلافته، لأنه تأهَّلَ بمكة، على ما رواه أحمد: «أنه صلّى بمنىً أربع ركعات، فأنكر الناس عليه فقال: أيها الناس، إنِّي تَأَهَّلْتُ بمكّة منذ قَدِمْتُ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من تأَهَّلَ في بلد فليصلِّ صلاة المقيم».
والحاصل أن القصر رُخْصَةُ إسقاطٍ، فهي رخصة مجازية، ولذا سمّاه في النص صدقة، ورَفْعَ الجُنَاح في الآية لدفع توهّم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحَضَر، وذلك مَظِنّة وَهْمِ النقصان، فدَفَعَ ذلك عنهم.
ثم لا قصر في السنن لأن القصر للتخفيف على المسافر، والتخفيف يُحْتَاجُ إليه في الفرائض لأنها لازمة. كذا في «المحيط». وروى البخاري من حديث حَفْص بن عَاصِم قال: «سافر ابن عمر فقال: صَحِبْتُ النبيّ ﷺ فلم أره يسبِّح في السفر وقد قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. انتهى. ومعنى يسبح: يتطوّع بالصلاة. وقيل: يأتي بالسنن إذا كان في المنزل، ويتركها إذا كان في الارتحال».
فيقصر الفرض الرُّبَاعِي (إلى أنْ يَدْخُلَ بَلَدَهُ) الذي فارق بيوته وإن لم ينو الإقامة، لأنه ﷺ وأصحابه الكرام كانوا يسافرون ويعودون إلى أوطانهم مقيمين من غير عزم جديد. وهذا إن أكمل في ذهابه ثلاثة أيام. وأمَّا إن لم يُكْمِلْها، فيُتِمّ بمجرد رجوعه، لأنه نقض السفر قبل استحكامه. روى عبد الرزاق في «مصنفه» قال عليّ بن رَبِيعَة الأَسدي: «خرجنا مع عليّ ﵁ ونحن ننظر إلى الكوفة فصلّى ركعتين، ثم رجعنا فصلّى ركعتين - وهو ينظر إلى القرية - فقلنا له: ألا تصلّي أربعًا؟ فقال: لا حتى ندخلها».
(أوْ يَنْوِي إِقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ بِبَلْدَةٍ أوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ) أي لا في مفازة (^١) من غير ساكنيها، لأن الإقامة لا تعتبر إلاَّ في موضع صالح لها، وغير البلدة والقرية لا يصلح للإقامة إلاَّ لأهل الأخْبِيَة (^٢) كما سيأتي. وهذا إذا سار ثلاثة أيام فصاعدًا، وأمَّا إذا سار
_________________
(١) المفازة: الصحراء. المعجم الوسيط: ص: ٧٠٦، مادة (فاز).
(٢) الأخبية: جمع الخِبَاء وهو الخيمة كما سيأتي معناها من كلام الشارح قريبًا.
[ ١ / ٣٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
دونها فيتم إذا نوى إقامة نصف شهر ولو في المفازة. وإنما قيد البلدة أو القرية بكونها واحدة، لأن نية الإقامة في بلدتين أو قريتين أو بلدة وقرية لا تصح، فلا تصح نيّة الإقامة بمكة ومنى لفقد نيّة الإقامة كَمَلًا (^١) إلاَّ إذا نوى قبل الدخول الإقامة في أحدهما ليلًا، وفي الآخر نهارًا، فحينئذٍ يصير مقيمًا بالدخول فيما نوى الإقامة فيه ليلًا، لأن إقامة المرء مضافة إلى بيته.
وقال مالك والشافعي: إذ نوى المسافر إقامة أربعة أيام يتم. وقال أحمد: إذا نوى أكثر من إحدى وعشرين صلاة يتم. لِمَا رُوِيَ عن عثمان ﵁ أنه قال: «من أقام أربعًا أتمّ». وعن سعيد بن المُسَيَّب: «من أجمع على إقامة أربع أتمّ».
ولنا قول ابن عباس، وابن عمر ﵃: «إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تَظْعَن (^٢) فاقصرها». رواه الطحاوي. وما روى محمد بن الحسن في كتاب «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة ﵀: حدّثنا موسى بن مسلم، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: «إذا كنت مسافرًا فَوَطَّنْتَ نفسك على إقامة خمسة عشر يومًا فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري فاقصر». وما روى محمد بن الحسن في «موطَّئه»: عن ابن عباس أنه قال: إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا أتَمَّ الصلاة»، وروى مثلَه عن سعيد بن جُبَيْر، وسعيد بن المُسَيَّب. وما روى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن مُجَاهد: أن ابن عمر كان إذا جَمَعَ على إقامة خمسة عشر يومًا أتمَّ الصلاة. وقال الترمذي في كتابه (^٣): رُوِيَ عن ابن عمر أنه قال: «من أقام خمسة عشر يومًا أتم الصلاة». والأثر في مثله كالخبر، لأنه لا مدخل للرأي في المُقَدَّرات الشرعية.
ويَرُدُّ أثرَهما (^٤) ما في الكتب الستّة عن أنس قال: «خرجنا مع النبيّ ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلّي ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. قيل: كم أقمتم بمكة؟ قال: أقمنا بها عشرًا». فإن قيل: يحتمل أنهم كانوا يَعْزِمُونَ على السفر كل يوم.
أُجيب بأن هذا الحديث في حجّة الوداع كما صَرَّحَ به المُنْذِري، فلا بد أنهم
_________________
(١) كَمَلًا: أي كاملًا. القاموس المحيط ص ١٣٦٢، مادة: (كمل).
(٢) ظعن: سار وارتحل. المعجم الوسيط ص: ٥٧٦، مادة (ظعن).
(٣) سنن الترمذي ٢/ ٤٣٢، كتاب الجمعة (٤)، باب ما جاء في كم تقصر الصلاة (٢٧٢)، رقم: (٥٤٨).
(٤) أي ما احتج به مالك والشافعي.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وبِصَحْرَاءِ دَارِنَا وهُوَ خِبَائِيّ، لا بِدَارِ الحَرْبِ، أوْ أَهْلِ البغْيِ مُحَاصِرًا،
===
قصدوا إقامة أكثر من أربعة أيام لأجل النُّسُك، فإنه ﷺ دخل مكة يوم الأحد صُبْحَ رابعة من ذي الحِجَّة، وبات بالمُحَصَّب (^١) ليلة الأربعاء بعد أيام منىً، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة ﵂ من التَّنْعِيمِ (^٢)، ثم طاف ﷺ طواف الوداع سَحَرًا قبل الصبح من يوم الأربعاء، وخرج صبيحته - وهو الرابع عشر - فتمت له عشر ليال.
نعم، يتأتى هذا الاحتمال في إقامته ﷺ عام الفتح تسعة عشر يومًا فيما روى البُخَاري من حديث ابن عباس: «أنّ رسول الله ﷺ أقام بمكة تسعة عشر يومًا يَقْصُرُ الصلاة». وقد صَرَّحَ في بعض الطرق: «أقام بمكة عام الفتح». قال المُنْذِري: حديث أنس يُخْبِرُ عن مُقَامه ﷺ في حجّة الوداع، وحديث ابن عباس يُخْبِرُ عن مُقَامِه في عام الفتح. وفي «الغاية»: عن العلماء في مدة الإقامة للمسافر ثمانية عشر قولًا.
(وبِصَحْرَاءِ دَارِنَا) عطف على «بلدة»، أي ويَقْصُرُ إلى أن ينوي الإقامة بصحراء دار الإسلام، (وهُوَ خِبَائِيّ) أي والحال أنه من أهل الخِبَاء وهي بكسر الخاء: الخيمة. والمراد أهل البادية كالأعراب والأتراك، لأن الصحراء موضع إقامتهم. وقيل: لا يَصح إقامتهم أبدًا، لأن حالهم يخالف عزيمتهم. فإن إقامتهم للكلأْ فإذا لم يبق انزعجوا (^٣) . وأُجِيبَ بأنهم مقيمون، لأن الإقامة للمرء أصل والسفر عارض، فلا يبطل بالانتقال من مَرْعى إلى مَرْعى.
(لا بِدَارِ الحَرْبِ) عطف على قوله: بصحراء دارنا، فإنه جعلَ نيّةَ الإقامة في صحراء دارنا غايةً للقصر، وحكم الغاية مخالف لحكم المُغَيَّا، فيكون حكمه عدم القصر. ثم قوله: لا بدار الحرب، نفي لذلك النفي، فيكون حكمه القصر. فالمعنى يقصر الرُّباعي عَسْكَرٌ نوى إقامة نصف الشهر بدار الحرب، سواء كان مُحَاصِرًا لهم أو لم يكن.
(أوْ) بدار (أَهْلِ البَغْيِ) حال كون العسكر (مُحَاصِرًا) للبغاة: وهم المسلمون الذين خرجوا على الإمام، لأن العسكر في دار الحرب ودار البغاة متردد بين الفرار والقرار، فتصير نية الإقامة فيه كنيتها في المفازة والجزيرة، فلا يقطع قصر الصلاة.
_________________
(١) المُحَصَّب: موضع بمكة على طريق مِنىً ويُسمَّى البطحاء. المصباح المنير ص: ١٣٨، مادة (حصب).
(٢) التَّنْعِيم: موضع قريب من مكة، وهو أقرب أطراف الحِلِّ إِلى مكة، ويُقَال بينه وبين مكة أربعة أميال، ويُعْرف بمساجد عائشة ﵂. المصباح المنير ص: ٦١٤، مادة (نعم).
(٣) أزْعَجْتُه عن موضعه: أَزَلْتُه عنه. المصباح المنير ص: ٢٥٣، مادة (زعج).
[ ١ / ٣٩٤ ]
كَمَنْ طَالَ مُكْثُه بِلا نِيَّة، فَلَوْ أَتَمَّ وقَعَدَ الأوْلَى، تَمَّ فَرْضُه وأَسَاءَ، ومَا زَادَ نَفْلٌ. وإنْ لَمْ يَقْعُدْ بَطَلَ فَرْضُهُ.
===
ولهذا قالوا من دخل بلدًا لقضاء حاجة، ونوى إقامة خمسة عشر يومًا، لا يصير مقيمًا، لأنه إن قضى حاجته قبل ذلك خرج منها. فقد روى أبو داود - بإسناد قال النووي: إنه على شرط البخاري ومسلم - عن جابر: «أن النبيّ ﷺ أقام بتبوك عشرين يومًا يَقْصُرُ الصلاة».
(كَمَنْ طَالَ مُكْثُه بِلَا نِيَّةٍ) أي كما يقصر من طال مُكْثَه في بلد أو قرية ولا نيّة له. لِمَا روى البيهقي في «المعرفة» - بسند قال النووي: إنه على شرط الشيخين - أن ابن عمر ﵄ قال: «ارْتَجَّ علينا الثلج ونحن بأذْرَبِيجَان ستة أشهر في غَزَاةٍ، فكنا نقصر». ارْتَجَّ بالمثناة والجيم من الارتجاج أي أَغْلَقَ. وفيه: «أنه كان مع غيره من الصحابة يفعلون ذلك». ورَوَى في «المعرفة» عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة قال: «كنّا مع سعد بن أبي وقَّاص في قرية من قُرَى الشام أربعين ليلة، فكنّا نصلّي أربعًا، وكان يصلّي ركعتين». وعن أنس أيضًا: «أنّ أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برَامَهُرْمُزَ تسعة أشهر يَقْصُرُون الصلاة». قال النووي: رواه البيهقي بإسناد صحيح.
وعن أنس أيضًا: «أنه أقام بالشام مع عبد الملك شهرين يصلي صلاة مسافر». قال النووي: رواه البيهقي، بإسناد صحيح. وعن ابن عباس: «أقام النبيّ ﷺ أربعين يومًا يصلّي ركعتين». رواه البيهقي. وإسناده ضعيف. وروى عبد الرَّزَّاق، عن الحسن قال: «كنّا مع عبد الرَّحْمن بن سَمُرَة ببعض بلاد فارس سنتين، فكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين. وروى أبو داود عن جابر قال: «أقام ﷺ بتبوك عشرين يومًا يَقْصُرُ الصلاة».
ويُعتبر التَّبَعُ كالعبد والمرأة والجندي مسافرًا ومقيمًا بنية المَتْبُوع بشرط علم التابع في الأصح، حتى لو لم يعلم بنية إقامته إلاَّ بعد أيام فإن صلاته في تلك الأيام جائزة لتوقف الخطاب بالحكم على العلم به. ورُوِيَ عن بعض أصحابنا: أنه عليه الإعادة، إذ الحكم في التبع يثبت بشرط علم الأصل.
(فَلَوْ أَتَمَّ) المسافر (وقَعَدَ) القعْدَة (الأُوْلَى تَمَّ فَرْضُه وأَسَاءَ) لتأخيره السلام عن وقته، إن كان الإتمام قصدًا لشبهة عدم قبول صدقة الله تعالى. (ومَا زَادَ نَفْلٌ) وصار كما لو صلى الفجر أربعًا وقَعَدَ على رأس الركعتين (وإنْ لَمْ يَقْعُدْ بَطَلَ فَرْضُهُ) لتركه القعْدة التي هي فرض. وهذا إذا لم ينوِ الإِقامة في القَوْمَةِ الثالثة، وأمَّا إذا نواها فإنه يصير مقيمًا، وينقلب فرضه أربعًا. وترك المقيم القعْدَة الأولى لا يبطل فرضه، لأنها حينئذٍ
[ ١ / ٣٩٥ ]
مُسَافِرٌ أَمَّهُ مُقِيمٌ في الوَقْتِ يُتِمُّ، وبَعْدَهُ لا يَؤُمُّهُ. وَلَوْ أَمًّهُ بَطَلَ اقْتِدَاؤُهُ، وفي عَكْسِهِ أَتَمَّ المُقِيمُ وقَصَرَ المُسَافِرُ، قَائِلًا نَدْبًا: أَتِمُّوا صَلاتكُمْ فَإِنِّي مُسَافِرٌ.
===
واجبة، وقيل: سنة.
(مُسَافِرٌ أَمَّهُ مُقِيمٌ في الوَقْتِ يُتِمُّ) لأن فرضه يصير أربعًا تَبَعًا لإمامه، حتى لا يضره عدم جلوس إمامه على رأس الأُولَيَيْنِ لالتزامه التبعية. لِمَا روى مالك في «الموطأ»: عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان يصلي وراء الإمام أربعًا، فإذا صلَّى بنفسه صلّى ركعتين».
(وبَعْدَهُ) أي بعد الوقت (لا يَؤُمُّهُ) أي لا يَؤُمُّ المقيم المسافر. (وَلَوْ أَمَّهُ بَطَلَ اقْتِدَاؤُهُ) لأنَّ فرض المسافر لا يتغير بعد الوقت لانفصال سببه - وهو الوقت - كما لا يتغير بعده بنيّة إقامته، فلا يصح اقتداؤه به، لأنه يؤدي إلى اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعْدة، إن اقتدى به في الشَّفْعِ الأَول، وفي حقِّ القراءة إن اقتدى به في الشَّفْعِ الثاني، إذ هي فيه نفل للمقيم.
(وفي عَكْسِهِ) وهو مقيم أمَّهُ مسافر (أَتَمَّ المُقِيمُ) سواء أَمَّه في وقتها أو فائتة، لأن القعْدَة الأولى فرض في حق المسافر غير فرض في حق المقيم، واقتداء غير المفترض بالمفترض جائز. وإذا سلَّم المسافر أتَمَّ المقيم منفردًا لأنه التزم الموافقة في الركعتين، فصار كالمسبوق في التزام بعض الصلاة مع الإمام وأداء باقيها منفردًا، فيقرأ. وقيل: لا يقرأ لأنه لاحق أدرك أول الصلاة.
(وقَصَرَ) الإمام (المُسَافِرُ) أي وجوبًا (قَائِلًا نَدْبًا) لدفع تَوَهُّم أنه سهى: (أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنِّي مُسَافِرٌ) لِمَا روى أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح، عن عِمْرَانَ بن حُصَيْن قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلِّي إلاَّ ركعتين يقول: يا أهل مكة: صلُّوا أربعًا فإنّا سَفْرٌ». بفتح فسكون، جمع سافر - كصَحْبٍ وصاحب - أي مسافرون. ورواه أبو داود، والطَّيالِسِي ولفظه: «ما سافرت مع رسول الله ﷺ سفرًا قط إلاَّ صلى ركعتين حتى يرجع. وشهدت معه حُنَيْنًا والطائف، فكان يصلّي ركعتين، ثم حججت معه واعتمرت فصلّى ركعتين، ثم قال: يا أهل مكة: أَتمّوا صلاتكم فإنَّا قوم سَفْرٌ». وهكذا أَخْبَرنا عن أبي بكر، وعمر ﵄ وقال: «وقد حججت مع عثمان ﵁ سبع سنين من إمارته، فكان لا يصلّي إلاَّ ركعتين، ثم صلى بمنىً أربعًا».
وخلاصة الكلام: أنه يستحب الإعلام بعد السلام للإتمام لاحتمال أن يكون
[ ١ / ٣٩٦ ]
ويُبْطِلُ الوَطَنَ الأَصْلِيَّ مِثْلُهُ، لا السَّفَرُ، ووَطَنَ الإِقَامَةِ
===
خلفه من لا يعرف حاله، ولا تَيَسَّرَ له الاجتماع به قبل ذهابه، فيحكم حينئذٍ بفساد صلاة نفسه بناء على ظن إقامته، ثم إفسادها بسلامه على ركعتين. وهذا محمل ما في «الفتاوى»: إذا اقتدى بإمام لا يدري أمسافر هو أم مقيم، لا يصح، لأن العلم بحال الإمام شرط الأداء بجماعة، لا أنه شرط في الابتداء لِمَا في «المَبْسُوط»: رجل صلَّى بقوم الظهر ركعتين في قرية وهم لا يدرون أمسافر هو أم مقيم، فصلاتهم فاسدة، سواء كانوا مقيمين أو مسافرين، لأن الظاهر من حال مَنْ في موضع الإقامة أنه مقيم، والبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه. فإن سألوه فأخبرهم أنه مسافر جازت صلاتهم.
وإنما كان قول الإمام مستحبًا لعدم تعيُّنه مُعَرِّفًا صحةَ صلاته لهم، فإنه ينبغي أن يُتِمُّوا ثم يسألوه فتحصل المعرفة. ثم من غريب المقام: أن الإمام أبا حنيفة صلّى بقوم في المسجد الحرام، فَلَمَّا انصرف قال: أَتِمُّوا صلاتكم فإني مسافر. فقال بعض المقتدين به من سفهاء مكة: نحن أعلم منك يا عراقي. (فقال أبو حنيفة: لو كنتَ أعلمَ مني لَمَا تكلّمتَ خلال صلاتك) (^١) .
(ويُبْطِلُ الوَطَنَ الأَصْلِيَّ) مفعول مقدم، وهي البلدة أو القرية التي وُلِدَ بها أو تَأَهَّلَ فيها - أعني توطن بها - بأن نَوَى كونه فيها إلى آخر عمره. فالمعنى جعل نفسه من أهل تلك القرية، سواء تَزَوَّجَ فيها أم لا (مِثْلُهُ) أَلَا ترى أن رسول الله ﷺ بعد الهجرة عَدَّ نفسه بمكة من المسافرين؟ وقال: «أَتمّوا صلاتكم فإني مسافر». فيُبْطِله مثله، سواء كان بينهما مدة السفر أو لم يكن، حتى لو عاد إلى الأول وبينهما مدة السفر، لا يصير مقيمًا إلاَّ بنية الإقامة، لأن الشيء يبطل بمثله كما يبطل بأقوى منه. فإنّ وطن الإقامة يبطل بالوطن الأصليّ. وهذا إذا لم يبق له في الوطن الأول أهل - أي تَعَلُّق - من زوج، أو ولد، أو زراعة، أو نحوها. وأما إن كان له فيه أهل فإنه لا يبطل، وبأيهما دخل يتم الصلاة من غير نيّة الإقامة.
(لا السَّفَرُ) بالرفع أي لا يُبطل الوطنَ الأصليّ السفُر. بل بمجرد دخول المسافر إلى وطنه الأصليّ يصير مقيمًا، ولا يفتقر إلى نيّة الإقامة.
(ووَطَنَ الإِقَامَةِ) منصوب عطف على الوطن الأصليّ أي ويبطل وطن الإقامة وهو البلدة أو القرية التي ليس للمسافر فيها أهل ونوى أن يقيم فيها خمسة عشر يومًا
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
[ ١ / ٣٩٧ ]
مِثْلُهُ والسَّفَرُ وَالأَصْلِيُّ، والسَّفَرُ وضِدُّهُ لا يُغَيِّرَانِ الفَائِتَةَ. وسَفَرُ المَعْصِيَةِ كَغَيْرِهِ في الرُّخَص.
===
فصاعدًا (مِثْلُهُ) لأنَّ الشيء يُرتفض بمثله. (والسَّفَرُ) لأنه ضد الإقامة فلا تبقى معه، (وَ) الوطن (الأَصْلِيُّ) لأنه أقوى من وطن الإقامة.
(والسَّفَرُ وضِدُّهُ لا يُغَيِّرَانِ الفَائِتَةَ) عندنا وبه قال مالك. حتى لو قضى المسافر حَضَرِيّة قضاها أربعًا، ولو قضى المقيم سَفَرِيّة قضاها ثنتين، لأن القضاء على حسب الأداء. وإنما يقضي المريض بالإيماء ما فاته في الصحة بالركوع والسجود لئلا يلزم تكليف ما ليس في الوسع، ويقضي الصحيح بالركوع والسجود ما فاته في المرض بالإيماء، لأن الرخصة للعجز، ولا تبقى بدونه.
وقال الشافعيّ في الجديد: يقضيها أربعًا، لأن القصر رخصة للمسافر وهو حال قضائها لم يبق مسافرًا، فلا يَقْصُرُ. قلنا: الواجب على المسافر في الوقت ركعتان، وبالفوات استقرتا في ذمته فلا يتغيران بالإقامة لوجوب القضاء بالسبب الذي يجب الأداء به، فيحكيه كالعكس وهو عدم تغير فائتة الحَضَر إذا قُضِيت في السفر اتفاقًا لِمَا قدَّمنا.
ثم يُعْتَبَرُ في السفر والإقامة، وكذا في الحيض والطهر منه، والبلوغ والإسلام، آخر الوقت، هو قدر التحريمة، وقد قررنا طرفًا منه في باب الحيض وتمامه في الأصول. ويباح السفر يوم الجمعة قبل الزوال وبعده. أمّا بعد الزوال فظاهر، وأما قبله فَلِمَا رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: «بعث النبيّ ﷺ عبد الله بن رَوَاحَة في سَرِيّة فوافق ذلك يوم الجمعة فغدا أصحابه وقال: أتخلف فَأُصَلِّي مع رسول الله ﷺ ثم ألحقهم، فلمَّا صلى معه ﷺ رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك. فقال: أردت أن أصلّي معك ثم ألحقهم. فقال: لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم». أخرجه الترمذي.
(وسَفَرُ المَعْصِيَةِ) كالإباقِ والنشوز (^١) وقطع الطريق (كَغَيْرِهِ) أي كسفر الطاعة من الحج والعُمْرَة والتجارة. (في الرُّخَص).
ومذهب مالك: أنَّ العاصي لا يَتَرَخَّصُ. ومذهب الشافعي: أنه إن أنشأ السفر وهو عاصٍ لا يَتَرَخَّصُ قولًا واحدًا، وإن طرأ العصيان في سفره فوجهان.
ولنا أنَّ النصوص المقتضية للقصر والإفطار وغير ذلك من الرُّخَصِ كقوله تعالى:
_________________
(١) النُّشُوز: نشزت المرأة من زوجها، عصت زوجها وامتنعت عليه، ونشز الرجل من امرأته: تركها وجفاها. المصباح المنير، ص: ٦٠٥، مادة (نشز).
[ ١ / ٣٩٨ ]