وكُرِهَ كُلُّ هَيئَةٍ فيها تَرْكُ خُشُوعٍ، والتَّخَصُّرُ،
===
وإن فُعِل بيدين كحل السراويل ولُبْسِ القَلَنْسُوَة ونزعها ونزع اللِّجَام (^١) (أو) ما (يَسْتَكْثِرُه المُصَلِّي) أي يعده كثيرًا. وهذا أقرب الأقوال إلى دأب أبي حنيفة، فإن من دَأْبِهِ أنْ يُفَوِّض مثل هذا إلى رأي المُصَلِّي.
(أو) ما (يَظُنُّ النَّاظِرُ) من بعيد (أنَّ عَامِلَهُ غَيْرُ مُصَلَ) روى ذلك البَلْخِيّ عن أصحابنا. وفي «المحيط»: وهو الأحسن. قيل: وعليه العامة. وقيل: الثلاث المتواليات في ركن كثير، وما دونه قليل. فلو حكَّ ثلاثًا في ركن، يَرْفَعُ يده في كل مرة فسدت صلاته. و«أوْ» في كلام المصنف للتنويع لا للشك والتخيير.
(فصل في مَكْرُوهاتِ الصَّلَاةِ)
(وكُرِهَ كُلُ هَيْئَةٍ فيها تَرْكُ خُشُوعٍ) لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ هم فِي صَلاتِهِم خَاشِعُون﴾ (^٢)، ولقوله ﷺ «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» رواه الحاكم والترمذي عن أبي هريرة ﵁. فَيُكْره العبث بالثوب، أو بالجسد، أو بالشعر، كتشبيك الأصابع وفرقعتها أي وغمزها أو مدها حتى تُصَوِّت. لقوله ﷺ «لا تُفَرْقِع أصابعك، وأنت في الصلاة». رواه ابن ماجه عن الحارث، عن عليّ ﵁، لكنَّه معلولٌ بالحارث. وأما قول صاحب «الهداية»: لقوله ﷺ «إن الله كَرِهَ لكم ثلاثًا». ذكر منها: «العبث في الصلاة». فغير معروف، نعم روى إسماعيل بن عَيَّاش، عن عبد الله بن دِينَار مرفوعًا: «إن الله كَرِهَ لكم: العبثَ في الصلاة، والرَّفَثَ في الصيام، والضَّحِكَ في المقابر». أخرجه أبو عثمان عُمْرُو بن بَحْر في كتاب «البَيَان والتَّبْيِين» (^٣) . لكن قال الذهبي: هو من منكرات إسماعيل بن عيَّاش.
(و) يُكْرَه (التَّخَصُّرُ) أي وضع اليد على الخَاصِرة. وقيل: التوكّؤ على المِخْصَرَة وهي: العصا. وقيل: أنْ لا يُتِمَّ الركوع والسجود. وذلك لقول أبي هريرة: «نهى
_________________
(١) اللِّجَام: الحديدة في فم الفرس. المعجم الوسيط ص: ٨١٦، مادة (أَلْجَم).
(٢) سورة المؤمنون، الآية: (٢).
(٣) هذا الاسم الذي اشتهر به الكتاب، وقد رجع عن هذه التسمية الأستاذ عبد السلام هارون ﵀ وأثبت أن اسمه الصواب: "البيان والتَّبَيُّن". انظر "قطوف أدبية" ص ٩٧. واستفدنا هذه الفائدة من تعليق الأستاذ الفاضل محمد عوّامة على "الكاشف" ١/ ١٦٨.
[ ١ / ٣٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رسول الله ﷺ أنْ يُصَلِّي الرَّجل مُخْتَصِرًا». وفي لفظ: «نهى عن الاخْتِصَار في الصلاة». أخرجه الجماعة سوى ابن ماجه. وزاد ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»: قال ابن سيرين: «وهو أنْ يضع الرجلُ يده على خاصرته». وفي رواية: «الاختصار راحة أهلِ النار» (^١) . وأخرج أبو داود عن زِيَاد بن صُبَيْح الحَنَفِيّ قال: «صلّيت إلى جَنْب ابن عمر ﵄، فوضعت يديّ على خاصرتي، فلمَّا صلّى قال: هذا الصَّلْب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه».
ويكره الالتفات بالعُنقِ بحيث لا يتحول الصدر، حتى لو تحول بطلت. لقول عائشة ﵂: «سألت رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة، فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». رواه البخاري. ولقول أنس ﵁: قال لي رسول الله ﷺ «إياك والالتفاتَ في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هَلَكَة، فإنْ كان ولا بُدّ، ففي التطوّع لا في الفريضة». رواه الترمذي وصححه. ولقوله ﷺ «إياكم والالتفات في الصلاة، فإن أحدكم يُنَاجي ربّه ما دام في الصلاة». رواه الطّبَرَاني. ولقوله ﷺ «لا يزال الله مُقْبِلًا على العبد وهو في صلاته ما لم يَلتَفِت، فإذا صَرَف وجهه انصرف عنه». رواه أبو داود والنَّسائي. وفي الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما.
ولو لم يلتفت بعنقه، ولَحَظ بمؤخر عينه، لا يُكْرَه، «لأن النبيّ ﷺ كان يَلْحَظ في الصلاة يمينًا وشمالًا، ولا يَلْوِي عنقه خلف ظهره». رواه الترمذي والنَّسائي وغيرهما عن ابن عباس.
وروى أبو داود عن سَهْل بن الحَنْظَلِيَّة قال: «ثُوَّبَ (^٢) بالصلاة - يعني الصبح - فجعل رسول الله ﷺ يُصَلِّي وهو ينظر إلى الشِّعْبِ. قال: وكان أرسل فارسًا إلى الشِّعْبِ من أجل الحرس». قال النووي: إسناده صحيح. وأما قول صاحب «الهداية»: لأنه ﷺ كان يُلَاحِظ أصحابه في صلاته بِمُؤْقِ عينه (^٣) . فغير معروف.
ويُكْرَه التَّمَطِّي - وهو التمدُّد والتثاؤب - فإن غلبه التثاؤب وضع كُمّه، أو ظاهر يده على فِيهِ لقوله ﷺ «إن الله يحب العُطَاس ويَكْرَه التثاؤب، فإذا تثاءب أحدكم
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٨٧، كتاب الصلاة، باب كراهية التخصر في الصلاة. وفيه زيادة "الاختصار في الصلاة … ".
(٢) ثَوَّب بالصلاة: أي دعا إلى إقامتها. المعجم الوسيط، ص: ١٠٢، مادة (ثَوّب).
(٣) مُؤق عينه: هو طرفها الذي يلي الأنف. المعجم الوسيط، ص: ٢٧، مادة (أمْق).
[ ١ / ٣٠٦ ]
وقَلْبُ الحَصَى لِيَسْجُدَ، إلَّا مَرَّةً
===
فَلْيَرُدَّه ما استطاع، ولا يقول: هاه، هاه، فإن ذلك من الشيطان يضحك منه» (^١) . وفي رواية: «إذا تثاءب أحدكم فَلْيُمْسِك يده على فمه، فإن الشيطان يدخل في فيهِ» (^٢) . ويُكرَه تغميض العينين في الصلاة، ورفعهما إلى السماء لقوله ﷺ «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، لَيَنْتَهِيَنَّ أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم» (^٣) . ويُكرَه الشروع فيها مع مُدَافعة الخبث، فإن شغله قَطَعَ الصلاة. وإن مضى عليه أجزأته وأساء. ويُكْرَه التَّرَوُّحُ بالكُمِّ، وتفسد بالمِرْوَحَة على الصحيح.
ويُكْرَه الإقعاء وهو عند الطَّحاويّ: أن يقعد على أَلْيَتيه، ويَنْصِبَ فَخِذَيه، ويضم ركبتيه إلى صدره، ويضع يديه على الأرض. وعند الكرْخِيّ: أنْ ينصب قدميه، ويقعد على عقبيه، ويضع يديه على الأرض. والأول أصح تفسيرًا، لأنه يُشْبِه إقعاء الكلب. لقول أبي هريرة: «نهاني رسول الله ﷺ عن نَقْرَةٍ كنَقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب». رواه أحمد في «مسنده». ولقول عائشة: «كان - تعني النبيّ ﷺ ينهى عن عُقْبَة الشيطان، وأنْ يَفْتَرِش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُع». رواه البخاري، وعُقْبَة الشيطان: الإقعاء. ولقول أنس: قال لي النبيّ ﷺ «إذا رفعت رأسك من السجود، فلا تُقْعِ كما يُقْعِي الكلب، ضع ألْيَتَيك بين قدميك، والْزِق ظهر قدميك بالأرض». رواه ابن ماجه.
ويكره التَّرَبُّع بلا عذر، لأن فيه ترك سنة القعود فيها. وأما خارجها، فليس بمكروه لأن جُلَّ قعود النبيّ ﷺ مع أصحابه كان التربع، وكذا عمر ﵁. ويُكْرَه التراوح (^٤) بين القدمين في الصلاة إلاَّ بعذر. وكذا التمايل على يمناه مرة، وعلى يسراه أخرى. ويُكْرَه أن يُصَلِّي وفي فِيهِ دراهم ونحوها، وإن كان لا يمنعه عن القراءة.
(و) كُرِهَ (قَلْبُ الحَصَى) أي تسويته (لِيَسْجُدَ) عليه (إلاَّ مَرَّةً) لِمَا في البخاري
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه ٥/ ٨٠، كتاب الأدب (٤١)، باب ما جاء إن الله يحب العطاس .. (٧)، رقم (٢٧٤٧) بلفظ قريب.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٩٣، كتاب الزهد والرقائق (٥٣)، باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب (٩)، رقم (٢٩٩٥).
(٣) صحيح البخاري (فتح الباري) ٢/ ٢٣٢، كتاب الأذان (١٠)، باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة (٩٢) (رقم (٧٥٠).
(٤) التراوح: الاعتماد على إحدى القدمين مرة على الأخرى مرة، ليوصل الراحة إلى كل منها. النهاية: ٢/ ٢٧٤، بتصرف.
[ ١ / ٣٠٧ ]
ومَسْحُ جَبْهَتهِ مِنَ التُّرابِ فِيهَا، والسُّجُودُ على كُوْرِ عِمَامَتِهِ، وَافْتِرَاشُ ذِرَاعَيهِ، وعَقْصُ شَعْرِهِ،
===
من حديث مُعَيْقِيب: «أن رسول الله ﷺ قال في الرجل يُسَوِّي التراب حيث يسجد: إنْ كنت فاعلًا فواحدة». ولقول جابر بن عبد الله: «سألت النبيّ ﷺ عن كل شيء، حتى سألته عن مسح الحصى فقال: واحدة، ولأن تمسك عنها خير لك من مئة ناقة، كلها سُود الحِدَق» ولقول أبي ذر: «سألت النبيّ ﷺ حتى سألته عن مسح الحصى فقال: واحدة، أو دَعْ» رواه أحمد في «مسنده»، وعبد الرزاق، وابن أبي شَيْبَة في «مصنفيهما». ولقوله ﷺ «لا يَمْسَحِ الحصى، فإنَّ الرحمة تواجهه». رواه أصحاب «السنن».
(و) كُرِه (مَسْحُ جَبْهَتهِ مِنَ التُّرابِ فِيهَا) أي في الصلاة. وأمَّا بعد الفراغ منها، فلا يُكْرَه، بل يُسْتَحَبُّ كتمانًا للعبادة، أو خوفًا من الرياء والسمعة. (و) كُرِهَ (السُّجُودُ على كَوْرِ عِمَامَتِهِ) أي دَوْرِها. وكذا ما في معناها من كل جزء ثوب متصل بالمصلي كالذَّيْل والكُم، لِمَا روى مسلم من حديث أنس، قال: «كنّا نُصَلِّي مع رسول الله ﷺ في شدّة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّن جبهته من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه». ولِمَا روى الحافظ أبو القاسم تَمَّام في «فوائده»: عن ابن عمر: «أنّ النبيّ ﷺ كان يسجد على كَوْر العِمَامة». وهو إما محمول على الضرورة، وإما على بيان الجواز، لأنه ﷺ لا يُلازم على فعل المُكْروه. وروى ابن أبي شَيْبَة، عن ابن عباس ﵁: ««أنه صلّى في ثوب واحد، يَتَّقِي بفُضُوله حرّ الأرض وبردها».
(وَ) كُرِهَ (افْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ) لما في «الصحيحين» من حديث عائشةَ ﵂: «وكان ﵊ ينهى أنْ يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُعِ، وعن عُقْبَة الشيطان». والعُقْبة: بضم فسكون أنْ يفترش قدميه ويجلس بألْيَتَيْه على عَقِبيه. ولقول أبي ذَرّ: «نهاني خليلي عن ثلاث: أنْ أنقر نقر الديك، وأنْ أُقْعِي إقعاء الكلب، وأنْ أفْتَرِش افتراش السَّبُع». رواه أبو داود. وروى الإمام أبو حنيفة في «مسنده» عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهاني رسول الله ﷺ عن ثلاث: عن نَقْرَة كنَقْرَة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب». وقد روى البيهقي: النهي عن الإقعاء، عن جماعة من الصحابة، عن النبيّ ﷺ
(و) كُرِهَ (عَقْصُ شَعْرِهِ) وهو أن يشد ضفيرته حول رأسه، كما يفعله النساء، أو
[ ١ / ٣٠٨ ]
وسَدْلُ الثَّوْبِ وكَفُّهُ،
===
يجمع شعره، فيعقده في مؤخر رأسه. وإنما كُرِه لِمَا روى مسلم عن كُرَيْب مولى ابن عباس: «أنَّ ابن عباس رأى عبد الله بن الحارث يُصَلِّي ورأسه مَعْقُوص من ورائه. قال: فجعل يحله، فلما انصرف، أقبل على ابن عباس وقال: ما لك ورأسي؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما مَثَلُ هذا مثل الذي يُصَلِّي وهو مكتوف». وفي «شرح مسلم»: قال العلماء: والحكمة في النهي عنه، أنَّ الشعر يسجد معه، ولهذا مثَّله بالذي يصلي وهو مكتوف. ولقول علي ﵁: قال رسول الله ﷺ «لا تَعْقِص شعرك في الصلاة، فإنه كِفْل الشيطان» (^١) . رواه عبد الرزاق. وعن أبي رافع قال: «نهى النبيّ ﷺ أن يُصَلِّيَ الرجل ورأسه معقوص»، رواه أحمد وابن ماجه. وفي الباب أحاديث في «الصحيحين» وغيرهما.
(و) كُرِه (سَدْلُ الثَّوْبِ) وهو أنْ يُرْسِلَه من غير أن يضم جانبه. (و) كُرِهَ (كَفُّهُ) أي تشميره لِمَا روى أبو داود عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: «أُمِرتُ أنْ أسجد». وفي رواية: «أُمِر نبيكم أن يسجد على سبعة أعظم، ولا يَكُفُّ شعرًا ولا ثوبًا».
ومن المكروهات تغطية أنفه وفمه، لقول أبي هريرة: «أنه نهى رسول الله ﷺ عن السدل، وأن يغطي الرجل فَاه». رواه أبو داود، والحاكم وصححه. وأخرجه الترمذي مقتصرًا على الفصل الأول. وأخرج ابن ماجه الفصل الثاني. وكان من عادة العرب التَّلَثُّم بالعمائم على الأفواه، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك في الصلاة، إلا أن يَعْرِضَ للمصلي تثاؤب فيغطي فمه عند ذلك، للحديث الذي جاء فيه.
ويُكْرَه الشروع فيها بحَضْرَة طعام يميل طبعه إليه، لقوله ﷺ «لا صلاة بحَضْرَة الطعام، ولا وهو يدافعه الأَخْبَثَانِ». رواه مسلم. وأما ما في أبي داود: «ولا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره». فمحمول على تأخيرها عن وقتها لصريح قوله ﵊: «إذا وُضِعَ عَشاء أحدكم، وأُقِيمَت الصلاة، فابدؤا بالعَشاء ولا يَعْجَلْ حتى يَفْرُغ عنه». رواه الشيخان، وفي رواية: «إذا قُدِّمَ العَشَاء فابدؤا به قبل أنْ تُصلُّوا صلاة المغرب، ولا تَعْجَلُوا عن عشائكم».
وكذا تكره مع مدافعة الأَخْبَثَين لِمَا قدّمنا، ولقوله ﷺ «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُصَلِّي وهو حَاقِن حتى يتخفف». رواه أبو داود. ولقوله ﵊: «إذا أراد أحدكم الغائط، وأقيمت الصلاة فليبدأ به». رواه ابن ماجه،
_________________
(١) الكِفْل: الحَظُّ والنَّصيب. النهاية: ٤/ ١٩٢.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وتَخْصِيصُ الإِمَامِ بِمَكَانٍ، لا إن قَامَ في المَسْجِد وسَجَدَ في الطَّاقِ.
والقِيَامُ خَلْفَ صَفٍّ وُجِدَ فِيهِ فُرْجَةٌ،
===
وفي رواية «الموطأ»، والنَّسائي: «إذا أراد أحدكم الغائط، فليبدأ قبل الصلاة».
ويُكْرَه سبق المأموم للإمام لقوله ﵊: «لا تُبَادِرُوني بالركوع والسجود» (عن معاوية) (^١) رواه أبو داود، (والجماعة) (^٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أما يَخْشَى، أو أَلَا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه والإمام ساجد، أن يُحَوِّل الله رأسه رأس حمار، أو صورته صورة حمار». ثم هذا فيما وُجِدَت المشاركة مع الإمام. وأما إذا لم تُوجد أصلًا تفسد صلاته، كما ذكره العَيْنِيّ في «شرح التُّحْفَة».
(و) كُرِه (تَخْصِيصُ الإِمَامِ بِمَكَانٍ) بأن يكون وحده على مكان مرتفع، والقوم تحته. وقُدِّرَ بقامة الرجل، وقيل: بذراع، وقيل: بما يقع به الامتياز. وذلك لِمَا روى أبو داود: «أنَّ عمَّار بن ياسر أمَّ الناس بالمدائن، وهو على مكان مرتفع والناس أسفل منه، فتقدم حُذَيْفَة ﵁ إليه، وأخذ بيده فاتَّبَعَه عَمَّار حتى أنزله حُذَيْفَة، فَلَمَّا فَرَغَ عمَّار من صلاته قال له حُذَيْفَة: ألم تسمع رسول الله ﷺ قال: إذا أم الرجل القوم، فلا يقم في مكان أرفع من مكانهم؟ قال عمَّار: ولذلك اتَّبَعْتُك حين أخذت بيدي». وفي ظاهر الرواية: يُكْرَه عكسه أيضًا. وروى الطَّحَاوي: عدم الكراهة.
وإنما قال: تخصيص الإمام، لأنه لو كان مع الإمام بعض القوم، لا يُكرَه على الصحيح. وكذا يُكْرَه أنْ يكون الإمام وحده قائمًا في المحراب، لأن ذلك يشبه فعل أهل الكتاب حيث يَخُصُّون إمامهم بمكان على حدة. (لا إن قَامَ في المَسْجِد وسَجَدَ في الطَّاقِ) أي المحراب، فإنه لا يُكْره، لفوت التشبه بأهل الكتاب.
(و) كُرِه (القِيَامُ خَلْفَ صَفَ وُجِدَ فِيهِ فُرْجَةٌ) قال أحمد، والنَّخَعِي، والحَسَنُ بن صالح: لا تصح الصلاة. واختاره ابن المُنْذِر، لِمَا روى أبو داود، والترمذي وحسنه عن وَابِصَة بن مَعْبدَ: «أن النبيّ ﷺ رأى رجلًا يصلّي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة». واستدل الجمهور بقول النبيّ ﷺ لأبي بَكْرَة حين كبَّر وحده ثم التحق بالصف: «زَادَك الله حرصًا ولا تعد» (^٣)، ولم يأمره بالإعادة. وقالوا: والأمر بالإعادة في
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط، والصواب إثباته، لموافقته لما في سنن أبي داود ١/ ٤١١، كتاب الصلاة (٢)، باب ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام (٧٤)، رقم (٦١٩).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط والصواب إثباته.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ٢/ ٢٦٧، كتاب الأذان (١٠)، باب إِذا ركع دون الصف (١١٤)، رقم (٧٨٣).
[ ١ / ٣١٠ ]
وصُورَةُ حَيَوَانٍ في ثَوْبهِ ومَسجَدِهِ وجِهَتِهِ، غَيْرَ خَلْفُ وتَحْتُ، لا إنْ صَغُرَتْ جِدًّا، أو مُحِيَ رَأْسُهَا.
===
الحديث الآخر أَمْرُ نَدْب، فكرهت الصلاة.
(وصُورَةُ حَيَوَانٍ في ثَوْبِهِ ومَسجَدِهِ) بفتح الجيم أي في موضع سجوده (وجِهَتِهِ) أي أو في جهاته السِّت. (غَيْرَ خَلْفُ وتَحْتُ) مبنيان على الضم لقطعهما عن الإضافة كقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ من قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ﴾ (^١) أي خلفه أو تحته، لأن الكراهة لِعِلَّةِ التَّشَبُّه بعبادة الصورة، وذلك في غير ما لو كانت خلفه أو تحته. وقيد بالحيوان، لأن صورة الجماد والشجر في الثوب والمسجد لا يُكْره، وفي «الجامع»: إنْ كانت الصورة في موضع القيام والجلوس لا يُكْرَه، لأنه استهانة بها. وكذلك الصورة على الوِسَادة، إنْ كانت قائمة يُكرَه لأنه تعظيم لها، وإنْ كانت مفروشة لا يُكْره.
(لا إنْ صَغُرَتْ) صورة الحيوان (جِدًّا) بحيث لا تبدو للناظر على بُعْد إلا بَعْد تأمل ما. وكان على خاتم أبي هريرة ذبابتان. وعلى خاتم دانيال ﵇ صورة أسد ولَبُؤَة وبينهما صَبِيّ يَلْحَسَانِهِ. كلما نظر إليهما أغَرّ ورقت عيناه، وذلك أن بُخْتَ نَصَّر قيل له: يولد مولود يكون هلاكك على يده، فجعل يقتل من يولد. فَلمَّا ولدت دانيال أُمُّهُ ألقته في غَيْضَة (^٢) رجاء أن يَسْلَم، فقَيَّض الله له أسدًا يحفظه، ولَبُؤةَ تُرْضِعُه وهما يَلْحَسَانه. فأراد بهذا النَّقْشِ أنْ يحفظ مِنَّة الله عليه.
وكان لابن عباس كانون (^٣) محفوف بصور صغار.
(أو مُحِيَ رَأْسُهَا) لأَنَّ الحيوان الصغير والممحو الرأس، لم يُعْبَدَا من دون الله. والكراهة بعلة العبادة. وروى البخاريّ عن عائشة ﵂ «أنها اتّخذت على سُهْوَة لها ستر فيه تماثيل فهتكه النبيّ ﷺ قالت: فاتّخذت منه نُمْرُقَتَيْن فكانتا في البيت يجلس عليهما». زاد أحمد: «فلقد رأيته مُتَّكِئأ على إحداهما وفيها صورة». وروى النَّسائي، وابن حِبَّان عن أبي هريرة ﵁: أنه قال: «استأذن جبرائيل على النبيّ ﷺ فقال: ادخل. فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ إمَّا أن تقطع رأسها أو تُجْعَل بساطًا يوطأ، فإنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير». وفي لفظ ابن حِبَّان: «إنْ كنت لا بد فاعلًا فاقطع رؤوسها، أو اقطعها وسائد». أي اجعلها بساطًا.
_________________
(١) سورة الروم، الآية: (٤).
(٢) غَيْضَة: هي الشجر الملتفّ. النهاية: ٣/ ٤٠٢.
(٣) كانون: المَوْقِد. المعجم الوسيط ص: ٨٠١.
[ ١ / ٣١١ ]
وفي ثِيَاب البِذْلَةِ، وحَسْرُ رَأْسِهِ إلَّا تَذَلُّلًا، وعَدُّ ما يَقْرَأُ، وغَلْقُ بَابِ المَسْجِدِ،
===
والسُّهوة: بالضم كالصُّفَّة تكون بين البيوت. والنُّمْرُقة: وسادة صغيرة، ومنه قوله تعالى: ﴿ونَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ (^١) . والوسائد جمع وسادة وهو ما يتوسد به كالمِخَدَّة. ولحديث جبرائيل ﵇: «إنَّا لا ندخل بيتًا فيه كلب أو صورة». فالمراد بالملائكة في هذا الحديث ملائكة الوحي، أو ملائكة الرحمة. وأمّا الحفظة فلا يفارقون إلاَّ عند الخلاء وخلوة الرجل بأهله.
(و) كرهت الصلاة (في ثِيَاب البِذْلَةِ) بكسر الموحدة، أي ما يُمْتَهَنُ من الثياب. ويسمى ثوب الخدمة، وقيل: ما يُلْبَسُ في البيت ولا يُذْهَبُ به إلى الكُبَرَاء. ويستحب للرجل أن يصلي في ثلاثة أثواب: قميصٌ، وإزارٌ، وعِمَامةٌ. والمرأة أن تصلي في قميص وخمار ومِقْنَعَة (^٢) .
(و) كُرِهَ للمُصَلِّي (حَسْرُ رَأْسِهِ) أي كشفه لِمَا في ذلك من ترك الوقار (إلاَّ تَذَلُّلًا) لِمَا فيه من الخشوع والانكسار.
(و) كُرِهَ (عَدُّ ما يَقْرَأُ) من الآيات والسور والتسبيحات بالأصابع أو بِسُبْحَة يُمسكها بيده، لأن ذلك ليس من عمل الصلاة. وأمَّا عَدُّه بقلبه، أو بضم أنامله في موضعها فلا يُكْرَه. ولو عَدَّ بلسانه تفسد اتفاقًا. أمَّا عَدُّ التسبيح خارج الصلاة فلا يُكْره بل يُسْتَحَبُّ. لِمَا ورد: «أنه ﵊ كان يَعْقِدُ بالأنامل». ولِمَا ورد من التسبيح ونحوه ثلاثًا وثلاثين، وهو لا يُمْكِنُ بدون العَدِّ، إمّا باليد أو بالسُّبْحَة ونحوها من النَّواة والحصى كما ورد عن بعض الصحابيات. وقد قال الجُنَيْد: السُّبْحَة سوط الشيطان. وقيل: هو بدعة لقول بعض السلف: نُذْنِبُ ولا نحصي، ونسبح ونحصي
(و) كُرِهَ (غَلْقُ بَابِ المَسْجِدِ) في غير أوان الصلاة، لأنه يُشْبِه منع الصلاة وهو حرام. قال تعالى: ﴿ومَنْ أَظلم مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أنْ يُذْكَرَ فيها اسْمُه﴾ (^٣) وقال النبيّ ﷺ «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أو صلَّى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار» (^٤) . وقيل: لا بأس في زماننا صيانة لِمَا في المسجد من الأمتعة.
_________________
(١) سورة الغاشية، الآية: (١٥).
(٢) مِقْنَعة: ما تغطي به المرأَة رأسها. المعجم الوسيط ص: ٧٦٣، مادة (قنع).
(٣) سورة البقرة، الآية: (١١٤).
(٤) أخرجه النسائي في سننه ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩، كتاب الصلاة (٦٤)، باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة (٤١)، رقم (٥٨٤).
[ ١ / ٣١٢ ]
والوَطْئُ والحَدَثُ فَوْقَهُ، لا فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ، ولا تَزْيِينُهُ،
===
(و) كُرِهَ كراهة التحريم (الوَطْاءُ) أي الجماع (والحَدَثُ) أي ما يخرج من السبيلين عمدًا من البول والغائط والمنيّ والمَذْي (^١)، كذا قاله الشارح. والأظهر أنْ يُقَال: ما يجعله متنجسًا، ليشمل القيء والدم ونحوهما، وليخرج الريح والنوم وأمثالهما. (فَوْقَهُ) لأن علو المسجد له حكمه. ولهذا صح الاقتداء منه بمن في المسجد، ولم يبطل الاعتكاف بالصعود إليه. وفي معنى السطح، فوق جدار المسجد.
(لا) يكرهان (فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ) أي موضع أُعِدَّ للصلاةِ، لأنه لا يأخذ حكم المسجد. ولهذا لا يصح الاعتكاف فيه إلاَّ للنساء. والتقييد بالفوق للمشاكلة، وإلاّ فهما لا يُكْرَهَان في البيت الذي فيه مسجد، فكيف فوقه. بل الظاهر أنهما لا يُكْرَهان في مسجد البيت أيضًا، فإنه ليس بمسجد حتى جاز بيعه. فلم يكن له حرمة المسجد كما في «الكافي». وفي «الخُلَاصة»: يُنْدَبُ لكل مسلم أن يتخذ مسجدًا في بيته يصلي فيه النوافل والسنن، لكن ليس له حكم المسجد.