يَجْهَرُ الإِمامُ في الجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والفَجْرِ، وأُولَيَي العِشَاءَيْنِ أَداءً وَقَضَاءً
===
(والمُؤْتَمُّ يَنْوِي إمَامَهُ في جَانِبِهِ) أي يمينًا كان أو يسارًا (وفِيهِمَا إنْ حَاذَاهُ) لأن المحاذي ذو حظٍ من الجانبين. وهو قول محمد وروايةٌ عن أبي حنيفة. واقتصر أبو يوسف على نيته في التسليمة الأولى فقط.
(والمُنْفَرِدُ) يَنْوِي (المَلَكَ فَقَطْ) لأنه ليس معه غيره. وقيل: الإمام لا يَنْوِي مطلقًا لأنه يُشِيرُ إليهم ويَجْهَرُ بهما وهو فوق النية. ثم يُسَلِّمُ المأموم مع إمامه ويُحْرِم معه عند أبي حنيفة تحقيقًا للمُتَابعَة. وقالا: يُسَلِّمُ معه ويُحْرِمُ بعد إمامه. ولا دلالة في قوله ﷺ «إذا كبَّر فَكبِّروا» (^١) والخلاف في الجواز. وعن أبي حنيفة: يُسَلِّمُ المأموم بعد إمامه ويُحْرِمُ معه. ووجه الفَرْقِ أنّ الإحرام: شروع في العبادة: والسلام خروج عنها. ويُسْتَحَبُّ المبادرة في الأول دون الثاني.
فصلٌ (فيما يَجْهَرُ به الإِمَامُ)
(يَجْهَرُ الإِمامُ) وجوبًا (في الجُمُعَةِ والعِيدَيْنِ) أي في صلاتهما. لِمَا رواه الجماعة إلا البُخَارِيّ من حديث النُّعْمَان بن بَشِير: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يَقْرَأُ في العيدين ويوم الجمعة بـ: ﴿سَبِّحْ اسم ربك الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾». وقال النَّوَوِي: أجمع المسلمون على كونها رَكْعَتين يُجْهَرُ فيها. (والفَجْرِ) لما روى أبو داود عن ابن عامر: «كنت أقود برسول الله ﷺ ناقة في السفر، فقال: ألا أُعَلِّمُكَ خير سورتين قُرِئَتَا، فَعَلَّمَنِي: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. قال: فلم يَرَنِي سُرِرْتُ بهما جدًا فَلَمَّا نزل لصلاة الصبح صلّى بهما».
(وأولَيَي العِشَاءَيْنِ) لِمَا روى البخاريّ عن جُبَيْر بن مُطْعِمٍ قال: «سمعت رسول الله ﷺ قرأ بالمغرب بـ: «الطور» - أي بسورة الطور - كلها أو بعضها». ولِمَا رُوِيَ أيضًا عن البراء قال: «سمعت رسول الله ﷺ يَقْرَأُ بـ: ﴿التين والزيتون﴾ في العشاء، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه». وهذا كله مجمع عليه. وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة.
(أَداءً) قَيْدٌ لِمَا قبلها من الصلوات الثلاث (وَقَضَاءً) لِمَا رَوَى مالك في «المُوَطَّأ»
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ٢/ ٢١٦، كتاب الأذان (١٠)، باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة (٨٢)، رقم (٧٣٣).
[ ١ / ٢٧٠ ]
لا غَيْرَ.
===
عن زيد بن أَسْلَم قال: «عَرَّسَ (^١) رسول الله ﷺ ليلةً بطريق مكة، فذكر نومهم وقيامهم وصلاتهم. وأنه ﷺ قال: «يا أيُّها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردها. فإذا رَقَد أحدكم عن الصلاة أو نَسِيَها، ثم فَزِعَ (^٢) عليها فَلْيُصَلِّها كما كان يُصَلِّيها في وقتها». ورَوَى محمد بن الحَسَنِ في كتابه «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِي قال: «عَرَّسَ رسول الله ﷺ فقال: من يَحْرُسُنا الليلة؟ فقال رجل شاب من الأنصار: أنا يا رسول الله أحْرُسُكُم فَحَرَسَهُم، حتى إذا كانوا في الصبح غَلَبَتْهُ عينه فما استيقظوا إلا بحَرِّ الشمس، فقام رسول الله ﷺ فَتَوَضَّأَ وتَوَضَّأَ أصحابه. وأمر المُؤَذِنَ فأَذَّن، وصَلَّى ركعتين، ثُمَّ أُقِيمَت الصلاة فصلّى الفجر بأصحابه، وَجَهَرَ فيها بالقراءة كما كان يصلي بها في وقتها». وروى مسلم عن أبي قَتَادَة في قصة نومهم من صلاة الفجر قال: «ثم أذَّنَ بلال بالصلاة فصلّى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلّى الغُدْوَة (^٣)، فصنع كما كان يصنع كل يوم».
(لا غَيْرَ) أي لا يَجْهَرُ الإمام في الظهر والعصر وثالثة المغرب وأُخْرَيَي العشاء. لما رَوَى البخاري من حديث مَعْمَر قال: «قلنا لخَبَّاب بن الأَرَتّ: هل كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بمَ كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته». وتقدم أنه كان يُسْمِعُنا الآية والآيتين أحيانًا. ورَوَى عبد الرَّزَّاقِ في «مصنفه» عن مُجَاهِد وأبي عُبَيْدَة: أنهما قالا: «صلاة النَّهار عَجْماء». أي: لا قراءة مسموعة فيها. قال صاحب «الهداية» ويُخْفِيها الإمام في الظهر والعصر وإن كان بعَرَفة، لقوله ﵊: «صلاة النهار عجماء». واخْتُلِفَ في رفعه ووقفه على ابن عباس.
قال النوَوِي: عن أبي هريرة رَفَعَهُ «مَنْ جهر بالقراءة في صلاة النهار فارْمُوه بالبَعْر». ويقول: «إنَّ صلاة النهار عَجْمَاء». ثم قال: إنه باطل لا أصل له. لكن روى ابن شاهين عن أبي هريرة قال: «إذا رأيتم من يجهر بالصلاة في صلاة النهار فارموه بالبَعْر». وذكر ابن أبي شَيْبَة، عن يَحْيَى بن أبي كَثِير: «قالوا: يا رسول الله إنّ ههنا قومًا يَجْهَرُون بالقراءة في النهار فقال: ارْمُوهم بالبَعْرِ». ورُوِيَ عن عمر ﵁: أنَّ رجلًا جهر بالقراءة نهارًا فدعاه فقال: «إنّ صلاة النهار لا يُجْهَرُ فيها بالقراءة فأسِرَّ قراءتك». رواه ابن أبي شَيْبَة. وقال صاحب «الهداية»: وفي عَرَفة خلاف مالك، وهذا غير معروف عند
_________________
(١) سبق شرحها ص ٢٣٦، التعليقة رقم (٣).
(٢) فَزِعَ: أي هَبَّ وانْتَبه. النهاية: (٣/ ٤٤٤).
(٣) الغُدْوَة: تقدم شرحها ص: ١٩٣، التعليقة رقم (١).
[ ١ / ٢٧١ ]
والمُنْفَرِدُ خُيِّرَ إن أَدَّى، وَخَافَتَ حتْمًا إنْ قَضَى.
وأدْنَى الجَهْر إسْمَاعُ غَيرِهِ، وأدْنَى المُخَافَتَةِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ، هُوَ الصَّحِيحُ.
وكَذَا في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بالنُّطْقِ، كالطَّلاقِ، والعَتَاقِ، والاستِثْنَاءِ وغَيرِهَا.
===
أصحابه.
(والمُنْفَرِدُ خُيِّرَ إن أَدَّى) أي ما يجهر الإمام فيه لا فيما يُخَافِتُ فيه أيضًا، كما يوهم إطلاق المتن. وإنَّما يُسِرُّ لأَنه غير محتاج إلى إسماع غيره، بخلاف الإمام. ومع هذا الجهرُ أفضل ليكون على هيئة الجماعة. (وَخَافَتَ حتْمًا) أي وُجوبًا (إنْ قَضَى) ما يجهر الإمام. وفي «الهداية»: هو الصحيح: لأن الجهر يَخْتَصُّ إما بالجماعة حتمًا، أو بالمنفرد في الوقت تَخْيِيرًا، ولم يوجد أحدهما. واختار شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وجماعة من المتأخرين: أنّ حُكْمَ المنفرد إنْ قَضَى كحكمه إنْ أدَّى في التخييرِ وأفضليةِ الجهر، لأن القضاء يكون على وَفْق الأداء. قال قاضيخان: وهو الصحيح. وقال صاحب «الذَّخِيرَة»: وهو الأصح. وأُجِيبَ عن استدلال صاحب «الهداية»: بمنع الحصر لجواز أنْ يكون للجهر تخيير بسبب آخر، وهو موافقة الأداء.
(وأدْنَى الجَهْرِ) عند أبي جعفر الهِنْدُوَاني وأبي بكر محمد بن الفضل (^١) (إسْمَاعُ غَيْرِهِ) أي إسماعه مُغَايِرًا واحدًا وهو الذي يكون بقربه فَرْضًا، لِيَصِحَّ قوله: أدنى، فأقصى الجهر ما يتجاوزه. (وأدْنَى المُخَافَتَةِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ) أي فقط عندهما أيضًا. وعلى هذا يكون أقْصَى المُخَافَتَة إسماع غيره. فرجع حاصله إلى أَدْنَى الجهر. ولهذا لم يُذْكَر في «الهداية» لفظ أدْنَى في المَوْضِعَيْنِ، ولا يَبْعُد أن يقال: المراد بأدناهما: أدنى ما يُطْلَقُ عليهما، ولا مفهوم له في جانب المُخَافَتَة.
(هُوَ الصَّحِيحُ) لأن حركة اللسان بدون الصوت، لا تُسَمَّى قراءة لا لغةً ولا عُرْفًا. وقال الكَرْخِيّ: أدنى الجهر أنْ يُسْمِعَ نفسه، وأدنى المخافتة أنْ يُصَحِّحَ الحروف، لأن القراءة فعل اللسان، وذلك بإقامة الحروف لا بالسماع لأنه فعل الأُذُنِ. وفيه أنَّ الحرف صوت يَعْتَمِدُ على مَخْرجٍ محقَّقٍ أو مُقَدَّرٍ، فلا يتحقق بدونِ السمع، وغيره يكون خاطرًا وخيالًا.
(وكَذَا) الخلاف (في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بالنُّطْقِ كالطَّلَاقِ والعَتَاقِ والاسْتِثْنَاءِ وغَيْرِهَا) كالشرط في الطلاق والعتاق، والتسمية للذبيحة، والتلاوة للسجدة، والإيجاب والقبول
_________________
(١) حرفت في المخطوطة إلى: " أبو محمد بن الفضل"، والصواب ما أثبتناه. انظر ترجمته في "الجواهر المضية" ٣/ ٣٥٠.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وسُنَّةُ القِرَاءَة في السَّفَرِ عَجَلَةً: الفَاتِحَةُ مَعَ أيِّ سُورَة شَاءَ، وآمِنًا نَحْوَ البُرُوجِ، وفي الحَضَرِ اسْتَحْسَنُوا طِوَالَ المُفَصَّلِ: في الفَجْرِ والظُّهْرِ، وأَوْسَاطَهُ في العَصْرِ والعِشَاءِ، وقِصَارَهُ في المَغْرِبِ.
ومِنَ الحُجُرَاتِ طِوَالٌ إلى البُرُوجِ،
===
في البيع والنكاح وأمثالها.
(وسُنَّةُ القِرَاءَة في السَّفَرِ عَجَلَةً) أي حال كونه ذا عَجَلة (الفَاتِحَةُ مَعَ أيِّ سُورَةٍ شَاءَ) لِمَا روى البخاريّ عن البَرَاءِ عن النَّبيّ ﷺ «كان في سفر فقرأ في العِشَاء في إحدى الركعتين بـ: التين والزيتون».
(وآمِنًا) أي وحال كونه ذا أمْنٍ غيرَ مستعجل (نَحْوَ البُرُوجِ) مع الفاتحة لإمكان مُرَاعَاةِ السُّنَّة بذلك مع التخفيف. (وفي الحَضَرِ) عطف على في السفر (اسْتَحْسَنُوا) أي اسْتَحَبَّ العلماء في غير الضرورة (طِوَالَ المُفَصَّلِ في الفَجْرِ والظُّهْرِ)، وأُلْحِقَ الظهر بالفجر لمساواته إياه في سَعَةِ الوقت. وقال في «الأصل»: أو دونه، لما رُوِيَ عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى «أن اقرأ في الظهر بأوساط المُفَصَّل». ولأنّ وقت الظهر وإن كان مُتَّسِعًا، إلاّ أنه وقت اشتغال الناس في مهماتهم بخلاف الصبح، ويُسَمَّى مُفَصَّلًا لكثرة فصوله وهو السُّبْع السابع.
(وأَوْسَاطَهُ في العَصْرِ والعِشَاءِ، وقِصَارَهُ في المَغْرِبِ) لِمَا روى عبد الرَّزَّاقِ في «مصنّفه» عن سُفْيَان الثَّوْرِي، عن علي بن زَيْد بن جَدْعَانَ، عن الحسن، وغيره قال: «كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بِقِصَارِ المُفَصَّل». وفي العِشَاء بأَوْسَاط المُفَصَّل، وفي الصبح بِطِوَال المُفَصَّل، والعصر كالعشاء في استحباب التأخير فَيُلْحَقُ بها في التقدير. وروى مسلم من حديث جابر بن سَمُرَة: «أنّ النبيّ ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ: «قاف» وكانت صلاته تخفيفًا». وروى أيضًا من حديث أبي بَرْزَة قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المئة». ولفظ ابن حِبَّان: «بالستين إلى المئة».
وروى النَّسائِيّ عن سُلَيْمان بن يَسَار، عن أبي هريرة قال: «ما رأيت أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان. قال سليمان: كان يُطِيلُ الركعتينِ الأُولَيَيْنِ من الظهر، ويُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ، ويُخَفِّفُ في العصر، ويقرأ في المغرب بقِصَار المُفَصَّل، ويقرأ في العشاء وسط المُفَصَّل، ويقرأ في الغداة بِطِوالِ المُفَصَّل. قال النووي: إسناده حسن.
(ومِنَ الحُجُرَاتِ طِوَالٌ إلى البُرُوجِ) قاله الحَلْوَاني وغيره من أصحابنا. (وقيل:
[ ١ / ٢٧٣ ]
ثُمَّ أَوْسَاطٌ إلى ﴿لَمْ يَكُنِ﴾، ثُمَّ قِصَارٌ إلى الآخِرِ. وفي الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ الحَالِ.
وكُرِهَ تَعْيِينُ دُورَةٍ لِصَلاة. ويَنْصِتُ المُؤْتَمُّ،
===
من سورة القتال) (^١)، وقيل: من القاف، وقيل: من الجاثية، وقيل: من الفتح. (ثُمَّ أَوْسَاطٌ إلى ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ ثُمَّ قِصَارٌ إلى الآخِرِ) أي آخر القرآن. (وفي الضَّرُورَةِ) يقرأ (بِقَدْرِ الحَالِ) من العَجَلةِ والإقَامَةِ. إذ قد رُوِيَ: «أنه ﵊ قرأ المعوذتين في الفجر».
(وكُرِهَ) عندنا وعند مالك (تَعْيِينُ سُورَةٍ) أي غير الفاتحة (لِصَلاةٍ) من الصلوات. واسْتَحَبَّ الشَّافِعِي قراءة سورة «السجدة» و«هل أتى» في الفجر كل جمعة، و«سبِّح اسم ربك الأعلى» و«الغاشية» في صلاة الجمعة. وقَيَّدَ الطَّحَاوِي والإِسْبِيجَابيّ الكراهة فيما إذا اعتقد أن الصلاة لا تجوز بغيرها. وأما إذا لم يعتقد ذلك ولَازَمَها لسهولتها عليه، أو تبرّكًا بقراءة النبيّ ﷺ إياها كقراءة: سورة «سبّح اسم» و«قُلْ يا أيُّها الكافرون» و«الإخلاص» في الوتر. وقراءة «الكافرون» و«الإخلاص» في سنة الفجر والمغرب، وركعتي الإحرام، وصلاة الطواف على ما ورد. وقراءة «السجدة»، و«هل أتى» في بعض الأحيان في فجر الجُمُعَة، فلا يُكْرَهُ بل يكون حَسَنًا. فتركه مُطْلَقًا غير مُسْتَحْسن، وإنما شُرِطَ أنْ يقرأ غيره أحيانًا لئلا يظن الجاهل أنَّ غيره لا يُجْزِاءُ.
(ويَنْصِتُ المُؤْتَمُّ) ولا يقرأ سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية لقوله تعالى: ﴿وإِذَا قُرِاء القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنْصِتُوا﴾ (^٢) . روى البَيْهَقِي عن أحمد بن حنبل أنه قال: «أجمع الناس على أَنْ هذه الآية في الصلاة». ورَوَى البَيْهَقِيّ عن مجاهد قال: «كان رسول الله ﷺ يَقْرَأُ في الصلاة، فسَمِعَ قراءة فتى من الأنصار فنزل». وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي هريرة: «نزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله ﷺ. وكذا روى ابن أبي شَيْبَة في «المُصَنَّف»، ومحمد بن الحسن في «الموطأ»، والطَّحاوي في «معاني الآثار». وروى أبو دَاوُدَ في «سننه» من حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَّ به». وفيه: «وإذا قرأ فأنصِتوا» (^٣)، وكذا رواه النَّسائِي. وروى مُسْلِم في غير صحيحه من حديث أبي موسى الأَشْعَرِيّ: «إذا كَبَّر الإمام فَكَبِّرُوا وإذا قرأ فأنْصِتُوا».
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٢) سورة الأَعراف، الآية: (٢٠٤).
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "إذا قرئ القرآن فأنصتوا". وما أثبتناه من سنن أبي داود والنسائي، بحذف لفظ "القرآن".
[ ١ / ٢٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي «الأصل»: القراءة خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها هل يكره؟ اختلف فيه المشايخ: فبعضهم قالوا: لا يُكْرَه، أي عند الأئمة الثلاثة. وإليه مال الإمام أبو حَفْصٍ. وبعض مشايخنا قالوا: على قول محمد لا يُكْرَه. وعند أبي حنيفة وأبي يُوسُفَ يُكْره، كذا في «الخُلَاصة». فوجه عدم الكراهة الاحتياط لعموم الآية والأحاديث المُطْلَقة واختلاف الأئمة. حتى قال الشافعي ببطلان صلاة المُقْتَدِي إنْ لم يقرأ الفاتحة مُطْلَقًا. وقال مالك: بوجوب القراءة عليه في السِّرِّيَةِ. فدل على أنَّ المراد بالقراءة: قراءة الفاتحة. وبه يبطل قول من قال: إنّ القراءة عند عدة من الصحابة تُفْسِد الصلاة. والمعتمد أنَّ منع المُقْتدي عن القراءة مأثور عن ثمانين نفرًا من أكابر الصحابة، لكن القول بالفساد فاسد. ومحمول على ما عدا الفاتحة، أو على الجهر المُشَوِّشِ للإمام وغيره.
ووجه الكراهة ما روى محمد في «مُوَطئه» عن سعد بن أبي وَقاص قال: وددت أنَّ الذي يقرأ خلف الإمام في فِيهِ جَمْرة. ورواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه». إلاَّ أنه قال: «في فِيه حَجَر». وفيه أنه يمكن حمله على الجهرية، بل يتعين لأن مذهب محمد جوازه في السِّرِّية. وروى محمد أيضًا عن نافع، عن ابن عمر «أنه كان إذا سُئِلَ: هل يقرأ أحد مع الإمام؟ قال: إذا صلّى أحدكم مع الإمام فحسبه قراءة الإمام»، وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام. وروى سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وشُعْبَة، وإسرائيل بن يُونس، وشَرِيْك، وأبو الأَحْوَص، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وجَرِير بن عبد الحَمِيد، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن النبيّ ﷺ (مرسلًا) (^١): «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة». ورواه أحمد في «مسنده» عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر مرفوعًا.
والحاصل: أن المذهب عندنا اكتفاؤه بقراءة إمامه وكراهة قراءته. أما الاكتفاء فلقوله ﷺ «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة». رواه ابن ماجه في «سننه» إلاَّ أنَّ في سنده جابرًا الجُعْفِي، وقد رُوِيَ عن أبي حنيفة أنه قال: ما رأيت أكذب من جابر الجُعْفِي. ورواه محمد بن الحسن في «مُوَطَّئه»: أخبرنا أبو حنيفة: حَدَّثنا أبو الحَسَن مُوسَى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن جابر، عن النبيّ ﷺ قال: «من صلّى خلف الإمام، فإن قراءة الإمام له قراءة».
وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي حنيفة، مقرونًا بالحسن بن عُمَارة بالإسناد المذكور.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
[ ١ / ٢٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال: لم يُسْنِدْه غير أبي حنيفة والحسن. انتهى. وهو غير صحيح، قال أحمد بن مَنِيع في «مسنده»: أخبرنا إسحاق الأزرق: حدَّثنا سُفْيَان وشَريك عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة». قال: وحدّثنا عبد بن حُمَيْد: حدَّثنا أبو نُعَيْم: حدَّثنا الحسن بن صالح، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر، عن النبيّ ﷺ والإسناد الأول صحيح على شرط الشيخين، والثاني على شرط مسلم.
وأخرجه ابن عَدِي عن أبي حنيفة في ترجمته، وذكر فيه قصة، وبها أخرجه الحاكم قال: حدَّثنا أبو محمد بن أبي بَكْر بن محمد بن حَمْدَان الصَّيْرَفِيّ: حدّثنا عبد الصَّمَد بن الفضل البَلْخِيّ: حدّثنا مَكِيّ بن إبراهيم، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد بن الهاد، عن جابر بن عبد الله: «أن النبيّ ﷺ صلّى ورجل خلفه يقرأ. فجعل رجل من أصحاب النبيّ ينهاه عن القراءة في الصلاة، فلما انصرف أقبل عليه الرجل وقال: أتَنْهَاني عن القراءة خلف رسول الله ﷺ فتنازعا حتى ذُكِرَ ذلك للنبيّ ﷺ فقال النبيّ ﷺ من صلّى خلف الإمام فإنَّ قراءة الإمام له قراءة». وفي رواية لأبي حنيفة: «أنَّ رجلًا قرأ خلف رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر، وأوْمأ إليه رجل فنهاه، فَلَمَّا انصرف قال: أتنهاني؟ …» الحديث.
قال بعض المحققين: ويفيد أنّ أصل الحديث هذا (^١)، غير أنّ جابرًا رَوَى محل الحُكْم فقط تارة، والمجموع أخرى، ويتضمن رد القراءة خلف الإمام، لأنه خرج تأييدًا لنهي الصحابيّ عنها مطلقًا في السرِّية والجهرية، خصوصًا في رواية أبي حنيفة أن القصة كانت في الظهر أو العصر لإباحة فعلها وتركها، فيُعَارِض ما رُوِي في بعض روايات حديث: «ما لي أُنَازَعُ القرآن» إلى أن قال: «إنْ لا بدَّ، فالفاتِحَة». وكذا ما رواه أبو داود والتِّرْمِذِي عن عُبَادة بن الصَّامِت قال: كنّا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فَثَقُلَتْ عليه القراءة، فلمَّا فَرَغ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم»؟ قلنا: نعم يا رسول الله. قال: «لا تفعلوا إلاَّ بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». ويُقَدَّم لتقدم المنع على الإطلاق عند التعارض، ولقوة السند. فإنّ حديث: «من كان له إمام» أصح. انتهى.
ولا يخفى أنّ دعوى تضمنه رد القراءة خلف الإمام، ومعارضته لما رُوِيَ، غيرُ
_________________
(١) أي: أن المروي هو أصل الحديث.
[ ١ / ٢٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تامة، لأنها في حَيِّز المنع. وعلى فرض تسليمها يقال: إنما نهاه عنها لجهره بالقراءة، بدليل سماعه لقراءته، وقوله ﷺ «مالي أُنَازَع القرآن». ولا تثبت المعارضة مع إمكان التوفيق، فَيُحْمَل النهي عن الجهر بها، لاستلزامه المنازعة المذكورة في الحديث. والأمر بها على السرية، بدليل قول أبي هريرة في حديث «قَسَمْتُ الصلاة»: اقرأ بها في نفسك» (^١) . فلا يتم بهذا القدر المنع عن القراءة خلف الإمام مطلقًا، وإنما يُفِيد المنع عنها مقيدًا.
وأمَّا الكراهة فلظاهر قول سعد بن أبي وَقَّاص: وَدِدْتُ أنَّ الذي يقرأ خلف الإمام في فِيه جَمْرة. رواه محمد بن الحسن، عن داود بن قيس الفَرَّاء المَدَنِيّ قال: «أخْبَرني بعض ولد سعد عنه». ورواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، إلاَّ أنه قال: «في فِيه حَجَر». وقول عمر: «ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حَجَرًا». رواه محمد بن الحسن، عن داود بن قَيْس، عن ابن عَجْلان، عن عمر ﵁. ورواه عبد الرزاق أيضًا. وقول عليّ ﵁: «من قرأ خلف الإمام، فقد أخطأ الفِطْرة (^٢)». رواه ابن أبي شَيْبَة، وعبد الرَّزَّاق في «مصنفيْهما» عنه. ولكن يُخَصُّ منه ما رواه الطحاوي، عن عليّ ﵁: «أنه كان يأمر، أو يحب أنْ يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأُولَيَيْن بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأُخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب».
وأخرج أيضًا عن حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عن أبي حَمْزَة قال: «قلت لابن عباس: أقرأ والإمام بين يديّ؟ فقال: لا». وكذا عن عبد الله بن مِقْسَم: «أنه سأل عبد الله أبن عمر، وزَيْد بن ثابت، وجابر بن عبد الله ﵃ فقالوا: لا تقرأ خلف الإمام في شيء من الصلاة. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن جابر قال: «لا تقرأ خلف الإمام إنْ جهر، ولا إنْ خافت». وفي «مُوَطَّأ محمد بن الحسن»، عن ابن مسعود: نحوه.
فهذه الأخبار الصريحة، المَعْضُودَة بالآثار الصحيحة، تقتضي إخراج المقتدي على طريقة الشافعيّ مطلقًا، وعلى طريقتنا أيضًا من عموم الآية والحديث، لأنه خُصَّ منهما مُدْرِك الإمام في الركوع إجماعًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٢٩٦، كتاب الصلاة (٤)، باب وجوب قراءة الفاتحة … (١١)، رقم (٣٨ - ٣٩٥).
(٢) الفِطْرة: أي السُّنَّة. النهاية: ٣/ ٤٥٧.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وكَذَا في الخُطْبَةِ. إلَّا إذا قَرَأَ يَا أَيُّها الَّذِين آمَنُوا صَلُّوا عَليه فيُصَلِّي السامعُ سِرًا.