يُفْسِدُهَا الكَلامُ مُطْلَقًا،
===
الجمعة. ١١ - وخروج وقت المعذور - أعني المستحاضة ومن بمعناها (^١) .
(فَسَدَتْ) الصلاة في هذه الصُّوَر وما في معناها، بأن يصلي في ثوب نجس فيجد ما يغسله به (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لفَرْضِيَّةِ الخُرُوجِ بِصُنْعِهِ) أي صُنْعِ المُصَلِّي عنده ولم يوجد. لأن الصلاة ذات تحريم وتحليل، فلا يخرج منها إلا بالصنع كالحج (لا عِنْدَهُمَا) لعدم فَرْضِيَّة الخروج بالصنع عندهما، وهو الأظهر لحديث ابن مسعود: «إذا قلت هذا، أو فعلت هذا، فقد تَمَّتْ صلاتك». ولإطلاق ما أسلفناه، ولدلالته لأنها إذا لم تَفْسُد مع تَعَمُّدِهِ، فأوْلى أنْ لا تَفْسُد عند عدمه.
وقال الكَرْخِيّ: لا خلاف بين أصحابنا أنّ الخروج من الصلاة بفعل المصلي ليس بفرض، ولا نَصَّ فيه عن أبي حنيفة، وإنما أخذه أبو سعيد البَرْدَعِي من قوله بفساد الصلاة في هذه المسائل، فقال: إنَّ الصلاة لا تَفْسُد إلاَّ بترك فرض، ولم يبق في هذه الصور إلاّ الخروج بالصنع. قال الكَرْخِيّ: هذا غلط لأنه لو كان فرضًا، لاخْتَصَّ بما هو قربة - وهو السلام - ولَمَّا لم يَخْتَصَّ، عَلِمْنَا أنه ليس بفرض. وقال: إنما قال أبو حنيفة ببطلان الصلاة في هذه المسائل، لأن ما يُغَيِّرُ الصلاة في أثنائها يُغَيِّرُها في آخرها، كنية الإقامة واقتداء المسافر بالمقيم، كيف وقد بَقِيَ عليه واجب وهو: السلام، وهو آخرها داخلًا فيها.
فصلٌ فِيمَا يُفْسِدُ الصَّلَاة وما يُكْرَهُ فِيهَا
(يُفْسِدُهَا الكَلَامُ) أي ولو كان كلمة من كلام الناس (مُطْلَقًا) أي عَمْدًا كان، أو جَهْلًا، أو خطأً، أو نسيانًا، أو سَهْوًا. يسيرًا كان الكلام، أو كثيرًا. نائمًا كان المُصَلِّي، أو يقظانًا. وصورة الكلام خطأً: بأن قصد القراءة أو التسبيح، فجرى على لسانه كلام الناس. والكلام نسيانًا: بأن قصد كلام الناس ناسيًا أنه في الصلاة. وقال مالك: لا يُفْسِدُها الكلام ناسيًا، ولا الكلام عَمْدًا لإصلاح الصلاة إذا لم يَتَنَبَّهْ إمامه إلاَّ به. وقال الشافعيّ: لا يُفْسِدُها كلام النَّاسِي والمُخْطِاء إِلاَّ إذا طال. ويُعْرَفُ الطُّولُ بالعُرْف. وكذا الجاهل بتحريمه والمُكْرَه لقوله ﷺ «إنّ الله وَضَع عن أُمّتِي الخطأ، والنسيان،
_________________
(١) والثانية عشر: رؤية المتيمم الماء.
[ ١ / ٢٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وما اسْتُكْرِهُوا عليه». رواه ابن ماجه، (وابن حِبّان) (^١)، والحاكم. وقال: صحيح على شرطهما. والمراد وضع الحكم إذ هما يوجدان حسًّا والخُلْف في خَبَرِهِ محال. والحكم نوعان: حكم الدنيا: وهو الفساد، وحكم العُقْبَى: وهو الإثم. ومُسَمَّى الحكم يشملهما، فيتناولهما.
ولنا: ما رواه مسلم من حديث مُعَاوِيَة بن الحَكَم السُّلَمِيّ قال: «بينما أنا أُصَلِّي مع رسول الله ﷺ إذ عَطَس رجل من القوم، فقلت له: يَرْحَمُك الله. فَرَمَاني القوم بأبصارهم، فقلت: وَاثُكْلَ (^٢) أمّاه، ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفْخَاذِهم. فَلَمَّا رَأَيْتُهم يُصَمِّتُونَنِي. سَكَتُّ، فَلَمَّا صلّى النبيّ ﷺ دعاني. فبأبي هو وأمِّي ما رأيت مُعَلِّمًَا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه. فوالله ما ضَرَبَني ولا شَتَمَنِي، ثم قال: «إن هذه الصلاة لا يَصْلُح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي وفي رواية: إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن». وفي لفظ الطبَرانِيّ في «معجمه»: «إنَّ صلاتنا لا يَحِلُّ فيها شيء من كلام الناس». وما لا يَصْلُح ولا يَحِلُّ في صلاة فمباشرته تفسدها. ويَعْضُدُه قوله ﷺ «الكلام يَنْقُضُ الصلاة، ولا ينقض الوضوء». رواه الدَّارَقُطْنِيّ.
فإن قيل: الكلام الواقع من معاوية عَمْد، ومطلوبكم الكلام مطلقًا يفسد الصلاة. أُجِيبَ: بأن العبرة لعموم اللفظ، وهو قوله ﷺ «إنَّ هذه الصلاة لا يَصْلُحُ فيها شيء من كلام الناس». لا لخصوص سببه - وهو الكلام العمد - لأن الذي يُسْتَدَلُّ به على الحكم هو اللفظ لا السبب. وحديث ذي اليَدَيْن منسوخ بما رَوَيْنا (^٣) . ألَا ترى أنَّ حديث ذي اليدين وقع فيه كلام كثير عمدًا. وأمّا حديث: «(ن الله تعالى وضع». فالإجماع على أنّ رفع الإثم مراد، فلا يُرَاد غيره وإلاّ لَزِم تعميمه. وفي «المحيط»: «لو
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٢) وَاثُكْلَ: الثُّكل: فَقْد الوَلَد. كأنه دعا على نفسه بالموت لسوء فعله أو قوله. النهاية: ١/ ٢١٧.
(٣) وقصة حديث ذي اليدين كما جاءت في صحيح مسلم ١/ ٤٠٣، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥)، باب السهو في الصلاة والسجود له (١٩)، رقم (٩٧ - ٥٧٣). عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - إحدى صلاتي العَشِيِّ وإمَا الظهر وإمّا العصر، فسلم في ركعتين، ثم أتى جِذْعًا في قِبلة المسجد فاستند إليها مُغْضَبًا، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلّما. وخرج سَرَعَان الناس، قُصِرَت الصلاة، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله! أَقُصِرَت الصلاة أم نسيتَ؟ فنظر النبي - ﷺ - يمينًا وشمالًا فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق. لم تُصَلّ إلا ركعتين. فصلّى ركعتين وسلّم، ثم كبَّر ثم سجد، ثم كبَّر فرفع، ثم كبَّر وسجد، ثم كبَّر ورفع انتهى. ومعنى قوله: "خرج سرعانُ الناسِ قصرت الصلاة": أي خرج الناس سراعًا يقولون: قصرت الصلاة.
[ ١ / ٣٠٠ ]
والسَّلامُ عَمْدًا وَرَدُّه
===
عَطَسَ، أو تَجَشَّأَ فحصل منه كلام - أي لغويًا - لا تفسد لتعذّر الاحتراز عنه. وأمّا قوله ﷺ «أُفَ، ألم تَعِدْني أنْ لا تُعَذِّبَهم وأنا فيهم؟» (^١) فواقعة حال لا عموم لها.
فيجوز كونها قبل تحريم الكلام في الصلاة فلا يُعَارِضُها قوله ﷺ «إنَّ صلاتنا هذه» الحديث. وقوله: «فأُمِرْنا بالسكوت، ونُهِينَا عن الكلام» (^٢) . ونحوه من الأحاديث. كذا ذكره بعض علمائنا. وفيه بحث إذ جملة كلامه مضمون كلام الله سبحانه ومبناه على معناه وهو: قوله تعالى: ﴿وما كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (^٣) فهذا دعاؤه ومناجاته طِبْق الآيات القرآنية، والواردات الفرقانية. وقد جاء أُفَ في القرآن، فليست من الكلمات الأجنبية.
(و) يفسدها (السَّلَامُ) أي للصلاة إذ السلام على إنسان مفسد، عَمْدًا كان أو خطأً، نص عليه في «المحيط»، وقاضيخان. وفي «الخُلَاصة»: لو أراد السلام على إنسان فقال: السلام، فَتَنَبَّهَ وسكت فسدت صلاته. (عَمْدًا) قيد به لأن السلام سَهْوًا غير مُفْسِد، وذلك أنَّ السلام ذِكْر مشتمل على خطاب، فاعْتُبِرَ في حالة العَمْدِ بكونه خطابًا للناس، فأفسد الصلاة، وفي غير حالة العمد بكونه ذِكْرًا، فَجُعِلَ عَفْوًا. وتوضيحه: أن السلام من أذكار الصلاة، إذ المُتَشَهِّدُ يُسَلِّمُ على النبيّ ﷺ وعلى عباد الله الصالحين، وهو من أسمائه تعالى، وإنما أَخَذَ حكمَ الكلام بكاف الخطاب، وإنما يتحقق معنى الخطاب فيه عند القصد، فاعتبرناه ذِكْرًا عند النسيان، وكلامًا عند التعمد عَمَلًا بالشبهين. وقيل: إنْ كان على ظن أنَّ الصلاة تامة فغير مُفْسِد، وإنْ كان ناسيًا للصلاة فَمُفْسِد.
(وَرَدُّه) أي رد السلام بلسانه عمدًا كان، أو سهوًا، لأنَّ رد السلام - سواء قال: عليك السلام، أو السلام عليك - ليس من الأذكار، بل هو كلام وخِطَاب، والكلام مُفْسِدٌ عَمْدًا كان أو سَهْوًا.
وفي «الظَهِيرَيَّة»: ولو سلم إنسان على مُصَلَ، فأشار إلى رد السلام برأسه (أو
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ١/ ٧٠٤، كتاب صلاة الاستسقاء (٣)، باب من قال يركع ركعتين (٩)، رقم (١١٩٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣٨٣، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥)، باب تحريم الكلام .. (٧)، رقم (٣٥١ - ٥٣٩).
(٣) سورة الأنفال، الآية: (٣٣).
[ ١ / ٣٠١ ]
والأَنِينُ ونَحْوهُ مِمَّا له صَوْتٌ، والبُكَاءُ بِصَوْتٍ، إِلّا لأَمْرِ الآخِرَةِ، وَتَنَحْنُحٌ إلا بِعُذْرٍ، وتَشْمِيتُ عَاطِسٍ، وَجَوَابُ الكَلامِ وَلَوْ
===
بيده) (^١)، أو بأصبعه لا تفسد صلاته. ولو طلب إنسان من المُصَلِّي شيئًا، فأَوْمَأَ برأسه، أو بيده بـ: لا أو بـ: نعم، لا تَفْسُدُ صلاته. ومثل ذلك في «خُلاصَةِ الفَتَاوى»، وكذا في «شرح الكَنْز» عن «الغاية». وذكر صاحب «المَجْمَع» رد السلام باليد في مفسدات الصلاة. وفي «الخُلَاصة»: أن في الرد بالرأس أو اليد تَفْسُد صلاته. وفي «مواهب الرحمن»: أنَّ رَدَّ السلام بيده مكروه في الصلاة.
(و) يُفْسِدها (الأَنِينُ ونَحْوهُ مِمَّا له صَوْتٌ) كالتأوّه (والتأفيف والنَّفْخ المسموع، إلا إذا كان مريضًا لا يملك نفسه عن الأنين والتَّأَوُّه) (^٢)، لأن أنينه حينئذٍ كالعُطَاس والجُشَاء إذا حصل بهما حروف.
(و) يُفْسِدُها (البُكَاءُ بِصَوْتٍ إِلاّ لأَمْرِ الآخِرَةِ) هذا قيد في هذه المسألة والتي قبلها.
والحاصل: أن نحو الأَنين والبكاء بصوت: إن كان لغير أمر الآخرة بأن كان لوجع أو مصيبة تفسد الصلاة، لأن فيه إظهار التأسّف والجزع، فصار كأنه قال: أعينُوني. وإن كان لأمر الآخرة بأن كان لِخَوْف أو رجاء لا تفسد، لأنه كالدعاء والثناء. روى أبو داود عن مُطَرِّف، عن أبيه قال: «رأيت النبيّ ﷺ يُصَلِّي وفي صوته أزيز كأزيز الرَّحى (^٣) من البكاء». وفي البخاري: قال عبد الله بن شداد: «سمعت نشيج عمر ﵁ وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿إنما أَشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى الله﴾ (^٤)». يقال نشج الباكي نشيجًا إذا غَصَّ بالبكاء في حلقه من غير انْتِحَاب، أي بنفس شديد.
(وَ) يفسدها (تَنَحْنُحٌ) حصل به حروف (إلا بِعُذْرٍ) بأن كان مُضْطَرًّا إليه لعدم إمكان الاحتراز عنه حينئذٍ. ولو تَنَحْنَحَ المصلي لتحسين صوته لا تفسد صلاته، قاله خَواهِرْ زَادَهْ. (و) يفسدها (تَشْمِيتُ عَاطِسٍ) بأن قال له: يرحمك الله، لأنه يقع في خطاب الناس، فصار ككلامهم. وقد سبق الحديث الدال عليه صريحًا.
(وَ) يفسدها (جَوَابُ الكَلَامِ) سواء كان خبرًا أو غيره (وَلَوْ) كان الجواب
_________________
(١) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٢) ما بين الحاضرتين سقط من المطبوع.
(٣) الرّحى: الأداة التي يُطحن بها، وهي حجران مستديران يوضع أحدهما على الآخر، ويدار الأعلى على قطبٍ. المعجم الوسيط، ص: ٣٣٥ مادة (رحى).
(٤) سورة يوسف، الآية: (٨٦).
[ ١ / ٣٠٢ ]
بالذِّكْرِ، وَالفَتْحُ إلّا لإِمَامِهِ، والقِرَاءة من مِصْحَفٍ،
===
(بالذِّكْرِ) نحو أن يقول: الحمد لله، جوابًا لمن أخبره بما يسره.
أو: لا حول ولا قوَّة إلا بالله، جوابًا لمن أخبره بما يَسُؤه. أو: سبحان الله، جوابًا لمن أخبره بما يُتَعَجَّبُ منه. أو: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، جوابًا لمن أخبره بموت أحد، ولا إله إلاَّ الله جوابًا لمن قال له: هل مع الله إله آخر؟ وفي المسألة خلاف أبي يوسف ﵀. وأمَّا إنْ لم يُرِدْ جوابه، وأراد به إعلامه أنه في الصلاة لم تَفْسُدْ بالإجماع.
(وَ) يفسدها (الفَتْحُ) أي فتح المُصَلِّي على قاراء مصلَ أو غيره (إلاّ لإِمَامِهِ) لأن الفتح على غير إمامه تعليم من غير ضرورة، فكان ككلام النَّاس. وفي «المُحِيط»: ولو فتح على غير إمامه تُفْسُدُ إلا إذا عَنَى به التلاوة دون التعليم. وفي «مُنْيَة المُصَلِّي»: وإن فتح على إمامه بعد ما قرأ مقدار ما يجوز به الصلاة، أو بعد ما تَحَوَّل إلى آية أخرى تَفْسُدُ، والصحيح أنها لا تَفْسُدُ. ولو أخذ منه الإمام قيل: تفسد صلاته، والصحيح عدمه.
وفي «الأصل» و«الجامع الصغير»: إذا فتح المأموم على إمامه تَجوز الصلاة مطلقًا، لأن الفتح عمل يسير وتلاوة خفيفة. ثم إذا فتح المأموم على إمامه يَنْوِي الفتح. وقال بعض المشايخ: القراءة. والصحيح الأول، لأن الفتح مُرَخَّصٌ فيه، وقراءة المأموم مَنْهِيّ عنها. وينبغي للمقتدي أن لا يُعَجِّل بالفتح، وللإمام أن لا يُلْجِئَهم إليه، بل إن قرأ قدر الفرض يركع، وإن لم يقرأه (^١)، ينتقل إلى آية أخرى.
ولو قَبِل الإمام من فاتح غير داخل معه في الصلاة، تَبْطُل صلاة الكل. وإنما جاز الفتح على إمامه لقول ابن عمر: «إن النبيّ ﷺ صلّى صلاة فقرأ فيها فَلُبِّسَ عليه، فَلَمَّا انصرف قال لأُبَيّ: أصلَّيت معنا؟ قال: نعم، قال: فما منعك؟» (^٢). رواه أبو داود. ولقول عليّ كرَّم الله وجهه: «إذا استطعمك الإمام فأطعمه، وهو مَلِيم». أي مستحق للمَلامَة حيث أحوجه إلى الفتح.
(و) يفسدها (القِرَاءةُ من مُصْحَفٍ) وقال أبو يوسف ومحمد: يُكْرَه قراءة المصلّي من المصحف ولا تَفْسُد صلاته. لأن القراءة عبادة، والنظر في المصحف
_________________
(١) في المطبوع: يركع، والمثبت من المخطوط.
(٢) في المطبوع: "فما منعك أن تفتح عليَّ". اهـ. وما أثبتناه من المخطوط وسنن أبي داود ١/ ٥٥٩، كتاب الصلاة (٢)، باب الفتح على الإمام في الصلاة (١٥٨، ١٥٩)، رقم (٩٠٧). قال الخطابي: أراد به: ما منعك أن تفتح عليّ إذ رأيتني قد لُبِّسَ عليّ حاشية سنن أبي داود. فلو كان هذا اللفظ موجودًا في الحديث لما قال الخَطَّابي: أراد به …، والله أعلم.
[ ١ / ٣٠٣ ]
والسُّجُودُ عَلَى نَجِسٍ، والدُّعَاءُ بِمَا يُسْأَلُ مِنَ النَّاسِ، والأَكْلُ، والشُّرْبُ، والعَمَلُ الكَثِيرُ: أي ما يَحْتَاجُ إلى اليَدَيْنِ،
===
عبادة أخرى انضمت إليها، لكن يُكْره لأنه فعل أهل الكتاب. وله أنّ حمله وتقليب أوراقه والنظر فيه عمل كثير، فعلى هذا لو كان موضوعًا بين يديه على شيء، ولم يحمله ولم يُقَلِّبْه لا تفسد. أو لأنها تَلَقُّن منه، فصار كما إذا تَلَقّنها من معلم، وهذا يوجب التسوية بين المحمول وغيره فتفسد بكل حال، وهو الصحيح. فيجوز صلاة من يحفظ القرآن إذا قرأ من مصحف من غير حمل.
(و) يفسدها (السُّجُودُ عَلَى نَجِسٍ) أي يَابس، وقال أبو يوسف: إن أعاده على طاهر، لا تفسد صلاته، كما لو ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى وأعادها آخر الصلاة. ولهما: أنَّ السجدة جزء من الصلاة، فتفسد الصلاة بفسادها. وإنما لم تفسد الصلاة بتأخير السجدة، لأن الترتيب في أفعال الصلاة ليس بفرض عندنا، خلافًا لمالك والشافعيّ وزُفَر ﵏. وفي «الظَّهِيرِيَّة»: ولو سجد على مكانِ نَجِسٍ - أي سهوًا - ثم أعاد على مكان طاهر جازت صلاته، وإن تعمد فسدت.
(و) يفسدها (الدُّعَاءُ بِمَا يُسْأَلُ مِنَ النَّاسِ) نحو: اللهم زَوِّجْنِي فلانة، اللهم أَعطني ألف دينار. وهذا إنْ كان قبل ما قعد قدر التشهد، وإن كان بعده تمت صلاته، وخرج به منها. وقال الشافعيّ ومالك في رواية: لا تفسد.
(و) يفسدها (الأَكْلُ والشُّرْبُ) لأن كل واحد منهما عمل كثير عُرْفًا. ولا فرق في ذلك بين العَمْدِ والسهو، وإن كان بينهما فرق في الصوم، لأن حالة الصلاة مُذَكِّرَة لأنها على هيئة تخالف العادة، وحالة الصوم غير مُذَكِّرَة لأنها على هيئة توافق العادة، ولأن زمن الصوم يطول فَيَكْثُر النسيان، بخلاف زمن الصلاة.
وفي «المُحِيط»: ولو ابتلع شيئًا بين أسنانه لا تفسد صلاته إن كان (أقل من) (^١) قدرِ حِمِّصَة، لأنه ليس بعمل كثير، ولعُسْر الاحتراز عنه ولصيرورته كريق فمه في عدم الإفساد لها، والصوم. ولو أكل سِمْسِمَة من خارج فسدت صلاته، لأنه عمل كثير. وعن أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله: لا تفسد. ولو كان في فمه عين سُكَّرَة فذابت ودخلت حلقه فسدت، ولو وجد حلاوتها على إثْر ابتلاعها لا تفسد.
(و) يفسدها (العَمَلُ الكَثِيرُ: أي ما يَحْتَاجُ إلى اليَدَيْنِ) عادة، وإنْ فُعِلَ بيد واحدة كالتعمُّم، والتقمُّص، والتسرول، والرمي عن القوس، وما يحتاج ليد واحدة قليل،
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط، وهو الصواب لموافقته لما في فتح القدير ١/ ٣٥٩.
[ ١ / ٣٠٤ ]
أو يَسْتَكْثِرُه المُصَلِّي، أو يَظُنُّ النَّاظِرُ أن عَامِلَهُ غَيْرُ مُصَلٍّ.