===
كتابُ الزَّكَاةِ
قَرَنَ الزكاة بالصلاة اقتداءً بكلام الله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصلاةَ وآتُوا الزكاةَ﴾ (^١)، ولولاه لعقَّب الصوم بها، لأَنهما عبادتان بدنيتان، ولذا قَدَّمَ الصوم على الحج لتوقف وجوبه على المال وغيره.
والحاصل: أَنَّ العبادة: إِمَّا بدنيةٌ كالصوم، (والصلاة) (^٢)، وإِمَّا ماليةٌ كالزكاة، وإِمَّا مركبةٌ منهما كالحج، ولهذا تأَخَّرَ وصار ركنًا خامسًا من أَركان الإِسلام التي أَصلُها التصديقُ والإِقرارُ بالشهادتين، ونزل فيه قولهُ تعالى: ﴿اليومَ أَكْمَلْتُ لكم دِينَكُمْ﴾ (^٣) . ثم تركيبُ هذا البناء (^٤) يَدُلُّ على النَّماء، يُقَالُ: زَكا الزرعُ إِذَا نَمَا، وسُمِّيَتْ بها، لأَنها سَبَبٌ نما بالعِوَضِ في الدنيا، والثواب في العُقْبى، قال تعالى: ﴿وما أَنْفَقْتُم مِنْ شَيءٍ فَهُو يُخْلِفُه﴾ (^٥)، أَوْ على الطهارةِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وزكاةً﴾ (^٦)، أَيّ طهارة، وفيها معنى التطهير، قال تعالى: ﴿خُذْ من أَمْوَالِهِم صَدَقةً تُطَهِّرُهُم وتُزَكِّيهم بها﴾ (^٧)، وسمّيت بها لأنها تُطَهِّرُ صاحبَها من الذنوب، أَوْ من رذيلة البُخْل الذي هو من أَكبرِ العيوب. وسُمِّيَتْ صدقةً لِدلالَتِها على صِدْق العبدِ في العُبوديَّة، وامتثاله لِحَقِّ الرّبوبية. وقوله: ﴿تُزَكِّيهم﴾ أَي تُثْنِي عليهم.
وفي الشرع: عبارةٌ عن تمليك جُزْءٍ من النصاب الحَوْلي للفقير ومَنْ بمعناه، لأَنها توصف بالوجوب. وقيل: هي اسم للقَدْرِ الذي يُخْرَج للفقير، لقوله تعالى: ﴿وآتُوا الزكاةَ﴾، ومعلوم أَنَّ مُتَعَلَّقَ الإِيتاءِ وهو المالُ، لأَنَّ الإِيتاء بدونه من المَحَال. والله ﷾ أَعلم بالأَحوال.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (٤٣).
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٣) سورة المائدة، الآية: (٣).
(٤) أي لفظ الزكاة.
(٥) سورة سبأْ، الآية: (٣٩).
(٦) سورة مريم، الآية: (١٣).
(٧) سورة التوبة، الآية: (١٠٣).
[ ١ / ٤٧٤ ]
لا تَجِبُ إِلَّا عَلى حُرٍّ،
===
هي فريضة لقوله تعالى: ﴿وآتُوا الزكاةَ﴾، وإجماع الأُمة، والأَحاديث الواردة: منها ما رواه الترمذي، وصححه ابن حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم وقال: على شرط مسلم، عن سُلَيْم بن عامر قال: سمعت أَبا أُمامة يقول: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول في حجة الوداع: «اتقوا الله، وصَلُّوا خَمْسَكم، وصوموا شهركم، وأَدُّوا زكاة أَموالكم، وأَطيعوا ذا أَمركم، تدخلوا جَنَّةَ ربِّكم».
ومنها ما رواه أَحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن عمر مرفوعًا: «بُنِي الإِسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أَنْ لا إِله إِلاَّ الله وأَنَّ محمدًا رسول الله، وإِقامِ الصلاةِ، وإِيتاءِ الزَّكاةِ، وحجِّ البيت، وصومِ رمضان».
وكان فرضيتُها في السَّنَةِ التي فُرِض فيها الصومُ، وهي السَّنة الثانية من الهجرة. وقيل: قبل الهجرة إجمالًا، وبعدها تفصيلًا. وهذا أيضًا يَصْلُحُ أَنْ يكونَ وجهًا لتقديم كتاب الزكاة على الصوم.
وفي «المحيط»: قال أَبو الحسن الكَرْخِي: إِنها تجب على الفور. وفي «المنتقى»: إِذا ترك حتى حال عليه حَوْلانِ، فقد أَساء وأَثِم. وعن محمد: إِنْ لم يؤدِ الزكاة لم تُقْبَل شهادته. وذكر ابن شجاع عن أَصحابنا: أَنها على التراخي، وهكذا ذكر أَبو بكر الجَصَّاص.
وفي التحقيق: أَنَّ الأَمر المطلق عن الوقت - وهو الأَمر الذي لم يتعلق أَداء المأمور به فيه بوقت محدود على وجه يفوت الأَداء (بفوته) (^١)، كالأَمر بالزكاة، وصدقة الفطر، والعُشْر، والكفارات، وقضاء رمضان، والنذر المطلق - ذهب أَكثر أَصحابنا، وأَصحاب الشافعي، وعامة المتكلّمين: إِلى أَنَّه للتراخي، وذهب بعض أَصحابنا، منهم الشيخ أَبو الحسن الكَرْخِي، وبعض أَصحاب الشافعي، منهم الشيخ أَبو بكر الصَّيْرفي وأَبو حامد: إِلى أَنَّه للفور، وكذا كل من قال بالتكرار يلزمه الفور. ومعنى يجب على الفور: أَنه يجب تعجيل الفعل في أَول أَوقات الإِمكان. ومعنى يجب على التراخي: أَنه يجوز تأخيره عن أَول أَوقات الإِمكان، لا أَنه يجب تأخيره عنه بحيث لو أتى به فيه لا يُعْتَدُّ بِهِ (^٢)، لأَنه ليس مذهبًا لأَحد.
(لا تَجِبُ) عَبَّر بالوجوب، لأَن بعض مقادير الزكاة ثابت بأَخبار الآحاد، أَوْ لأَن استعمال الوجوب في الفرض - مجازًا - كثيرٌ (إِلاَّ عَلَى حُرَ) احتراز عن
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوع.
(٢) في المطبوع: "لا يعتبر به"، وما أثبتناه من المخطوط.
[ ١ / ٤٧٥ ]
مُكَلَّف،
===
القِنِّ (^١)، والمُدَبَّر (^٢)، وأُمِّ الولد (^٣) والمُكَاتَب (^٤) .
(مُكَلَّف) فلا يجب على صبي ولا مجنون. وقال مالك، والشافعي، وأَحمد: يجب في مالهما، كنفقة الزوجة، والعُشْر، والخَرَاج، وصدقة الفِطْر، لما روى عَمْرُو بنُ شُعَيْب، عن أَبيه، عن جده: أَنَّ النبي ﷺ خطب الناس فقال: «مَنْ وَلِيَ يتيمًا له مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ فيه، ولا يتركه حتى تأكلَه الصدقةُ». رواه الترمذي مرفوعًا، وموقوفًا على عمر ﵁، والدَّارَقُطْنِيّ من طرُقٍ لكنها ضعيفة. وقيل: المراد بالصدقة: النفقة. ولما رُوِيَ عن عمرَ وعليّ ﵄، مِنْ قولهما بوجوبها في مال الصغير. وروى مالك في «الموطأ»، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أَبيه أَنه قال: كنت وَلِيتْني عائشةُ أَنا وخالي يتيمين في حِجْرِها - أَي تربيتها ـ، وكانت تُخْرِجُ من أَموالِنَا الزَّكاة.
ولنا ما روى أَبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه، والحاكم وقال: على شرط مسلم، أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة: عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يَحْتَلِمَ، وعن المجنونِ حتى يَعْقِل». وفي «آثار محمد بن الحسن» قال: أَخبرنا أَبو حنيفة: حدثنا ليث بن أَبي سُلَيْم، عن مجاهد، عن ابن مسعود قال: ليس في مال اليتيم زكاة. ولَيْثٌ: كان أَحد العلماء العُبَّاد، لكنِ اختلط في آخر عُمُرِه، ومعلومٌ أَنَّ أَبا حنيفة لم يكن ليذهب فيأْخذ عنه في حال اختلاطه ويرويه، مع تشديد أَمره في الرواية ما لم يشدده غيره، على ما عُرِف. وروى البيهقي عن لَيْث بن أَبي سُلَيم، عن مجاهد، عن ابن مسعود قال: «مَنْ وَلِيَ مالَ اليتيم فَلْيُحْصِ (^٥) عليه السنين، وإِذا دفع إِليه ماله، أَخبره بما فيه من الزكاة، فإِنْ شاء زَكَّى، وإِنْ شاء ترك». ورُوِي عن ابن عباس أَيضًا، إِلاَّ أَنَّه تَفَرَّدَ بإِسناده ابن لَهِيعَةَ.
والجواب عن الحديث الأَول: أَنَّ أَحمد بن حَنْبَل حكم بعدم صِحَّته، والترمذيَّ
_________________
(١) القِنّ: الرَّقِيق الكامل الرِّق، إِذا لم يحصل فيه شيءٌ من أسباب العتق أو مقدماته، كالمكاتبة والتدبير ونحو ذلك. معجم لغة الفقهاء ص: ٣٧٠.
(٢) المُدَبَّر: الرقيق الذي عُلِّقَ عتقهُ على موت سيّده، ومثاله قول السيِّد لعبده: إِن مِتُّ فأنت حُر. معجم لغة الفقهاء ص: ٤١٨.
(٣) أُمِّ الولد: الأَمة التي حملت من سيدها وأتت بولد. معجم لغة الفقهاء ص ٨٨.
(٤) المُكَاتَب: الرقيق الذي تمَّ عَقْدٌ بينه وبين سيّده على أَن يدفعَ مبلغًا من المال نجومًا - متفرقًا - ليصير حُرًّا. معجم لغة الفقهاء، ص: ٤٥٥.
(٥) في المطبوع: فَلْيَحْصر، وما أثبتناه من المخطوط.
[ ١ / ٤٧٦ ]
مُسْلِمٍ، مَالِكٍ مِلْكًا تامًّا لِنِصَاب نَامٍ وهو إِمَّا بالثَّمَنِيةِ، أَوِ السَّوْمِ، أَوْ نِيَّةِ التِّجَارَةِ مَعَ الحَوْلِ،
===
بضعف سنده. وعن قول عمر وعليّ أَنَّه مُعارَضٌ بقول ابن مسعود، وابن عباس. ولأَن من شروطها النيةَ، وهي لا تتحق من الصبي والمجنون، ولا تُعْتَبَرُ نيَّةُ الولي، لأَنَّ العبادات الواجبة لا تتأَدى بنيّة الغير.
(مُسْلِمٍ) لأَنها عِبادة، والكافر ليس بأَهلها. وهذا في بعض النسخ ليس بموجود، ولعل ذلك لأَن قيد التكليف يُغْني عنه، بناءً على أَنَّ الكافر غير مخاطب بالشرائع عندنا.
(مَالِكٍ مِلْكًا تامًّا) أَي رقبةً ويدًا، فلا يجب على المشتري في مالٍ اشتراه قبل القبض للتجارة، ولا على المولى في عبده للتجارة إذا أَبَق، ولا فيما بِيَدِ عبده المأْذون غير المديون، لأَنَّ يد المأْذون يدُ أَصَالة لا يَدُ نيابة.
(لِنِصَابٍ نَامٍ) ولو تقديرًا، بأَنْ يتمكنَ من استنمائه لكونه في يده أَوْ يد نائبه، (وهو) أَي النمو: (إِمَّا بالثَّمَنِيَّةِ) أَي بِكَوْن المال ثمنًا للأَشياء كالذهب والفضة، (أَوِ السَّوْمِ) أَي الرَّعْي، (أَوْ نِيَّةِ التِّجَارَةِ) في العُرُوض (^١) إِذا اقترنت بعملٍ من أَعمالها، كالشراء والبيع والإِجارة، (مَعَ الحَوْلِ) لأَنه المُمَكِّنُ من النمو، لاشتماله على الفصول الأَربعة التي الغالب فيها تفاوت الأَسعار.
وأَمَّا شرط النصاب، فله شواهد كثيرةٌ منها: حديث الخُدْرِي (^٢) قال: قال رسولُ الله ﷺ «ليس فيما دون خَمْس أَواقٍ من الوَرِقِ (^٣) صَدَقَةٌ، وليس فيما دون خَمْس ذَوْدٍ (^٤) صَدَقَةٌ، وليس فيما دون خَمْسة أَوْسُقٍ صَدَقَة».
وأَما الحولُ فلِمَا في الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عمر - مِنْ طُرُقٍ - مرفوعًا: «ليس في مالٍ زكاةٌ، حتى يحولَ عليهِ الحَوْلُ». وصحح بعضهم وَقْفَهُ على رفعه.
وكذا رواه أَبو داود مرفوعًا، ففي «سنن أَبي داود»، عن عاصم بن حَمْزَة،
_________________
(١) العُرُوض: جَمْعُ العَرْض وهو المتاع، وكلُّ شيء فهو عَرْض سوى الدراهم والدنانير فإِنها عينٌ. معجم لغة الفقهاء، ص: ٣٠٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ٣/ ٢٧١، كتاب الزكاة (٢٤)، باب ما أُدِّي زكاتُه فليس بكنزٍ (٤)، رقم (١٤٠٥).
(٣) الوَرِق: الدَّراهم المضروبة من الفضة، معجم لغة الفقهاء، ص: ٥٠١.
(٤) الذَّوْد من الإبل: من ثلاثة إلى عشرة. معجم لغة الفقهاء، ص: ٢١٥.
[ ١ / ٤٧٧ ]
فَاضِلٍ عن حاجتِهِ الأَصْلِيةِ، وعَن دَيْنٍ مُطَالَبٍ مِنْ عبدٍ
===
والحارِث الأَعْوَر، عن عليّ، عن النبيّ ﷺ أَنَّه قال: «إِذا كانَتْ لك مِئَتا دِرْهَم، وحَال عليها الحَوْلُ، ففيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وليس عليك شيءٌ - يعني في الذهب - حتى يكونَ لك عِشْرون دينارًا، وإِذَا كانَتْ لكَ عِشْرُون دينارًا وحَالَ عليها الحَوْلُ، ففيها نِصْفُ دينار، فما زاد فبِحِسَابِ ذلك قال: لا أَدري أَعَلِيٌّ يقول: فبحسابِ ذلك، أَوْ رفَعَه إِلى النبيِّ ﷺ؟ وليس في مالٍ زكاةٌ حتى يحولَ عليه الحولُ». ولا يَقْدحُ فيه ضَعْفُ الحارث من رواية، لمتابعة عاصم له، فيجب قَبُول رَفْعِه لتوثيق ابن المديني، وابن مَعِين، والنَّسائي إيَّاه. وقد قال النَّوَوي: حديث صحيح أَوْ حسن.
(فَاضِلٍ عن حاجتِهِ الأَصْلِيةِ) لأَنَّ المشغول بالحاجة الأَصلية كالمعدوم في حقّ الزكاة، فلا يجب في دُور السُّكْنى، وثياب البدَن، وأَثاثِ المنزل، ودوابِّ الرّكوب (^١)، وعبيد الخِدمة، وسلاح الاستعمال، وكُتُب العلمِ لأَهلها، وآلات المحترفين لأَصحابها.
فلو كان له قَدْرُ نصاب، لكنْ يحتاج إِلى أَنْ يَصْرِفَه في هذه الأَشياء فلا زكاة فيه، كذا ذُكِر في بعض الشروح، نقله البِرْجَنْدي. وفيه بَحْث، لأَنَّه إِنْ أَراد أَنَّه لا يلزمه بعد الحول، فغير صحيح، وإِنْ كان قَبْلَه فلا كلام فيه.
(وعَن دَيْنٍ) حَالَ أَوْ مُؤَجَّلٍ بأَصالة أَوْ كفالة (مُطَالَبٍ مِنْ عبدٍ)، فلا يمنع الزكاة دَيْنٌ هو نَذْر أَوْ كفارة، أَوْ وجوب حج، لأَنَّ العبد ليس له أَنْ يُطَالِبَ به، ويمنعها دَيْنٌ هو عُشْر، أَوْ خَرَاج أَوْ زكاة عند أَبي حنيفة ومحمد. وفي «المحيط»: وصورته: إِذا حال الحول على النصاب فوجبت الزكاة فيه، لم يجب فيه في الحول الثاني، أَي لاشتغال بعض النصاب بدَيْنِ الزكاة، ولو أُتْلِفَ النصابُ - أَي كُلُّه - بعد الحول الثاني حتى صارت الزكاة - أَيْ زكاة الحول الأَول - دَيْنًا في ذمّته يمنع ذلك وجوب الزكاة، أَي للحَوْل الثاني. وقال زُفَر: لا يمنع كِلاهما. وقال أَبو يوسف: وجوب الزكاة يمنع، ودَيْن الزكاة لا يمنع، لأَنَّ دَيْن الزكاة لا مُطَالِبَ له مِنْ جهة العباد، كالنذْر، والكفَّارة، وصدقة الفِطْر، والأُضحية. وأَما وجوب الزكاة فجزءٌ من النِّصاب صار مُسْتَحَقًَّا فانتقض به النصاب.
ولهما أَنَّ هذا دَيْن له مُطَالِب من جهة العباد، لأَن حقَّ الأَخْذ كان للإِمام في الأَموال الظاهرة والباطنة، لظاهر قوله تعالى: ﴿خُذْ من أَموالهم صدقةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (^٢)،
_________________
(١) في المطبوع: الزرع، وما أثبتناه من المخطوط.
(٢) سورة التوبة، الآية: (١٠٣).
[ ١ / ٤٧٨ ]
فَلا يَجِبُ على مُكَاتَب ولا بعد الوُصول لأَيَّام كان ضِمَارًا، كَمَفْقُودٍ
===
وعلى هذا كان رسولُ الله ﷺ والخليفتان بعده، فلما وَلِيَ عثمانُ وظَهَرَ تَغَيُّرُ الناس كَره أَنْ يُفَتِّشَ العمالُ مستورَ أَموال الناس، ففوَّضَ الأَموال الباطنة إِلى أَربابها نيابةً عنه، خوفًا عليهم من السُّعاة السوء، ولم يختلف عليه الصحابة في ذلك، وهذا (^١) لا يُسْقِطُ طلبَ الإِمام أَصلًا، ومِن ثَمَّ لو عَلِم أَنَّ أَهْلَ بلدة لا يودُّونها طالبهم بها.
وإِنَّما شُرِط في وجوب الزكاة فراغُ المال عن الدَّيْن، لأَنَّ المال مع الدَّيْن مشغول بالحاجة الأَصلية، وهو دفع الحبس عن المَدْيون. والحاصل: أَنَّا لا نُوجِبُ الزكاة على مديون مُسْتَغْرِق - ولو بكفالة - نِصَابَهُ. وبه قال مالك، وأَوجبها الشافعي في أَظهر أَقواله، لأَنَّ السبب مالٌ نامٍ، ولا خلل في مِلْكِهِ، لأَنَّ الدَّيْن يتعلق بالذِّمَّة لا بالمال، ولذا يَنْفُذُ تصرفه فيه ببدلٍ، وبغيره، ولا في النماء لأَنَّهُ مُعَدٌّ للتجارة وضعًا أَوْ فعلًا.
ولنا ما في «الموطأ» عن السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ، أَنَّ عثمانَ كان يقول: هذا شَهْرُ زكاتكم، فَمَنْ كان عليه دَيْنٌ فليؤد دَيْنه، حتى تخلص أَموالكم، فتؤدون منها الزكاة، ولأَنه مشغول بحاجته (^١) الأَصلية، وهي رفع المطالبة، والملازمة، والحبس في الحال، والمؤاخذة في المآل. إِذِ الدَّيْنُ يَحُولُ بينه وبين الجنة، وأَي حاجة أَعْظَمُ من هذه، فاعْتُبِرَ معدومًا، كالماء المُسْتَحَقِّ للعطش، وثياب البِذْلَة (^٢)، وعبيد الخدمة. ولأَنَّ المديون فقير، ولهذا يَحِلُّ له الصدقة مع تَمَكُّنِهِ من ماله، والصدقة لا تَحِلُّ لِغَنِي ولا تجب إِلاَّ على غَنِي.
(فَلَا يَجِبُ على مُكَاتَب) وإِنْ زاد ما بيده على مال كِتَابَتِهِ، لأَنه مالك لما في يده من المال يدًا لا رقبةً، لأَن كَوْنَه رِقًَّا ينافي أَنْ يَملِكَ من كُلِّ وجه. (ولا بعد الوُصول) إلى المال (لأَيَّام) أَي لأَجل أَيَّام (كان) إلى المالُ (ضِمَارًا) فيها، بأَنْ كان المالُ عينه قائمة، ولا يَقْدِرُ المالك على الوصول إِليه، لأَنَّ المال حينئذٍ مملوكٌ رقبةً لا يدًا، لعدم القدرة عليه.
(كَمَفْقُودٍ) هذا وما عُطِفَ عليه مِثَالٌ للمال الضِّمَارِ، والمفقود يتناول الآبق إِذا كان عبدًا للتجارة، والمال الساقط في البحر، والمدفون في البرية. وأَمَّا المدفون في البيت فليس بِضِمَار، لأَنَّه يمكن الوصول إِليه، وفي المدفون في أَرض الرجل أَوْ كَرْمه، اختلف مشايخ بُخَارى، فقيل: يجب لإِمكان حَفْرِ جميع الأَرض، وقيل: لا يجب لأَنَّ
_________________
(١) أي: وهذا التفويض للناس بأموالهم الباطنة.
(٢) البِذْلة: ما يُلْبَس في المهنة والعمل ولا يصان، المعجم الوسيط، ص ٤٦، مادة بَذَلَ.
[ ١ / ٤٧٩ ]
ومَجْحُودٍ لا حُجَّة عليه، ومَأخُوذٍ مُصَادَرَةً.
وشُرِطَ النِّيَّةُ وقتَ الأَداء أَوِ العَزْلِ،
===
في حفرها حَرَجًا.
(ومَجْحُودٍ) سواء كان دينًا أَوْ غَصْبًا، واحترز به عن المُقَرِّ به سواء كان المُقِرُّ غنيًا أَوْ فقيرًا (لا حُجَّة عليه)، بل أَقام رَبُّ المال البينةَ بعد سنين على الإِقرار به. وإِنَّما قيد به لأَن المجحود الذي عليه بينة، أَوْ عَلِمَ القاضي به، يجب الزكاة فيه للأَيام الماضية، لإِمكان الوصول إِلى المال إِنْ كانَ الخصم مُوسِرًا، وإِلى تحصيله إِنْ كان مُعْسِرًا. وقال بعضهم: إِنَّه لا زَكاة عليهِ سواء كان له بينة أَوْ لم يكن، إِذْ ليس كلُّ شاهددُيقبل، ولا كُلُّ قاضٍ يَعْدِل، وفي المجاثاة بين يديه ذُلّ في الخُصُومة، فكان له أَنْ لا يَذِلَّ نفسه.
(ومَأْخُوذٍ مُصَادَرَةً)، لما رَوَى مالِك في «مُوَطَّئِهِ»: أَنَّ عمرَ بن عبد العزيز كتب في مالٍ قبضه بعضُ الولاةِ ظُلْمًا، فأَمَرَ بِرَدِّه إِلى أَهله، ويؤخذ زكاته لِمَا مضى من السنين، ثم أَعقب بعد ذلك بكتاب، لا تؤخذ منه إِلا زكاة واحدة، فإِنَّه كان ضِمَارًا. ولِمَا روى ابن أَبي شَيْبَة في «مُصَنَّفِهِ» عن عبد الرحمن بن سليمان، عن عمرو بن مَيْمُون قال: أَخذ الوليدُ بنُ عبد الملك مالَ رجلٍ مِنْ أَهل الكوفةِ - يقال له أَبو عائشة - عشرين أَلفًا، فأَلْقَاها في بيت المال، فلما وُلِّيَ عمر بن عبد العزيز، أَتاه ولده فرفعوا مَظْلِمَتَهُم إِليه، فكتب إِلى ميمون: أَنِ ادفعوا إِليهم أَموالهم، وخذوا زكاة عامهم، فإِنَّه لولا أَنَّه كان مالًا ضِمَارًا أَخَذْنَا منه زكاة ما مضى. وهذا مذهب الحسن البصري، وبه قال مالك، خلافًا للشافعيِّ وزُفَر، لأَن وجوب الزكاة باعتبار المِلْك دون اليد، أَلا ترى أَنَّ ابن السبيل يلزمه الزكاة لما مضى إِذا وصلت يده إلى ماله لقيام مِلْكِهِ فيه، وكذلك في المَغْصُوب، فإِنَّ بالغصب ونحوه يَنْعَدِمُ يدُ المالك عنه دون ملكه.
ولنا ما ذكره سِبْطُ بن الجوزي في «آثار الإِنصاف» عن عثمان، وابن عمر: لا زكاة في مال الضِّمار. وأَمَّا عَزْوُ صاحب «الهداية» إِلى عليَ فليس بمعروف، ولأَنَّ وجوب الزكاة باعتبار معنى النماء، وقد اشتد على المالك طريق تحصيل النماء فيه، فانعدم ما لأَجْلِهِ كان نصابُ الزكاة، بخلاف ابن السبيل فإِنَّ النَّماء يَحْصُلُ له بيد نائبه كما يحصل بيده.
(وشُرِطَ) لأَدائها وصَيْرُورَةِ المُؤَدَّى زكاة (النِّيَّةُ) في الزكاة لأَنها عبادة (وقتَ الأَداء) أَي المُسْتَحَقُّ، لأَن الأَصل في النيّة أَنْ تقترنَ بالعبادة، (أَوِ العَزْلِ) أَي عَزْل
[ ١ / ٤٨٠ ]
إِلَّا أَنْ يَتَصدَّقَ بالكُلِّ.
===
المِقْدَار الواجب من المالِ، لأَن الزكاة عبادة، فلا تتأَدى بلا إِخلاص، قال الله تعالى: ﴿وما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ له الدِّينَ﴾ (^١)، ولا إِخلاص بلا نيّة، وقد صح حديثُ: «إِنَّما الأَعْمَالُ بالنِّيَّات» (^٢) . والأَصلُ اقتران النيّة بالأَداءِ كما في الصلاة إِلاَّ أَنَّ الدفع يتفرق ظاهرًا، فاكْتُفِيَ بوُجُودِ النِّيَّةِ عَنْدَ العَزْلِ تَيْسيرًا على المُؤَدِّي، كجواز تقديمها في الصوم للعجز عن اقترانها بأَوَّل الصبح.
(إِلاَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بالكُلِّ) فلا يُشْتَرَطُ النيةُ استحسانًا، لأَن النصاب محل الوجوب، وقد حصل بجميعه للفقير، فحصل له القدر الواجب، إِذْ الغَرَضُ من النيّة التعيينُ، ولا حاجة هنا إِلى التعيين. والحاصل: أَنَّ التصدُّق بكل المال بلا نية زكاة يُسْقِطها، لأَنَّ الواجب جزء (من) (^٣) النصاب، فإِذا أَدَّى الكُلَّ فقد أَدَّى الواجب ضرورة. بَقِيَ أَنَّ النية شَرْط، ولم يوجد. وأُجِيبَ بأَنَّ الواجب نيةُ أَصْل العبادة لِيَمْتَازَ عن العادة، وقد وُجِدَت إِذِ الكلامُ فيما إِذا تصدّق على الفقير، والصدقة ما يُرَاد بها رَضَا الله تعالى تعالى عنه، ونيَّة الفرض إِنَّما تُشْتَرَطُ لِتَحْصِيل التعيين، وذا عند عدم التعيين، والواجب مُتَعَيِّنٌ في هذا النصاب، فلا حاجة إلى التعيين، وصار كما إِذا نوى في رمضان الصوم مطلقًا، فإِنَّه يقع عن الفرض وإِنْ لم يُعَيِّنْهُ لَتَعَيُّنِهِ.
ولو تَصَدَّقَ ببعض النصاب، سقط زكاة ذلك البعض عند محمد، لأَن الوجوب شائع في الكل، فسقط منها بحصة ما تصدّق به، لأَن البعض مُعْتَبرٌ بالكل، ولهذا لو هلك البعض يهلك بما فيه، كما لو هلك الكل. وعند أَبي يوسف لا تسقط لجواز أَنْ يكون الباقي هو المحل للوجوب. ولو كان له دين على فقير فأَبْرَأَهُ منه، سقط زكاته، نوى أو لم ينو، ولو أَبرأه عن بعضه ففي سقوط زكاة ذلك البعض ما تقدم من الخلاف. ولو نوى (بما أَبْرَأَ منه الأَداءَ) (^٤) عن الباقي، أَوْ عن دين آخر لا يجزيه. ولو كان له دين على غني فوهبه له بعد وجوب الزكاة، قيل: يضمن القَدْرَ الواجب، وقيل: لا يضمن.
_________________
(١) سورة البيِّنة، الآية: (٥).
(٢) أخرجه الإِمام البخاري في صحيحه (فتح الباري) ١/ ٩، كاب بدء الوحي (١)، باب كيف كان بدء الوحي إِلى رسول الله - ﷺ - (١)، رقم (١).
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) سقط من المطبوع.
[ ١ / ٤٨١ ]