وهي أمُّ العبادات، وأساسُ الطاعات، وماحيةُ الذُّنُوب، ونَاهِيَةُ السيئات. وقدَّمَ عليها كتاب الطهارة التي هي من شرائطها، لكونها مِفْتَاح الصَّلاة، ومِصْبَاح الصلاة. ومسائلها الكثيرة من المهمات.
ثمَّ هي في اللغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِم إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (^١) . وقوله عليه الصلاة السلام: «وصلَّت عليكم الملائكة» (^٢) . وقوله: «إذا دُعِيَ أحدكم إلى طعامٍ فليُجِبْ، فإن كان مُفْطِرًا فليأكُل، وإن كان صائمًا فلْيُصَلِّ» (^٣)، أي: فَلْيَدْعُ لصاحبه بالخير والبركة.
وفي الشرع: الأفعال المعلومة المعهودة من الشرائط والأركان المعدودة.
وكان فرض الصلوات الخمس ليلة المِعْرَاج - وهي: ليلة السبت لسبع عشرة خَلَتْ من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا - من مكة إلى السماء. ومن يَرَى أنَّ المِعْرَاج من بيت المقدس، وأنه مع الإسراء في ليلةٍ واحدةٍ، فليلةُ الإسراء قبل الهجرة بسنة لسبع عشرة من شهر ربيع الأول، وبه جَزَم النووي في «شرح مسلم»، قال ابن الأثير: إنه الصحيح. أو لاثنتي عشرة من شهر ربيع الأول على حَسَب اختلافهم، هذا هو المشهور.
وعن الزُّهْرِي: أن الإسراء، وفَرْضَ الصلوات الخمس، كان بعد البعث بخمس سنين. وفي سِيَر «الروضة» للنووي: أنه كان في رَجَب. وكانت الصلاة قبل الإسراء صلاتين: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. قال تعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بَالْعَشِيِّ والإِبْكَارِ﴾ (^٤) .
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: (١٠٣).
(٢) رواه أبو داود في سننه ٤/ ١٨٩، كتاب الأطعمة (٢٦)، باب ما جاء في الدعاء لرب الطعام … (٥٤)، رقم (٥٤ - ٣٨).
(٣) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ١٠/ ٢٨٥.
(٤) سورة غافر، الآية: (٥٥).
[ ١ / ١٧٥ ]
وَقْتُ الصُّبْح من الفَجْرِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقُ إلى الطُلُوعِ
===
ثم العبادة نوعان: مُوَقَّتة كالصلاة، وغير مُوَقَّتة كالزكاة، قال تعالى: ﴿إنّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (^١) أي فرضًا مُوَقَّتًا.
(وَقْتُ الصُّبْحِ) أي صلاته، وبدأ به، لأنه لا خِلَاف في أَوَّله وآخره، أو لأنه أول النهار الشَّرْعي، أو لأنه كان مفروضًا من قبل. وبدأ محمد ﵀ في «الأصل» بوقت الظهر، لأن جبرائيل في بيان الأوقات بدأ به.
(مِنَ الفَجْرِ المُعْتَرِضِ) أي الذاهب (في الأُفْقِ) عَرْضًا، ويُسَمَّى صادقًا. واحترز به عن الفجر المُسْتَطِيل الذي يَبْدَأُ كذَنَبِ الذئب، ثم يَعْقُبُه الظلام، ولهذا يُسَمَّى كاذبًا، ولقوله ﵊: «لا يَمْنَعَنَّكم من سَحوركم أذان بلال ولا الفجر المُسْتَطِيلِ، ولكن الفجر المُسْتَطِير في الأُفُقِ». هكذا في الترمذي، وفي «الصحيحين»: «لَا يُغَرَّنكم أذان بلال ولا الفجر المُسْتَطِيل، إنما الفجر المُسْتَطِير في الأفُق». وروى أبو داود في «سننه» عن بلال: أن رسول الله ﷺ قال له: «لا تُؤَذِّن حتى يسْتَبِين لك الفجر»، ومدَّ يَدَهُ. وسكت عنه أبو داود.
ثم يمتد الوقت منه (إلى الطُّلُوعِ) أي إلى طلوع الشمس إجماعًا، ولقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ (^٢)، ولما في مسلم أنه ﵊ قال: «وقت صلاة الفجر: ما لم يَطْلُع قَرْنُ الشمس الأوَّل، ووقت صلاة الظهر: إذا زالت الشمس عن بطن السماء، ما لم يَحْضُر العصر، ووقت صلاة العصر: ما لم تَصْفَرَّ الشمس ويَسْقُط قرنها الأول، ووقت صلاة المغرب: إذا غابت الشمس، ما لم يَسْقُط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل».
وفي رواية أخرى لمسلم: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يَحْضُر العصر. ووقت العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يَغِبِ الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تَطْلُع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمْسِك عن الصلاة، فإنها تَطْلُع بين قرني الشيطان».
ولِمَا روى أبو داود، والطَّحَاوي، والترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، والحاكم وقال: صحيحُ الإسناد، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «أمَّنِي جبرائيل عند البيت مرتين، فصلّى الظهر في الأولى حين كان الفَيءُ مثل الشِّرَاك، ثم
_________________
(١) سورة النساء، الآية: (١٠٣).
(٢) سورة طه، الآية: (١٣٠).
[ ١ / ١٧٦ ]
والظّهرِ من الزَّوالِ إلى بُلُوغ ظِلِّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيهِ، سَوِى فَئ الزَّوَالِ، وفى روايةٍ: مِثْلهُ.
===
صلّى العصر حين كان كل شيء مثل ظلِّه، ثم صلّى المغرب حين وَجَبَتِ الشمس - أي سَقَطَتْ - وأفطر الصائم، ثم صلّى العِشَاء حين غاب الشَّفَقُ، ثم صلَّى الفجر حين بَزَغ الفجر - أي طَلَع - وحَرُم الطعام على الصائم. وصلّى المرة الثانية الظهر حين كان ظلُّ (كل) (^١) شيءٍ مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلّى العصر حين كان ظلُّ كل شيء مِثْلَيْه، ثم صلّى المغرب لوقته الأوّل، ثم صلّى العشاء الآخرة حين ذهب ثُلُث الليل، ثم صلّى الفجر حين أَسْفَرَتِ الأرض - أي أضاءت - ثم التفت إليّ جبرائيل، فقال: هذا وقت الأنبياء من قَبْلِك، والوقت فيما بين هذين الوقتين».
(والظُّهْرُ) أي وقت صلاته (مِنَ الزَّوَالِ) أي زوال الشمس عن وسط السماء، مبدأً (إلى) مَبْدَءِ (بُلُوغِ ظُلّ كل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ) أي قائم على مكان مستوي السطح (سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ) وهو الظلُّ الذي يكون للأشياء وقتَ زَوَال الشمس.
(وفي رِوَايةٍ) رواها الحسن عن أبي حنيفة: إلى بلوغ ظلّ كل شيءٍ (مِثْله) سوى فيء الزوال، وهي قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد وزُفَر، وهو الأظهر لبيان جبرائيل أول وقت كل صلاة بفعله وآخره - غير المغرب - كذلك، ثم قوله: «الوقت فيما بين هذين الوقتين» في رواية ابن عباس، و: «ما بين هذين وقتٌ كلُّه» في رواية جابر.
وعن أبي يوسف: خالفتُ أبا حنيفة في وقت العصر، فقلت: أوله إذا زاد الظل على قامة (^٢)، اعتمادًا على الآثار التي جاءت، وهو إشارة إلى ما ذكرنا. وفي روايةٍ رواها أسدً بن عمرو، عن أبي حنيفة، واختاره الطحاوي: إذا صار ظل كل شيء مثله، خرج وقت الظهر، ولا يَدْخُل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مِثْلَيْه.
لهم: إمامة جبرائيل للنبي ﷺ على ما رواه ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو مسعود الأنصاري، وأبو هريرة، وعمرو بن حَزْم، وأبو سعيد الخُدْرِي، وأنس بن مالك، وابن عمر ﵃.
فأمّا حديث ابن عباس، فقد تقدَّم.
وأمّا جابر، فقال: جاء جبرائيل ﵇ إلى النبي ﷺ حين مَالَتِ الشمس، فقال: قُمْ يا محمد فصلِّ الظهر حين مالت الشمس، ثم مَكَثَ حتى إذا كان فيء
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٢) في المطبوع قائمة، والمثبت من المخطوط.
[ ١ / ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الرَّجُلِ مثلَه، جاءه للعصر، فقال: قُمْ يا محمد فَصَلِّ العصر، ثم مَكَثَ حتى غابت الشمس، ثم جاءه، فقال: قُمْ فَصَلِّ المغرب، فصلاَّها حين غابت الشمس سواء، ثم مَكَثَ حتى غاب الشَّفَقُ، ثم جاءه، فقال: قُمْ فصَلِّ العشاء، فقام فصلاَّها، ثم جاءه حين سَطَعَ (^١) الفجر بالصبح، فقال: قُمْ يا محمد فصَلَّ الصبح، ثم جاء حين كان فيء الرَّجُل مثلَه، فقال: قُمْ يا محمد فَصَلِّ، فصلّى الظهر، ثم جاءه حين كان فيء الرجل مِثْلَيْهِ، فقال: قُمْ يا محمد فَصَلِّ، فصلَّى العصرَ، ثم جاءه المغرب حين غابت الشمس وقتًا واحدًا لم يَزْل عنه، فقال: قُمْ يا محمد صَلِّ، فصلّى المغرب، ثم جاءه للعشاء حين ذَهَبَ ثُلْثُ (^٢) الليل، فقال: قُمْ يا محمد فَصَلِّ، فصلَّى العشاء، ثم جاءه للصبح حين أَسْفَرَ جدًا، فقال: قُمْ يا محمد فَصَلِّ، فصلَّى الصبح، ثم قال: «ما بين هذين وقتٌ كله». قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيلَ - يعني البخاري ـ: حديث جابر أصحُّ شيءٍ في المواقيت.
وأمّا أبو مسعود الأنصاري، فقال نحوًا من قول جابر، وزاد ذكر عدد ركعات الصلاة. رواه إسحاق بن رَاهُويَه في «مسنده» والبيهقي نحوه.
وأمّا أبو هُرَيْرة، فقال: قال رسول الله ﷺ «هذا جبرائيل جاء يعلمكم دينكم، فصلّى الصُّبْح حين طَلَع الفجر …»، ولفظه قريب مِمَّا تقدَّم. رواه الطَّحَاوي والنَّسائي.
وأمّا عمرو بن حَزْم، فقال: «جاء جبرائيل فصلَّى بالنبي ﷺ وصلَّى بالناس حين زالت الشمس الظهرَ»، كما تقدَّم.
وأَمّا أنس، فقال: إن جبرائيل أتى النبي ﷺ بمكة حين زالت الشمس، فأمره أن يُؤَذِّن للناس بالصلاة حين فُرِضَت عليهم، فقام جبرائيل أمام النبي ﷺ وقام الناس خلف رسول الله ﷺ قال: فصلّى أربع ركعات لا يَجْهَرُ فيها بقراءة، فَأْتَمَّ الناسُ برسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يَأْتَمُّ بجبرائيل ﵇. فَذَكر عدم الجهر في الظهر والعصر، والجهر في أُوْلَيي (^٣) المغرب والعشاء، وفي الفجر، وعدمه في الثالثة والأُخْرَيَيْنِ. رواه الدَّارَقُطْنِي مُسْنَدًا، وأبو داود مرسلًا، وهو الأصح.
_________________
(١) في المطبوع: مطلع. والصواب ما أثبتناه لموافقته لما في سنن النسائي حديث رقم (٥٢٥)، والمخطوط.
(٢) في المخطوط: ثلثا، والمثبت من المطبوع وهو الصواب لرواية النسائي حديث رقم (٥٢٥)، والترمذي حديث رقم (١٥٠). ولفظ الحديث هنا للنسائي. فليُتَنَبَّه.
(٣) في المطبوع: أول، والمثبت من المخطوط.
[ ١ / ١٧٨ ]
والعَصْرِ مِنهُ إلى الغُروبِ
===
ولأبي حنيفة ما في «الصحيحين»: أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجلٍ استأجر أجِيرًا، فقال: من يَعْمَل لي من غُدْوَة إلى نصف النهار على قِيرَاطٍ فعملتِ اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين، فأنتم هم. فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: كنا أكثر عملًا، وأقل عطاء. قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أُعْطِيه من أشاء». ومن المعلوم أنه لا يكون النصارى أكثر عملًا، إلاّ إذا كان وقت العصر من صيرورة ظل كل شيء مِثْلَيْه.
فإن قيل: من الزوال إلى صيرورة ظل كل شيء مثله (^١) أكثر من وقت صيرورة ظل كل شيء مثله إلى آخر النهار، فيتحقّق كون النصارى أكثر عملًا على هذا التقدير. أُجِيبَ بأن التفاوت بين هذين الوقتين لا يعرفه إلاّ الحُسَّاب، والمراد من الحديث تَفَاوُتٌ يظهر لكلِ أحد من الأمة. وإذا تعارضت الآثار لا ينقضي (^٢) الوقت بالشك، أو ينقضي (^٣) ولا يدخل (الثاني) (^٤) بالشك على القولين. قال أبو يوسف: هذا استدلالٌ حسنٌ، لكن النص الذي رَوَيْنَا فوق هذا.
وفي «المحيط»: ومعرفة الزوال بأن تُغْرَزَ خشبةٌ مستويةٌ في أرضٍ مستويةٍ قبل الزوال، فما دام الظل يَنْقُص لم تَزُل الشمس، فإذا لم يَظْهَر له زيادة ولا نقص، فهو وقت الظهيرة - أي الاستواء - فإذا أخذ الظل في الزيادة، فقد زالت الشمس، فخُطَّ على رأس الزيادة خطًا، فيكون من الخط إلى العود فيء الزَّوَال، فإذا صار الظل من الخط مِثْلَيْن أو مِثْلًا على الخلاف، فهو وقت (العصر) (^٥) . هذا، ووقت الجمعة: وقت الظهر. وعند مالك: لا يَخْرُج إلى المغرب، وعند الحنابلة: يجوز قبل الزَّوَال.
(والعَصْرِ) أي ووقت صلاة العصر (مِنْهُ) أي من آخر وقت الظهر على الروايتين (إلى الغُرُوبِ) أي غَيْبُوبة الشمس كلها. وقال الحسن بن زياد: إلى الاصفرار، لِمَا رَوَى مسلم من حديث عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ قال: «وقت العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمس».
ولنا: ما في «الكُتُب الستة» من حديث أبي هُرَيْرة: أن رسول الله ﷺ قال: «من
_________________
(١) في المطبوع: مثليه، والمثبت من المخطوط.
(٢) في المطبوع: ينقص، والمثبت من المخطوط.
(٣) في المطبوع: ينقص، والمثبت من المخطوط.
(٤) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٥) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
[ ١ / ١٧٩ ]
والمَغْرِبِ مِنْهُ إلى غَيْبَةِ الشَّفَقِ:
===
أدرك ركعة من العصر قبل أن تَغْرُب الشمس، فقد أدرك العصر». وأُجِيبَ عن حديث عبد الله بن عمر: بأنه محمولٌ على وقت الاختيار.
هذا، وفي «شرح الآثار» للطحاوي: مذهب أصحابنا: أن الوسطى هي صلاة العصر. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم، وسُمِّيَت على هذا وُسْطَى، لأنها بين نَهَارِيَّتَيْنِ وبين لَيْلِيَّتَيْنِ. وروى الترمذي وقال: صحيح الإسناد، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «الصلاة الوسطى: صلاة العصر» وعن مالك، وهو نصُ الشافعي في «الأُمِّ»: أنها الصُّبْح، وهو قول عمر، ومُعَاذ، وجابر، وعطاء، وعِكْرِمة، ومُجَاهِد، والربيع بن أنس. «وفي كشف المُغَطَّى عن الصلاة الوسطى» للحافظ الدِّمْيَاطي: أن فيها سبعة عشر قولًا.
قلت: وإذا صَحَّ الحديث، فلا معنى للاختلاف أصلًا.
ثم الإمام مالك شَرَّك بين الظهر والعصر إذا صار ظل كل شيء مثله بقدر أربع ركعات، حتى لو صُلِّيَت الظهر والعصر من يومين في ذلك الوقت، كانت أداءً عنده، لِمَا تقدَّم من إمامة جبرائيل الظهر والعصر من يومين في ذلك الوقت. وظاهرها يدلُّ على التشريك.
قلنا: معناه صلّى الظهر حين قَرُب الظل من مثله بدليل ما روينا من قوله ﷺ «ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء، ما لم يَحْضُر العصر». وما في الترمذي من قوله ﷺ «إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت الظهر حين تزولُ الشمس، وآخرها حين يدخلُ وقت العصر، وأول وقت صلاة العصر حين يدخلُ وقتها، وإن آخر وقتها حين تَصفرُّ الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تَغْرُب الشمس، وإن آخر وقتها حين يَغِيبَ الشَّفقُ، وإن أول وقت العشاء حين يَغِيبُ الشَّفقُ». وكذا شَرَّك (^١) ما بين العشاءين بقدر أحدهما فيما قبل مغيب الشفق.
(والمَغْرِبِ) أي وقت صلاة المغرب (مِنْهُ) أي من الغروب، لِمَا روى أبو داود، والترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، عن سَلَمة بن الأكَوْع: أنه ﷺ كان يصلِّي المغرب إذ غَرَبت الشمس وتوارت بالحجاب. وهو ممتدٌ.
(إلى غَيْبَةِ الشَّفَقِ): وهو: البياض الذي يَعْقُب الحُمْرَة عند أبي حنيفة، وأحمد، والمُزَني، وطائفة من الفقهاء وأهل اللغة، وعن أحمد: أنه في السفر
_________________
(١) أي الإمام مالك ﵀.
[ ١ / ١٨٠ ]
هُوَ الحُمْرَةُ، وبِهِ يُفْتى
===
الحُمْرة، وفي الحَضَر البياض، لقوله ﵊: «وآخر وقت المغرب إذا اسودّ الأفق». أبو داود من حديث أبي مسعود الأنصاري، وفيه: «ويصلِّي العشاء حين يسودّ الأفق»، وهو مرويٌ عن أبي بكر، ومُعَاذ بن جبل، وعائشة، ورواية عن ابن عباس، وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، واختاره ثَعْلَب.
وأما ما روى الدَّارَقُطْني عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «الشَّفقُ الحُمْرة، فإذا غاب الشفق، وجبت الصلاة» فقال النَّووي: ليس بثابت، وما رواه موقوفٌ على ابن عمر. ذكره مالك في «الموطأ».
هذا، وفي رواية عن مالك والشافعي: أن وقت المغرب مقدار ما يتوضّأ ويصلي خمس ركعات، لأنَّ جبرائيل أمَّ في المغرب في يومين في وقتٍ واحدٍ.
وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور الفقهاء، وأهل اللغة: (هُوَ الحُمْرَةُ) وهو رواية أسد بن عمرو، عن أبي حنيفة (وبِهِ يُفْتَى) لِمَا روى مسلم من حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال: «وقت المغرب ما لم يسقط ثَوْرُ الشفق». وهو بالمثلثة المفتوحة: ثَوَرَان حُمْرَته. ورواه أبو داود: «فور الشفق»، وهو بقية حُمْرته، وسُمِّي فورًا لفورانه وسطوعه، وصحَّفه بعضهم فقال: نُور الشفق، بالنون، ولو صحّت الرواية، لكان له وجه حكاه المُنْذِري في «الحواشي». وقال الخَطَّابي: «فَوْر الشفق»: فَوَرَانه. والحديث حُجَّة على مالك والشافعي في تقديره بسَتْرٍ ووضوء، وأذانين، وخمس ركعات (^١) .
وروى الدَّارَقُطْنِي في «سننه» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «الشَّفق الحُمْرة»، لكن قال البَيْهَقِي: رُوِيَ هذا عن عمر، وعلي، وابن عباس، وعُبَادة بن الصّامت، وشدَّاد بن أوْس، وأبي هريرة، وعليه إطباق أهل اللسان، ولا يصح عن النبيّ ﷺ فيه شيء. انتهى.
وقد نُقل رجوع الإمام إلى هذا القول، لِمَا ثبت عنده من حمل عامة الصحابة الشَّفق على الحُمَرة. واعلم أنَّ قول أبي حنيفة أولًا وافقه زُفَر، لأنه من أثر النهار، وهو قول أبي بكر الصديق، وأنس بن مالك، ومُعاذ بن جَبَل، وعائشة، وأُبَيّ، وابن الزُبَيْر، ورواية عن ابن عباس، وبه قال عُمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم، واختاره المبرَّد وثَعْلب اللغويان، وهو الأحوط في جانب العشاء.
_________________
(١) بسَتْرٍ: أي ستر العورة. هذا، والمفتي به عند الشافعية: "ويبقى وقتها حتى يغيب الشفق الأحمر". انظر: "نهاية المحتاج" ١/ ٣٦٦ - ٣٦٨.
[ ١ / ١٨١ ]
والعِشَاءِ مِنْهُ، والوِتْرِ بَعْدَهُ إلى الفَجْرِ لَهُمَا.
===
(والعِشَاءِ) أي وقت صلاة العشاء الآخرة (مِنْهُ) أي من غروب الشَّفق (والوِتْرِ) أي وقته (بَعْدَهُ) أي بعد العشاء (إلى الفَجْرِ لهمَا) أي للعشاء والوتر، ويحتمل الظرف، أعني بعد أن يكون خبرًا عن الوِتر، كما أن الجار والمجرور - أعني منه - خبر عن العشاء، فيكون المذكور قول أبي يوسف ومحمد: أن وقت الوِتر بعد وقت العشاء، ويحتمل أن يكون الوِتر معطوفًا على العشاء مشاركًا له في الخبر، ويكون الظرف - أعني بعده - في محل النصب على الحال، فيكون المذكور قول أبي حنيفة: أن وقت الوتر والعشاء واحد، لأن الوِتر فرض عنده، والوقت إذا جمع بين فرضين كان لهما كقضاء وأداء اجتمعا وإنما امتنع تقديم الوتر على العشاء عند التذكُّر لوجوب الترتيب.
ولهما: ما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه بسندٍ حسنٍ عن خَارجة بن حُذَافة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «إنَّ الله أمدَّكم بصلاة هي خير لكم من حُمْر النَّعَم، وهي الوِتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر»، وفي رواية الطحاوي: «إن الله زادكم صلاة». وروى أحمد في «المسند» عن مُعَاذ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «زادني ربي صلاةً وهي الوتر، فوقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر».
وقد صنَّف الشيخ علم الدين السخَاوي المُقْرِاء (^١)، تلميذ الشَّاطِبِيّ جزأً ساق فيه الأحاديث التي دلت على فرضية الوتر، ثم قال: فلا يرتاب ذو فَهْم بعد هذا أنها أُلْحِقت بالصلوات الخمس في المحافظة عليها، والجواب عن حديث الأعرابي ظاهر، فإنه كان قبل وجوب الوِتر. وفي قوله: «زادكم» إشارة إلى أنها متأخرة عن الصلوات الخمس. وأما الجواب عن فعله ﷺ إياه على الرَّاحلة، وكذا ابن عمر، فقد روى الطحاوي عنه: أنه كان يصلِّي على راحلته، ويوتر بالأرض. ويَزْعُمُ أن رسول الله ﷺ كان يفعل (الوتر) (^٢)، وما روي عنه ما يخالف ذلك كان قبل تأكده ووجوبه، أو محمول على عذرٍ به في ركوبه.
وثمرة الخلاف تظهر فيمن صلى الوتر قبل العشاء ناسيًا، أو صلاهما مُرَتَّبتين، ثم ظهر فساد العشاء دون الوتر، فعند أبي حنيفة تُعاد العشاء وحدها، لأن الترتيب يسقط بمثل هذا العذر، وعندهما يُعاد الوتر أيضًا، لأنه تَبَعٌ للعشاء، فلا يصح قبلها.
هذا، وفي الطَّحَاوي: وأن ابن جُرَيج قال لأبي هريرة: «ما إفراط
_________________
(١) ولد سنة ٥٥٨ هـ، وتوفي سنة ٦٤٣ هـ. انظر "معجم المؤلفين" ٢/ ٥١١.
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
[ ١ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
صلاة العشاء؟ قال: طلوع الفجر الصادق». وفيه أيضًا أنه يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر، وذلك أن في حديث ابن عباس، وأبي موسى، والخُدْري: «أنه ﷺ أخّرها إلى ثلث الليل». وفي حديث أبي هريرة وأنس: «أنه أخّرها حتى انتصف الليل». وفي حديث ابن عمر: «أنه أخّرها حتى ذهب ثلثا الليل»، وفي حديث عائشة: «أنه أعتم بها حتّى ذهب عامة الليل».
فثبت أن الليل كله وقت لها، ويؤيده كتاب عمر إلى أبي موسى الأشْعَري رضي الله تعالى عنهما: «وَصَلِّ العشاء أيَّ الليل شئت ولا تُغفلها». وعن ابن عباس: «لا تُفَوِّت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى». وفي مسلم عن قَتَادة: «والتفْرِيط أن يؤخّر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى، يدل على بقاء الأولى إلى أن يدخل وقت الأخرى، ووقت الأخرى بطلوع الفجر الثاني. وخُصَّ من ذلك كون آخر صلاة الصبح بطلوع الشمس، للأحاديث الصحيحة الصريحة المؤيَّدة بالإجماع.
ولا يُجْمع عندنا بين ظهر وعصر، ولا بين مغرب وعشاء بسفر أو مطر زمانًا إلا في عرفة ومُزْدَلِفة. وجمع الشافعي ومالك بينهما فيهما مطلقًا، لِمَا روى الطحاوي عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ كان يجمع بين الصلاتين في السفر. وعن أبي الطُّفَيل، عن مُعَاذ بن جبل أخبره: «أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء». وعن عبد الله بن عمر: «أنه كان إذا جَدَّ به السيرُ جمع بين المغرب والعشاء بعدما يغيب الشفق، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان إذا جَدَّ به السير جمع بينهما».
ولنا ما رويناه في عدم التشريك، ومنع دلالة المروي على الجمع بينهما زمانًا، بل كان فعلًا لقول ابن مسعود: «والذي لا إله غيره ما صلّى رسول الله ﷺ صلاة قط إلا لوقتها إلا صلاتين: جمع بين الظهر والعصر بعَرَفة، وبين المغرب والعشاء بِجَمْع (^١)»، متّفقٌ عليه. وقول نافع: «أن ابن عمر جدَّ به السير فراح روحة لم ينزل إلا للظهر أو العصر، وأخَّر المغرِب حتى صرخ به سالم: الصلاة، فَصَمَت ابن عمر حتى كان عند غيبُوبة الشَّفق نزل، فجمع بينهما وقال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع هكذا إذا جَدَّ به السير». وفي رواية: «حتى إذا كاد آخر الشَّفق نزل، فصلّى المغرب، وغاب الشفق فصلّى العشاء، وقال: هكذا كنّا نفعل مع رسول الله ﷺ إذا جَدَّ بنا السير».
_________________
(١) جَمْع: المُزْدَلِفة. مختار الصحاح ص ١١٠، مادة (جمع).
[ ١ / ١٨٣ ]