(ولَزِمَ النَّفْلُ بالشُّرُوعِ) أي في الصلاة ونحوها، حتى لو أفسده لزمه قضاؤه لقوله تعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمالكُمْ﴾ (^٢)، ولأنه عبادة شُرِعَ فيها. فلزم إتمامها وقضاؤها عند إفسادها، كالحج والعُمْرَة إجماعًا لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَة﴾ (^٣) خلافًا للشافعيّ (ومالك) (^٤) في غيرهما.
(إلاَّ بِظَنِّ أنَّهُ) أي النفل من الصلاة والصوم دون الحج والعُمْرة (عَلَيْهِ) أي لازم أو باق لديه. مثل أنْ يشرع في الظهر فيذكر أنه قد صلاه، لأنه شرع فيه مسقِطًا له لا ملتزمًا. وعند زُفَر: يجب عليه القضاء قياسًا على سائر النوافل، كذا في الحصر (^٥) . وأما في النفل فبالعكس. في «القِنْيَة» قال ظهير الدين المَرْغِينَاني: شَرَع في السُّنة، ثم تذكر أنه أداها فقطعها، فعليه القضاء، وقال صاحب «المحيط»: بخلافه، ولو شرع في النفل عند الغروب أو الطلوع، لزمه في ظاهر الرواية. ورُوِيَ عن أبي حنيفة أنه لا يلزمه اعتبارًا بالشروع في الصوم في الأيام المنهي عنه فيها. وَوَجْهُهُ: أنه يكون صائمًا بنفس الشروع، فيصير مرتكبًا للنهيّ فيجب إبطاله، ولا يكون مُصَلِّيًا حتى يسجد. ولهذا
_________________
(١) عَزْوَر: موضع أو ماء قريب من مكة. مراصد الاطلاع ٢/ ٩٣٨.
(٢) سورة محمد، الآية: (٣٣).
(٣) سورة البقرة، الآية: (١٩٦).
(٤) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٥) أي الإِحصار في الحج، حيث يجب عليه القضاء ولو كان مُتَنَفِّلًا.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وقُضِيَ رَكْعَتَانِ لَوْ نَقَضَ في الشَّفْعِ الأَوَّلِ أو في الثَّانِي.
===
يحنث بالشروع لو حلف لا يصوم، ولا يحنث بالشروع لو حلف لا يُصَلِّي حتى يُتِمَّ ركعة. كذا ذكره الشارح. وفيه بحث: إذ كونه صائمًا بنفس الشروع لا يَظْهَر وجهه لا شرعًا ولا عُرْفًا. والركعة الواحدة لا تصح عندنا، فكيف تكون صلاةً.
ثم اعلم أن مالكًا والشافعي قالا بعدم لزوم النفل بالشروع، لأن المُتَنَفِّل متبرع، ولا لزوم على المتبرع، قال تعالى: ﴿ما على المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (^١) . وقالت عائشة: «دخل عليَّ النبيّ ﷺ يومًا فقال: هل عندكم شيء، فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ (^٢)، قال أرنيه، فلقد أصبحت صائمًا، فأكل». وفي لفظ: «فأكل وقال: قد كنت أصبحت صائمًا»، رواه مسلم. فهذا يدل على عدم وجوب الإتمام، ولزوم القضاء مُرَتَّبٌ على وجوبه، فلا يجب واحد منهما.
ولنا ما في «سنن أبي داود والترمذي والنَّسائي»، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: «كنت أنا وحَفْصَة صائمتين فعُرِضَ لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ (فَبَدَرَتْنِي) (^٣) حَفْصَة - وكانت ابنة أبيها - فقالت: يا رسول الله إنّا كنا صائمتين، فعُرِضَ طعام اشتهيناه فأكلنا منه. قال: اقضيا يومًا آخر مكانه». ورواه الطَّبَرانيّ من طريق آخر عن أبي هريرة قال: «أُهْدِيَت لعائشة وحَفْصَة هدية وهما صائمتان، فأكلتا منها، فذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اقضيا يومًا مكانه، ولا تعودا». وحمله على أنه أمر ندبٍ خروجٌ عن مقتضاه بغير موجب يوجب، بل هو محفوف بما يوجب مقتضاه ويؤكده، وهو النهي عن (إبطال الأعمال، ولورود) (^٤) القياس على نَفْل الحج والعُمْرة.
(وقُضِيَ رَكْعَتَانِ) - بصيغة المجهول - وفي بعض النسخ: وقضى ركعتين - بصيغة الفاعل - (لَوْ نَقَضَ) أي أبطل النفل (في الشَّفْعِ الأَوَّلِ أو في) الشَّفْعِ (الثَّانِي). وعن أبي يوسف يقضي أربعًا اعتبارًا للشروع بالنذر. وعنه روايتان فيما إذا نوى ستًا أو ثمانيًا، ثم أفسدها. في رواية: يقضي أربعًا. وفي رواية: يقضي جميع ما نوى. وفي
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: (٩١).
(٢) الحَيْس: هو الطعام المتخذ من التمر والأَقِط والسَّمْن. النهاية: ١/ ٤٦٧.
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط، والصواب إثباته لموافقته لما في سنن الترمذي ٣/ ١١٢، كتاب الزكاة (٦)، باب ما جاء في إيجاب القضاء عليه (٣٦)، رقم (٧٣٥).
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط، حيث العبارة فيه: وهو النهي عن العود والقياس على الخ.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وَتَرْكُ القِرَاءَةِ في رَكْعَتَيْ الشَّفْعِ يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ عِنْدَ أبي حَنِيفَة، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ في رَكْعَةٍ، وعِنْدَ أبي يُوسُفَ لا أصْلًا. بل يُفْسِدُ الأَداءَ. فَيَقْضِي أَرْبَعًا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ فِيمَا تَرْكَ في
===
«المُنْتَقَى» قول أبي يوسف فيما إذا أفسدها بما لا يوجب الخروج عن التحريمة كترك القراءة. وأما إذا أفسدها بالكلام ونحوه، فلا يلزم عنده إلاَّ ركعتان. ولهما: أنه لم يوجد الشروع في الشفع الثاني لا حقيقة ولا حُكْمًا، لأن كل شفع من النفل صلاة على حدة، ولا تَعَلُّق لأحد الشَّفْعَيْنِ بالآخر.
(وَتَرْكُ القِرَاءَةِ في رَكْعَتَيْ الشَّفْعِ) من النفل (يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ عِنْدَ أبي حَنِيفَة) حتى لا يصح بناء الشفع الثاني على الشفع الأول. وأما ترك القراءة في الركعة، فلا يُبْطِلُ التحريمة عنده، لأن كل شفع من النفل صلاة على حدة، وفساد الصلاة بترك القراءة في الركعة الواحدة مجتهد فيه، لأن عند الحسن البَصْرِي لا تفسد، وبه قال زُفَر. فقلنا بالفساد في حق لزوم القضاء، وبقاء التحريمة في حق لزوم الشفع الثاني احتياطًا.
(وعِنْدَ مُحَمَّدٍ) ترك القراءة (في رَكْعَةٍ) يُبْطِلُ (التحريمة) (^١) لأنها تُعْقَد لأفعال الصلاة، والأفعال تفسد بترك القراءة في ركعة. (وعِنْدَ أبي يُوسُفَ لا) تَبْطُلُ التحريمة بترك القراءة (أصْلًا) أي لا في ركعتين، ولا في ركعة، لأن القراءة ركن زائد، بدليل وجود الصلاة بدونها في الجملة، كما في حقِّ الأُمِّيِّ، والأخرس، والمقتدي، فترك القراءة لا يُبْطِلُ التحريمة. (بَلْ يُفْسِدُ الأَدَاءَ)، لأَنه لا صحة للأداء بدون القراءة. وفساد الأداء ليس بأقوى من تَرْكه، فكما أن تركه لا يُفْسد التحريمة، لا يفسدها فساده. كما لو أحرم وقام طويلًا فسكت أو قعد ولم يأتِ بشيء من الأفعال.
ثم اعلم أن ترك القراءة في النفل الرُّبَاعي، إمَّا في بعض الشفع الأول وبعض الثاني، أو في بعض الأول، وجميع الثاني، أو في بعض الثاني، وجميع الأول، أو في جميع الأول والثاني، أو في جميع الأول فقط، (أو في بعض الأول فقط) (^٢)، أو في جميع الثاني فقط. أو في بعض الثاني فقط. فهذه ثمان مسائل متفرعة على الأصول السابقة، أشار إلى تفريعها بقوله:
(فَيَقْضِي أَرْبَعًَا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ فِيمَا) أي في نفل مع (تَرْكَ) القراءة (في
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
[ ١ / ٣٣٦ ]
إحْدَى الأَوَّلِ مَعْ الثَّاني أو بَعْضِهِ. وعِنْدَ أبي يُوسُفَ في أرْبَعِ مَسَائِلَ يُوجَدُ التَّرْكُ في شفْعَيْنِ، وفي البَاقِي رَكْعَتَيْنِ. وعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَكْعَتَيْنِ في الكُل. وإنْ لَمْ يَقْعُدْ في الوَسَط، أو نَوَى أَرْبَعًا وأَتَمَّ اثْنَيْنِ، فَلا شَيِء عَلَيهِ.
ويَتَنَفَّلُ راكبًا مُوميًا خَارِجَ المِصْرِ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ،
===
إحْدَى) شفعه (الأَوَّلِ مَعْ) تركها في جميع شفعه (الثَّاني أو بَعْضِهِ) وأنكر أبو يوسف عن أبي حنيفة قضاء الأربع إذا ترك القراءة في إحدى الأوَّل وبعض الثاني، حين عَرَضَ عليه (محمد) (^١) «الجامع الصغير»، وقال: رَوَيْتُ لك عن أبي حنيفة قضاء ركعتين. قال محمد: بل رَوَيْتَ لي عنه قضاء أربع (ونسيت) (^٢) . واعتمد المشايخ على قول محمد، لأن الأصل المذكور ساعده.
(وعِنْدَ أبي يُوسُفَ) يقضي أربعًا (في أرْبَعِ مَسَائِل يُوجَدُ التَّرْكُ في شَفْعَيْنِ) وهي: ترك القراءة في جميع الشفعين، وفي بعض الأوَّل وبعض الثاني، وفي جميع الأول وبعض الثاني، وفي بعض الأول وجميع الثاني. (وفي البَاقِي) من الثمانية وهي ست مسائل عند أبي حنيفة، وأربع مسائل عند أبي يوسف. يقضي (رَكْعَتَيْنِ، وعِنْدَ مُحَمَّد) يَقْضِي (رَكْعَتَيْنِ في الكُلِّ) ووجه الكل ظاهر من الأصول السابقة. (وإنْ لَمْ يَقْعُدْ في الوَسَط) بأن صلَّى أربعًا ولم يقعد في وسطها (أو نَوَى أَرْبَعًَا وأَتَمَّ اثْنَيْنِ فَلَا شَيِء عَلَيْهِ). أما في المسألة الأولى، فقياسًا على الفرض، واتساعًا في النفل. وقال محمد وزفر بفساده، لأن كل ركعتين منه صلاة. والقعْدَة فرض في آخر كل صلاةٍ فتَرْكُها مُفْسِدٌ كالفجر. ولهما - وهو الاستحسان ـ: أن الأربع صلاة واحدة بسبب أدائها بتحريمة واحدة، فكان القعود فرضًا في آخرها كالظهر. وأمَّا في الثانية، فلأنه لم يَشْرَع في الشفع الثاني، فلم يجب عليه.
(ويَتَنَّفَلُ راكبًا مُوميًا خَارِجَ المِصْرِ) في كل موضع يَقْصُر فيه المسافر (إلى غَيْرِ القِبْلَةِ) أي كيفما توجهت به. لقول ابن عمر: «رأيت النبيّ ﷺ يُصَلِّي على راحلته وهو متوجه إلى خيبر». رواه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي. وفي رواية الدَّارَقُطَنِيّ: «على حمار». ولقول جابر: «رأيت النبي ﷺ يصلّي النوافل على راحلته في كل وجه يُومِاء إيماء، ولكن يخفض للسجدتين عن الركوع». رواه ابن حِبَّان في «صحيحه». ولا يُشْتَرَطُ السفر، وشرَطه أحمد. وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف. وعن أبي يوسف، وهو
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وقَاعِدًا مَعْ قدْرَةِ قِيَامِهِ.
===
مذهب الشافعي، وفي رواية عن أحمد: يجوز التنفل في المصر أيضًا على الدابة، لما رُوِي: «أنَّ النبيّ ﷺ رَكِب الحمار في المدينة يَعُودُ سَعْدَ بن عُبَادة، وكان يُصَلِّي وهو راكب». وفي «الصحيحين» عن عَامِر بن رَبِيعَة قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو على الراحلة يُسَبِّحُ يُومِاء برأسه قِبَل أيِّ وجْهٍ تَوَجَّه، لم يكن يصنع ذلك في المكتوبة».
والسنن الرواتب نوافل، وعن أبي حنيفة: ينزل الراكب لسنة الفجر لأنها آكَد. وعنه: أنها واجبة. وإنما خُصَّ التنفل، لأن أداء الفريضة على الدابة لا يصح إلاَّ لعذر: بأن خاف زيادة المرض، أو سَبُعًا، أو عدوًا، أو كانت الدابة جموحًا، أو كان الطين والوحل بحال يغيب فيه وجهه. ثم هذا إذا كانت الدابة تسير بنفسها. وإنْ كانت تسير بتسيير صاحبها، فالفريضة لا تجوز. كما لا يجوز التطوع، ولا يجوز أيضًا الوتر على الدابة، ولا المنذور، ولا قضاء النفل الذي أُفْسِدَ، ولا صلاة الجنازة، ولا السجدة التي تُلِيَتْ على الأرض. ثم لا فرق بين أنْ يكون في موضع جلوسه، أو في رِكَابَيْهِ (^١) نجاسة أو لا عند عامة المشايخ للضرورة. وقال أبو حفص الكبير، ومحمد بن مُقَاتِل: إذا كانت أكثر من قدر الدرهم لا تجوز الصلاة، اعتبارًا لها بالتي على الأرض.
(و) يتنفل (قَاعِدًا) فعن أبي حنيفة إن شاء محتبيًا، وإن شاء متربّعًا، وإن شاء كالتشهد. وعن أبي يوسف: محتبيًا، لأن عامة صلاة النبيّ ﷺ في آخر عمره كانت بالاحتباء. كذا في «مواهب الرحمن» من غير عزو، ولم أره في غيره. وعن محمد: متربعًا، لأنه أعدل. وعن زُفَر - وهو المختار - كالتشهد، لأنه القعود المعهود في الصلاة.
(مَعْ قُدْرَةِ قِيَامِهِ)، لما روى الجماعة إلاَّ مسلمًا عن عِمْرَان بن حُصَيْن قال: «سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال: من صلّى قائمًا فهو أفضل، ومن صلّى قاعدًا، فله نصف أجر القائم، ومن صلّى نائمًا، أو مُضْطَجِعًَا فله نصف أجر القاعد». وروى مسلم عن ابن عمر مرفوعًا: «صلاة الرجل قاعدًا نصف صلاة القائم». وهذا في صلاة النافلة، لأن صلاة الفرض لا يجوز فيه القعود مع القدرة على القيام بالإجماع، ولأن ثواب القاعد في الفرض للعجز لا ينقص عن ثواب القائم، لما روى البخاري عن أبي موسى (^٢) قال: قال رسول الله ﷺ «إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له
_________________
(١) رَكَابَيْه: الرِّكَاب للسَّرْج: ما توضع فيه الرِّجْل. المعجم الوسيط. ص: ٣٦٨، مادة (ركب).
(٢) في المطبوع: أبي يوسف، والمثبت من المخطوط وهو الصواب، لموافقته لما رواه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ٦/ ١٣٦، كتاب الجهاد (٥٦)، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة (١٣٤)، رقم (٢٩٩٦).
[ ١ / ٣٣٨ ]
وكُرِهَ قَاعِدًا بَقَاءً، وإنْ افْتَتَحَ رَاكِبًا ونَزَلَ بَنَى، وبِعَكْسِهِ فَسَدَ.
===
مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا».
(وكُرِهَ) التنفُّل (قَاعِدًَا بَقَاءً (^١)) بأن يُحْرم قائمًا، ثم يقعد. وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يجوز، لأن الشروع ملزم لأنْ يأتي على صفة شرع فيها، أو بأكمل منها، فأشبه النذر قائمًا. ولأبي حنيفة: أنّ البقاء أسهل من الابتداء، وقد جاز ترك القيام في ابتداء النفل، فيجوز في أثنائه. وفي «المحيط»: رجل صلَّى التطوّع قاعدًا، وإذا أراد الركوع قام فركع، فالأفضل أن يقوم ويقرأ شيئًا، ثم يركع ليكون موافقًا للسنة. وهي ما روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت النبيّ ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا، حتى إذا كَبِرَ قرأ جالسًا، فإذا بَقِيَ عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية، قام فقرأهن ثم يركع». ولو لم يقرأ واستوى قائمًا وركع أجزأه. وإن لم يستوِ قائمًا وركع لم يجزه، لأن ذلك لا يكون ركوعَ قائم، ولا ركوعَ قاعد.
(وإنْ افْتَتَحَ) النفل (رَاكِبًَا ونَزَلَ) بعملٍ قليلٍ بأن ثنى رجله فانحدر من الجانب الآخر (بَنَى) في ظاهر الرواية عنهم. وعن أبي يوسف: أنه يَسْتَقْبِل (وبِعَكْسِهِ) وهو أن يفتتح النفل نازلًا ثم يركب (فَسَدَ). ووجه الفرق: أن الأول أدَّىَ أكمل مما وجب عليه، لأن تحريمته غير موجبة للركوع والسجود. والثاني أدَّى أنقص مما وجب عليه، لأن تحريمته موجبة للركوع والسجود. وأجاز علماؤنا لمن نذر قُرْبة في مكان شريف أداءها فيما دونه شرفًا. ولم يتعين ذلك المكان عنده، وعَيَّنَه مالك والشافعي وزُفَر لظاهر قوله تعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عَاهَدْتُمْ﴾ (^٢)، فيجب أنْ يأتي بما نَطَقَ به.
هذا، وقول صاحب «الهداية»: قوله ﷺ «لا يُصَلَّى بعد صلاة مثلها». غير معروف مرفوعًا. نعم رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» من ثلاث طرق موقوفًا على عمر.
ففي الطريق الأول: أنه قال: «لا يُصَلَّى بعد صلاة مثلها».
وفي الطريق الثاني: «كان يَكْرَهُ أن يُصَلَّى خلف صلاة مثلها».
وفي الطريق الثالث: «كان يَكْرَه أن يُصَلَّى بعد المكتوبة مثلها».
ورواه أيضًا موقوفًا على ابن مسعود من طريق آخر بنحو كلام عمر. فقيل في
_________________
(١) في المخطوط: بناء، والمثبت من المطبوع.
(٢) سورة النحل، الآية: (٩١).
[ ١ / ٣٣٩ ]