ونِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا، والفضة مئتا درهم، كُلُّ عشرَةٍ منها سَبْعَةُ مثاقيل،
===
لأَنَّه شِرَاء.
في «الكافي»: أَنَّ الخِيَار إِلى المالك في الصورتين، لأَن الشارع اعتبر التيسير على أَرباب الأَموال، وذا إِنَّما هو بالخِيَار إِلى المالك.
(نصاب الذهب والفضة)
(ونِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا (^١)، والفضة مئتا درهم) لما في «الصحيحين» من حديث أَبي سعيد، أَنَّ النبيّ ﷺ قال: «ليس فيما دون خَمْس أَواق صدقة». والأُوقية: أَربعونَ درهمًا. ولحديث عَليّ المتقدِّم في اشتراط الحَوْل. ولما قدمناه في كتاب عمرو بن حَزْم: «وفي كل أَربعينَ دينارًا دينار». ولما رواه ابن ماجه عن ابن عمر وعائشة، «أَنَّ النبي ﷺ كان يأْخذُ من كلِّ عشرين دينارًا نِصْفَ دينار، ومن الأَربعين دينارًا (دينارًا) (^٢)». ولقوله ﷺ «هاتوا رُبُعَ العُشُورِ في كلِّ أَربعينَ دِرْهَمًا، وليس عليكم شيءٌ حتى يتم مئتا درهم، فإِذا كانت مئتي درهم ففيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فما زادَ فَعَلى حِسَابِ ذلك» (^٣) .
(كُلُّ عشرَةٍ منها) أَي من الدَّرَاهِم (سَبْعَةُ مثاقيل) ويُسَمَّى وَزْنَ سَبْعة فيكون كُلُّ دِرْهَم نِصْفَ مِثْقَال، وخمسًا فيكونُ الدِّرْهَم أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا. والقِيرَاط (^٤): خمس شَعِيرَات. قيل: أَصْلُهُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ قبل عهد عمر كانت مختلفة، فمنها ما كان عشرين قيراطًا، وبعضها عَشَرَةَ قَرَارِيطَ، وبَعْضُها اثني عَشَرَ قيراطًا، فَأَمَرَ بِضَرْبِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ متساويةٍ، فكان كُلُّ دِرْهَمٍ أَربعة عشَرَ قيراطًا، وهو وزن سبعة، وجمع الناس على ذلك. وقيل: لما أَراد عمر أَنْ يستوفي الخَرَاج بالأَكبر، فالتمسوا منه التخفيف، فجمع حُسَّابَ زمانهِ ليتوسّطوا وليتوفّقوا بين الدراهم كلها، واستخرجوا وزن السبعة، (واستقر) (^٥) الأَمر
_________________
(١) المِثْقال: من وحدات الوزن، ويختلف المثقال لوزن الذهب عن المثقال لوزن الأشياء الأخرى. مثقال الذهب= ٧٢ حبة = ٤.٢٤ غرامًا. مثقال الأشياء الأخرى= ٨٠ حبة = ٤.٥ غرامًا. معجم لغة الفقهاء، ص ٤٠٤.
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع.
(٣) سنن أبي داود ٢/ ٢٢٨، كتاب الزكاة (٣)، باب في زكاة السائمة (٥)، رقم (١٥٧٢).
(٤) القِيرَاط للأشياء وللفضة: هو ما يساوي ٤ حبات= ٠.٢٤٨ غ. معجم لغة الفقهاء، ص: ٤٤٩.
(٥) سقط من المطبوع.
[ ١ / ٤٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عليه.
وقال أَبو عبيد: كانت الدَّرَاهم قبل الإِسلام كبارًا وصغارًا، فلما جاء الإِسلام وأَرادوا ضَرْبَ الدراهم، - وكانوا يزكونها من النوعين - فنظروا إِلى الدِّرْهم الكبير إِذا هو ثمانية دَوَانيق، وإِلى الدرهم الصغير فإِذا هو أَربعة دَوانِيق، فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير فجعلوهما درهمين سواء، كُلُّ واحد سِتَّةُ دَوانِيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل، ولم يزل المثقال في آباد الدهر محدودًا لا يزيد ولا يَنْقُصُ، فوجدوا عَشْرَةً من هذه الدراهم التي واحِدُها سِتَّةُ دوانيق وَزْنَ سبعة مثاقيل سواء، فاجتمع فيه أَنَّ العشرة منها وزن سبعة مثاقيل، وأَنَّهُ عدل بين الكبار والصغار، وأَنَّه موافق لِسُنَّةِ رسول الله ﷺ في الصدقة، فمضت سنة الدراهم على هذا، فاجتمعت عليه الأئمة، انتهى.
وفي «صِحاح الجوهري»: الدَّانِق: سُدُسُ دِرْهَم. والقِيرَاط: نصف دانق. وقال ابن الأَثير: القِيرَاط: جزأ من أَجزاء الدينار، وهو نِصْفُ عُشْرِهِ في أَكثر البلاد. وأَهلُ الشام يجعلونه جُزءًا من أَربعة وعشرين، والياء فيه بَدَلٌ من الراء، فإِن أَصله قِرَّاط مُضَعَّفًا، كما أَنَّ أَصْلَ دِينار دِنَّار، والجمع فيهما قَرَارِيط، ودنانير. وفي «شرح الوقاية»: المِثْقَال: عشرون قِيراطًا، والدرهم: أَربعة عشر قيراطًا، والقِيراط: خمس شعيرات.
وفي «الغاية»: دراهم مصر أَربعة وستون حبة، وهو أَكبر من درهم الزكاة، فالنصاب منه مئة وثمانونَ دِرْهَمًَا وحبتان. وفي «القنية»: المُعْتَبَرُ في الزكاة وزن عشرة دنانير بوزن مكة، يَنْقُصُ عَمَّا عندنا بِثُلُثَي دينار، فلو بلغت الدنانير بوزن بلدتنا ثمانيةَ عَشَرَ وثلثي دينار، يجب فيها الزكاة. وفي ديات «الخُلاصَة»: أَنَّ كل عشرة من مثاقيل مكة تسعة من مثاقيل غيرها. وفي «الفتاوى المنصورية»: يُعْتَبَرُ في كُلِّ زمن عادة أَهْلِهِ، فَيُعْتَبَرُ دَرَاهِمُ ودنانيرُ كل بلدة بوزنها وإِنْ كان وزنها في البلاد متفاوتًا.
قال بعض المحققين: وهذا يقتضي أَنَّ النصاب ينعقد من الصغار، وهو الحق، لأَنَّهم لم يختلفوا في تفاوت الدراهم صِغَرًا وكِبَرًا في زمان النبيّ ﷺ فبالضرورة تكون الأوقية مختلفة أيضًا بالصغر والكبر. وقد أَوْجَب النبيّ ﷺ في خمس آواق الزكاة مطلقًا من غير تقييد بِصِنْف، فإِذا صَدَقَ على الصغيرة خمس آواق يجب الزكاة فيها بالنص.
ويؤيده ما نقل أَبو عُبَيْد: أَنهم كانوا يُزَكُّون من النوعين، ومن هذا - والله تعالى أَعلم - ذهب بعضهم إِلى أَنَّ المُعْتَبَرَ في حَقِّ كل أَهل بلد دراهمهم. ذكره قاضيخان،
[ ١ / ٤٩٨ ]
معمولًا أَو تِبْرًا
===
قال: إِلاَّ أَنّي أَقول: ينبغي أَنْ يقيد بما إِذا كانت دراهمهم لا تَنْقُصُ عن أَقل ما كان وزنًا في زمنه ﷺ وهي ما تكون العشرة وزن خمسة، لأَنها أَقل ما قُدِّر النصاب بِمِئتَين منها. ثم قال: فإن لم يكن لهم إِلاّ دراهم كبيرة كوزن سبعة، فالاحتياط على هذا أَنْ تُزَكَّى، وإِنْ كانت أقل من مئتين إِذا بلغ ذلك لأَقل قَدْر النصاب، وهو وزن خمس.
(معمولًا أَوْ تِبْرًا) (^١) سواء كان المعمولُ سِكَّة (^٢) أو حُلِيًَّا أَوْ آنية. وقال مالك: الحُلِيُّ المباحُ الاستعمالِ للنساء والرجال لا زكاة فيه. وهو أَظهر القولين عن الشافعي، والرواية التي اختارها أَصحاب أحمد عنه. ورواه مالك في «الموطأْ» عن عائشة وابن عمر، ورواه الدَّارَقُطْنِيُّ عن أَسماء وأَنس. ولِمَا رُوِيَ عن جابر، أَنَّه ﷺ قال: «ليس في الحُلِيِّ زكاة» (^٣) . ولقول ابن عمر: «لا زكاة في الحُلِيّ». رواه عبد الرَّزَّاق. وقول أَنس: «ليس في الحُلِيِّ زكاة». رواه الدارقطني.
قلنا: قال البيهقي في «المعرفة»: وما يُرْوى عن عافية بن أَيوب، عن الليث، عن أَبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: «ليس في الحُلِيِّ زكاةٌ»، فباطل لا أَصل له، إِنَّما يُرْوى عن جابر من قوله، وعَافِية بن أَيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعًا كان داخلًا فيما يعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذَّابين.
ولنا عموم قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٤) الآية. وعموم قوله ﷺ «في الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ». رواه البُخَارِي. وهو (^٥) بكسر الراء وتخفيف القاف. والوَرِق: الفضة المَضْرُوبة (^٦)، حُذِفَتْ الواو منه وعوض عنه الهاء كالعِدَة في الوَعْد. وما رواه أَبو داود والنسائي من حديث عَمْرو بنِ شُعَيْب، عن أَبيه، عن جده: «أَنَّ امرأَة أَتَت النبيّ ﷺ ومعها ابنَةٌ لها، وفي يدِ ابنتها مَسَكَتَان غليظتان من ذهب، فقال لها: أَتُعْطِين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ تعالى بهما يوم القيامة سِوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فأَلقتهما إِلى النبيّ ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله». قال ابن القطان: إِسناده صحيح. وقال ابن المنذر في «مُخْتَصَرِه»: إِسناده لا
_________________
(١) التِّبر: سبائك الذهب أَو الفضة قبل ضربها - أي تصاغ - نقودًا. معجم لغة الفقهاء، ص: ١٢٠.
(٢) السِّكَّة: القالب الذي تُصب فيه النقود. معجم لغة الفقهاء ص ٢٤٦، والمقصود هنا: النقود المضروبة.
(٣) سنن الدارقطني ٢/ ١٠٧، كتاب الزكاة، باب زكاة الحُلِي، رقم (٤).
(٤) سورة التوبة، الآية: (٣٤).
(٥) أي الرِّقَة.
(٦) المضروبة: أي المُصاغة، ضرب الشئ إذا صاغه. معجم لغة الفقهاء، ص: ٢٨٣، بتصرف.
[ ١ / ٤٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مقال فيه، ثم بَيَّنَهُ رَجُلًا رَجُلًا.
ورواه الترمذي عن ابن لَهِيعَة، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أَبيه، عن جده قال: «أَتت امرأَتان رسول الله ﷺ وفي أَيديهما سِوَارَان من ذهب، فقال لهما: أَتُؤَدِّيان زكاة هذا؟ قالتا: لا، قال: «أَتُحِبّان أَنْ يُسَوِّرَكُما اللهُ سِوَارَين من نار»؟ قالتا: لا، قال: فأَدِّيَا زكاته. قال الترمذي: ورواه المُثَنَّى بنُ صبَّاح، عن عمرو بنِ شُعَيْب نحو هذا. وابن لَهِيعة والمُثَنَّى يُضَعَّفَان في الحديث. ولا يصح في هذا الباب عن النبيِّ ﷺ شيءٌ.
قال المُنْذِري: لعل الترمذي قصد الطريقين اللَّذَين ذكرَهما، وإِلاَّ فطريق أَبي داود لا مقالَ فيه. وقال ابن القَطَّان بعد تصحيحه لحديث أَبي داود: إِنما ضَعَّف الترمذي هذا الحديث، لأَنَّ عنده فيه ضعيفين: ابن لَهِيعَة، والمُثَنَّى بن الصبَّاح. وفي أَبي داود أَيضًا عن عَتَّابِ بن بَشير، عن ثابت بن عَجْلان، عن عطاء، عن أُم سَلَمَة قالت: «كُنْتُ أَلبَس أَوْضَاحًا من ذهب، فَقُلْتُ: يا رسولَ الله، أَكنزٌ هو؟ فقال: ما يبلغ أَنْ تُؤَدَّى زكاته فزُكِّي فليس بكنز». وأَخرجه الحاكم عن محمد بن مُهَاجر، عن ثابت، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولفظه: «إِذا أُدِّيَتْ زكاته فليس بكنز». والأَوضاح: جمع وَضَح، وهو الحُلِيِّ.
ومن الآثار ما في «مصنَّف ابن أَبي شيبةَ»: كتب عمرُ بن الخطاب إِلى أَبي موسى: أَنْ مُرْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ نساءِ المؤمنينَ أَنْ يُزَكِّينَ حُلِيَّهُنَّ ولا تجعلن الزيادة والهدية (^١) بينهن تعارضًا». وفيه أَيضًا: حدّثنا وَكِيعٌ، عن جرير بن حازم، عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن عبد الله بن عمر: أَنه كان يأْمُرُ نساءه أَنْ يُزَكِّين حُلِيَّهُنَّ». وفيه أَيضًا عن عطاء وإِبراهيم وسعيد بن جُبَيْر، وعبد الله بن شَدَّاد أَنَّهم قالوا: «في الحُلِيِّ الزكاة». زاد ابن شداد: «حتى في الخاتم». وأَخرج عن عطاء، وإِبراهيم النَّخَعي أَيضًا أَنهم قالوا: «مَضَتِ السُّنَّة أَنَّ في الحلي الذهب والفضة زكاة». وما في «مصنف عبد الرزاق» عن ابن مسعود قال: «في الحُلِيِّ زكاةٌ».
وروى أَبو داود، والحاكم - وقال: على شرط الشيخين - عن عائشة قالت: «دَخَلْتُ على رسولِ الله ﷺ فَرَأَى في يدي فَتَخَاتٌ مِنْ وَرِق، فقال: ما هذا؟ قلت: صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لك بهن، قال: أَفتؤدِّينَ زكاتهن؟ قلت: لا، قال: حَسْبُكِ من النار».
_________________
(١) حُرِّفت في المطبوع والمخطوط إلى: الهدنة. والصواب ما أثبتناه من "مصنف ابن أبي شيبة" ٣/ ١٥٣، كتاب الزكاة، في زكاة الحُلي ومن "نصب الراية" ٢/ ٣٧٤.
[ ١ / ٥٠٠ ]
فَيَجِبُ رُبُعُ العُشْرِ وفي كُلِّ خُمْسٍ زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ
===
والفَتَخَات - بفاء ومثناة فوقية ومعجمة مفتوحة ـ: خواتم كبار. فالمعنى: أَفتؤدين زكاتهن مع انضمامهن إلى غيرهن مما تجب فيه الزكاة؟
(فَيَجِبُ رُبُعُ العُشْرِ) وهو نصف مثقال في نصاب الذهب وخمسة دراهم في نصاب الوَرِق (وفي كُلِّ خُمْسٍ) - بِضم الخاء المعجمة - (زَادَ عَلَى النِّصَابِ) أَي نصاب النَّقْدَيْنِ، وهو أَربعة دنانير في الذهب، وأَربعون دِرْهمًا في الوَرِق. (بِحِسَابِهِ) عند أَبي حنيفة وما دونه عفو.
وقالا: يجب في كل ما زاد على النصاب بحِسابه، لحديث عليّ المتقدم في اشتراط الحول. ولما روى البخاري من حديث أَنس: وفي الرِّقَةِ (^١) رُبُعُ العُشْرِ». ولما في «سُنن أَبي داود» عن زُهَيْر، عن عاصم بن حمزة والحارث، عن علي قال زُهَيْر: أَحسبه عن النبيّ ﷺ قال: «هاتوا ربع العُشْر: في (^٢) كل أَربعين دِرْهمًا دِرْهَمٌ، وليس عليكم شيءٌ حتى يتم مئتي درهم، فإِذا كانت مئتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد على حساب ذلك …» الحديث. ورواه الدَّارَقُطْنِيُّ مجزومًا به ليس فيه أَحسبه، وصحح ابن القطان إِسناده. ولِمَا في «مُصَنَّفَي عبد الرزاق وابن أَبي شيبة»، عن مَعْمَر، عن أَيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: «في كُلِّ مئتي درهم خمسةُ دراهم، فما زاد فبحساب ذلك». وأَخرجه ابن أَبي شيبة أَيضًا عن عمر بن عبد العزيز وابن سيرين وإِبراهيم النَّخَعِي.
ولأَبي حنيفة رحمه الله تعالى ما روى النَّسائي وابن حِبَّان والحاكم وغيرهم في كتاب النبيّ ﷺ إِلى عمرو بن حَزْم: «في كُلِّ خمس أَواق من الوَرِق خمسة دَرَاهِمَ، وما زاد ففي كل أَربعينَ دِرْهَمًا درهم، وليس فيما دون خَمْسِ أَواق من الوَرِق شَيءٌ».
وفي «أحكام عبد الحق»: روى أَبو أُوَيْس عن عبد الله ومحمد - ابني أَبي بكر بن عمرو بن حَزْم ـ، عن أَبيهما، عن جدّهما، عن النبيّ ﷺ أَنه كتب هذا الكتاب لعَمْرو بن حَزْم حين أَمَّرَهُ على اليمن، وفيه: «والرِّقَةُ ليس فيها صدقةٌ حتى تَبْلُغَ مئتي درهم، (فإِذا بلغت مئتي درهم) (^٣) ففيها خمسة دراهم، وفي كُلِّ أَربعينَ دِرْهَمًا دِرهمٌ، وليس فيما دون الأَربعين صدقةٌ». ولم يعزه عبد الحق لكتاب، وكثيرًا ما يفعل ذلك في
_________________
(١) تقدم شرحها، ص: ٤٩٤، تعليق رقم (١).
(٢) في المطبوع: العُشُور من، وما أثبتناه من المخطوط.
(٣) سقط من المطبوعة.
[ ١ / ٥٠١ ]
ويُعْتَبَرُ الغَالِبُ.
وإِنْ غَلَبَ الغِشُّ يُقَوَّمُ، لا في غَيرِ مَا مَرَّ، إِلَّا بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ عِنْدَ تَمَلُّكِهَا بِغَيْرِ الإِرْثِ إِذا بَلَغَ قِيمَتُهَا نِصَابًا مِنْ أَحدِهِمَا
===
«أَحكامه».
وما في «سُنن الدَّارَقُطْنِيّ» من طريق أَبي إِسحاق، عن المِنْهال بن الجرَّاح، عن حبيب بن نجيح، عن عُبادة بن نُسَيّ، عن معاذ: «أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَرَهُ حين وَجَّهَهُ إِلى اليمن: أَنْ لا تَأْخُذْ من الكسور شيئًا، إِذا كانت من الوَرِق (^١) مئتي درهم فَخُذ منها خمسة دراهم، ولا تأخذ مما زاد شيئًا حتى تبلغَ أَربعينَ دِرْهمًا، وإِذا بلغت أَربعينَ فَخُذْ منها دِرْهَمًا». لكنه ضعيف بالمِنْهال، والله تعالى أَعلم بالحال.
وروى أَبو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّم في كتاب «الأَموال» عن أَنَس قال: «وَلاَّني عُمَرُ بن الخطاب الصدقات فأَمَرَني أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ عشرين دِينارًا نِصْفَ دِينَارٍ، وما زاد فبلغ (أَربعة دنانير ففيه درهم. وأَن آخذ من مئتي درهم خمسة دراهم، فما زاد فبلغ) (^٢) أَربعين دِرْهَمًَا ففيهِ دِرْهَمٌ.
(ويُعْتَبَرُ الغَالِبُ)، فإِن غلب الذهب على الغِشّ وجب زكاة الذهب، وإِنْ غلب الفضة على الغِشّ وجب زكاتها (وإِنْ غَلَبَ الغِشُّ) على الذهب والفضة (يُقَوَّمُ) ويُخْرَجُ من قيمته إِنْ نوى به التجارة، وإِنْ لم يَنْو فإِنْ كان الجيد يتخلص ويبلغ نصابًا وَحْدَهُ أَوْ بالضم إِلى غيره، زَكَّاه، لأَن عَيْن النقدين لا يُشترط فيها نية التجارة. وإِنْ لم يتخلص منه شيء فلا شيء عليه، لأَنها هلكت فيه، إِذْ لم ينتفع بها حالًا ولا مآلًا فَبَقِيَتْ العبرة للغِش وهو عُروض (^٣)، فيعتبر فيه نية التجارة. ولو ساوى الذهب أو الفضة الغش قيل: يجب الزكاة احتياطًا، وقيل: لا يجب، وهو الأَظهر، لعدم الغَلَبة المشروطة للوجوب. وقيل: يجب درهمان ونصف نظرًا إِلى وجهي الوجوب وعدمه وهو الظاهر.
(لا في غَيْرِ مَا مَرَّ) أَي لا تجب الزكاة في غير ما مَرَّ من السوائم والذهب والفضة، وهو العروض (إِلاَّ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ عِنْدَ تَمَلُّكِهَا بِغَيْرِ الإِرْثِ إِذا بَلَغَ قِيمَتُهَا نِصَابًا مِنْ أَحدِهِمَا) أَي من الذهب والفضة، أَنَّث الضمير في «قيمتها» و«تملكها» نظرًا إِلى
_________________
(١) تقدم شرحها ص ٤٧٧، التعليقة رقم (٣).
(٢) سقط من المطبوع.
(٣) تقدم شرحها ص ٤٧٧، التعليق رقم (١).
[ ١ / ٥٠٢ ]
أَنْفَع لِلفَقِيرِ.
===
معنى «غير» - وهي العروض ـ. وفي بعض النُّسخ «قيمته» و«تملكه» بتذكير الضمير نظرًا إِلى لفظ غير. (أَنْفَع لِلفَقِيرِ) أَي حال كون أَحدهما أَنفع له، لأَن في ذلك احتياطًا له.
وقال أَبو يوسف: إِنْ كان ثمنها من النقود قُوِّمَتْ بما اشْتُرِيَت به، وإِنْ كان من غيرها قُوِّمَتْ بالنقد الغالب، وقال محمد: يقوَّم بالنقد الغالب كالمغصوب والمستهلَك.
قَيَّدَ «النيَّة» بعد التملك، لأَن النية لا تُعتبر إِلاَّ إِذا اقترنت بالعمل، كنية السفر لا تُعتبر إِلاَّ إِذا اقترنت بالسفر. فلو اشترى جاريةً ونوى بها التجارة، كانت للتجارة لاقتران النية بالعمل. وإِن نوى بها الخدمة، كانت للخدمة، فإِنْ نوى بها بعد ذلك التجارة، لم تكن للتجارة حتى يبيعها أَوْ يُؤجرها، فحينئذٍ ينعقد الحول على ثمنها.
وقَيَّدَ «التملك» بغير الإرث، لأَن التملك بالإِرث جبري لا اختياري، فلا يمكن اشتراط نيّة التجارة عنده. فلو تملكه بالإِرث لا تجب الزكاة، نوى التملك أَوْ لم ينو. وقال محمد: إِذا قارنت نيةُ التجارةِ الهبةَ، أَوْ الوصيةَ، أَوْ النِّكاحَ، أَوْ الخُلْع، أَوْ الصُلْح عن القَوَدِ - أَي القِصاص - لا تصير تلك العين للتجارة، لأَن النية لم تقارن عملها. ونقل الإِسْبِيجَابي عن القاضي الشهيد: أَنَّ هذا قول أَبي حنيفة وأَبي يوسف، وأَن قول محمد: إِنَّها تكون للتجارة.
ثم اعلم أَنَّ العُروض - بالضم جَمْع عَرَض - بفتحتين: حُطام الدنيا على ما في «المُغْرِب والصحاح»، والعَرْض بسكون الراء: المتاع، وكل شيء فهو عَرْضٌ سوى الدراهم والدنانير، كذا في «الصحاح». وقال أَبو عُبَيد: العُروض: الأَمْتِعَةُ التي لا يدخلها كَيْلٌ ولا وزنٌ، ولا يكون حيوانًا ولا عَقارًا. فعلى هذا جَعْلُهَا هنا جَمْعَ عَرْض - بالسكون - أَولى، لأَنه في بيان حكم الأَموال التي هي غير النقدين والحيوانات، كذا في «النهاية».
والأَصل في ذلك ما في «سُنن أَبي داود» عن جعفر بن سعد: حَدَّثَني حبيب بن سليمان، عن أَبيه، عن سَمُرَةَ بن جُنْدُب: «أَنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَأْمُرُنا أَنْ نُخْرِجَ الصدقَةَ من الذي نُعِدُّ للبيعِ». وسكت عليه، فهو حسن، وقرره غيره أَيضًا.
وأَمَّا قول صاحب «الهداية»: الزكاةُ واجبةٌ في عُروض التجارة كائنةً ما كانت إِذا بلغت قيمتها نِصابًا من الوَرِق أَوْ الذَّهب، لقوله ﷺ فيها: «يُقَوِّمُها فيؤدي من كُلِّ مئتي درهم خمسة دراهم». فغير معروفٍ بهذا اللفظ. وفي «المستدرك» عن أَبي ذَرَ
[ ١ / ٥٠٣ ]