وَوَاجِبُهَا: قِرَاءةُ الفَاتِحَةِ، وضَمُّ سُورَةٍ، أو ثَلاثِ آيَاتٍ،
===
قلنا الحديث ظنّي وإنما يفيد الوجوب عندنا، وإنما فُرِضَ التكبير بدليل آخر، فتدبر. بل التحقيق أنَّ لفظ التكبير في التحريمة واجب، والشروع بذكر الله فرض، كما تقدم، والله ﷾ أعلم.
(وَاجِبَاتُ الصَّلاةِ)
(وَوَاجِبُهَا: قِرَاءةُ الفَاتِحَةِ) وقال مالك، والشافعي، وأحمد: هي رُكْنٌ لما في الكتب الستة عن عُبَادَةَ بن الصَّامتِ قال: قال رسول الله ﷺ «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». ورواه الدَّارَقُطْنِيّ عن زِياد بن أيوب بلفظ: «لا تُجْزِاءُ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وفي «صحيح مسلم»: «من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي (^١) خِدَاج ثلاثًا»، أيْ: ناقصة. وإذا أُطلق النقصان، فالأصل صِدقُهُ على النقصان في الماهية إلاَّ أنْ يقوم الدليل على أنه في الأوصاف.
ولنا ما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة قال: «دخل رجل المسجد فصلّى والنبيّ ﷺ في المسجد، ثم جاء فسَلَّمَ، فردَّ ﵇، وقال: ارجِع فصلِّ فإنك لم تصلِّ، ففعل ذلك ثلاث مرات فقال: والذي بعثك بالحق ما أُحْسِنُ غير هذا فَعَلِّمْنِي فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اجعل ذلك في صلاتك كلها».
وأُجِيبَ عن حديث عُبَادَة: بأنَّ المراد به نَفْيُ الفضيلة نحو: «لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد». رواه الدَّارَقُطْنيّ بحديث ضعيف عن جابر، عن أبي هريرة، والحاكم في «مستدركه»، وسكت عنه. وقال ابن حَزْم: وهو صحيح عن عليّ. وأمّا الجواب عن رواية زِيَاد بن أيوب: فبأنها شاذة، إذ رواية غيره: «لا صلاة لمن لم يقرأ»، وكأن زيادًا زاد في المبنى وروى بالمعنى.
(وضَمُّ سُورَةٍ أو ثَلَاثِ آيَاتٍ) لمواظبته ﵊ عليه، ولِمَا رَوَى أبو داود، وابن حبَّان عن أبي سعيد قال: «أُمِرْنا أنْ نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسّر». ولفظ
_________________
(١) في المطبوع: وهي، والمثبت من المخطوط، وهو موافق لما في رواية مسلم ١/ ٢٩٧، كتاب الصلاة، (٤)، باب وجوب قراءة الفاتحة (١١)، رقم (٤١ - ٣٩٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
وَرِعَايَةُ التَّرْتِيبِ، والقَعْدَةُ الأُولَى، والتَّشَهُّدُ،
===
ابن حبَّان: «أَمرَنا رسول الله ﷺ. ولقوله ﵊: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب فما زاد». رواه جماعةٌ: منهم الحاكم وقال: حديث صحيح، وفي رواية لمسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن فصاعدًا». وفي رواية للترمذيّ، وابن ماجه: «لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها».
ولقوله ﵊: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب وآيتين من القرآن». أي طويلتين، رواه الطبرانيّ. ولقوله ﵊: «لا تُجْزِاء المكتوبة إلاَّ بفاتحة الكتاب وثلاث آياتٍ فصاعدًا». رواه ابن عَدِيّ. ولقول أبي سعيد: «أُمِرْنَا أنْ نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسّر». رواه أبو داود. ولقوله ﵊: «لا تُجْزِاءُ صلاة لا يُقْرَأُ فيها بفاتحة الكتاب، وشيء معها من القرآن». رواه أبو نُعَيْم الحافظ. وبهذا اسْتُدِلَّ لأحد قولي مالك على فرضية الضم. وقال مالك في رواية، والشافعيّ: ضم السورة سنة.
(وَرِعَايَةُ التَّرْتِيبِ) بين القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، واجبٌ. وقال زُفَر: فرض، لأن الصلاة كانت مُجْمَلة، ولم يقع البيان من النبيّ ﷺ إلاَّ كذلك. وأمَّا الترتيب بين التحريمة، والقعدة الأخيرة ففرض اتفاقًا. وفي «المحيط»: القيام والركوع والقعدة لا يُقْضَى بعد فواته لأنه لم يُشرع قُرْبةً بانفراده. والقراءة والسجدة الصُلْبِيَّة وسجدة التلاوة تُقْضَى ما دام في الصلاة، لأنها شُرِعت قربة بانفرادها. انتهى.
ولا يخفى أنّ قضاء القراءة لم يتصوّر في الصبح (^١) وكذا في الوتر والنوافل. وقيل: يجب الترتيب في فعل مكرّر في ركعة، كالسجدة حتّى لو ترك الثانية وقام إلى الركعة الأخرى لا تفسد صلاته. وأمّا تقديم القيام على الركوع، والركوع على السجود، فإنه فرض. لأنَّ الصلاة لا توجد بدون ذلك. كذا في «مواهب الرحمن» وغيره. وفيه نظر لأنهم قالوا: يجب سجود السهو بتقديم ركن، وأوردوا نظيره: الركوع قبل القراءة. وسجدة السهو لا تجب إلاّ بترك الواجب، فعُلِمَ أنَّ الترتيب بين الركوع والقراءة واجب.
(والقَعْدَةُ الأُولَى) واجبة على الصحيح لمواظبته ﷺ عليها، وسجوده للسهو لَمّا تركها وقام ساهيًا. وقال الطَّحاوِي والكَرْخِي: هي سنّة. (والتَّشَهُّدُ) أي جنسه الشامل
_________________
(١) حرف في المطبوع إلى: "الصحيح". والصواب ما أثبتناه من المخطوط. وتوضيح المسألة: أنه إذا ترك القراءه في ركعة من المغرب قضاها في الركعة الثالثة، إذا تركها في الأوليين من صلاة رباعية قضاها في الأُخريين، أما في فرض الصبح فلا يتصور فيه القضاء، لأنه فرض ثنائي والركعتان متعينتان للقراءة.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ولَفْظُ السَّلامِ، وقُنُوتُ الوِتْرِ، وتَكْبِيراتُ العِيدَيْنِ،
===
للأول والثاني، وفي بعض النسخ: والتشهدان بلفظة التثنية، لقوله ﵊ لابن مسعود: «قل: التحيات» (^١) من غير تفرقة بين الأول والثاني، وإذا وجب التشهد الأول وجبت قعدته. وقال مالك والشافعيّ: هما سنتان، وقال أحمد: فرضان ويُجْبَران بالسجود. ثم اعلم أنَّ صاحب «الهداية» عد في هذا الباب: قراءة التشهد في القعدة الأخيرة من الواجبات، وسكت عن قراءة الأولى، وذكر في باب السجود أنَّ قراءته في القعدة الأولى واجبة. فقول المصنف في شرح «الوقاية» وفي «الهداية»: إن قراءة التشهد في القعدة الأولى سنّة، غير مستقيم.
(ولَفْظُ السَّلامِ) أيْ الخروج من الصلاة بلفظ السلام واجب، وقال مالك: التسليمة الأولى فرض. وقال الشافعي وأحمد: التسليمتان فريضتان. وقال سفيان الثوريّ والأوزاعي: سنتان.
لنا: أنَّ النبيّ ﷺ لم يُعَلِّمْه الأعرابي حين عَلَّمَه الصلاة، ولو كان فرضًا لعلَّمه. وقوله ﵊: «إذا قضى الإمام الصلاة وقعد، فأحدث قبل أنْ يتكلم فقد تمّت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتَمَّ الصلاة». رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوي وقد اضْطَرَبُوا فيه. رواه الطَّحَاوِي عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ «إذا قضى الإمام الصلاة وقعد، فأحدث هو، أو أحد ممن أتَمَّ الصلاة معه قبل أنْ يُسَلِّمَ الإمام، فقد تمّت صلاته، فلا يعود فيها». وفي لفظ: «إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته وقضى تشهّده ثم أحدث فقد تمّت صلاته، فلا يعود لها». وفي لفظ: «من أخَّرَ السجود فقد تمّت صلاته إذا هو أحدث»، ونحوه عن عليّ والحسن وابن المُسَيَّب (وعَطَاء وإبراهيم النَخَعِي.
وأما حديث: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم») (^٢) فيفيد الوجوب وقد قلنا به. ولا يُلحق التحليل بالتكبير لثبوته بدليل آخر قطعي، كما تقدم والله تعالى أعلم.
(وقُنُوتُ الوِتْرِ وتَكْبِيراتُ العِيدَيْنِ) ولهذا يجب سجود السهو بتركها، كذا ذكره
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ٢/ ٣١١، كتاب الأذان (١٠)، باب التشهد في الأخيرة (١٤٨)، رقم (٨٣١). وأبو داود في سننه ١/ ٤٩ - ٥٠، كتاب الطهارة (١)، باب فرض الوضوء (٣١)، رقم (٦١). والترمذي في سننه ١/ ٨ - ٩، كتاب الطهارة (١)، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور (٣)، رقم (٣). وابن ماجه في سننه ١/ ١٠١، كتاب الطهارة وسننها (١)، باب مفتاح الصلاة الطهور (٣)، رقم (٢٧٥).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وَتَعْيينُ الأُولَيَيْنِ للقِرَاءَةِ، وتَعْدِيلُ الأَرْكَانِ،
===
الشارح ولم يُظْهِر دليل وجوبهما، ولعله المواظبة عليهما من غير تركهما.
(وتَعْيينُ) الركعتين (الأُولَيَيْنِ للقِرَاءَةِ) لأَنه ﵊ واظب على القراءة فيهما دون غيرهما، ولِمَا رُوِيَ: «أنَّ عمر ترك القراءة في ركعة من صلاة المغرب، فقضاها في الركعة الثالثة، وأنَّ عثمان ترك القراءة في الأُولَيَيْنِ مِنْ صلاةِ العِشَاءِ، فقضاها في الأُخْرَيَيْنِ وجهر». كذا ذكره في «المبسوط».
(وتَعْدِيلُ الأَرْكَانِ) أي تسوية الجوارح في الركوع والسجود حتى تطمئن، وهذا على تخريج الكَرْخِيّ، لأنَّ التعديل شُرِع لتكميل الأركان فيجب كقراءة الفاتحة. وعلى تخريج الجُرْجَانِيّ: هو سنةٌ كتعديل القَوْمَةِ والجَلْسَةِ، وبه قال بعض المالكية. ويؤيّد الأول مواظبته ﵊ (فعلًا وقولًا، وقد نَزَّل الله الأحكام في كتابه مجملًا، فَبَيَّنه ﵊) (^١) مفصَّلًا، وقد ثبت عنه ﷺ: «صلّوا كما رأيتموني أُصَلِّي» (^٢) وقد ركع، واطمأنّ وأتمَّ القومة والقعدة. فيكون إمّا واجبًا، وإمّا فرضًا، كالقعدة الأخيرة المحتج بها بالمواظبة بل أوْلَى لِمَا سيأتي من الأحاديث الواردة.
وقال أبو يوسف، وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد: تعديل الركوع والسجود والقيام عنهما والجلوس بين السجدتين فرض، لقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ». رواه الشيخان، والترمذي، وأبو داود وغيرهم.
ولهما أنَّ الله تعالى أمر بالركوع: وهو الانحناء، وبالسجود: وهو وضع الجبهة على الأرض، فتَتَعَلَّق الفرضية بهما. وقد روى أبو داود والترمذيّ والنَّسائيّ في آخر حديث المسيء صلاته: «فإذا فعلت هذا فقد تمّت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك». فوصفها بالنقصان عند فقد التعديل، ولو كانت باطلة لوصفها بالزوال والذهاب. وأيضًا لو كان التعديل فرضًا، لَمَا أقرّه ﵊ إلى آخر الصلاة، ولأمره بالإعادة على الفور لأنَّ المُضِيَّ على الفاسد عبث، وإنما أمره بالإعادة جبرًا للنقصان، وزجرًا له عن العادة الذميمة، وبهذا نقول. فعن السَّرَخْسِي: مَنْ تَرَكَ الاعتدال تلزمه الإعادة. ومن المشايخ من قال: يلزمه، ويكون الفرض هو الثاني. ولا
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.
(٢) رواه البخاري في صحيحه (فتح الباري) ١٣/ ٢٣١، كتاب أخبار الآحاد (٩٥)، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد … (١)، رقم (٧٢٤٦).
[ ١ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إشكال في وجوب الإعادة إذ هو الحكم في كل صلاة أُدِّيَت مع الكراهة التحريمية، ويكون جابرًا للأول لأن الفرض لا يتكرر. وجَعْلهُ الثاني يقتضي عدم سقوطه بالأول، وهو لازم من ترك الركن لا الواجب.
وقال بعض المحققين: وينبغي أنْ تكون القَوْمة والجَلْسة واجبتين للمواظبة، ولعله كذلك عندهما ويدل عليه إيجاب سجود السهو فيه كما ذُكِرَ في «فتاوي قَاضِيخَان» في فصل ما يُوجب السهو، قال: المصلي إذا ركع ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خرّ ساجدًا ساهيًا، تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد وعليه السهو. ويُحْمَل قول أبي يوسف: أنها فرائض، على الفرائض العملية وهي الواجبة، فيرتفع الخلاف. انتهى. إلاَّ أنَّ الحَمْلَ بعيد، لِحُكْمِهِ عند فوتها بعدم الصحة، عمدًا كان أو سهوًا وحكمهما بصحتها ناقصة في الأول، مجبورة بسجود السهو في الثاني.
ثم اعلم أنَّ المراد من حديث المسيء صلاته ما ورد في «الصحيحين» عن أبي هريرة من قوله ﷺ للأعرابي الذي دخل المسجد، فصلّى ثم جاء فسلّم عليه، فقال: «ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ». حتى فعل ذلك ثلاث مرار فقال الرجل: «والذي بعثك بالحق ما أُحْسِنُ غير هذا فَعَلِّمْنِي، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، فإذا فعلت هذا فقد تَمَّتْ صلاتك».
زاد أبو داود: «وما انْتَقَصْتَ من هذا، فقد انْتَقَصْتَ من صلاتك»، وفي الترمذي: فقال الرجل في آخر ذلك: «فأرِنِي وعَلِّمْني، فإنما أنا بشر أُصيب وأخطاء، فقال: أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهَّد فأقم أيضًا، فإنْ كان معك قرآن فاقرأ، وإلاّ فاحمد الله وكَبِّره وهَلِّله، ثم اركع فاطمئن راكعًا، ثم اعتدل قائمًا، ثم اسجد فاعتدل ساجدًا، ثم اجلس فاطمئنَّ جالسًا، ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تَمَّتْ صلاتُك، وإن انتقصتَ منه شيئًا فقد انتقصت من صلاتك».
وفي النّسائي: «فدخل رجل فصلّى ركعتين ثم جاء فسلّم على النبيّ ﷺ وقد كان يَرْمُقُه (^١) في صلاته فَرَدَّ ﵇، ثم قال ارجع فصلّ حتى كان عند الثالثة أو
_________________
(١) يرمقه: أي ينظر إليه شَزْرًا. النهاية: ٢/ ٢٦٤. والشَّزْر: نظر الغضبان بمؤخَّر عينه. مختار الصحاح. ص ١٤٢ مادة (شزر).
[ ١ / ٢٣٥ ]
والجَهْرُ والإِخْفَاءُ فيما يَجْهَرُ ويُخْفِي.
===
الرابعة، فقال: والذي أنزل عليك الكتاب لقد جَهِدْتُ، فأرني وعَلِّمْنِي، قال: إذا أردت أن تصلي فتوضأ، فأحسن وضوءك ثم استقبل القبلة، فكبّر ثم اقرأ، ثم اركع»، وساقه بمعنى رواية أبي داود.
هذا، وفي «السنن الأربعة» من قوله ﵊: «لا تُجْزِاء صلاة لا يُقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود». قال الترمذي: حديث حسنٌ صحيحٌ. وفي ابن ماجه عن عبد الله بن بَدْر أنَّ عبد الرحمن بن علي حدَّثه: «أنه أتاه عليّ بن شيبان وحدَّثه: أنَّه خرج وافِدًا إلى رسول الله ﷺ قال: فَصَلَّيْنَا خلف رسول الله ﷺ فلمح بمؤخر عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف قال: يا معشر المسلمين إنه لا صلاة لمن لم يُقِم صلبه في الركوع والسجود».
وفي البخاري عن حُذَيْفَة: «أنه رأى رجلًا لا يتم ركوعًا ولا سجودًا، فلما انصرف عن صلاته دعاه حُذَيْفَة فقال له: منذ كم صليت هذه الصلاة؟ قال: صليتها منذ كذا وكذا، فقال حُذَيْفَة: ما صلّيت بَعْدُ صلاة وأحسبه قال (^١): - ولو مُتَّ، مُتَّ على غير سنّة محمّد ﷺ. ومثل هذا إنما يقال سماعًا لا رأيًا.
(والجَهْرُ والإِخْفَاءُ) أي يجبان على الإمام (فيما يَجْهَرُ ويُخْفِي) فيجهِر القراءة في صلاة الفجر وأُولَيَي العشائين (^٢)، ولو كانت الصلاة قضاء، لقضية ليلة التَّعْرِيس (^٣) في الأصح. وجهر المنفرد أفضل، وكذا يجب الجهر في الجمعة والعيدين لورود النقل المستفيض به. ويجب الإسرار في غيرها من الصلاة في الركعات، لما روى أبو داود في مراسيله عن الحسن، قال: «سَنَّ رسول الله ﷺ أي شرع - أن يُجْهَرَ بالقراءة في الفجر بالركعتين كلتيهما ويقرأ في الركعتين الأُولَيَيْنِ في صلاة الظهر بأمّ القرآن وسورة في كل ركعة سرًا في نفسه، ويقرأ في الركعتين الأُخْرَيين من صلاة الظهر بأمّ القرآن في كل ركعة سرًّا في نفسه، ويفعل في العصر مثل ما يفعل في الظهر.
ويجهر الإمام بالقراءة في الأُولَيين من صلاة المغرب، ويقرأ في كل ركعة منهما بأم القرآن وسورة، ويقرأ في الركعة الآخرة من صلاة المغرب بأمّ القرآن سرًا في نفسه، ثم يجهر بالقراءة في الركعتين الأُولَيين من صلاة العشاء بأمّ القرآن وسورة، ويقرأ في
_________________
(١) أي حُذَيْفَة.
(٢) أي صلاة المغرب وصلاة العشاء.
(٣) التعريس: هو نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. النهاية: ٣/ ٢٠٦.
[ ١ / ٢٣٦ ]