غَسْلُ فمِهِ وأنفِه
===
مضطربٍ في إسنادِه ومَتْنِه، فهو حديثٌ صحيحٌ معارِضٌ لحديث بُسْرةَ. وأمَّا ما قيل من أنَّ المُرادَ به المَسُّ بحائل: فرُدَّ بأن تعليله ﵊ يأبَى ذلك.
قال بعضُ المحققين: إنَّ الحديثينِ لم يَسْلَما من الطعن فيهما، والحقُّ أنهما لا يَنزِلانِ عن دَرَجةِ الحُسْن، لكن يَترجَّح حديثُ طَلْق بأنَّ الرجال أقوى في الحال، لأنهم أحفظ وأضبطُ للأقوال.
وقد ثبَتَ عن عليّ، وعمَّار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وحُذَيفة ابن اليمان، وعِمران بن الحُصَين، وأبي الدَّرْداء، وسعدِ بن أبي وقاص: أنهم كانوا لا يَرون النقضَ منه، وإن رُوِيَ النَّقضُ عن غيرهم كعُمَر، وابنِه، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن خالد، وأبي هريرة، وعبد الله بن عَمْرو بن العاص، وجابر، وعائشة ﵃، ذكره ابنُ الهُمَام.
وفي «شرح الآثار» للطَّحاوي: لا نعلمُ أحدًا من الصحابة أفتَى بالوضوء مِنْ مَسّ الذَّكَر إلا ابن عُمَر، وقد خالفَهُ في ذلك الأكثرُ فتأمَّل وتدبَّر، فإنه على تقدير تساويهما إذا تعارَضَا تساقَطَا، والأصلُ عدَمُ النَّقْض. وإنْ سَلَكْنا طريقَ الجمع جُعِلَ مَسُّ الذَّكَر كنايةً عما يَخْرُج منه، وهو من أسرار البلاغة، يَسكتون عن ذِكر الشيء وَيرمزون عليه بذِكرِ ما هو مِنْ رَوَادِفه، فلما كان مَسُّ الذَكر غالبًا يُرادِفُ خروجَ الحدَثِ منه ويُلازِمُه، عُبِّر به عنه، كما عَبَّر الله سبحانه بالمجيء من الغائط عما يُقْصَد الغائطُ لأجله ويَحُلُّ فيه، فيَتَطابَقُ طريقا الكتابِ والسُّنَّة (^١) . وكذا الخِلافُ في مَسّ الدُّبُر.
(فَرْضُ الغُسْلِ)
(وفَرْضُ الغُسْلِ) بالضمّ أي الاغتسالِ (غَسْلُ فمِهِ وأنفِهِ) بالفتح مصْدَرُ غَسَلْتُ. وبه قال أحمَدُ في أقوى الروايتين.
وقال مالك والشافعي: غَسْلُهما سُنَّة في الغُسْل كالوضوء.
فهما فَرْضَان كما قدَّمنا. ولنا في الفَرْقِ بينهما أنَّ المأمورَ به في الوضوء غَسْلُ الوجه، وهو ما تَقع به المواجهَةُ ولا مواجهة (^٢) بداخلِ الفمِ والأنفِ، والمأمورَ به في الجَنَابة غَسْلُ جميعِ البدَن على وجهِ المبالغةَ لقوله تعالى: ﴿وإنْ كنتُم جُنُبًا
_________________
(١) وقع في الأصول: "فيتطابق طريق الكتاب والسنَّة". والتصويب من فتح القدير: ١/ ٤٩.
(٢) في المطبوعة: "وهو ما تقع به المواجهة، وليست بداخل الفم … "، والمثبت من المخطوط.
[ ١ / ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فاطَّهَّرُوا﴾ (^١) . فما في غَسلِه حَرَجٌ كداخلِ العين: يَسْقُط، وما لا حَرَجَ فيه: يَبْقى. وداخِلُ الفمِ والأنفِ ممَّا لا حَرَج فيه. وأيضًا يُغْسَلانِ عادةً وعِبادةً: نفلًا في الوضوء، وفرْضًا من النجاسة الحقيقية، فشَمِلَهُما نَصُّ الكتاب، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأمَّا استدلالُهما (^٢) بقوله ﵊ كما رواه أبو داود عن عمَّارٍ، ومُسْلِمٌ عن عائشِةَ: «عَشْرٌ من الفِطْرةِ» وعَدَّ منها المضمضةَ والاستنشاقَ: فمدفوعً بأنَّ كونَهما من الفِطرة لا يَنفِي وجوبَهما، لأنها الدِّينُ، وهو أعمُّ منه فلا يعارضه، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عليها﴾ (^٣)، ووَرَدَ «كلُّ مولودٍ يُولَد علَى الفِطرة» (^٤) .
وروى الدارقطني عن أبي هريرة لكن بسند ضعيف جدًّا أنه ﵊ جَعَل المضمضةَ والاستشناقَ فريضةً للجنب، وفي رواية أنه ﵊ «جَعَل المضمضةَ والاستنشاقَ للجُنُب ثلاثًا فريضةً» (^٥) . وقد انعقد الإِجماعُ على إخراج اثنتين منها عن الفَرْض فيَبْقَى مرَّةٌ واحِدة.
وأمَّا ما في «الهداية» من أنه ﵊ قال: «إنهما - يعني المضمضةَ والاستنشاقَ - فَرْضانِ في الجنابة، سُنَّتانِ في الوضوء»، فلا أصْلَ له. وروى أبو حنيفة عن عثمان بن راشد، عن عائشة بنتِ عَجْردَ، عن ابن عباس فيمن نَسِيَ المضمضةَ والاستنشاقَ قال: لا يُعِيدُ إلاَّ أن يكون جُنُبًا. وبمثلِهِ يُترَكُ القياسُ، وإن ادَّعى الشافعيُّ أنَّ عثمان وعائشة الراويين غيرُ معروفين ببلدِهما، إذ عدَمُ معرفتِهِ بحالهما لبُعْدِ عهدهِ بينهما: لا يَنْفي معرفةَ مَنْ أَخَذَ عنهما.
وفي «الظهيرية»: من اغتَسَل وبين أسنانه طعامٌ لا بأس به، لأنَّ ما بين الأسنانِ رَطْبٌ فيَصِلُ الماءُ إلى ما تحته. وقال الأستاذ الإِمام عليٌّ البَزْدَوِي: يَجِبُ عليه غَسْلُ ذلك الموضعِ، ويَنْبغِي أن يُحمَل الأوَّلُ (^٦) على حالِ تخلخله، والثاني (^٧) على عَدَمِهِ.
_________________
(١) سورة المائدة، آية: (٦).
(٢) يعني الإمامين: مالكًا والشافعي.
(٣) سورة الروم، آية: (٣٠).
(٤) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦، كتاب الجنائز (٢٣)، باب ما قيل في أولاد المشركين (٩٢)، رقم (١٣٨٥).
(٥) في المخطوطة، والمطبوعة: "في الجنب". والتصويب من سنن الدارقطني ١/ ١١٥، كتاب الطهارة، باب ما روي في المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، رقم (٣).
(٦) أي كلام "الظهيرية".
(٧) أي كلام البزدوي.
[ ١ / ٧٢ ]
وكلِّ البَدَن.