وَفِي النَّوَازِل لأبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي بَاب مسَائِل شَتَّى مُتَفَرِّقَة قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن أَخْبرنِي رجل من أَصْحَابنَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه سُئِلَ عَن رجل أَتَى رجلا ايحل لَهُ أَن يتَزَوَّج ابْنَته فَقَالَ سُبْحَانَ الله أَو يكون هَذَا قَالَ نعم فوصفوا لَهُ رجلا مخنثا كَانَ فعل ذَلِك بِهِ فَقَالَ لَا يحرم ذَلِك شَيْئا قَالَ مُحَمَّد وَبِه نَأْخُذ
وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِم عَن دارين متلاصقتين فَجعل صَاحب احدى الدَّاريْنِ فِي دَاره إصطبلا وَكَانَ فِي الْقَدِيم مسكنا وَفِي ذَلِك ضَرَر على صَاحب الدَّار الْأُخْرَى هَل لَهُ أَن يمنعهُ عَن ذَلِك أم لَا قَالَ ان كَانَت وُجُوه الدَّوَابّ الى جِدَار دَاره فَلَيْسَ لَهُ أَن يمنعهُ وَإِن كَانَت حوافرها الى الْجِدَار فَلهُ مَنعه
وَسُئِلَ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر عَن نواويس بِجنب أَرض رجل فاراد أَن يجرها الى أرضه قَالَ إِن لم يكن
[ ٤٣٥ ]
لَهَا قيمَة فَلَا بَأْس وَإِن كَانَ لَهَا قيمَة فَإِن كَانَت من نواويس الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ بِمَنْزِلَة أَرض الْموَات وَإِن كَانَت من نواويس كَانَت بعد الْإِسْلَام فَهُوَ بِمَنْزِلَة اللّقطَة يُبَاع وَيصرف ثمنه الى بعض مصَالح الْمُسلمين وَكَذَلِكَ كل لقطَة يعلم أَنَّهَا كَانَت كَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يتَصَدَّق بِهِ وَلَكِن سَبِيلهَا أَن تصرف الى بَيت المَال لنوائب الْمُسلمين
وَسُئِلَ عَن رجل قَالَ لامْرَأَته وَفِي يَدهَا قدح من مَاء إِن شربت المَاء فَأَنت طَالِق وَإِن حسبتيه فَأَنت طَالِق وَإِن دفعتيه الى انسان أَو وضعتيه فَأَنت طَالِق قَالَ ترسل فِيهِ ثوبا حَتَّى ينشف المَاء
وَسُئِلَ عَن رجل قَالَ لامْرَأَته إِن لم أجامعك على هَذَا الرمْح فَأَنت طَالِق قَالَ ينقب السّقف وَيخرج رَأس الرمْح من السَّطْح قَلِيلا ثمَّ يُجَامِعهَا عَلَيْهِ وَسُئِلَ عَن رجل قَالَ لامْرَأَته إِن كلمتك أَولا فَأَنت طَالِق ثمَّ قَالَت لَهُ امْرَأَته إِن كلمتك أَولا فَعَبْدي حر قَالَ يتَكَلَّم الرجل وَلَا يَحْنَث لِأَنَّهُ قد خرج عَن يَمِينه بِكَلَام الْمَرْأَة
وَسُئِلَ عَن رجل قَالَ وَالله لَا أشْرب الْخمر إِلَّا لأجد خيرا من ذَلِك ثمَّ انه شرب الْخمر من غير اضطرار قَالَ يَحْنَث فِي يَمِينه وأخاف عَلَيْهِ الْكفْر بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَسُئِلَ أَبُو بكر عَن رجل حلف أَن لَا يَأْكُل هَذَا اللَّحْم فَأَكله غير مطبوخ قَالَ لَا يَحْنَث كَرجل حلف لَا يَأْكُل هَذَا الدَّقِيق فَأَكله على حَاله لم يَحْنَث كَذَلِك وَهَذَا مَا قَالَ الْفَقِيه وَعِنْدِي أَنه يَحْنَث
وَسُئِلَ عَن سَكرَان قَالَ لامْرَأَته إِن لم تكن فُلَانَة أوسع دبرا مِنْك فَأَنت طَالِق قَالَ هَذَا شَيْء غير مَفْهُوم وَلَا مَقْدُور على مَعْرفَته فَلَا يَقع فِيهِ الْحِنْث
وَسُئِلَ عَن رجل حلف أَن لَا ينَام على الْفراش مَا دَامَ فِي الغربة فَتزَوج امْرَأَة فِي بَلْدَة هَل يجوز لَهُ أَن ينَام على الْفراش قَالَ إِذا تزوج امْرَأَة لَا على نِيَّة أَن يطلقهَا أَو على نِيَّة أَن يطلقهَا أَو لَا نِيَّة أَن يذهب بهَا فقد خرج عَن أَن يكون غَرِيبا وَإِذا تزَوجهَا على أَن يطلقهَا أَو على نِيَّة النقلَة بهَا فَهُوَ يعد غَرِيبا
وَسُئِلَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن رجل وهب لرجل ثوبا ثمَّ اختلسه مِنْهُ فاستهلكه قَالَ على الْوَاهِب قِيمَته وَلَيْسَ الارتجاع الا عِنْد القَاضِي قَالَ الْفَقِيه وَهَذَا قَول أَصْحَابنَا وَبِه نَأْخُذ وَلَو وهب لرجل دَرَاهِم ثمَّ استقرضها مِنْهُ فأقرضها جَازَ وَلَيْسَ للْوَاهِب أَن يرجع أبدا لِأَن الْهِبَة صَارَت مستهلكة وَصَارَت دينا على الْوَاهِب وَسُئِلَ نصير بن يحيى عَن الْكسْب فَرِيضَة هُوَ أم لَا قَالَ الْكسْب وَالْعَمَل فَرِيضَة بِمِقْدَار مَا لَا بُد مِنْهُ لِأَن من الْفَرَائِض مَالا يُسْتَطَاع إِلَّا بِأَدَائِهِ كَالصَّلَاةِ لَا تجوز إِلَّا بِالْوضُوءِ فَعَلَيهِ تكلّف المَاء وَطَلَبه ليقيم بِهِ الْفَرِيضَة وَعَلِيهِ أَن لَا يلبس الثِّيَاب لإِقَامَة الصَّلَاة وَلَا يرْتَفع ذَلِك الا بِالْعَمَلِ لِأَنَّهُ لم ينسج النساج ويخيط الْخياط وَلَا يحْتَاج أَن يزرع قبل ذَلِك لسِتَّة أشهر إِلَّا لأجل ذَلِك وَقد جعل الله تَعَالَى أهل الْجنَّة بِلَا مُؤنَة وتكلف وَأما فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ بالتكلف قَالَ الله تَعَالَى لآدَم ﴿فَلَا يخرجنكما من الْجنَّة فتشقى﴾ يَعْنِي بالكد فِي الْمَعيشَة لَا تَأْكُل الا بعرق جبينك وَقَالَ ﷿ لِمَرْيَم ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله﴾ يَعْنِي الْكسْب وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ يضْربُونَ فِي الأَرْض يَبْتَغُونَ من فضل الله﴾
[ ٤٣٦ ]
قَالَ وبلغنا عَن بعض الْعلمَاء أَنه قَالَ لَا يقوم الدّين وَالدُّنْيَا إِلَّا بِأَرْبَع بالعلماء والأمراء وَالْجهَاد وَالْكَسْب
وَقَالَ نصير حَدثنَا صَالح بن مُحَمَّد عَن الْمُعَلَّى عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله ﵇ طلب الْحَلَال جِهَاد
وَقَالَ نصير حَدثنَا بعض أَصْحَابنَا عَن عَليّ بن يحيى عَن الشبلي عَن عبَادَة بن كثير عَن الْحسن قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ طلب الْحَلَال فَرِيضَة بعد أَدَاء الْفَرَائِض
قَالَ وَحدثنَا احْمَد بن يُونُس الربعِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَن زَكَرِيَّا ﵇ كَانَ نجارا وَقَالَ النَّبِي ﷺ عَلَيْكُم بالبز فَإِن أَبَاكُم كَانَ بزازا يَعْنِي ابراهيم الْخَلِيل ﵇
وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يَقُول يَا معشر العراة ارْفَعُوا رؤوسكم وَاتَّجرُوا فقد وضح الطَّرِيق وَلَا تَكُونُوا عيالا على النَّاس
وَقَالَ نصير حَدثنَا يحيى بن الْمُبَارك عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن مَالك بن أنس عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ادخر قوت سنة
وَقَالَ نصير سَمِعت شَقِيق بن ابراهيم يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ لبغوا فِي الأَرْض﴾ لَو أَن الله تَعَالَى رزق من غير كسب لبغوا فِي الأَرْض وَقَالَ لَو أَن الله تَعَالَى رزق عباده من غير كسب لبغوا فِي الأَرْض وتفاسدوا وَلَكِن شغلهمْ بِالْكَسْبِ حَتَّى لَا يتفرغوا للْفَسَاد
وَقَالَ نصير حَدثنَا أَبُو أُمَامَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ كَانَ سُلَيْمَان بن دَاوُد صلوَات الله عَلَيْهِمَا وَسَلَامه يخْطب النَّاس على الْمِنْبَر وَفِي يَده الخوص يعْمل بِهِ فَإِذا فرغ نَاوَلَهُ إنْسَانا وَقَالَ لَهُ اذْهَبْ بِهِ فبعه
وَقَالَ نصير حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا أَن دَاوُد النَّبِي ﵇ كَانَ يخرج متنكرا ليسأل عَن سيرته فِي مَمْلَكَته فَعرض لَهُ جِبْرِيل ﵇ فِي صُورَة آدَمِيّ فَقَالَ لَهُ دَاوُد يَا فَتى مَا تَقول فِي دَاوُد قَالَ نعم العَبْد هُوَ غير أَن فِيهِ خصْلَة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ يَأْكُل من بَيت مَال الْمُسلمين وَمَا فِي الْعباد أحب الى الله تَعَالَى من عبد يَأْكُل من كد يَده فَعَاد الى محرابه متضرعا الى الله تَعَالَى يَقُول يَا رب عَلمنِي صَنْعَة بيَدي تغنيني بهَا عَن مَال الْمُسلمين فَعلمه تَعَالَى صَنْعَة الدروع وألان لَهُ الْحَدِيد حَتَّى كَانَ فِي يَده بِمَنْزِلَة الْعَجِين وَكَانَ إِذا فرغ من عمل وَاحِدَة بَاعهَا وعاش هُوَ وَعِيَاله من ثمنهَا
وَقَالَ نصير حَدثنِي مكي بن ابراهيم عَن فتح عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ بَلغنِي أَن الْعِبَادَة عشرَة تِسْعَة فِي طلب الْمَعيشَة وَوَاحِدَة فِي الْعِبَادَة
قَالَ وَحدثنَا شَدَّاد بن حَكِيم عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن ابراهيم قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ الَّذِي يعْمل بِيَدِهِ أفضل من التَّاجِر والتاجر أفضل من الْجَالِس قَالَ الْفَقِيه وَحدثنَا الثِّقَة عَن أبي الْقَاسِم عَن نصير ابْن يحيى بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكرنَاهَا
قَالَ الْفَقِيه وَسمعت أبي بكر بِإِسْنَادِهِ عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة قَالَ رأى عمر بن الْخطاب ﵁
[ ٤٣٧ ]
كرم الله وَجهه الله جلّ ذكره تَعَالَى عَنهُ نَاسا من أهل الْيمن فَقَالَ مَا أَنْتُم يَا أهل الْيمن قَالُوا نَحن متوكلون على الله تَعَالَى فَقَالَ كَذبْتُمْ بل أَنْتُم متأكلون أَلا أخْبركُم بالمتوكل رجل ألْقى حَبَّة فِي الأَرْض وتوكل على الله تَعَالَى انْتهى
هَذَا مَا يسر الله تَعَالَى نَقله من كتاب النَّوَازِل للسمرقندي وَالله الْمُوفق الى سَبِيل الرشاد وَعَلِيهِ التَّوَكُّل والاعتماد
وَكَانَ الْفَرَاغ من جمعهَا ثَالِث عشرى صفر الْخَيْر سنة ١٠١٥ فَلَمَّا يسر الله تَعَالَى بالتمام وَسَأَلته بمنه حسن الختام سميتها غَايَة المرام فِي تَتِمَّة لِسَان الْحُكَّام وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم
[ ٤٣٨ ]