فِي فتاوي القَاضِي الامام رجل أَرَادَ سقِي أرضه أَو زرعه من مجْرى لَهُ فجَاء رجل وَمنعه المَاء ففسد زرعته قَالُوا لَا شَيْء عَلَيْهِ كَمَا لَو منع الرَّاعِي حَتَّى ضَاعَت الْمَوَاشِي
رجل لَهُ نوبَة مَاء فِي يَوْم معِين من الْأُسْبُوع فجَاء رجل وَسقي أرضه فِي نوبَته ذكر الشَّيْخ الامام عَليّ الْبَزْدَوِيّ أَن غَاصِب المَاء يكون ضَامِنا وَفِي متفرقات الْفَقِيه أبي جَعْفَر رجل سقِي أرضه فتعدى المَاء الى أَرض جَاره إِن أجْرى المَاء إِجْرَاء لَا يسْتَقرّ فِي أرضه بل يسْتَقرّ فِي أَرض جَاره يضمن وَقد تقدم مثل هَذَا فِي الضمانات وَالله أعلم
نوع فِي الأَرْض الْموَات وَفِي الأَصْل من أَحْيَا أَرضًا ميتَة باذن السُّلْطَان ملكهَا وَبِدُون الاذن لَا وَعِنْدَهُمَا يملكهَا بِدُونِ اذن السُّلْطَان وَالْأَرْض الْميتَة كل أَرض من أَرَاضِي السوَاد وَالْجِبَال لَا يبلغهَا مَاء الْأَنْهَار وَلَيْسَ لأحد فِيهَا ملك وأراضي بخارا لَيست بموات لِأَنَّهَا دخلت فِي الْقِسْمَة وَتصرف الى أقْصَى مَالك أَو بَائِع فِي الاسلام أَو الى ورثته وَإِن لم يعلم ورثته فَحِينَئِذٍ التَّصَرُّف للْقَاضِي وَقَالَ ﵀ هَكَذَا قَالَ الامام ظهير الدّين المرغيناني وَتَفْسِير الْإِحْيَاء أَن يَبْنِي عَلَيْهَا أَو يغْرس أَو يكريها أَو يسقيها وَهَكَذَا فِي مُزَارعَة النَّوَازِل هَذَا مَا يسر الله نَقله من الْخُلَاصَة
فصل فِي الْمُزَارعَة
قَالَ فِي الأَصْل إِذا دفع الْمزَارِع الأَرْض الى آخر مُزَارعَة فالمزارعة فَاسِدَة عِنْد أبي حنيفَة ﵀ وَكَذَا الْمُعَامَلَة وَالْخَارِج لصَاحب الأَرْض إِن كَانَ الْبذر مِنْهُ وللعامل إِن كَانَ الْبذر مِنْهُ وَإِن كَانَ من رب الأَرْض فَعَلَيهِ أجر مثل عمل الْعَامِل وكما يجب أجر الْمثل فِي عمل الْعَامِل يجب أجر مثل الأَرْض فِي الْمُزَارعَة الْفَاسِدَة وَيجب أجر مثل الْبَقر
[ ٤٠٤ ]
وَالْمرَاد من قَوْله يجب أجر مثل الأَرْض وَالْبَقر يَعْنِي يجب أجر مثل الأَرْض مكروبة أما الْبَقر فَلَا يجوز أَن يسْتَحق بِعقد الْمُزَارعَة وَأجر الْمثل يجب بَالغا مَا بلغ عِنْد مُحَمَّد وَعند أبي يُوسُف لَا يُزَاد على الْمَشْرُوط والمزارعة جَائِزَة على قَوْلهمَا وَالْفَتْوَى على قَوْلهمَا ثمَّ إِن أَبَا حنيفَة إِنَّمَا فرع الْمسَائِل على قَول من جوز الْمُزَارعَة لعلمه أَن النَّاس لَا يَأْخُذُونَ بقوله
ثمَّ للزِّرَاعَة شَرَائِط وركن وَحكم وَصفَة أما ركنها فالإيجاب وَالْقَبُول وَأما شرائطها فَمن جملَة ذَلِك كَون الأَرْض صَالِحَة للزِّرَاعَة وَكَون رب الأَرْض وَالْعَامِل من أهل العقد وَبَيَان الْمدَّة سنة أَو سنتَيْن شَرط فِي الزِّرَاعَة وَفِي الْمُعَامَلَة تجوز من غير بَيَان الْمدَّة اسْتِحْسَانًا وَتَقَع على أول ثَمَرَة تخرج فِي تِلْكَ السّنة
وَفِي النَّوَازِل عَن مُحَمَّد بن سَلمَة الْمُزَارعَة من غير بَيَان الْمدَّة جَائِزَة أَيْضا وَتَقَع على سنة وَاحِدَة يَعْنِي على زرع وَاحِد وَبِه أَخذ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث وَقَالَ إِنَّمَا شَرط أهل الْكُوفَة بَيَان الْوَقْت لِأَن وَقت الْمُزَارعَة عِنْدهم متفاوت وابتداؤها وانتهاؤها مَجْهُول وَوقت الْمُعَامَلَة مَعْلُوم فأجازوا الْمُعَامَلَة وَتَقَع على أول سنة وَلم يجيزوا الْمُزَارعَة أما فِي بِلَادنَا فوقت الْمُزَارعَة مَعْلُوم فَيجوز وَإِن لم يُوَقت كالمعاملة وَلَو دفع أرضه مُزَارعَة خَمْسمِائَة سنة فَهِيَ فَاسِدَة
وَمن شرائطها التَّخْلِيَة حَتَّى لَو شَرط فِي العقد مَا يتَعَذَّر بِهِ التَّخْلِيَة مثل عمل رب الأَرْض تفْسد الْمُزَارعَة وَمن شرائطها بَيَان مَا يزرع فِي الأَرْض قِيَاسا وَفِي الِاسْتِحْسَان لَيْسَ بِشَرْط وَمن شرائطها بَيَان من عَلَيْهِ الْبذر وَعَن بعض أَئِمَّة بَلخ إِن كَانَ بَينهم عرف ظَاهر أَن الْبذر يكون على أَحدهمَا بِعَيْنِه لَا يشْتَرط بَيَان من عَلَيْهِ الْبذر وَمن شرائطها بَيَان النَّصِيب على وَجه لَا يقطع الشّركَة بَينهمَا فِي الْخَارِج بِأَن يَقُول بِالنِّصْفِ أَو الثُّلُث أَو الرّبع أَو مَا أشبه ذَلِك فَإِن بَينا نصيب أَحدهمَا ينظر فَإِن بَينا نصيب من لَا بذر من جِهَته جَازَت الْمُزَارعَة قِيَاسا واستحسانا وَإِن بَينا نصيب من كَانَ الْبذر من جِهَته جَازَت الْمُزَارعَة اسْتِحْسَانًا وَمن الشَّرَائِط فِي الْمُعَامَلَة أَن يكون العقد وَاقعا على مَا هُوَ فِي حد النمو بِحَيْثُ يزِيد فِي نَفسه بِسَبَب عمل الْعَامِل حَتَّى لَو عقدا عقد الْمُعَامَلَة على مَا يتناهى عظمه وَصَارَ بِحَال لَا يزِيد فِي نَفسه بِسَبَب عمل الْعَامِل لَا تصح الْمُعَامَلَة وَأما بَيَان حكمهَا فَنَقُول حكمهَا ثُبُوت الْملك فِي مَنْفَعَة الأَرْض إِذا كَانَ الْبذر من جِهَة الْمزَارِع وَالشَّرِكَة فِي الْخَارِج
وَأما بَيَان صفة الْمُعَامَلَة والمزارعة فَنَقُول الْمُعَامَلَة لَازِمَة من الْجَانِبَيْنِ وَلَو أَرَادَ أَحدهمَا السّفر لَيْسَ لَهُ الْفَسْخ إِلَّا بِعُذْر والمزارعة لَازِمَة من قبل من لَا بذر مِنْهُ حَتَّى لَا يملك الْفَسْخ إِلَّا بِعُذْر لَكِن غير لَازِمَة من قبل من لَهُ الْبذر قبل إِلْقَاء الْبذر فِي الأَرْض حَتَّى يملك الْفَسْخ من غير عذر لِأَن فِيهِ إِتْلَاف مَاله وَهُوَ الْبذر والانسان لَا يجْبر على إِتْلَاف مَاله بِخِلَاف الْمُعَامَلَة فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْوَفَاء بِمَا يُؤَدِّي الى تلف المَال على أَحدهمَا فَيلْزمهُ الْمُضِيّ فِيهَا الا بِعُذْر والعذر أَن يمرض الْعَامِل أَو يلْحق صَاحب النّخل دين فيضطر الى بَيْعه لِأَن فِيهِ ضَرَرا ظَاهرا أما ترك السّفر فَلَيْسَ فِيهِ ضَرَر ظَاهر فَافْتَرقَا وَبعد مَا يلقى الْبذر فِي الأَرْض تصير لَازِمَة من الْجَانِبَيْنِ
قَالَ فِي شرح الشافي بعد هَذَا الْمُزَارعَة على سَبْعَة أوجه أَحدهَا أَن تكون الأَرْض من أَحدهمَا وَالْبَقر وَالْعَمَل وَالْبذْر من الآخر وَهَذَا الْعَمَل جَائِز وَصَاحب الْبذر مُسْتَأْجر للْأَرْض الثَّانِي أَن يكون
[ ٤٠٥ ]
الْعَمَل من أَحدهمَا وَالْبَاقِي من الآخر وَهَذَا جَائِز أَيْضا وَصَاحب الْبذر مُسْتَأْجر لِلْعَامِلِ ليعْمَل بِهِ الثَّالِث أَن تكون الأَرْض وَالْبذْر من أَحدهمَا وَالْبَقر وآلات الْعَمَل وَالْعَمَل من الآخر وَهَذَا جَائِز أَيْضا الرَّابِع أَن يكون الْبذر من الْعَامِل وَالْبَقر من قبل رب الأَرْض وَهَذَا فَاسد فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَعَن أبي يُوسُف أَنه يجوز الْخَامِس أَن يكون الْبَقر من أَحدهمَا وَالْبَاقِي من الآخر السَّادِس أَن يكون الْبذر وَالْبَقر من وَاحِد وَالْبَاقِي من الآخر السَّابِع أَن يكون الْبذر من وَاحِد وَالْبَاقِي من الآخر فالمزارعة فَاسِدَة فِي هَذِه الْوُجُوه الثَّلَاثَة
رجل دفع أَرضًا أَو نخلا يَزْرَعهَا الْمزَارِع على أَن يقوم على النّخل بِالنِّصْفِ فَهَذِهِ مُزَارعَة شرطت فِيهَا الْمُعَامَلَة فَينْظر إِن كَانَ الْبذر من الْمزَارِع فَسدتْ الْمُزَارعَة والمعاملة لِأَنَّهُ صَفْقَة فِي صفقتين فَإِن كَانَ من رب الأَرْض جَازَ كِلَاهُمَا لِأَنَّهُ أُجْرَة وَإِن كَانَت الْمُعَامَلَة معطوفة على الْمُزَارعَة بِأَن يَقُول أدفَع اليك هَذِه الأَرْض فتزرعها ببذرك وأدفع اليك مَا فِيهَا من النّخل معالمة جَازَ مُطلقًا
وَفِي النَّوَازِل رجل لَهُ أَرض أَرَادَ أَن يَأْخُذ بذرا من رجل حَتَّى يَزْرَعهَا وَيكون ذَلِك بَينهمَا فَالْحِيلَةُ أَن يَشْتَرِي نصف الْبذر ويقبضه ويبرئه البَائِع من الثّمن ثمَّ يَقُول لَهُ ازرعها على أَن الْخَارِج بَيْننَا نِصْفَانِ فَمَا خرج فَهُوَ بَينهمَا لِأَن الْبذر مِنْهُمَا
وَفِي النَّوَازِل أَيْضا رجل دفع الى رجل أَرضًا مُزَارعَة سنة فزرعها فَرفع ثَمَرَتهَا ثمَّ زرع السّنة الثَّانِيَة بِغَيْر اذن رب الأَرْض فنبت الزَّرْع أَو لم ينْبت فَبلغ ذَلِك رب الأَرْض فَلم يجز إِن كَانَت الْعَادة بَين أهل تِلْكَ الْقرْيَة أَنهم يزرعون الْمرة بعد الْأُخْرَى بِغَيْر مُزَارعَة جَدِيدَة فَذَلِك جَائِز
وَفِي فتاوي النَّسَفِيّ رجل زرع أَرض الْغَيْر بِغَيْر أمره ينظر الى الْعرف إِن كَانَت مُنَاصَفَة يكون بَينهمَا نِصْفَيْنِ قَالَ ﵀ وَهَذَا اذا كَانَت معدة لذَلِك بِأَن كَانَ صَاحب الأَرْض مِمَّن لَا يزرع بِنَفسِهِ وَيدْفَع مُزَارعَة
وَفِي أول مُزَارعَة النَّوَازِل رجل زرع أَرض غَيره بِغَيْر أمره فَعَلَيهِ نُقْصَان الأَرْض هَذَا قَول نصير وَقَالَ مُحَمَّد بن سَلمَة ينظر بكم تستؤجر قبل اسْتِعْمَالهَا وبكم تستؤجر بعد اسْتِعْمَالهَا فَيجب عَلَيْهِ نُقْصَان ذَلِك
رجل زرع أَرض غَيره بِغَيْر اذنه ثمَّ قَالَ لرب الأَرْض ادْفَعْ الي بذري فَأَكُون أكارا لَك إِن كَانَ الْبذر مُسْتَهْلكا لَا يجوز وَإِن كَانَ قَائِما يجوز وَالله أعلم