فصل في النوافل
سن سنة مؤكدة ركعتان قبل الفجر وركعتان بعد الظهر وبعد المغرب وبعد العشاء وأربع قبل الظهر،
_________________
(١) "فصل في بيان النوافل" عبر بالنوافل دون السنن لأن النفل أعم إذ كل سنة نافلة ولا عكس والنفل لغة الزيادة وفي الشرع فعل ما ليس بفرض ولا واجب ولا مسنون من العبادة والسنة لغة مطلق الطريقة مرضية أو غير مرضية وفي الشريعة الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب وقال القاضي أبو زيد ﵀ النوافل شرعت لجبر نقصان تمكن في الفرض لأن العبد وإن علت رتبته لا يخلو من تقصير وقال قاضيخان السنة قبل المكتوبة شرعت لقطع طمع الشيطان فإنه يقول من لم يطعني في ترك ما لم يكتب عليه فكيف يطيعني في ترك ما كتب عليه؟. والسنة مندوبة ومؤكدة وبين المؤكدة بقوله "من سنة مؤكدة" منها: "ركعتان قبل" صلاة "الفجر" وهو أقوى السنن حتى روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى لو صلى قاعدا من غير عذر لا يجوز وروى المرغيناني عن أبي حنيفة ﵀ أنها واجبة وقال ﷺ: "لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل" وقال ﷺ: "ركعتا الفجر أحب إلي من الدنيا وما فيها " ثم اختلف في الأفضل بعد ركعتي سنة الفجر قال الحلواني ركعتا المغرب ثم التي بعد الظهر ثم التي بعد العشاء ثم التي قبل الظهر ثم التي قبل العصر ثم التي قبل العشاء وقيل التي بعد العشاء والتي قبل الظهر وبعده وبعد المغرب كلها سواء وقيل التي قبل الظهر آكد قال الحسن وهو الأصح وقد ابتدأ في المبسوط بها "ركعتان بعد الظهر" ويندب أن يضم إليها ركعتان فتصير أربعا "و" منها ركعتان "بعد المغرب" ويستحب أن يطيل القراءة في سنة المغرب لأنه ﷺ كان يقرأ في الأولى منهما ﴿ألم تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: من الآية٢] وفي الثانية ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: من الآية١] كذا في الجوهرة وعن أنس قال رسول الله ﷺ: "من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن ينطق مع أحد يقرأ في الأولى بالحمد و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] والثانية بالحمد و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الاخلاص:١] خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها "و" منها ركعتان "بعد العشاء" "وأربع قبل الظهر" لقوله ﷺ:
[ ١٤٥ ]
وقبل الجمعة وبعدها بتسليمة.
وندب أربع قبل العصر والعشاء وبعده وست بعد المغرب،
_________________
(١) "من ترك الأربع قبل الظهر لم تنله شفاعتي" كذا في الاختيار وقال في البرهان كان ﷺ يصلي قبل الظهر أربعا إذا زالت الشمس فسأله أبو أيوب الأنصاري عن ذلك فقال: "إن أبواب السماء تفتح في هذه الساعة فأحب أن يصعد لي في تلك الساعة خير" قلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: "نعم"، قلت: أيفصل بينهن بسلام؟ قال: "لا" ولقوله ﷺ: "ما من عبد مسلم يصلي في كل يوم اثنتي عشر ركعة تطوعا من غير الفريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة" رواه مسلم زاد في الترمذي والنسائي: "أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الغداة" منها أربع "قبل الجمعة" لأن النبي ﷺ كان يركع قبل الجمعة أربعا لا يفصل في شيء منهن "و" منها أربع "بعدها" لأن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة أربع ركعات يسلم في آخرهن فلذا قيدنا به في الرباعيات فقلنا "بتسليمة" لتعلقه بقوله وأربع وقال الزيلعي حتى لو صلاها بتسليمتين لا يعتد بها عن السنة. انتهى ولعله بدون عذر لقول النبي ﷺ: "إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعا فإن عجل بك شيء فصل ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت" رواه الجماعة إلا البخاري والقسم الثاني المستحب من السنن شرع فيه بقوله "وندب" أي استحب "أربع" ركعات "قبل" صلاة "العصر" لقوله ﷺ: "من صلى أربع ركعات قبل صلاة العصر لم تمسه النار" وورد أنه ﷺ صلى ركعتين وورد أربعا فلذا خيره القدوري بينهما "و" ندب أربع قبل "العشاء" لما روي عن عائشة ﵂ أنه ﵇ كان يصلي قبل العشاء أربعا ثم يصلي بعدها أربعا ثم يضطجع "و" ندب أربع "بعده" أي بعد العشاء لما روينا ولقوله ﷺ: "من صلى قبل الظهر أربعا كان كأنما تهجد من ليلته ومن صلاهن بعد العشاء كان كمثلهن من ليلة القدر " "و" ندب "ست" ركعات "بعد المغرب" لقوله ﷺ: "من صلى بعد المغرب ست ركعات كتب من الأوابين" وتلا قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الاسراء: من الآية٢٥] والأواب هو الذي إذا أذنب ذنبا بادر إلى التوبة. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه ﵇ قال: "من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بنى له بيتا في الجنة" وعن ابن عباس أنه ﵇ قال: "من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن بسوء عدلن له عبادة اثنتي عشرة سنة" وعن عائشة ﵂ أنه ﵊ قال: "من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله بيتا في الجنة". وعن ابن عباس ﵄ أنه ﵇ قال: "من صلى أربع ركعات بعد المغرب قبل أن يكلم أحدا رفعت له في عليين وكان كمن أدرك ليلة القدر في المسجد الأقصى وهو خير له من قيام نصف ليلة". وعن ابن عمر
[ ١٤٦ ]
ويقتصر في الجلوس الأول من الرباعية المؤكدة على التشهد ولا يأتي في التالية بدعاء الاستفتاح بخلاف المندوبة وإذا صلى نافله أكثر من ركعتين ولم يجلس إلا في آخرها صح استحبابا لأنها صارت صلاة واحدة وفيها الفرض الجلوس آخرها وكره الزيادة على أربع بتسليمة في النهار وعلى ثمان ليلا،
_________________
(١) قال: قال رسول الله ﷺ: "من صلى ست ركعات بعد المغرب قبل أن يتكلم غفر له ذنوب خمسين سنة". وعن عمار بن ياسر ﵁ قال رسول الله ﷺ: "من صلى بعد المغرب ست ركعات غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر" لم يقيد فيها بكونها قبل التكلم وفي التجنيس الست بثلاث تسليمات وذكر القوني أنها بتسليمتين وفي الدرر بتسليمة واحدة وقد عطفنا المندوبات على المؤكدات كما في الكنز وغيره من المعتبرات وظاهره المغايرة فتكون الست في المغرب غير الركعتين المؤكدتين. وكذا في الأربع بعد الظهر. وقيل بها لما في الدراية أنه ﵇ قال: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار" ومثله في [الاختيار] "ويقتصر" المتنفل "في الجلوس الأول من" السنة "الرباعية المؤكدة" وهي التي قبل الظهر والجمعة وبعدها "على" قراءة "التشهد" فيقف على قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وإذا تشهد في الآخر يصلي على النبي ﷺ "و" إذا قام للشفع الثاني من الرباعية المؤكدة "لا يأتي في" ابتداء "الثالثة بدعاء الاستفتاح" كما في فتح القدير وهو الأصح كما في شرح المنية لأنها لتأكدها أشبهت الفرائض فلا تبطل شفعته ولا خيار المحيرة ولا يلزمه كمال المهر بالانتقال إلى الشفع الثاني منها لعدم صحة الخلوة بدخولها في الشفع الأول ثم أتم الأربع كما في صلاة الظهر "بخلاف" الرباعيات "المندوبة" فيستفتح ويتعوذ ويصلي على النبي ﷺ في ابتداء كل شفع منها وقال في شرح المنية مسألة الاستفتاح ونحوه ليست مروية عن المتقدمين من الأئمة وإنما هي اختيار بعض المتأخرين "وإذا صلى نافلة أكثر من ركعتين" كأربع فأتمها "ولم يجلس إلا في آخرها" فالقياس فسادها وبه قال زفر وهو رواية عن محمد وفي الاستحسان لا تفسد وهو قوله "صح" نفله "استحسانا لأنها صارت صلاة واحدة" لأن التطوع كما شرع ركعتين شرع أربعا أيضا "وفيها الفرض الجلوس آخرها" لأنها صارت من ذوات الأربع ويجبر ترك القعود على الركعتين ساهيا بالسجود ويجب العود إليه بتذكره بعد القيام ما لم يسجد كذا في الفتح وروى مسلم أنه ﷺ صلى تسع ركعات لم يجلس إلا في الثامنة ثم نهض فصلى التاسعة وإذا لم يقعد إلا على الثالثة وسلم اختلف في صحتها وصحح الفساد في الخلاصة "وكره الزيادة على أربع بتسليمة في" نفل "النهار و" الزيادة "على ثان ليلا" بتسليمة واحدة لأنه ﷺ لم يزد عليه وهذا اختيار
[ ١٤٧ ]
والأفضل فيهما رباع عند أبي حنيفة وعندهما الأفضل في الليل مثنى مثنى وبه يفتى وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار وطول القيام أحب من كثرة السجود.
_________________
(١) أكثر المشايخ وفي [المعراج] والأصح أنه لا يكره لما فيه من وصل العبادة وكذا صحح السرخسي عدم كراهة الزيادة عليها لما في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ كان ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين فتبقى العشرة نفلا أي والثلاث وترا كما في البرهان "والأفضل فيهما" أي الليل والنهار "رباع عند" الإمام الأعظم "أبي حنيفة" رحمه الله تعالى لأن النبي ﷺ كان يصلي بالليل أربع ركعات لا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا لا تسل عن طولهن وحسنهن وكان ﷺ يصلي الضحى "وعندهما" أي أبي يوسف ومحمد "الأفضل" في النهار كما قال الإمام و"في الليل مثنى مثنى" قال في الدراية وفي العيون "وبه" أي بقولهما "يفتى" اتباعا للحديث وهو قوله ﵊: "صلاة الليل مثنى مثنى ""وصلاة الليل" خصوصا في الثلث الأخير منه "أفضل من صلاة النهار" لأنه أشق على النفس وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: من الآية١٦] "وطول القيام" في الصلاة ليلا أو نهارا "أحب من كثرة السجود" لقوله ﷺ: "أفضل الصلاة طول القنوت" أي القيان ولأن القراءة تكثر بطول القيام وبكثرة الركوع والسجود يكثر التسبيح والقراءة أضل منه ونقل في المجتبي عن محمد خلافه وهو أن كثرة الركوع والسجود أفضل وفصل أبو يوسف رحمه الله تعالى فقال إذا كان له ورد من الليل بقراءة من القرآن فالأفضل أن تكثر عدد الركعات وإلا فطول القيام أفضل لأن القيام في الأول لا يختلف ويضم إليه زيادة الركوع والسجود.
[ ١٤٨ ]