(وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ أُقِيمَتْ،
حق الباقين، ولأنه لو جاز له أن يصلي وحده؛ فالجماعة أفضل، وجوابه ما ذكرنا.
وعن أبي يوسف له أنه يجوز إذا لم يقم الإمام في موضع الإمامة وصلى بناحية بلا أذان وإقامة؛ لما روي أن رجلًا جاء وقد صلى النبي ﵊ فقال: «من يتصدق على هذا؟» فقام رجل وصلى معه رواه أبو داود والترمذي (^١)، وبه تمسك أحمد.
وفي الفتاوى: وهو الصحيح، وعن محمد: إن أذنوا وأقاموا خفية لا بأس به، ولو صلى بعض أهل المسجد، وليس معهم إمام المسجد بأذان وإقامة بغير جهر؛ كان للباقين أن يصلوا ثانيًا بأذان وإقامة جهرًا، وكذا إذا صلى فيه غير أهله؛ لأهله أن يصلوا ثانيا بأذان وإقامة.
[باب إدراك الفريضة]
لما فرغ من بيان أنفس الصلوات؛ شرع في بيان مسائل متفرقة تتعلق بالفرائض في الأداء الكامل، ومسائل هذا الباب من مسائل الجامع الصغير.
قوله: (ثُمَّ أُقِيمَتْ)؛ أي: الصلاة، وأراد بالإقامة: شروع الإمام فيها، لا إقامة المؤذن، فإنه لو أخذ المؤذن في الإقامة والرجل قيد الركعة الأولى بسجدة؛ فإنه يتم ركعتين بلا خلاف بين أصحابنا كذا قاله الحلواني، كذا في الفوائد الظهيرية، وجامع البرهاني (^٢).
وفي تتمتهم: قال الشافعي: أحب إليَّ أن يكمل ركعتين ويسلم، ويكونان نافلة (^٣).
_________________
(١) رواه أبو داود (١/ ١٥٧، رقم ٥٧٤) والترمذي (١/ ٢٩٧، رقم ٢٢٠) من حديث أبي سعيد ﵁، وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٣٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٢)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٠).
(٣) انظر: روضة الطالبين للنووي (١/ ٣٧٥)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٤٠٦)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٣٦).
[ ٢ / ٦٩ ]
يُصَلِّي أُخْرَى) صِيَانَةٌ لِلْمُؤَدَّى عَنْ البُطْلَانِ (ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ القَوْمِ) إِحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الجَمَاعَةِ (وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدِ الأُولَى بِالسَّجْدَةِ يَقْطَعُ وَيَشْرَعُ مَعَ الإِمَامِ،
وفي الكافي: معنى قوله: أقيمت نحاذير باي شد، وفي رواية: يقام الصلاة مقام أقيمت؛ ولهذا قال في رواية: أقام المؤذن، حتى إذا صلى في البيت بركعة ثم أقيمت؛ لا يقطع، وإن كان فيه إحراز ثواب الجماعة؛ لأنه لا يوجد مخالفة الجماعة عيانا فلا يقطع (^١).
قوله: (صِيَانَةً لِلْمُؤَدَّى)، فإن قيل: كيف يستقيم هذا على أصل محمد؛ فإن عنده إذا بطلت صفة الفرضية، يبطل أصل الصلاة، فلم يكن المؤدى مصونًا عن البطلان عنده؟
قيل: في جوابه ليس هذا مذهب محمد في جميع المواضع؛ إنما هو مذهبه فيما إذا لم يتمكن من إخراج نفسه عن العهدة بالمضي فيها، كما إذا قيد الخامسة بالسجدة وهو لم يقعد في الرابعة، وهاهنا يتمكن من إخراج نفسه بالمضي فيها.
والفروق بينهما: أن إبطال صفة الفرضية لإحراز فضل الجماعة بإطلاق من الشرع، وإبطال صفتها هناك ليس بإطلاق من جهة، فجاز أن ينتفل نفلًا هاهنا، وصار كالمكفر بالصوم إذا أيسر في خلال الصوم، حيث يبطل جهة كونه كفارة لا أصل الصوم. كذا في الفوائد الظهيرية (^٢).
قوله: (إِحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ)، كما لو شرع في الظهر، ثم أقيمت الجمعة؛ ألا ترى أنه يجوز له قطعها لحطام الدنيا، فإن المرأة لو فارت قِدْرُها؛ جاز لها القطع، وكذا المسافر إذا ندت دابته، أو خاف فوت شيء من ماله.
وفي اللآلئ: يقطع لأجل درهم (^٣)، والأصل: أن نقض الصلاة بغير عذر حرام.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٢)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٥١)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨١).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٣)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٠).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧١)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٣٦).
[ ٢ / ٧٠ ]
هُوَ الصَّحِيحُ)
ولو اعترضت له فضيلتان، وأمكن الجمع بينهما؛ جمع، وإلا؛ آثر أفضلهما؛ لأنه أكثر ثوابًا.
ومن ابتلي بمكروهين؛ اختار أدونهما؛ لأنه أدناهما ضررًا، وقطع الصلاة للأداء على الوجه الأكمل جائز؛ كنقض المسجد للبناء على الوجه الأكمل، وصلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة، وفي رواية: بسبع وعشرين درجة، كما جاء في الخبر؛ فيجوز قطعها لإحراز فضيلة الجماعة؛ ولهذا لو تذكر في الركوع أنه لم يقرأ السورة؛ فإنه يرفض الركوع لقراءة السورة؛ لإقامة الفرض على الوجه الأكمل، وكذا يحمل الانحراف والانصراف في صلاة الخوف لإقامة الجماعة. كذا في جامع قاضي خان، والتمرتاشي، والكردري (^١).
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عما روي عن محمد بن إبراهيم الميداني، وبعض المشايخ: أنه يصلي ركعتين، ثم يقطع، وإليه مال شمس الأئمة؛ لأنه يمكنه الجمع بين الفضيلتين (^٢).
والصحيح: أنه يقطع؛ لأنه بمحل الرفض؛ ولهذا لو قام المسبوق لقضاء ما سبق، وسجد الإمام للسهو؛ عليه أن يتابع إمامه، ويرفض تلك الركعة، ولو سجد الإمام بعد ما قيد السجدة؛ لا يتابع إمامه، حتى لو تابعه وسجد معه؛ تفسد صلاته، وكذا لو قام إلى الخامسة؛ له أن يرفض القيام، ويعود إلى القعدة، ويسلم.
وكذا لو حلف لا يصلي؛ لا يحنث بما دون الركعة، فعلم أن الشرع، جعل له ولاية الرفض قبل التقييد بالسجدة، والقطع للإكمال؛ يجوز، كهدم المسجد للبناء على الوجه الأكمل؛ يجوز، وكذا لو أصابته الشوكة في السجدة، فرفع رأسه لسجدة أخرى؛ يجوز؛ لأنه للإكمال، بخلاف ما إذا شرع في النفل، ولم
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٧٦)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٧٤)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٤).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٧٥).
[ ٢ / ٧١ ]
لِأَنَّهُ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ، وَهَذَا القَطْعُ لِلْإِكْمَالِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي النَّفْلِ، لِأَنَّهُ
يقيد بالسجدة؛ لا يقطع؛ لأن ذلك القطع ليس لتكملة.
وفي التفاريق: كَبَّر للتنفل، فحضرت جنازة: إن خاف فوتها؛ قطع الصلاة، يقطع على رأس الركعتين، وإليه مال شمس الأئمة، والإسبيجابي، والبقالي (^١).
وقد قيل: يتمها أي: سنّة الظهر، وإليه أشار في الأصل (^٢)؛ لأنها صلاة واحدة؛ ولهذا لو قال لامرأته: اختاري ينوي بذلك الطلاق على رأس الركعتين، وقامت إلى الثالثة واختارت نفسها؛ يصح، ويقع الطلاق، وكذا لو أجبر الشفيع بالبيع، وانتقل إلى الشفع الثاني؛ لا تبطل شفعته، ويمنع صحة الخلوة. كذا في جامع الكردري (^٣).
وروى الحلواني عن أستاذه القاضي أبي على النسفي، قال: كنت أفتي زمانًا أنه يتمها أربعًا؛ لأنها بمنزلة صلاة على حدة، حتى وجدت رواية في النوادر، عن أبي حنيفة: أنه يقطع على رأس الركعتين، فلا يحتمل النقض (^٤).
في المحيط: لأن بأداء الأكثر يثبت شبهة الفراغ، ولو ثبت حقيقة الفراغ؛ لا يقبل النقض، فكذا إذا ثبتت شبهته (^٥).
وفي الفتاوى الكبرى عن محمد: أنه يأتي بالركعة الرابعة قاعدًا، لتنقلب نفلا؛ إذ الفرض لا يتأتى قاعدًا مع القدرة على القيام، ثم يأتي الجماعة؛ ليجمع بين الثوابين: ثواب النفل، وثواب الجماعة (^٦)، وهذا مشكل على أصله.
قوله: (لأنه)؛ أي: القيام إلى الثالثة بمحل الرفض؛ لأن ما دون الركعة محل الرفض لما بينا؛ إذ الشفع الأول قد تم، والقيام في الثالثة، أو في ركوعها
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٧٧)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٥١).
(٢) الأصل للشيباني (١/ ٢٥٦).
(٣) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (٣/ ١٣٤)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (٢/¬٤٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٢/ ٢٢٤).
(٤) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٥٣)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨١).
(٥) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٥٢)، والنافع الكبير شرح الجامع الصغير لأبو الحسنات اللكنوي (ص ٩٠).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٤).
[ ٢ / ٧٢ ]
لَيْسَ لِلْإِكْمَالِ، وَلَوْ كَانَ فِي السُّنَّةِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالجُمُعَةِ، فَأُقِيمَ أَوْ خَطَبَ يَقْطَعُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَقَدْ قِيلَ: يُتِمُّهَا ﴿وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى ثَلَاثًا مِنْ الظُّهْرِ يُتِمُّهَا﴾ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الكُلِّ، فَلَا يُحْتَمَلُ النَّقْضُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدُ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالسَّجْدَةِ، حَيْثُ يَقْطَعُهَا، لِأَنَّهُ مَحَلُّ الرَّفْضِ وَيَتَخَيَّرُ، إِنْ شَاءَ عَادَ وَقَعَدَ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ كَبَّرَ قَائِمًا يَنْوِي الدُّخُولَ فِي
ما دون الركعة، وليس لها حكم الصلاة على ما ذكرنا.
قوله: (عاد وقعد وسلم)، ذكر شمس الأئمة: يعود إلى التشهد لا محالة (^١)؛ لأنه أراد بالخروج عن الصلاة خروجًا مقيدًا به، والخروج عن هذا لم يشرع إلا بالقعدة، ثم [إذا] (^٢) عاد إليها هل يتشهد ويسلّم؟
قال بعضهم: يتشهد ثانيًا؛ لأن القعدة الأولى لم تكن قعدة ختم، وقال بعضهم: يكفيه ذلك التشهد؛ لأن العود إلى القعدة ينتقض القيام، وجعله كأن لم يوجد أصلا، فكانت هذه القعدة هي القعدة الأولى، ثم يسلم تسليمتين عند البعض؛ لأنه تحلل من القربة، وعند البعض: تسليمة واحدة؛ لأن التسليمة الثانية للتحلل، وهذا قطع من وجه، وإن شاء كبر قائما؛ لأنه مسارعة إلى إدراك الفريضة.
وفي المحيط: يقطعه بتسليمة واحدة ثم كبر (^٣)، والأصح: التخيير.
(ينوي الدخول)؛ أي: بقلبه، فإذا دخل في صلاة الإمام؛ تبطل صلاة نفسه ضمنا؛ فهو بالخيار: إن شاء رفع يديه، وإن شاء لم يرفع، وكذا اختار صاحب المحيط التخيير (^٤)، وعند الشافعي في قول: يقطع صلاة نفسه، ثم يدخل مع الإمام (^٥)، وهو الأفضل، ولو نوى الدخول في صلاته بلا قطع؛ يجوز، وفي قول: يدخل مع القوم.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٩).
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ١٥٣).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧٢)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨١).
(٥) انظر: مغني المحتاج للخطيب الشربيني (١/ ٥٠٠)، والمجموع للنووي (٤/ ٢٠٨)، وحلية العلماء لأبي بكر القفال الشاشي (٢/ ١٥٧، ١٥٨).
[ ٢ / ٧٣ ]
صَلَاةُ الإِمَامِ (وَإِذَا أَتَمَّهَا يَدْخُلُ مَعَ القَوْمِ وَالَّذِي يُصَلِّي مَعَهُمْ نَافِلَةٌ) لِأَنَّ الفَرْضَ لَا يَتَكَرَّرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (فَإِنْ صَلَّى مِنْ الفَجْرِ رَكْعَةً ثُمَّ أُقِيمَتْ يَقْطَعُ وَيَدْخُلُ مَعَهُمْ) لِأَنَّهُ لَوْ أَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى تَفُوتُهُ الجَمَاعَةُ، وَكَذَا إِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ قَبْلَ أَنْ
في المبسوط: أي: بنية النفل (^١).
في المحيط: إن شاء دخل مع الإمام بنية التطوع، وإن شاء لا؛ لأن ما يؤدى معه تطوع، والناس فيه بالخيار، ولكن الأفضل أن يدخل؛ لأن التطوع بعد الظهر والعشاء مشروع، فإنه لو خرج ولم يصل مع القوم، ربما يتهم أنه ممن لا يرى الجماعة (^٢).
وروي أنه ﵊ لما فرغ من الظهر، رأى رجلين في أخريات الصفوف لم يصليا معه، فقال: «علي بهما فأتي بهما وفرائصهما ترتعد، فقال: على رِسْلِكُمَا، فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد»، ثم قال: مالكما لم تصليا معنا؟ فقالا: كنا صلينا في رحالنا، فقال ﵊: «إذا صليتما في رحالكما، ثمَّ أتيتُما صلاةَ قوم؛ فصليًا معهم، واجعلا
صلاتكما معهم سبحة» (^٣)؛ أي: نافلة.
وقال الشافعي: يستحب أن يعيدها بالجماعة في كل الصلوات (^٤)، وكذا لو صلوها بها، يستحب أن يعيد بالجماعة؛ لما ذكرنا أن النفل عنده مشروع، عنده بعد الكل، وبه قال أحمد، إلا أنه قال أحمد: لم يصل الصبح والعصر إلا مع إمام الحي دون غيره، وفي قول منه: لا يستحب إذا صلاها بالجماعة؛ لأنه ليس في الإعادة غرض صحيح (^٥).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٧).
(٢) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٥٢).
(٣) رواه أبو داود (١/ ١٥٧، رقم ٥٧٥)، والترمذي (١/ ٢٩٥، رقم ٢١٩) والنسائي (٢/ ١١٢، رقم ٨٥٨) من حديث يزيد بن الأسود قال الترمذي: حسن صحيح.
(٤) انظر: فتح الوهاب شرح منهج الطلاب لزكريا الأنصاري (١/ ٧١)، وحاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ٢٩٦)، وحاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥١١).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٨٣)، والروض المربع للبهوتي (ص ١٢٥)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (٢/¬٦).
[ ٢ / ٧٤ ]
يُقَيِّدَهَا بِالسَّجْدَةِ، وَبَعْدَ الإِثْمَامِ لَا يَشْرَعُ فِي صَلَاةِ الإِمَامِ لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الفَجْرِ، وَكَذَا بَعْدَ العَصْرِ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا بَعْدَ المَغْرِبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ التَّنَفَّلَ بِالثَّلَاثِ مَكْرُوهُ، وَفِي جَعْلِهَا أَرْبَعًا مُخَالَفَةٌ لِإِمَامِهِ.
وجه قوله: ما روي أنه ﵊ صلى الصبح في مسجد الخيف، فلما فرغ رأى رجلين في زاوية المسجد لم يصليا معه … إلى آخر ما روينا.
وقلنا: قد روي هذا في صلاة الظهر، فتعارضت روايتا فعله، فنأخذ بقوله ﵊: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشَّمسُ» (^١).
وقال مالك: إن كان صلاها بالجماعة؛ لا يعيدها، وإن كان قد صلاها منفردًا؛ يعيدها بها، إلا المغرب؛ لأن النفل ثلاث ركعات غير مشروع (^٢).
وقال الأوزاعي: يعيد ما صلَّى في الكل.
ثم إذا أعادها بالجماعة، فأيهما فريضة؟
فعندنا فريضة: الأول، وبه قال الشافعي في الجديد (^٣) وأحمد (^٤)؛ لأن الخطاب سقط عنه بالأولى، فلا تكون الثانية فريضة.
وقال في القديم: فالفرض أكملهما؛ لأن إعادتهما معنى بالجماعة، فقلنا أكملهما (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٢/ ٦١، رقم ١١٩٧)، ومسلم (١/ ٥٦٧، رقم ٨٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد القرطبي (١/ ٣٨٣)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٠٩)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٠٥).
(٣) انظر: حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥١٤)، وإعانة الطالبين للبكري (٢/¬١١)، وفتح الوهاب لزكريا الأنصاري (١/ ٧١).
(٤) انظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ٢١٨)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (٢/¬٧)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٨٤).
(٥) انظر: حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥١٤)، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (١/ ٤٧٢).
[ ٢ / ٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال بعض أصحابه (^١)، والشعبي، والأوزاعي: فالفرض كلاهما؛ لأن المقصود بالإعادة: إدراك فضيلة الجماعة، والجماعة لم تشرع إلا في الفرض، فحكمنا بأن الجميع فرض.
فإن قيل: النفل بالجماعة خارج رمضان مكروه.
قلنا: ذاك إذا كان الإمام والقوم يؤدون النفل، أما إذا كان الإمام يؤدي الفرض، والقوم النفل؛ لا بأس به؛ لما روينا، وحيلته أن يكون ما صلى مع الإمام فرضا، أن يقعد في الرابعة كما ذكرنا من رواية الكبرى، وهذه الحيلة لا تتأتى في صلاة الفجر إذا قام إلى الثانية؛ لكراهة النفل غير ركعتي الفجر.
فإن قيل: في هذا إبطال الفرض لإقامة السنة، فإن الجماعة سنة.
قلنا: لا؛ بل إبطال الفرض لإقامة الفرض على أكمل الوجوه لما قلنا؛ وهو كراهة النفل بعد العصر، وعند الشافعي (^٢)، ومالك (^٣) - رحمهما الله-: يعيدها؛ لعدم كراهة النفل بعدها عندهما، وعند أحمد: يعيدها مع إمام الحي، كما قلنا في ظاهر الرواية، وبه قال مالك وقيد به؛ لأنه روى عن أبي يوسف: الأحسن: أن يدخل مع الإمام، ويصلي أربع ركعات، ثلاثا مع الإمام، وأتم الرابعة بعد فراغ الإمام، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأن بالقيام إلى الثالثة صار ملتزما للركعتين؛ إذ الركعة الواحدة لا تكون صلاة للنهي عن البتيراء، وقال: فيه نوع تغيير؛ إلا أن هذا التغيير إنما وقع بسبب الاقتداء، فحينئذ لا بأس به، كمن أدرك الإمام في السجود ويسجد معه، وإن كان السجود قبل الركوع غير مشروع، وكمن أدركه في القعدة؛ فإنه يتابعه فيها، وهي قبل الأركان غير مشروعة.
وعن أبي يوسف في رواية: يذهب معه، ويسلم على رأس الثالثة مع الإمام، وبه قال بشر المريسي؛ لأن هذا تغير وقع في التطوع بسبب الاقتداء،
_________________
(١) انظر: حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥١٤)، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (١/ ٤٧٢).
(٢) انظر: أسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ١٢٤)، وتحفة المحتاج للهيتمي (١/ ٤٤١).
(٣) انظر: إرشاد السالك لشهاب الدين البغدادي (١/¬٢٣)، والبيان والتحصيل لابن رشد القرطبي (١٧/ ٣٧٥)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٨٠).
[ ٢ / ٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا بأس به، كما لو اقتدى بالإمام في الظهر بعد ما صلى ركعتين وقرأ فيهما، ويترك القراءة في الآخرين، فإنه تجوز صلاة المقتدي، مع أن النفل لا يجوز بغير قراءة؛ لأنه تغير وقع بسبب الاقتداء، وعندنا لا يدخل، ولو دخل مع الإمام فعل كما قال أبو يوسف في الرواية الأولى؛ لأن مخالفة الإمام أهون من مخالفة السنة؛ لأنها مخالفة بعد فراغ الإمام، ويصير كالمقيم إذا اقتدى بمسافر يصح، وكالمسبوق. كذا في المحيط، وجامع قاضي خان (^١).
والفرق في ظاهر الرواية بين هذا وبين صلاة المسافر: أن صلاة المسافر على عرضية أن يصير أربعًا، فبالنظر إليه لا تكون مخالفة، ولا كذلك صلاة المغرب، وأما المسبوق: فقد عرف جوازه بالحديث؛ بقوله ﵊: «ما فاتَكُمْ فَاقْضُوا».
وفي المحيط: لو أضاف إليها ركعة أخرى؛ يصير متنفلا بأربع ركعات، وقد قعد على رأس الثالثة، وهو مكروه (^٢).
وقال الفضيلي: لو اقتدى بالإمام في المغرب، ينوي التطوع أربعًا، وقعد في الثانية، وتابعه المقتدي في ذلك؛ فسدت صلاته؛ لأن الرابعة وجبت على المقتدي بالشروع، وعلى الإمام بالقيام، فصار كرجل أوجب على نفسه أربعًا بالنذر، واقتدى فيهن بغيره لا يجوز (^٣)، وفيه تأمل.
وقال الإمام ظهير الدين: الصحيح عندي: أنه التزم الرابعة على الانفراد، فإذا اقتدى في موضع الانفراد؛ تفسد صلاته، حتى [لو] (^٤) سها الإمام عن القعدة على رأس الثالثة، وصلَّى الرابعة، وصلى المقتدي معه؛ جازت صلاته (^٥).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٥٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٦).
(٢) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٥٣).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٧٨)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٢).
(٤) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٥) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٢)، والمحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٢/ ٢٠٩).
[ ٢ / ٧٧ ]
(وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ أُذِّنَ فِيهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يُصَلِّيَ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ
قوله: (ويكره له أن يخرج)، وفي جامع البرهاني: يعني إذا لم يصل (^١)؛ لأن المؤذن دعاه للصلاة، ولما روي في السنن ولو دخل مسجدًا لم يكن مسجد حيه، فإن كان صلوا في مسجده، فكذلك؛ لأنه صار من أهل هذا المسجد، وإن لم يكن صلوا، إن خرج ليصلي في مسجد حيه؛ لا بأس به؛ لأن الواجب عليه أن يصلي في مسجد حيه، ولو صلى في هذا المسجد؛ لا بأس به أيضًا؛ لأنه صار من أهله، والأفضل: أن لا يخرج؛ لئلا يتهم أنه ممن لا يرى الجماعة، ينتظم به أمر جماعته بأن يكون إمام قوم، أو مؤذنًا يتفرق الناس في مسجد حيه بغيبته، أو ممن يتفرق بنقل الجماعة بسبب غيبته، فكانت صيانة مسجده أولى من الاحتراز عن مخالفة الجماعة، فعلى هذا: لا يدخل في الوعيد؛ لأن خروجه لا يكون إعراضًا عن الدعوة، والخروج يكره باعتباره.
وفي الشافي: فاتته الجماعة في مسجد حيه، فإن أتى مسجدًا آخر يرجو فيه الجماعة؛ فحسن، وإن صلَّى في مسجد حيه؛ فحسن أيضًا، هذا إذا لم يدخل مسجدًا، وإن كان قد دخل يصلي فيه، وأي الحُسْنَين أفضل، فالشعبي اختار طلب الجماعة، والنخعي اختار مسجد حيه (^٢).
وقال الحسن البصري: كان الصحابة إذا دخلوا مسجد حيهم؛ صلوا فرادى بغير أذان وإقامة، ثم للمتفقه جماعة أستاذه لأجل درسه أو لسماع الأخبار، أو لسماع مجلس العامة أفضل بالاتفاق؛ ليحصل الثوابين، ولو فاته ركعة أو ركعتان؛ فالأفضل أن يصلي في مسجد حيه، ولا يذهب إلى مسجد آخر. كذا ذكره التمرتاشي (^٣)؛ لأنه يتهم بمخالفة الجماعة، وقد قال ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخرِ فلا يَقِفَنَّ مواقفَ التّهم» (^٤).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٥٥).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٨)، والأصل للشيباني (١/ ١٦٥).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٨).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٢/ ٤٧٨) قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٣/ ١٣٦): غريب. وضعفه ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٩٥).
[ ٢ / ٧٨ ]
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَخْرُجُ مِنْ المَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَّا مُنَافِقٌ أَوْ رَجُلٌ يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ يُرِيدُ الرُّجُوعَ». قَالَ: (إِلَّا إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ جَمَاعَةٍ) لِأَنَّهُ تَرْكُ صُورَةٌ تَكْمِيلٌ مَعْنَى وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَكَانَت الظُّهْرَ أَوْ العِشَاءَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ لِأَنَّهُ أَجَابَ دَاعِيَ اللَّهِ مَرَّةً إِلَّا إِذَا أَخَذَ المُؤَذِّنُ فِي الإِقَامَةِ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِمُخَالَفَةِ الجَمَاعَةِ عِيَانًا وَإِنْ كَانَتْ العَصْرَ أَوْ المَغْرِبَ أَوْ الفَجْرَ خَرَجَ وَإِنْ أَخَذَ المُؤَذِّنُ فِيهَا لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بَعْدَهَا.
(وَمَنِ انْتَهَى إِلَى الإِمَامِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَي الفَجْرِ: إِنْ خَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَةٌ وَيُدْرِكَ الأُخْرَى يُصَلِّي رَكْعَتَي الفَجْرِ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ ثُمَّ يَدْخُلُ)
(وإن أخذ)؛ أي: المؤذن. (فيها)؛ أي: في الإقامة.
قوله: (عند باب المسجد)؛ لأنه لو صلاهما في المسجد؛ كان متنفلا فيه، مع اشتغال الإمام بالفريضة، وأنه مكروه؛ لقوله ﵊: «إذا أقيمت الصلاةُ؛ فلا صلاة إلا المكتوبة» (^١)، وقد خصت سنة الفجر؛ لما روينا، ولكيلا يقع عند الناس أنه لا يرى الجماعة، هذا إذا كان عند باب المسجد موضع لذلك، فإن لم يكن يصليهما في المسجد، ولكن يقوم خلف الصفوف عند سارية. كذا في جامع قاضي خان (^٢).
وذكر فخر الإسلام وأشدها كراهة أن يصلي مخالطا للصف مخالفًا للجماعة، والذي يلي ذلك: خلف الصفوف من غير حائل بينه وبين الصف (^٣). ثم السنة فيهما: الأداء في البيت؛ لأنه ﵊ كان يصليهما في البيت، وأنكر على من صلاهما في المسجد.
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ٤٩٣ رقم ٧١٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٥٦)، العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧٥).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٩)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨٠).
[ ٢ / ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الكافي: قال ﵊: «من صلى ركعتي الفجر في بيته يُوسَّعُ له في رزقه، ويقل التنازع بينه وبين أهله، ويُختم له بالإيمان» (^١).
وذكر التمرتاشي: اختلف في الوقت المستحب.
قيل: أول طلوع الفجر؛ لأن السبب قد وجد.
وقيل: بقرب الفريضة؛ لأنهما تبع لها (^٢).
وفي الخلاصة: السنة فيهما: أن يصليهما في البيت، وأول الوقت، ويقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ﴾ (^٣)؛ فإن أبا هريرة ﵁ روى أنه ﵊ قرأ كذلك (^٤).
وقول مالك: كقولنا (^٥).
وقال الشافعي: يشتغل بالجماعة، ويؤدي السنة بعد أدائها؛ لقوله ﵊: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ؛ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (^٦).
ولنا: ما رُوي أنه ﵊ رجع عن صلح بين الأنصار، فوجد الناس في الفجر، فدخل منزله، وصلى ركعتي الفجر، ثم خرج.
وعن أبي عثمان النهدي قال: كان الناس يفعلون كذلك في زمن عمر، والحديث محمول على غير صلاة الفجر (^٧)؛ توفيقا بين الحديثين، ولما روي من حديث ابن عباس ﵄ قال: حدثني المَرْضِيّون من أصحاب رسول الله ﷺ وأرضاهم عندي عمر - أنه ﵊ قال: «إذا أُقيمت الفجر -أي
_________________
(١) لم أقف عليه بعد البحث.
(٢) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٥٢).
(٣) انظر: المعتصر من المختصر لجمال الدين أبو المحاسن (١/ ٦٤)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٥٢).
(٤) رواه مسلم (١/ ٥٠٢، رقم ٧٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد القرطبي (١/ ٢٣٨)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٠٣)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٦٢).
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
(٧) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٥٢).
[ ٢ / ٨٠ ]
لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الجَمْعُ بَيْنَ الفَضِيلَتَيْنِ (وَإِنْ خَشِيَ فَوْتَهُمَا دَخَلَ مَعَ الإِمَامِ) لِأَنَّ ثَوَابَ الجَمَاعَةِ أَعْظَمُ، وَالوَعِيدَ بِالتَّرْكِ أَلْزَمُ، بِخِلَافِ سُنَّةِ الظُّهْرِ حَيْثُ يَتْرُكُهَا … … .
أُدِّيَتْ؛ فلا صلاة بعدها حتى تطلع الشمس» (^١).
وما روي أنه ﵊ رأى رجلا يصلي بعد الفريضة ركعتي الفجر، فقال: «ما هاتان؟» فقال: ركعتا الفجر، فسكت (^٢)؛ محمول على أن ذلك قبل النهي أو على أنه إنما سكت؛ لأنه لم يكن وقت التعليم، ولم يكن في الحديث أنه لم يعلم بعده؛ لأنه ﵊ لا يشتغل بالتعليم في كل وقت؛ كما قال ابن مسعود: كان ﵊ يعظنا أحيانًا مخاف السامة علينا. كذا ذكره المحبوبي.
قوله: «أَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ»؛ فإنه ﵊ قال: «صَلُّوهُما ولو طرَدَتْكُم الخيل عنهما» (^٣)، وقال ﵊: «ركعتا الفجر خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها» (^٤).
وإدراك ركعة مع الإمام في الفجر بمنزلة إدراك الكل؛ قال ﵊: «مَنْ أدرك ركعة مِنَ الفجر فقد أدرك الصَّلاةَ» (^٥)، وفي رواية: «فقد أدركها»؛ فيجمع بينهما.
(فوتهما)؛ أي: فوت ركعتي الفجر؛ يعني: يعلم أنه يُفَوِّتُهما بترك السنة ويقتدي بالإمام؛ لأن ثواب الجماعة أعظم، فإن الجماعة مكملة ذاتية للفرائض، والسنة مكملة خارجية عنها.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٢٠، رقم ٥٨١) ومسلم (١/ ٥٦٦، رقم ٨٢٦) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) رواه الشافعي (١/ ٢٣٦، رقم ١٦١) ترتيب سنجر - والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٥٦، رقم ٤٥٦٥) وصححه الحاكم (١/ ٤٠٩، ١٠١٧) وأقره الذهبي.
(٣) أخرجه أبو داود (٢/¬٢٠، رقم ١٢٥٨)، وأحمد (٢/ ٤٠٥، رقم ٩٢٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وضعفه عبد الحق الإشبيلي في بيان الوهم والإيهام لابن القطان (٣/ ٣٨٦)، وقال النووي في خلاصة الأحكام (١٧٩١): في إسناده رجل مختلف في توثيقه.
(٤) رواه مسلم (١/ ٥٠١، ٧٢٥) من حديث عائشة ﵂.
(٥) رواه النسائي (١/ ٢٧٣، رقم ٥٥١) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو عند البخاري (١/ ١١٦، رقم ٥٥٦) بلفظ قريب.
[ ٢ / ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ﵊: «الجماعة تفضل …» (^١) الحديث، وكل فرض، فتكون الصلاة بالجماعة كسبع وعشرين فرضًا عند الانفراد، وكل فرض أعظم ثوابًا من السنة؛ فالمجموع أولى. كذا في جامع أبي المعين والمبسوط (^٢). والوعيد بالترك - أي بترك الجماعة - ألزم من الوعيد بترك السنة؛ قال ﵊: «لقد هممت أن آمر …» (^٣) الحديث.
وقال ﵊: «تارك الجماعة ملعون في التوراة والإنجيل والفرقان» (^٤)، وعن ابن عباس ﵄، أن رجلا سأله عن رجل يقوم بالليل، ويصوم بالنهار، ولا يحضر الجماعة؛ قال: هو في النار.
وقال ﵇: «من خالف الجماعة قيد شبر؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عُنقه» (^٥)، وعن ابن مسعود في حديث العمري: «لو صليتم في رحالكم كما فعله هذا المتخلف؛ لتركتُم سنة نبيكم، ولو تركتُم سُنته؛ لَضَلَلْتُم» (^٦).
وحكي عن إسماعيل الزاهد، أنه كان يقول: ينبغي أن يشرع في السنة ويقطعها، ويدخل مع الإمام، حتى تلزمه بالشروع، فيتمكن من القضاء بعد الفجر.
قال السرخسي: هذا ليس بقوي؛ لأن ما وجب بالشرع، لا يكون أقوى حالا مما وجب بالنذر؛ لأنه مختلف فيه (^٧).
وقد قال محمد: إن المنذور لا يؤدى بعد الفجر قبل الطلوع، مع أنه أمر
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ١٣١، رقم ٦٤٥)، ومسلم (١/ ٤٥٠، رقم ٦٥٠) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٠).
(٣) رواه البخاري (١/ ١٣١، رقم ٦٤٤)، ومسلم (١/ ٤٥١، رقم ٦٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) لم أقف عليه في كتب الحديث بعد البحث.
(٥) رواه أبو داود (٤/ ٤٢١، رقم ٤٧٥٨) من حديث أبي ذر ﵁، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٠٩٤، رقم ٦٤١٠).
(٦) رواه مسلم (١/ ٤٥٣، رقم ٦٥٤).
(٧) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٣)، والبحر الرائق لابن نجم (٢/ ٧٩).
[ ٢ / ٨٢ ]
فِي الحَالَتَيْنِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهَا فِي الوَقْتِ بَعْدَ الفَرْضِ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنَّمَا
بالافتتاح على قصد القطع، وهذا غير مستحسن شرعًا. كذا ذكره التمرتاشي، وقاضي خان (^١).
قوله: (في الحالين)؛ أي: في حال خوف فوت كل الظهر، وحال خوف فوت بعضه؛ لما أن الاشتغال بالسنة والإمام في الفرض مكروه كما ذكرنا.
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن قول البعض، فإنه قال: لا يقضيها لفوات محلها، وهو ليس بسديد؛ للحديث: «من فاتته الأربع قبل الظهر قضاها بعدها» (^٢) كذا ذكره التمرتاشي (^٣)، وكذا روي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏.
ثم ما ذكر في الكتاب: أنه إن كان يرجو إدراك القعدة كيف يفعل، وظاهر ما ذكر في الكتاب يدل على أنه يدخل مع الإمام، وحكي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: يصلي ركعتي الفجر؛ لأن إدراك التشهد عندهما كإدراك الركعة. أصله مسألة الجمعة؛ فإن إدراك الإمام في تشهد الجمعة؛ كإدراكه في الجميع عندهما، خلافًا لمحمد على ما يجيء، وكذا ذكره السرخسي (^٤).
ولو أدرك الإمام في الركوع، ولم يدر أنه ركوع الأولى أم الثانية؛ يترك السنة ويتابع الإمام، ولو تذكر في الفجر أنه لم يصل ركعتي؛ لا يقطع الفجر. كذا في الخلاصة (^٥).
_________________
(١) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٥٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٧٩).
(٢) رواه الترمذي (١/ ٥٥٢، رقم ٤٢٦) وابن ماجه (١/ ٣٦٦، رقم ١١٥٨) من حديث عائشة ﵂ قال الترمذي: حسن غريب.
(٣) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٦٥)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧١).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧٥)، والمحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٤٩).
(٥) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٥٢)، والأصل للشيباني (١/ ١٦١).
[ ٢ / ٨٣ ]
الاخْتِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي تَقْدِيمِهَا عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ وَتَأْخِيرِهَا عَنْهُمَا (*)، وَلَا كَذَلِكَ سُنَّةُ الفَجْرِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(في تقديمها)؛ أي: في تقديم سنة الظهر.
قال أبو يوسف: يقدم الأربع على الثنتين، خلافًا لمحمد.
وقيل: الاختلاف على العكس، وهو الأصح. ذكر في الجامع، أن عند أبي يوسف: يقدم الثنتين على الأربع (^١).
وفي فتاوى العتابي: هو المختار. وفي مبسوط شيخ الإسلام: وهو الأصح؛ لحديث عائشة ﵂، أنه ﵊ كان «إذا فاته الأربع قبل الظهر؛ يصليهن بعد الركعتين» (^٢)، وهو قول أبي حنيفة، وكذا في جامع قاضي خان (^٣).
فأبو يوسف: يعتبر المحل، ومحمد: يعتبر ما يقع فيه، فالركعتين في محلهما فيقدمان ولمحمد أن الأربع قبل الركعتين؛ لتقدمها على الفرض المتقدم عليهما، وقد تعذر التقديم على الظهر، ولم يتعذر على السنة.
وفي المحيط: ذكر أبا حنيفة [مع أبي يوسف: وينوها القضاء عندهما، وعند أبي حنيفة] (^٤): لا ينوي القضاء (^٥).
وفي الخلاصة: لو صلى سنة الفجر، أو الأربع قبل الظهر، ثم اشتغل بالبيع، أو الشراء، أو الأكل؛ فإنه يعيد السنة، أما بأكل لقمة أو بشربة؛ لا تبطل السنة (^٦).
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧١)، والاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٦٥).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٥٩)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٥٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧١).
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٦) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٤٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧١).
(٧) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٥٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧١)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٢٣).
[ ٢ / ٨٤ ]
وَالتَّقْيِيدُ بِالأَدَاءِ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ يَدُلُّ عَلَى الكَرَاهَةِ فِي المَسْجِدِ إِذَا كَانَ الإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ. وَالأَفْضَلُ فِي عَامَّةِ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ المَنْزِلُ هُوَ المَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﵊.
قال ﵀: هذا مشكل؛ لأنه لا رواية فيه.
وفي جامع التمرتاشي: قيل: لا يعيد، ولكن ثوابه أنقص من ثوابه قبل التكلم. (^١)
قال الجلابي: الظاهر أنه لا يعيد (^٢)؛ لأنه ﵇ كان يصلي سنة المغرب في بيته (^٣)، ثم إذا قام إلى السنة؛ تقدم أو تأخر عن مكانه.
قوله: (والأفضل في عامة السنن)؛ قيد به؛ لأنه قال بعض المشايخ: يصلي الركعتين بعد الظهر، والركعتين بعد المغرب؛ في المسجد، وما سواهما في البيت. كذا في المحيط، وشرح الآثار (^٤).
وفي الجامع الأصغر: قال الفقيه أبو جعفر: كان جميع السنن والوتر الرسول الله ﷺ في البيت، وركعتي المغرب يصلي في المسجد، إذا كان يخاف أنه لو رجع إلى بيته يشتغل بشيء، وإلا؛ فالأفضل أن يصليهما في البيت؛ لقوله
﵊:: (^٥) «خير صلاة الرجل في المنزل إلا المكتوبة» (^٦).
وفي شرح بكر: لو صلى التطوع بعدها في المسجد؛ فله ذلك، ولو صلى فيه بيته؛ فله ذلك (^٧).
وقيل: إن خاف فوتها في المسجد.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧١).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧١).
(٣) رواه البخاري (٢/¬١٣، رقم ٩٣٧) من حديث ابن عمر ﵂.
(٤) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٤٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٢).
(٥) تقدم تخريجه أكثر من مرة.
(٦) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٤٧)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٧١)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٣٩٠).
(٧) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٥/ ٣٠٧).
[ ٢ / ٨٥ ]
قَالَ: «وَإِذَا فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ لَا يَقْضِيهِمَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ» لِأَنَّهُ يَبْقَى نَفْلًا مُطْلَقًا،
وفي الْمُجْتَبى: الأفضل أن يصلي الكل في البيت، إلا التراويح (^١).
وقيل: الأفضل أن يعجل السنة بعد الجمعة في الجامع كسائر السنن.
وقيل: يصليها إذا رجع إلى منزله، احترازًا عن خلاف مالك؛ لأنه يراها في البيت (^٢)، والقول الأول أحسن؛ لالتصاقها بالمكتوبة، ولأن الصلاة في الجامع أفضل إذا لم يحبطها الرياء، وعن الحلواني: لا بأس بقراءة الأوراد بين السنة والفريضة (^٣)، وعن أبي الليث: فرغ من المغرب يشتغل بالدعاء قليلًا، ثم يصلي السنة.
وقال الجرجاني: لا يشتغل؛ لأن الملك ينتظره بعد فراغه حتى يصعد.
وفي شرح الشهيد: القيام إلى السنة أفضل (^٤).
وقيل: أولى.
وفي الشافي (^٥): كان ﵊ يمكث قدر ما يقول: «اللهم أنت السَّلامُ وإليك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (^٦).
وعن البقالي: الاشتغال بالدعاء أفضل، ثم بالسنة. كذا في جامع التمرتاشي (^٧).
(يبقى نفلًا مطلقا)؛ أي: لا تبقى صفة السنة؛ لأن السنة ما أداها ﵊، ولم يثبت أنه ﵊ أداهما في غير الوقت على
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٥٣)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٧١).
(٢) انظر: الفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (٢/ ٢٧٦)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (٢/ ٤١٠)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٦٠).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٠)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٣١٢).
(٤) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٥٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٠)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٥٣٠).
(٥) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٤٧)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٧١)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٣٩٠).
(٦) أخرجه مسلم (١/ ٤١٤، رقم ٥٩١) من حديث ثوبان ﵁.
(٧) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٥٣).
[ ٢ / ٨٦ ]
وَهُوَ مَكْرُوهُ بَعْدَ الصُّبْحِ (وَلَا بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْضِيَهُمَا إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ) (*) لِأَنَّهُ ﵊
الانفراد، وإنما أداهما تبعًا للفرض غداة ليلة التعريس، فكان نفلا، بخلاف سنة الظهر؛ فإنه ﵇ قضاها في الوقت بعد الظهر. هكذا روته عائشة (^١) ﵂.
كذا في المحيط (^٢)، وهو الصحيح من مذهب الشافعي (^٣)؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﵊ تأخيرها عن الفرض.
وقال بعض أصحابه [عنه] (^٤): يمتد وقتهما إلى طلوع الشمس؛ ولهذا لو دخل المسجد والإمام في الفجر؛ يقتدي به ويصلي السنة بعدها، وبعضهم قال: إلى زوال الشمس، وهما غير صحيح. كذا في الحلية، وتتمتهم (^٥).
قوله: (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ): قال الحلواني، والفضلي، ومن تابعهما: لا خلاف بينهم؛ فإن محمدًا يقول: أحب إليَّ أنه يقضي، وإن لم يفعل؛ فلا شيء عليه، وهما يقولان: ليس عليه أن يقضي، وإن فعل؛ لا بأس به (^٦).
ومن المشايخ من حقق الخلاف، وقال: الخلاف في أنه لو قضى يكون نفلا مبتدأ أو سنة. كذا في المحيط (^٧).
لمحمد: إطلاق قوله ﵊: «مَنْ فاته سنةُ الفجرِ فَلْيَقْضِها» (^٨)، ولأنه ﵊ قضاهما غداه ليلة التعريس، فعلم أنهما تقضيان؛ لاختصاص القضاء بالواجب؛ إذ القضاء إسقاط الواجب بمثل
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٤٦).
(٤) انظر: أسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ٢٠٧)، وإعانة الطالبين للبكري (١/ ٣٠٩)، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج (١/ ٢٨٤).
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٦) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٢٧٦)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٣٤٥).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٣)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧٨).
(٨) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٤٦)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧٨).
(٩) بنحوه رواه الترمذي (١/ ٥٤٨، رقم ٤٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁ وقال: غريب. وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (٥/ ٤٧٨، رقم ٢٣٦١).
[ ٢ / ٨٧ ]
قَضَاهُمَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الأَصْلَ فِي السُّنَّةِ أَنْ لَا تُقْضَى لِاخْتِصَاصِ القَضَاءِ بِالوَاجِبِ، وَالحَدِيثُ وَرَدَ فِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ فَبَقِيَ مَا رَوَاهُ عَلَى الأَصْلِ، وَإِنَّمَا تُقْضَى تَبَعًا لَهُ، وَهُوَ يُصَلِّي بِالجَمَاعَةِ أَوْ وَحْدَهُ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ اخْتِلَافُ المَشَايِخِ ﵏. وَأَمَّا سَائِرُ السُّنَنِ سِوَاهَا
من عنده، والسنة غير واجبة، فأما سنة الظهر: تقضى بالحديث؛ لما روينا، مع أن القضاء بعد خروج الوقت، فما دام الوقت باقيا؛ لا يسمى قضاء؛ ولهذا لا ينوي القضاء في سنة الظهر على الأصح. كذا في الكافي (^١).
(ما رواه)؛ أي: ما رواه، ما ورد به الشرع.
(على الأصل)؛ وهو أن لا تقضى كسائر السنن؛ يعني: ثبت هذا على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص.
والمراد من الحديث: فليقضيها تبعًا؛ كما ورد غداه ليلة التعريس.
(وفيما بعده)؛ أي: بعد الزوال يقضي الفرض، فهل يقضي السنة تبعًا؟
قال بعض المشايخ: يقضي، وهو أحد قولي الشافعي (^٢)، وكذا في سائر السنن. كذا في جامع قاضي خان (^٣).
وفي المحيط: لا يقضي السنة بعد الزوال، وإن تذكر مع الفرض، من غير ذكر خلاف (^٤).
وفي جامع بدر الدين الورسكي: لا تقضى بعد الزوال؛ لأن السنة جاءت بالقضاء في وقت مهمل، فلا يقاس عليه فرض وقت آخر (^٥).
(سواها)؛ أي: سوى سنة الفجر تبعا للفرض.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٤)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٧١)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧٨).
(٢) انظر: اللباب في الفقه الشافعي لأبو الحسن بن المحاملي (ص ١٤٩).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجم (٢/ ٨٠، ٨١).
(٤) المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٤٦).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٤).
[ ٢ / ٨٨ ]
فَلَا تُقْضَى بَعْدَ الوَقْتِ وَحْدَهُ، وَاخْتَلَفَ المَشَايِخُ فِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ (وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ الظُّهْرِ رَكْعَةً وَلَمْ يُدْرِكُ الثَّلَاثَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ بِجَمَاعَةِ. وَقَالَ
وفي فتاوى العتابي: والمختار: أن لا يقضي (^١).
ثم للشافعي في السنن الرواتب قولان في أنه يقضي أم لا؟ في قول: لا يقضي؛ لأنه غير واجب (^٢)، وبه قال مالك (^٣) وأحمد في رواية (^٤).
وفي قول: تقضى كالفرائض، وهو اختيار المزني، ورواية عن أحمد؛ لأن الخبر جاء في قضاء البعض، فكذا الباقي، وعندنا: على التفصيل كما ذكرنا.
قوله: (ومن أدرك الظهر): فإن قيل: الاختلاف عند اتحاد الموضوع، ثم ذكر هاهنا قولهما في صلاة الظهر بجماعة، وقول محمد في إدراك فضل الجماعة، وهما متغايران، فكيف يتحقق الاختلاف؟
قلنا: تخصيص ذكر محمد ليس لبيان الاختلاف، فإنهم اتفقوا أنه أدرك فضل الجماعة، وإنما خص قول محمد لشبهة ترد على قوله.
وقد ذكر في جامع قاضي خان: أما فائدة قوله: أنه لم يصل الظهر بجماعة، أنه لو حلف إن صلى الظهر مع الإمام فعبده حر، فأدرك مع الإمام ركعة، ولم يدرك الثلاث، لا يحنث؛ لأن شرط حنثه أن يصلي الظهر مع الإمام، وقد صلى ركعات بدونه والمسبوق فيما يقضي؛ كالمنفرد وإن فاتته ركعة، ولو فاتته ركعة، وصلَّى ثلاثًا مع الإمام يحنث؛ فعلى ظاهر الجواب لا يحنث؛ لأنه لم يصل الكل معه (^٥).
وذكر السرخسي: يحنث؛ لأن للأكثر حكم الكل (^٦).
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨٠، ٨١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٤، ٥٧٥)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧٩).
(٢) انظر: أسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ٢٠٧)، وتحفة المحتاج للهيتمي (٢/ ٢٣٧)، ونهاية المحتاج للرملي (٢/ ١٢١).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٩٦).
(٤) انظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ١٧٨)، والإقناع للحجاوي (١/ ١٤٦)، والمبدع لابن مفلح (٢/¬٢٠).
(٥) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٤)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٢٣).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٢٧).
[ ٢ / ٨٩ ]
مُحَمَّدٌ: قَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الجَمَاعَةِ) لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ آخِرَ الشَّيْءِ فَقَدْ أَدْرَكَهُ، فَصَارَ مُحْرِزًا ثَوَابَ الجَمَاعَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا بِالجَمَاعَةِ حَقِيقَةٌ، وَلِهَذَا يَحْنَثُ بِهِ فِي يَمِينِهِ لَا يُدْرِكُ الجَمَاعَةَ، وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ «لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالجَمَاعَةِ» (وَمَنْ
ولو قال: عبده حر إن أدرك الظهر مع الإمام؛ حنث، وإن أدركه قعودا؛ لأن بإدراك البعض يسمى مدركا؛ قال ﵊: «من أدرك ركعةً مِنَ الفجر …» (^١) الحديث.
وقال محمد في المسألة الأولى: فقد أدرك فضل الجماعة، وهو قولهما أيضًا، وإنما خص قول محمد؛ لأنه لا شبهة في قولهما، وإنما الشبهة في قول محمد، فإنه لو أدرك الإمام في الجمعة في القعدة؛ لا يكون مدركا لها عند محمد، ويصلي أربعًا، وعندهما يكون مدركًا لها، ويصلي ركعتين، ولكن يكون محرزا ثوابها عنده؛ لأنه أدرك بعضها، وإنما يصلي أربعا احتياطا. ولهذا يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، ويقعد في الثانية لا محالة احتياطا. كذا ذكره المحبوبي في جامعه (^٢)، فيتوهم أنه لا يصير مدركًا فضل الجماعة بإدراك الركعة عنده، فخصه بالذكر؛ لدفع هذا الوهم.
وقال بعض المتأخرين: المسبوق على قول محمد لا يكون مدركًا ثواب إدراك الجماعة، وفيه نظر؛ لأن صلاة الخوف إنما شرعت؛ لينال كل طائفة ثواب الجماعة. كذا ذكره الإمام المرغيناني (^٣).
ثم عند أكثر أصحاب الشافعي: لو أدرك الإمام في التشهد ينال فضل الجماعة كمذهبنا (^٤)، وهو ظاهر مذهبه؛ لأنه لو لم ينل لمنع من الاقتداء في هذه الحالة؛ لكونها زيادة في الصلاة ولا فائدة فيها.
وعن ابن مسعود: أنه أدرك الإمام في التشهد؛ فقال: الحمد لله لقد
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٢/¬٣٥)، والمحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (٢/ ٩٣).
(٣) الهداية للمرغيناني (١/ ٧٢).
(٤) انظر: إعانة الطالبين للبكري (٢/¬١٥)، والتنبيه للشيرازي (ص ٣٨)، والغرر البهية لزكريا الأنصاري (١/ ٤٠٦).
[ ٢ / ٩٠ ]
أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ المَكْتُوبَةِ مَا بَدَا لَهُ مَا دَامَ فِي الوَقْتِ) وَمُرَادُهُ: إِذَا كَانَ فِي الوَقْتِ سَعَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضِيقٌ تَرَكَهُ قِيلَ: هَذَا فِي غَيْرِ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالفَجْرِ، لِأَنَّ لَهُمَا زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ، قَالَ ﵊ فِي سُنَّةِ
أدركت الصلاة؛ أي: ثواب الجماعة.
وعند بعض أصحابه: لا ينال إذا أدركه فيما دون الركعة؛ لأن ما دونها ليس بمحسوب من صلاته، فلا ينال به الفضيلة.
قوله: (قد صلى فيه)؛ أي: بالجماعة.
روي عن الثوري، والحسن: أنه لا يتطوع قبل المكتوبة؛ لما أنه ﵇ ما اشتغل به إذا صلى بالجماعة.
وفي الخلاصة: والمراد به: الأربع قبل الظهر (^١).
وقوله: (لا بأس)؛ دليل على أن له أن يدع السنة، ويشرع في الفريضة، وهو الذي وقع بين الناس أن تلك ليست بسنة، واستحسن مشايخنا المتأخرون الإتيان به.
(وقيل: هذا)؛ أي: قوله لا بأس به، بأن يتطوع قبل المكتوبة في التطوع قبل العصر، والعشاء، دون الفجر والظهر؛ بدليل ما قيل في العصر والعشاء: إنه مخير.
(لأن لهما)؛ أي: لسنة الفجر والظهر.
(زيادة مزية)؛ أي: فضيلة، قال ﵇، إلى آخره.
والمراد بالخيل: جيش العدو، وهو اختيار فخر الإسلام، وشمس الأئمة، وصاحب المحيط، وقاضي خان، والتمرتاشي، والمحبوبي ﵏ (^٢)، حتى قال قاضي خان: السنة قبل المكتوبة شرعت لقطع طمع الشيطان، فإنه يقول: من لم يطعني في ترك ما لم يكتب عليه، فكيف يطيعني في ترك
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مَازَةَ البخاري (١/ ٤٤٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٧).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٦).
[ ٢ / ٩١ ]
الفَجْرِ: «صَلُّوهُا وَلَوْ طَرَدَتْكُم الخَيْلُ» وَقَالَ فِي الْأُخْرَى: «مَنْ تَرَكَ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظَّهْرِ لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» وَقِيلَ: هَذَا فِي الجَمِيعِ، لِأَنَّهُ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَدَاءِ المَكْتُوبَاتِ بِجَمَاعَةٍ، وَلَا سُنَّةَ دُونَ المُوَاظَبَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا
ما كتب عليه؟، والمنفرد في ذلك أحوج في سنة الظهر (^١)، والصحيح: أنه ﵊ قاله في سنة الفجر.
قيل: في تأويل قوله ﵊: «لم تنله شفاعتي» (^٢)؛ أنه في حق من لم يرها سنة، أو لا يأتي بها أصلًا. كذا في الكافي (^٣).
(وقيل: هذا)؛ أي قوله: لا بأس.
(في الجميع)؛ أي: جميع الصلوات، وهو اختيار أبي اليسر في جامعه؛ لما أن الاستنان بسنة النبي ﵊ أن يفعلها كما فعلها، والنبي ﵊ لم يأتِ بها إلا عند أداء المكتوبة بجماعة، فإذا أتى بهما عند أدائها وحدها؛ لم يكن مستنا بسنته، والأول أصح، والأخذ به أحوط. كذا في جامع الكردري (^٤).
وفي الخبازية، والحميدية: قيل: هذا في الجميع؛ إذ لو يرد في الجميع لما بقي لقوله: (وقد صلى) فيه فائدة؛ لأن الاختيار بين الترك والإتيان لسنة العصر والعشاء ثابت، سواء كان بجماعة أو منفردًا، أما لو أريد بهذا في الجميع، ثبت جواز اختيار ترك سنة الظهر والفجر حالة الانفراد، لا عند الأداء بالجماعة، فحينئذ تظهر فائدة قوله: (قد صلَّى فيه) (^٥).
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٧)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٧٢).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٩/ ٥٠٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٨/¬١٢).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨٢)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٥٤).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٥٧٧، ٢/ ٥٧٨).
[ ٢ / ٩٢ ]
لِكَوْنِهَا مُكَمِّلَاتٍ لِلْفَرَائِضِ، إِلَّا إِذَا خَافَ فَوْتَ الوَقْتِ.
(لكونها)؛ أي: لكون السنن.
(مكملات للفرائض)، والمنفرد إلى المكمل أحوج؛ لنقصان صلاته من وجه.
قوله: ووقف: يعني: سواء تمكن من الركوع أو لا؛ لم يصر مدركا، خلافا لزفر، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وعبد الله ابن المبارك، وعلى هذا الخلاف، لو انحط ولم يقف، ولكن رفع الإمام رأسه قبل أن يركع، وأجمعوا أنه لو انتهى في القومة؛ لم يصر مدركًا لتلك الركعة.
وجه قولهم: أنه أدركه فيما له حكم القيام، وهو الركوع، على ما جاء في الحديث: «إن أدرك الإمام في الركوع فقد أدركة» (^١)؛ ولهذا قلنا يأتي بتكبيرات العيد في الركوع، مع أنه يؤتى بها في حقيقة القيام؛ لما أن القائم يفارق القاعد في استواء النصف الأسفل، على ما ذكر في الأصول، ولأنه لو أدرك في حقيقة القيام وركع بعد ركوعه؛ يجوز بالإجماع، فكذا هذا.
ولنا: حديث ابن عمر ﵄ أنه قال مثل مذهبنا، ولأن الركوع ليس بقيام حقيقة؛ لما أنه عبارة عن استواء النصفين، واستواء النصف الأعلى منتف فيه، فقلنا: لشبهه بالقيام إذا أدركه في الركوع؛ يصير مدركا، ولشبهه بغير القيام؛ لا يصير مدركًا للركعة إذا لم يركع معه؛ لأنه لابد من المشاركة في القيام أو فيما له حكم القيام ولم يوجد، وفي المستشهد به وجدت المشاركة في القيام؛ فافترقا.
ومعنى الحديث: أنه أدركه في تلك الصلاة، لا في تلك الركعة.
وفي الخلاصة: أدرك الإمام في الركوع، فقال: الله أكبر، إلا أن قوله: (الله) كان في قيامه، وقوله: (أكبر) وقع في ركوعه؛ لا يكون شارعا في الصلاة (^٢).
وقال المحبوبي (^٣): دخل المسجد والإمام راكع، فقد قال بعض مشايخنا،
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ٤٢٤، رقم ٦٠٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٩)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٠٨).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٩).
[ ٢ / ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومالك (^١): ينبغي أن يكبر ويركع، ثم يمشي حتى يلتحق بالصف؛ كيلا يفوته الركوع، كما فعله أبو بكرة؛ فقال ﵊: «زادَكَ الله حرصًا ولا تَعُدْ» (^٢).
وقال شمس الأئمة: وأكثر مشايخنا على أنه لا يُكَبّر (^٣)؛ لكيلا يحتاج إلى المشي في الصلاة، وبه قال الشافعي (^٤).
وقال أحمد: إن علم بالنهي ومشى؛ بطلت صلاته (^٥)، وعندنا: لو مشى ثلاث خطوات متوالية تبطل، وإلا يكره، فمن اختار القول الأول قال: معنى قوله: لا تعد، لا تؤخر المجيء إلى هذه الحالة، ومن اختار القول الثاني، قال: معناه لا تعد إلى مثل هذا الصنيع، وهو التكبير قبل الاتصال بالصف، والمشي في الركوع، وإنما لم يأمره بالإعادة؛ لأن ذلك كان في وقت كان العمل مباحًا في الصلاة.
وفي جامع التمرتاشي: ذكر الجلابي في صلاته أدرك الإمام في الركوع، فكبر قائما، ثم شرع في الانحطاط، وشرع الإمام في الرفع؛ اعتد بها (^٦).
وقال: قيل لو شاركه في الرفع.
قيل: إن كان إلى القيام أقرب، والأصح: أنه يعتد إذا وجدت المشاركة قبل أن يستتم قائما، وإن قل.
وعن أبي يوسف: قام مسرعًا فلم يستتم القيام حتى كبر؛ لم يجزه.
وفي النوازل: إن كان إلى القيام أقرب؛ جاز، وإن كان إلى الركوع أقرب؛ لا يجوز (^٧).
_________________
(١) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠١).
(٢) رواه البخاري (١/ ١٥٦، رقم ٧٨٣) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٣) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (١/¬١٩).
(٤) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (٥/¬١٩)، وروضة الطالبين للنووي (٢/ ٧٣).
(٥) انظر: المحرر لمجد الدين ابن تيمية (١/ ١١٥)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١١٩).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٩)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٥٥).
(٧) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٥١)، والبحر الرائق لابن نجم (١/ ٣٠٨)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٤٤٧).
[ ٢ / ٩٤ ]
(وَمَنِ انْتَهَى إِلَى الإِمَامِ فِي رُكُوعِهِ، فَكَبَّرَ وَوَقَفَ حَتَّى رَفَعَ الإِمَامُ رَأْسَهُ، لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، خِلَافًا لِزُفَرَ) هُوَ يَقُولُ: أَدْرَكَ الإِمَامَ فِيمَا لَهُ حُكْمُ
ثم إذا أدرك الإمام فيه، وهو يعلم أنه لو اشتغل بالثناء لا يفوته الركوع؛ يثني؛ لأنه أمكنه الجمع بين الأمرين، وإن كان يعلم أنه يفوته؛ قال بعضهم: يثني؛ لأن الركوع يفوت إلى خلف، وهو القضاء، والثناء يفوت أصلا.
وقال بعضهم: لا يثني؛ لأن [الركوع] (^١) وإن كان لا يفوته فسنة الجماعة فيها تفوته، وفضيلة الجماعة أكثر من فضيلة الثناء.
ومما يتعلق بهذا: ما لو أدرك الإمام في غير الركوع: يُكبّر للافتتاح، ويثني، ثم يتابع الإمام في أي حال كان؛ لما روى معاذ أنه ﵊ قال: «إذا أتى أحدكم الإمام على [أي] (^٢) حالِ فَلْيَصْنَعْ كَما يصنع الإمامُ، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» رواه الترمذي وأبو داود، وقال الترمذي: عليه عمل أهل العلم أن الشرط هو المشاركة؛ ولهذا يجب على المسبوق واللاحق أداء الأفعال بعد فراغ الإمام، وبقولنا قال الشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، وأحمد (^٥)؛ لكن هذا الصنيع حرام منهي.
وثمرة الخلاف تظهر بيننا وبين زفر في هذه المسألة: في أن عنده هو لاحق حتى يأتي بهذه الركعة قبل فراغ الإمام، وعندنا هو مسبوق حتى يأتي بها بعد فراغ الإمام. كذا ذكره المرغيناني (^٦).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) انظر: حاشية البجيرمي على شرح المنهج (١/ ٣٤٨)، وحاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٥٨٦).
(٤) انظر: حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٥٨).
(٥) انظر: الشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة المقدسي (٢/¬١٠)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٦٤).
(٦) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٤)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٢٣).
[ ٢ / ٩٥ ]
القِيَامِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي حَقِيقَةِ القِيَامِ.
وَلَنَا: أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ المُشَارَكَةُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُوجَدْ لَا فِي القِيَامِ وَلَا فِي الرُّكُوعِ (وَلَوْ رَكَعَ المُقْتَدِي قَبْلَ إِمَامِهِ فَأَدْرَكَهُ الإِمَامُ فِيهِ جَازَ) وَقَالَ زَفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ،
قوله: (وَقَالَ زَفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ)؛ أي: الصلاة إذا لم يعد الركوع؛ لقوله ﵊: «إنما جُعِلَ الإمامُ إمامًا» (^١) الحديث، وقوله ﵊: «إنما يخشى من يركع قبل الإمام أن تصير رأسه رأس حمار» (^٢)، وفي رواية: «رأس الخنزير» شبهه به؛ لأنه فعل فعلا فاحشا، حيث أضر بنفسه من غر نفع، فكان ما أتى به حراما، فيكون فاسدًا؛ ولهذا يصير عاصيا عند الشافعي، وما أتى بعده بناء عليه، كما لو رفع رأسه من هذا الركوع قبل ركوع الإمام؛ حيث لا يعتد به، ويجب عليه أن يعود.
ولنا: أن القدر الذي وجد فيه المشاركة ركوع حتى يسمى به راكعًا، فيجعل مبتدئًا لا بانيا؛ بخلاف ما لو رفع رأسه من هذا الركوع قبل ركوع الإمام؛ لأن ثمة لم توجد المشاركة. كذا في جامع قاضي خان وغيره (^٣)، كما في الظرف الأول، وهو أن يشارك الإمام في أول الركوع، ثم رفع رأسه قبل الإمام؛ وهذا لأن للركوع طرفين، فالشركة كافية في أحدهما.
فإن قيل: إذا ركع قبل الإمام يكون ذلك الجزء فاسدًا كما بينا، والبناء على الفاسد فاسد، ولا كذلك فيما إذا رفع قبل الإمام بعد أن ركع معه.
قلنا: ما أدى قد صار كأن لم يكن، وبعده شارك الإمام في جزء وهو كاف، وإذا صار كأن لم يكن؛ لا يكون لبناء الفاسد على الفاسد. كذا في الكافي (^٤).
وفي فتاوى العتابي: رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام؛ يجب
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٤٠، رقم ٦٩١)، ومسلم (١/ ٣٢٠، رقم ٤٢٧) من حديث أبي هريرة.
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٣٦٢)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٥).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٨٤).
[ ٢ / ٩٦ ]
لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ قَبْلَ الإِمَامِ غَيْرُ مُعْتَدٌ بِهِ هَكَذَا مَا يَبْنِيهِ عَلَيْهِ.
وَلَنَا: أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ المُشَارَكَةُ فِي جُزْءٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الطَّرَفِ الأَوَّلِ.
عليه أن يعود، ويكون ذلك واحدا (^١).
وروى الحسن عن أبي حنيفة: فيمن رفع رأسه من الركوع قبل الإمام، وسجد قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع؛ فسدت صلاته، ولو سجد بعد ما رفع الإمام رأسه منه، وأدركه الإمام في السجود؛ لا تفسد [عند أبي حنيفة] (^٢) وعند أبي داود: تفسد في الوجهين.
وفي الخلاصة والتجنيس: رفع رأسه قبل الإمام فيهما ينبغي أن يعود (^٣)، والمعنى: أن متابعة الإمام واجبة، فترفع المخالفة والموافقة، وقد جاء في تأويل حديث الكسوف: أنهم رفعوا رؤوسهم قبل النبي ﵊، ثم وافقوه وتابعوه.
ولو رفع الإمام رأسه قبل أن يقول المقتدي: سبحان ربي العظيم [ثلاثا]، قيل: يتم ثلاثا، والصحيح: أنه يتابعه، بخلاف ما لو سلم الإمام قبل فراغ المقتدي من التشهد؛ يتم ما بقي؛ لأنه من الواجبات، بخلاف التسبيحات؛ فإنها سنة، ومتابعة الإمام فريضة.
وعند الشافعي: لو رفع رأسه من الركوع قبل الإمام؛ فعليه أن يرجع إظهارا للموافقة، واحترازا عن المخالفة (^٤)، فإن لم يرجع؛ كره وأجزأه.
وكذا لو ركع قبل الإمام؛ يستحب أن يرجع إلى القيام لما ذكرنا، حتى يركع معه، وقال بعض أصحابه: يصبر حتى يلحقه، ولو ركع الإمام ولم يركع المقتدي، حتى رفع الإمام رأسه؛ لم تبطل صلاته، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٢٥٥).
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من النسخة الثانية.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٧٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٨٤).
(٤) انظر: أسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ١٩٠)، والمجموع شرح المهذب للنووي (٤/ ٢٣٩)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٨٢).
[ ٢ / ٩٧ ]