وفيه: ويصل بهذا كراهة الكلام، ويكره الكلام بعد انشقاق الفجر إلى أن يصلي الفجر إلا بخير، وبعد الصلاة لا بأس به، وبالمشي في حاجته ومعاشه، وقيل: يكره إلى طلوع الشمس، وقيل: إلى ارتفاعها، والتحدث بعد العشاء أباحه قوم، وحظره قوم (^١)، والكلام ثلاثة محظور؛ فلا يباح في كل وقت، وما فيه قربة؛ فمباح في كل وقت، ومباح؛ وهو منهي في هذه الأوقات، كذا في الْمُجْتَبى (^٢).
بَابُ الْأَذَانِ
لما ذكر الأوقات وهي أسباب في الحقيقة أعلام لما عرف في الأصول، ذكر الأذان الذي هو إعلام لتلك الأعلام، وقدَّم الأوقات لما فيها من معنى السببية، والسبب مقدم على العلامة، ولأنها أعلام في حق الخواص وهي العلماء، والأذان في حق العوام، فقدم ما اختص به لزيادة مرتبتهم.
ثم الكلام هاهنا في تفسيره شريعة، ولغة، وسببه، ووصفه، وكيفية ومحل شرع فيه، ووقته، وفيما يجب على سامعه.
أما لغةً: فالأذان إعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَانُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، أي إعلام.
وشريعة: إعلام مخصوص، في وقت مخصوص.
وأما ثبوته: ما ذكر في المبسوط: روى أبو حنيفة، عن علقمة بن مرثد، عن أبي بردة، عن أبيه قال: مرَّ أنصاري بالنبي ﷺ فرآه حزينًا، وكان الرجل ذا طعام، فرجع إلى بيته واهتم لحزنه ﵇، فلم يتناول الطعام فنام، فأتاه
_________________
(١) في الأصل: (وحذره)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٤١٢).
[ ١ / ٥٢٠ ]
(الأَذَانُ سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَالجُمُعَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا) لِلنَّقْلِ المُتَوَاتِرِ.
(وَصِفَةُ الأَذَانِ مَعْرُوفَةٌ) وَهُوَ كَمَا أَذَّنَ المَلَكُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ.
(وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ) وَهُوَ: أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ مَا خَفَضَ بِهِمَا.
آت فقال: أتعلم حزن النبي ﵇ مِمَّاذا؟ وهو من هذا الناقوس، فمره فليعلم بلالا الأذان، ثم ذكره إلى آخره.
والمشهور في سببه أنه ﵇ لما قدم المدينة كان يؤخر الصلاة تارة، ويعجلها أخرى، فشاور الصحابة بأن ينصبوا علامةً يعرفون بها وقت أذانه كيلا تفوتهم الجماعة، فقال بعضهم: ننصب رايةً إذا رآها الناس آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، وأشار بعضهم بضرب الناقوس، فكرهه لأجل النصارى، وبعضهم بالنفخ في الشبور فكرهه لأجل اليهود، وبعضهم بإيقاد النار، فكرهه لأجل المجوس، فتفرقوا قبل أن يجتمعوا على شيء.
قال عبد الله بن زيد الأنصاري - صاحب الأذان لا صاحب الوضوء -: لا يأخذني النوم، وكنت بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصا نزل من السماء وعليه ثوبان أخضران، وبيده شبه الناقوس، فقلت: أتبيعني هذا الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ فقلت: أذهب به إلى النبي ﷺ ليضرب به لوقت صلاتنا، فقال: ألا أدلك على ما هو خير من هذا؟ فقلت: نعم، فقام على حزم حائط - أي أصله - مستقبل القبلة فأذن ثم مكث هنيهة، ثم قال مثل ذلك، وزاد في آخره: قد قامت الصلاة، مرتين.
فأتيت النبي ﷺ وأخبرته بذلك، فقال ﵇: «رُؤْيا صدقٍ أو حَقٌّ، أَلقها على بلال فإنه أندَى صوتًا مِنْكَ، ومُره ينادي به»، فألقيتها على بلال فقام على أرملة كان أعلى سطوح المدينة وجعل يؤذن، فلما سمع عمر ﵁ خرج في إزار يهرول ويقول: طاف بي الليلة ما طاف بعبد الله، إلا أنه سبقني، فقال ﵇: «هذا أثبت».
وروي أن سبعة من أصحابه رأوا تلك الرؤيا في ليلة واحدة، كذا في
[ ١ / ٥٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المبسوطين (^١).
ومحمد ابن الحنفية، وقيل: زين العابدين ينكر ويقول: تعمدون إلى ما هو من معالم الدين فتقولون ثبت الرؤيا، وإنما طريقه الوحي والعلم دون النوم والظن، بل بعث الله تعالى ملكًا ليلة أسري بالنبي ﵇، وجمع له النبيون: أن أذن وأقام.
وقلنا: ثبت الأذان بأمره ﵇، لا بالمنام وحده.
وقيل: نزل به جبريل ﵇، على النبي ﵊، حتى قال كثير بن مرة: أذن جبريل في السماء فسمعه عمر ﵁، ولا منافاة بين هذه الأسباب فليجعل كل ذلك كان، كذا في المبسوط (^٢).
قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: ليلة أسري به كان بمكة، وقد صلى ﵇ بالمدينة بغير أذان، واستشار أصحابه فيما يجمعهم به، ولو كان كما ذكر محمد ابن الحنفية لتقدم أمر الأذان، ولما استشار النبي ﵇ فيه (^٣).
وأما سببه: دخول الوقت المكتوبة.
وأما وصفه: فقال جميع الفقهاء أنه سُنة، وقال بعض مشايخنا: أنه واجب؛ لما روي عن محمد: لو اجتمع أهل بلدة على تركه لقاتلناهم، وإنما يقاتلون على ترك الواجب.
وقال عامة مشايخنا: إنهما سنتان مؤكدتان، وكلا القولين متقاربان؛ لأن السنة المؤكدة بمنزلة الواجب في لحوق الإثم بالترك، وإنما يقاتل على تركه لأنه من شعائر الإسلام وخصائص الدين، وعند أبي يوسف لا يقاتلون ولكن يؤمرون ويضربون، وعن المكحول أنهما من سنن الهدى، وتركهما ضلالة، يقاتلون على الضلال، كذا في المحيط (^٤).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٧).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٨).
(٣) أحكام القرآن (٤/ ١٠٣).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٣٩).
[ ١ / ٥٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعند الإصطخري وأبي إسحاق من أصحاب الشافعي هما فرضا كفاية (^١)، وبه قال أحمد، ويقاتلون على تركه (^٢)، ولا يقاتلون على الأصح.
وقال ابن خيران من أصحابه: هما فرضا كفاية في الجمعة، سنتان في غيرها؛ لأن الجمعة اختصت بوجوب الجماعة، واختصت بوجوب الدعاء إليها (^٣).
وجه قول الإصطخري قوله ﵇: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (^٤)، وظاهر الأمر للوجوب؛ ولأنه من شعائر الإسلام فليؤكد بالفرضية.
وقلنا أنه ﵇ جمع بين الصلاتين فأسقط الأذان في الثانية، فلو كان واجبًا لما تركه لسنة كذا في شرح الوجيز (^٥).
وقال داود: هما واجبان، وتصح الصلاة مع تركهما، وقال الأوزاعي: إن نسي الأذان وصلى أعاد الصلاة في الوقت، وقال عطاء: إن نسي الإقامة أعادها، كذا في الحلية (^٦).
ثم جاز أن يكون تخصيص الجمعة لإزالة وهم من يهم بأن الأذان لها كصلاة العيدين بجامع أنهما متعلقان بالإمام والمصر الجامع، وإلا فهي داخلة في الخمس، أو لنفي قول بعض أصحاب الشافعي كما قلنا.
وأما بيان كيفيته فمعروفة، وهي المتواترة بلا زيادة ولا نقصان عند عامة العلماء، ونقص مالك تكبيرتين من أوله (^٧)، وهو رواية الحسن عن أبي يوسف،
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/¬٤٩)، والمجموع للنووي (٣/ ٨٠).
(٢) انظر: المحرر لأبي البركات ابن تيمية (١/¬٣٩)، والفروع لابن مفلح (٢/¬٥).
(٣) انظر: حلية العلماء للشاشي (٢/¬٣٥)، والمجموع للنووي (٣/ ٨٠).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ١٢٨، رقم ٦٣١)، ومسلم (١/ ٤٦٥، رقم ٦٧٤) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.
(٥) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/ ١٣٧).
(٦) حلية العلماء للشاشي (٢/¬٣٦).
(٧) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٥٧)، والتلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٤١).
[ ١ / ٥٢٣ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِيهِ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ
قال أبو الحسن: رجع أبو يوسف عن هذا.
لمالك حديث أبي محذورة في رواية مسلم أنه ﵇ علمه الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، إلى آخره (^١).
وقلنا أخرج النسائي عن إسحاق بن إبراهيم شيخ مسلم بسنده، وذكر التكبير مربعًا (^٢)، وبذلك يصح كون الأذان تسع عشر كلمة، أو سبع عشرة، وقد وقع في بعض روايات كتاب مسلم هذا الحديث فيه التكبير مربع، وقد صححه البيهقي لكثرة رواته.
ثم في آخره: «لا إله إلا الله»، وعند أهل المدينة: «لا إله إلا الله، والله أكبر»، واعتبروا آخره بأوله، ويروون فيه حديثًا شاذا ولا يعمل به فيما تعم به البلوى، كذا في المبسوط (^٣).
وقيل: الحكمة في تكرار كلماته تعظيم شأن الصلاة في أنفس السامعين، ورجاء الثواب من الله تعالى بالتكلم به.
قوله: (وقال الشافعي فيه ذلك)، أي في الأذان الترجيع (^٤)، وبه قال مالك، إلا أنه قال: لا يؤتي بالتكبير في أوله إلا مرتين (^٥)، وقال أحمد: إن رجع فلا بأس به، وإن لم يرجع فلا بأس به (^٦)، وقال أبو إسحاق من أصحاب الشافعي: قد ثبت أذان بلال، وأذان أبي محذورة، فلو ترك الترجيع فالمذهب أن يعتدّ به، وحكى بعض أصحابنا عن الشافعي ﵁ أنه لا يعتد به كما لو ترك سائر كلماته، وفيه نظر، كذا في الحلية (^٧).
وفي شرح الوجيز والأصح إن ترك الترجيع لم يضر؛ لأن المقصود منه
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٨٧، رقم ٣٧٩).
(٢) أخرجه النسائي (٢/¬٤، رقم ٦٣١).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٩).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/¬٤٣)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٣).
(٥) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٤٣٥)، والذخيرة للقرافي (٢/¬٤٤).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٩٣)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤١٢).
(٧) حلية العلماء للشاشي (٢/¬٣٩).
[ ١ / ٥٢٤ ]
بِالتَّرْجِيعِ». وَلَنَا: أَنَّهُ لَا تَرْجِيعَ فِي المَشَاهِيرِ وَكَانَ مَا رَوَاهُ تَعْلِيمًا فَظَنَّهُ تَرْجِيعًا.
الإعلام والإبلاغ، والذي يأتي به الصوت خفض لا يسمعه إلا من حوله فلا يتعلق به الإبلاغ؛ لحديث أبي محذورة (^١).
روى أبو محذورة أن النبي ﵇ ألقى علي التأذين بنفسه فقال: «قُلْ: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدا رسول الله»، ثم قال: «ارْجِعْ فَمُدَّ بِها صَوْتَكَ» (^٢).
ولنا: حديث عبد الله بن زيد الأنصاري وهو الأصل فيه، وليس فيه ذكر الترجيع والروايات متفقة على أن بلالا لم يكن يرجع، ولأن المقصود من الأذان قوله: «حَيَّ عَلَى الصّلاةِ، حيَّ على الفلاح»، ولا ترجيع فيهما، ففيما سواهما أولى.
وأما حديث أبي محذورة إنما أمره بالتكرار حالة التعليم ليحسن تعليمه، وهو كان عادة النبي ﵇ في التعليم، فظن أنه أمره بالترجيع.
وفي الأسرار: أنه ﵇ أمره به لحكمة رويت في قصته، وهي أن أبا محذورة كان يبغض النبي ﵇ قبل الإسلام أشد البغض، فلما أسلم أمره النبي ﵇ بالأذان، فلما بلغ الشهادة خفض صوته حياءً من قومه، فدعاه النبي ﵇ وعرك أذنه وقال: «ارْجِعْ وامدُدُ بها صَوْتَكَ»، إما ليعلمه أن لا حياء من الحق، أو ليزيده محبة للنبي ﵇ بتكرار كلمة الشهادة (^٣).
وفي شرح المجمع والتأويل الأول أشبه؛ فإن أبا محذورة كان أخلص في
_________________
(١) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/ ١٦٨).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ١٣٦، رقم ٥٠٠)، والترمذي (١/ ٢٦٣، رقم ١٩١)، والنسائي (٢/¬٤، رقم ٦٣١)، وابن ماجه (١/ ٢٣٤، رقم ٧٠٨)، وابن خزيمة (١/ ١٩٥، رقم ٣٧٧)، وابن حبان (٤/ ٥٧٧، رقم ١٦٨١). قال الترمذي: حديث صحيح، وقد روي عنه من غير وجه، وعليه العمل بمكة. وأخرجه مسلم (١/ ٢٨٧، رقم ٣٧٩) لكن بدون الترجيع في التكبير.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٤٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٨١).
[ ١ / ٥٢٥ ]
(وَيَزِيدُ فِي أَذَانِ الفَجْرِ بَعْدَ الفَلَاحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِأَنَّ
إيمانه من أن يبقى معه حياء من قومه، أو كراهة، لكن ذكر مسلم في حديثه: ثم قال لي رسول الله ﷺ: «قُمْ فَأَذَّنْ بِالصَّلاةِ»، فقمت ولا شيء أكره إليَّ من رسول الله ﷺ، ولا بما يأمرني به (^١).
قال أبو بكر الرازي: القصة تشهد بصحة هذا التأويل، فقد روي أن أبا محذورة كان في جماعة من مشركي مكة بعد فتحها فشردوا في الجبال، فسمعوا منادي رسول الله ﷺ بالصلاة فطفقوا يحكونه ويستهزئون به، فأرسل ﵇ في طلبهم فأتي بهم، فقال ﵇: «أَيُّكُم الذي سَمِعَ صوتَهُ؟» فأشاروا إلى أبي محذورة، فأطاعه وحبه، ثم قال: «قُمْ فَأَذَّنْ»، فذكر الحديث، وإنما أمر بالرفع بالشهادتين لأنهما كانا موجبتين للكراهة؛ لأن أهل مكة مُقِرُّونَ بالتكبير دون الشهادتين.
فإن قيل: أذان بلال بعد فتح مكة، وحديث عبد الله بن زيد في أول شرع
_________________
(١) هذه الجملة لم يخرجها مسلم، بل أخرجها الشافعي في المسند (ص ٣٠)، وأحمد (٣/ ٤٠٩، رقم ١٥٤١٧) الدارقطني (١/ ٤٣٥، رقم ٩٠١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٩٣، رقم ١٩١٩) وفيها قصة، عن عبد الله بن محيريز أنه كان يتيما في حجر أبي محذور، قال: قلت لأبي محذورة: أي عم، إني خارج إلى الشام، وإني أخشى أن أسأل عن تأذينك فأخبرني، قال: نعم، خرجت في نفر، فكنا في بعض طريق حُنَين فقفل رسول الله ﷺ من حنين فلقينا رسول الله ﷺ في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ وسلم بالصلاة، قال: فلما سمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون فصرخنا نحكيه ونستهزئ به. فسمع النبي ﷺ الصوت فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ: «أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟» فأشار القوم كلهم إلي، وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، فقال: «قم فأذن بالصلاة»، فقمت ولا شيء أكره إليَّ من النبي ﷺ وما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ فألقى علي رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه، فقال: «قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر … .»، ثم دعاني حين قضيت التأذين وأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمرها على وجهه، ثم أمر بين ثدييه، ثم على كبده حتى بلغت يده سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله ﷺ: «بارك الله فيك، وبارك عليك». فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، فقال: «قد أمرتك به»، وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهيته، وعاد ذلك كله محبة للنبي ﷺ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ فأذنته بالصلاة على أمر رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٥٢٦ ]
بِلَالًا ﵁ قَالَ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ» مَرَّتَيْنِ حِينَ وَجَدَ النَّبِيَّ ﵊ رَاقِدًا، فَقَالَ ﵊: مَا أَحْسَنَ هَذَا يَا بِلَالُ اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ وَخُصَّ الفَجْرُ بِهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ.
الأذان فيكون منسوخا.
قلنا: قد رجع النبي ﵇ إلى المدينة، وبلال يؤذن معه بها إلى أن توفي بالمدينة بلا ترجيع وأمره النبي ﵇ بأذان عبد الله بن زيد، حتى قيل لأحمد بن حنبل: تأخذ بأذان بلال؟ أليس أذان أبي محذورة بعد أذانه، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمره ﵇؟
فقال أحمد: أليس لما عاد إلى المدينة أقر بلالًا على أذانه (^١)؟.
ولأن ما يخفض به صوته [لا يحصل به] (^٢) فائدة الأذان وهو الإعلام فلا يعتبر.
(وجد النبي ﵇ راقدًا)، روي أن بلالا أذن لصلاة الفجر، ثم جاء إلى باب حجرة عائشة فقال: الصلاة يا رسول الله، فقالت عائشة: الرسول نائم، فقال بلال: الصلاة خير من النوم، فلما انتبه النبي ﵇ أخبرته عائشة بذلك فاستحسنه، وقال له: «اِجْعَلُه فِي أذانِكَ»، كذا في المبسوطين (^٣).
ثم هو حجة على الشافعي حيث قال: الأذان مثنى مثنى، والإقامة فرادى فرادى، إلا لفظ الإقامة (^٤)، وبه قال أحمد (^٥).
وقال الشافعي في القديم: لفظ الإقامة أيضًا مرةً، وبه قال مالك (^٦)؛ لما روي عن أبي محذورة أنه ﵇ قال: «الأذانُ مَثْنَى مَثْنَى، والإقامة فُرادَى
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٩٤)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (١/ ٢٩٧).
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأثبتناه من النسخ الأخرى.
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٠).
(٤) انظر: مختصر المزني (ص) (١٠٥)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٥٣).
(٥) انظر: مسائل أحمد رواية ابنه عبد الله (١٠٢)، والمحرر لأبي البركات ابن تيمية (١/¬٣٦).
(٦) انظر: الكافي لابن عبد البر (١٩٧١)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٧٣).
[ ١ / ٥٢٧ ]
(وَالإِقَامَةُ مِثْلُ الأَذَانِ، إِلَّا أَنَّهُ يَزِيدُ فِيهَا بَعْدَ الفَلَاحِ «قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ» مَرَّتَيْنِ) هَكَذَا فَعَلَ المَلَكُ النَّازِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَهُوَ المَشْهُورُ، ثُمَّ هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهَا فُرَادَى فُرَادَى إِلَّا قَوْلَهُ: «قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ» مرتين.
فرادى» (^١)، وعن ابن عمر أنه قال: كان الأذان في عهد النبي ﵇ مرتين، والإقامة فرادى فرادى (^٢).
ولما روي: أنه ﵇ أمر بلالا أن يَشْفَعَ فيه، ويؤتر في الإقامة (^٣)، ولأن المقصود بالأذان الإعلام ومع التكرار أبلغ، والمقصود منها إقامة الصلاة، وبالإفراد أعجل لإقامتها.
ولنا حديث عبد الله بن زيد، ومشاهير أحاديث كبار الصحابة، وحديث أبي محذورة أنه قال: علمني النبي ﵇ الإقامة سبع عشرة كلمة (^٤)، وإنما يكون سبعة عشر إذا كانت مَثْنَى مَثْنَى، وما رواه محمول على الجمع بين الكلمتين في الإقامة، والتفريق بينهما في الأذان، وعلى الإيثار قولا بحيث لا ينقطع الصوت؛ لما روي أن عليًا ﵁ مرَّ بمؤذن أوتر الإقامة فقال له: اشفعها لا أم لك، [كذا] (^٥) في المحيط (^٦).
وفي المبسوط: أمر بلالا أن يؤذن بصوتين، ويقيم بصوت واحد (^٧)، يعني على سبيل التعجيل.
وما ذكروا أن الإقامة فرادى أسرع إلى الشروع منقوض بـ: «قد قامت»،
_________________
(١) أخرجه أبو عوانة في المسند (١/ ٢٧٤، رقم ٩٥٩)، والدارقطني (١/ ٤٤٦، رقم ٩١٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٠٥، رقم ٢١٤٢) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة.
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ١٣٧، رقم ٥٠٢)، والترمذي (١/ ٢٦٤، رقم ١٩٢)، والترمذي (٢/¬٤، رقم ٦٣٠)، وابن ماجه (١/ ٢٣٥، رقم ٧٠٩). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأثبتناه من النسخة الثانية.
(٥) انظر: المحيط البرهاني (١/ ٣٤٢).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٩).
(٧) في النسخة الثالثة: (استحسنه).
[ ١ / ٥٢٨ ]
(وَيَتَرَسَّلُ فِي الْأَذَانِ، وَيَحْدُرُ فِي الإِقَامَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِبِلَالٍ:
وروى عن النخعي أنه قال: أول من أفردها معاوية، وقال مجاهد: كانت الإقامة في عهد النبي ﵇ مثنى مثنى حتى استحقه (^١) بعض أمراء الجور لحاجة لهم.
وقال مالك: الإقامة تُفْرَدُ أيضًا، ويروي فيه حديثا عن سعد القرظ نائب بلال في المدينة بعد وفاة النبي ﵇، إلا أنه شاذ، والشاذ في مثله لا يكون حجة.
قوله: (ويترسل)، هذا بيان صفته، وفي فتاوى الظهيرية: الترسل أن يفصل بين كلمتين بسكتة، والحدر أن يصل ولا يفصل بينهما، يقال: ترسل في قراءته إذا تمهل فيها، والحدر السرعة.
روى جابر أنه ﵇ قال لبلال: «إذا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ»، الحديث، رواه أبو داود (^٢)، ولأن المقصود من الأذان الإعلام والترسل فيه أبلغ، والمقصود من الإقامة إقامة الصلاة فالحدر فيه أبلغ، ولو ترسل فيهما، أو حدر فيهما، أو ترسل الإقامة وحدر الأذان جاز؛ لأنه قد حصل، فترك السنة لا يمنع الجواز، كذا في المبسوط (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: وقيل: ولكن يكره لمخالفته السنة (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١/ ٢٦٨، رقم ١٩٥، (١٩٦) والحاكم (١) ٢٠٤، رقم ٧٣٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵄. قال الترمذي: حديث جابر هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول، وقال الحاكم: هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فائد والباقون شيوخ البصرة وهذه سنة غريبة لا أعرف لها إسنادا غير هذا ولم يخرجاه. وقال ابن حجر: الترمذي والحاكم والبيهقي، وابن عدي وضعفوه إلا الحاكم، فقال: ليس في إسناده مطعون غير عمرو بن فائد. قلت: لم يقع إلا في روايته هو، ولم يقع في رواية الباقين، لكن عندهم فيه: عبد المنعم صاحب السقاء، وهو كاف في تضعيف الحديث. تلخيص الحبير (١/ ٣٦٠).
(٢) لم يخرجه أبو داود، وقد تقدم قريبا.
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣١).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١١).
[ ١ / ٥٢٩ ]
«إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ» وَهَذَا بَيَانُ الاسْتِحْبَابِ (وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا القِبْلَةَ).
وفي الكاثي: ما ذكره في المتن يشير إلى عدم الكراهة حيث قال: (وهذا بيان الاستحباب).
وفي الْمُجْتَبى: المد في أول التكبير كفر، وفي آخره خطأ، ولا بأس بالتطريب في الأذان، وهو تحسين الصوت من غير تغيير، فإن تغير بلحن أو مد يكره، وعن الجلابي (^١): إنما يكره التلحين في الثناء دون الصلاة والفلاح، وإنما يكره التلحين في الأذان، وهو قول مالك؛ لأن ابن عمر قال لمؤذن حين قال المؤذن له أحبك في الله: أبغضك في الله، قال: لم، قال: بلغني أنك تغني في أذانك، يعني التلحين (^٢).
ولا بأس بالتفخيم فيه لأنه إحدى اللغتين، كذا في المبسوط (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: وإذا كره التلحين في الأذان ففي قراءة القرآن أولى (^٤).
قوله: (ويستقبل بهما)، أي بالأذان والإقامة، أي بإجماع الأمة؛ لأن كل واحد يشتمل على الثناء والدعاء، والشهادة بالوحدانية، وبالرسالة، وأحسن أحوال الداعين والذاكرين استقبال القبلة، ولأنهما تبعًا للصلاة فيستقبل بهما القبلة كما فيها، وجاز أن يكونا تبعًا وهو مقدم؛ كسنة الظهر، وحجاب الملوك فيواجههم.
قال بدر الدين خواهر زاده: أول الأذان مناجاة، وآخره مناجاة، وأوسطه مناداة، ففي المناجاة يستقبل، وفي المناداة تحوّل، كالصلاة فإنه يستقبل في موضع الأذكار، ويحول وجهه يمينا وشمالا في السلام (^٥).
وذكر البزدوي أنه في الحقيقة هما الحيعلتان، ومعناهما: أسرعوا إلى الصلاة والفلاح، فكان سبيله أن يواجه به المسلمين، ولهذا قلنا في الذي يجيب
_________________
(١) كذا، وفي المجتبى: (الحلواني).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١١).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٨).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١١).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٨)، والمستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٤٢٨).
[ ١ / ٥٣٠ ]
لِأَنَّ المَلَكَ النَّازِلَ مِنَ السَّمَاءِ أَذَّنَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وَلَوْ تَرَكَ الاسْتِقْبَالَ جَازَ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وَيُكْرَهُ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ (وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ بِالصَّلَاةِ وَالفَلَاحِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً) لِأَنَّهُ
الأذان أنه يقول مثلما قال المؤذن إلا في الصلاة والفلاح فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو: ما شاء الله كان؛ لأنه خطاب خالص فسبيل الطاعة سؤال الحول والقوة لا إعادته لئلا يصير عبثًا.
(يَمْنَةً، وَيَسْرَةً)، أي الصلاة في اليمين والفلاح في اليسار، ويكون فيه صنعة اللف والنشر.
وقيل: الصلاة يمنة ويسرة، بأن يبتدئ بـ «حَيَّ على الصلاة» من يمينه، ويختم من يساره، وكذا في الفلاح.
وفي المستصفى وتتمة أصحاب الشافعي: والأول أصح (^١).
واختار في شرح المجمع، والكافي الثاني، فقال: يبتدئ بـ «حَيَّ عَلَى الصلاة» من يمينه، ويختم من يساره، وكذا في الفلاح، ولا يلازم جهة؛ لأنه يكون تخصيصا بلا مخصص، مع أن الخطاب بهما للكل، وكذا روي ذلك عن بلال، وبه قال القفال من أصحابه.
وفي الحلية: قوله غير صحيح، ولا أصل في الشرع (^٢)، وفيه تأمل.
فإن قيل: لو كان التحويل لأجل الخطاب لحول وراءه أيضًا لأن القوم يكونون في الوراء أيضًا.
قلنا: لا يجوز وراءه؛ لأن فيه استدبار القبلة بلا ضرورة لحصول ضرب من الإعلام، كذا في الفوائد الظهيرية.
وعن الجلابي (^٣): لو صلى وحده وأذن لا يُحوّل، والصحيح أنه يُحَوِّل؛ لأنه صار سنة فيأتي بها على كل حال، حتى قالوا: لو أذن لمولود يحول وجهه يمنة ويسرة، كذا في المحيط (^٤).
_________________
(١) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٤٢٩).
(٢) حلية العلماء للشاشي (٢/¬٤٣).
(٣) في المحيط البرهاني: وهو قول شمس الأئمة الحلواني.
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٤٠).
[ ١ / ٥٣١ ]
خِطَابٌ لِلْقَوْمِ فَيُوَاجِهُهُمْ بِهِ وَإِنْ اسْتَدَارَ فِي صَوْمَعَتِهِ فَحَسَنٌ مُرَادُهُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ تَحْوِيلَ الوَجْهِ يَمِينًا وَشِمَالًا مَعَ ثَبَاتِ قَدَمَيْهِ مَكَانَهُمَا كَمَا هُوَ السُّنَّةُ بِأَنْ كَانَتْ الصَّوْمَعَةُ مُتَسَعَةٌ، فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَا.
وَالْأَفْضَلُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ بِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ بِلالا ﵁، وَلِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي الإِعْلَامِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَحَسَنُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ أَصْلِيَّةٍ
وفي البستان لا يُحوّل في الإقامة إلا لأناس ينتظرون ذكره التمرتاشي.
(مع ثبات قدميه)؛ لأن الانحراف لضرورة الخطاب، ولا ضرورة في القدمين والصدر، كذا ذكره البزدوي.
(فإن لم يفعل فحسن)، أي الأذان حسن لا ترك الفعل؛ لأنه أمر به النبي ﵇ بلالًا فلا يليق أن يوصف تركه بالحسن، لكن لم يكن من السنن الأصلية ولم يؤثر زواله في زوال حسن الأذان، فكان معناه أن الأذان به حسن، وبتركه حسن.
وفي المبسوط: فالمقصود وهو الإعلام الحاصل بدونه (^١).
وفي الخبازية: إنما أمر النبي ﵇ بلالًا بذلك شفقة عليه؛ لأن صوته يدخل في صماخه، فربما يضعفه، فإن كان الرجل ممن لا يؤثر ذلك فيه يجوز تركه لفوات الداعي أصلا؛ كقبلة الصائم لا بأس بها من لم يؤثر ذلك في عاقبته.
وقوله: (ليست بِسُنَّةٍ أصلية)، يحتمل وجهين، يعني لم يكن في أذان الملك النازل، والثاني: أنه شرعت للإعلام، وجعل الإصبع في الأذنين مبالغة في ذلك، فلا يخل تركه فيه، فلا يزيل حسن الأذان فيكون من السنن الزوائد فلا بأس بتركه.
وعن أبي يوسف: لو جعل إحدى يديه على أذنه فحسن، ولو جعل يديه
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٠).
[ ١ / ٥٣٢ ]
(وَالتَّشْوِيبُ فِي الفَجْرِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، مَرَّتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ
على أذنيه فحسن؛ لأن في حديث أبي محذورة ضم أصابعه الأربعة ووضعها على أذنيه، رواه أحمد، ومثله عن ابن عمر (^١).
وفي الجملة في وضع الإصبعين فائدتان، أحدهما: أنه أندى للصوت كما جاء في الحديث. والثاني: أن يستدل الأصم أو من بعد بحيث لا يسمع الصوت بذلك على أنه يؤذن.
قوله: (والتثويب)، وفي المبسوط: التثويب لغة الرجوع، ومنه الثواب؛ لأن منفعة عمله تعود إليه فهو عود إلى الإعلام بعد الإعلام (^٢).
قال محمد في الجامع الصغير: التثويب الذي يثوب الناس في الفجر بين الأذان والإقامة: حي على الصلاة، حي على الفلاح، مرتين حسن، وهذا هو التثويب المحدث (^٣)، ولم يبين التثويب القديم.
وذكر في الأصل: كان التثويب في صلاة الفجر بعد الأذان: الصلاة خير من النوم، مرتين (^٤)، وروي عن أبي حنيفة هكذا، كذا في المحيط (^٥).
وقال الطحاوي: التثويب القديم في نفس الأذان وهو المأخوذ عند القدوري، وعليه عمل الناس اليوم كذا في الإيضاح، وشرح الأقطع.
وفي شرح الوجيز وهو قول القديم للشافعي، والمسألة مما يفتي على القديم، وبه قال مالك، وأحمد (^٦).
ووجهه ما روي عن أبي محذورة أنه قال: قلت: يا رسول الله علمني سنة الأذان، فذكر الأذان، إلى أن قال: «فإن كان في صلاة الصبح قُلْ: الصَّلَاةُ
_________________
(١) انظر: تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ١١٢)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٥١).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٠).
(٣) الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (ص ٨٣).
(٤) الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ١٣٠).
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٤٣).
(٦) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/ ١٦٨).
[ ١ / ٥٣٣ ]
وَالإِقَامَةِ حَسَنٌ) لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ (وَكُرِهَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ) وَمَعْنَاهُ العَوْدُ إِلَى
خير من النوم»، وما روي أنه ﵇ قال لبلال: «اِجْعَلْهُ في أذانِكَ».
وفي الإيضاح: فإذا ذكر فيه خرج من أن يكون تثويبا، وقال الشافعي في الجديد إنه بين الأذان والإقامة (^١)، وهو المروي عن أبي حنيفة، ومحمد (^٢).
ووجهه أن عبد الله بن زيد وبلالًا حَكَيًا الأذان ولم يذكرا التثويب، وكذا أبو محذورة في أكثر الروايات والمراد بما رووا التثويب بينهما.
قوله: (وكره)، أي التثويب في سائر الصلوات.
وفي الحلية ولا يستحب في قول الشافعي في غير أذان الصبح (^٣)؛ لما روي عن بلال أنه قال: قال النبي ﵇: «لا تثويب في شَيْءٍ مِنَ الصلواتِ إِلَّا في صَلاةِ الفَجْرِ (^٤).
وفي الإيضاح: أنه ﵇ قال لبلال: ثوب في الفجر، ولا تثوب في العشاء».
وفي المبسوط: روي أن عليا ﵁ رأى مؤذنا يُثَوِّبُ في العشاء، فقال:
_________________
(١) قال الشافعي: ولا أحب التثويب في الصبح ولا غيرها؛ لأن أبا محذورة لم يحك عن النبي ﷺ أنه أمر بالتثويب، فأكره الزيادة في الأذان وأكره التثويب بعده. الأم (١/ ١٠٤). وقال العمراني: فإن كان في أذان الصبح زاد التثويب بعد: «الفلاح»، وهو أن يقول: «الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم»، نص الشافعي ﵀ على ذلك في القديم، وعلقه في الجديد على صحة حديث أبي محذورة فيه. البيان (٢/ ٦٤).
(٢) انظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١٣٠١)، والجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (ص ٨٣).
(٣) حلية العلماء للشاشي (٢/¬٤١).
(٤) أخرجه الترمذي (١/ ٢٧٠، رقم ١٩٨)، وابن ماجه (١/ ٢٣٧، ٧١٥). قال الترمذي: حديث بلال لا نعرفه إلا من حديث أبي إسرائيل الملائي، وأبو إسرائيل لم يسمع هذا الحديث من الحكم بن عتيبة، إنما رواه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، وأبو إسرائيل اسمه إسماعيل بن أبي إسحاق، وليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث، وضعفه النووي في خلاصة الأحكام (١/ ٢٨٧)، وقال ابن حجر: فيه أبو إسماعيل الملائي وهو ضعيف مع انقطاعه بين عبد الرحمن وبلال، وقال ابن السكن لا يصح إسناده. ثم إن الدارقطني رواه من طريق أخرى عن عبد الرحمن وفيه: أبو سعد البقال، وهو نحو أبي إسماعيل في الضعف. تلخيص الحبير (١/ ٣٦٢).
[ ١ / ٥٣٤ ]
الإِعْلَامِ بَعْدَ الإِعْلَامِ، وَهُوَ عَلَى حَسَبِ مَا تَعَارَفُوهُ، وَهَذَا التَّشْوِيبُ أَحْدَثَهُ عُلَمَاءُ الكُوفَةِ بَعْدَ عَهْدِ الصَّحَابَةِ ﵃ لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَخَصُّوا الفَجْرَ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالمُتَأَخِّرُونَ اسْتَحْسَنُوهُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.
أخرجوا هذا المبتدع من المسجد، وقال مجاهد: دخلت مع ابن عمر مسجدًا يصلي الظهر فسمع المؤذن يُثوّب فغضب وقال: قم حتى نخرج من عند هذا المبتدع، وما كان التثويب على عهد النبي ﵇ إلا في صلاة الفجر.
ولأن الفجر في حال النوم والغفلة فخصت بالتثويب لئلا يفوت الناس الجماعة، ولهذا خصت بتطويل القراءة، وهذا المعنى لا يوجد في غيرها، على حسب ما تعارفوه، إما بالتنحنح، أو بقوله: الصلاة الصلاة، أو قامت قامت، وأهل سمرقند يقولون: الصلاة الصلاة، وأهل بخار قامت قامت؛ لأنه للمبالغة في الإعلام، وذا يحصل بما يتعارفونه -، كذا في المبسوط (^١).
(علماء الكوفة)، أي التابعين استحسنوا أي التثويب المحدث والصلاة والصلاة والفلاح لكن لم يشترطوا عين ذلك اللفظ، بل ذكروا ما تعارفوه فعلى هذا استحسان المتأخرين إحداث بعد إحداث قال ﵇: «ما رَآهُ المسلمون حسنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ» (^٢).
وفي جامع البرهاني: نزل سائر الأوقات في زماننا منزلة وقت الفجر في زمان النبي ﵇؛ لظهور التواني في الأمور الدينية، وإليه أشير في المبسوط (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٠).
(٢) أخرجه البزار (٥/ ٢١٢، رقم ١٨١٦)، والطيالسي في المسند (١/ ١٩٩، رقم ٢٤٣)، والبيهقي في الاعتقاد (ص ٣٢٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا. قال ابن حجر: لم أجده مرفوعًا، وأخرجه أحمد موقوفا على ابن مسعود بإسناد حسن، وكذلك أخرجه البزار، والطيالسي، والطبراني، وأبو نعيم في ترجمة ابن مسعود، والبيهقي في كتاب الاعتقاد، وأخرجه أيضًا من وجه آخر عن ابن مسعود الدراية في تخريج أحاديث الهداية (٢/ ١٨٧).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٣١).
[ ١ / ٥٣٥ ]
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَقُولَ المُؤَذِّنُ لِلْأَمِيرِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الأَمِيرُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، الصَّلَاةَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ)، وَاسْتَبْعَدَهُ مُحَمَّدٌ ﵀، لِأَنَّ النَّاسَ سَوَاسِيَةٌ فِي أَمْرِ الجَمَاعَةِ، وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِزِيَادَةِ اشْتِغَالِهِمْ بِأُمُورِ المُسْلِمِينَ كَيْ لَا تَفُوتَهُم الجَمَاعَةُ، وَعَلَى هَذَا القَاضِي وَالمُفْتِي.
(لا أرى بأسا)، في المبسوط: عن أبي يوسف أنه قال: لا بأس للمؤذن أن يخص الأمير بالتثويب، فيأتي بابه فيقول: السلام عليك أيها الأمير، الصلاة يرحمك الله - وإنما قال: السلام عليك أولا تمسكا بقوله ﵇: «السلام قبل الكلام» (^١) - لما روي أن عمر ﵁ لما كثر اشتغاله نصب من يحفظ عليه صلاته، إلا أن محمدا كره ذلك وقال: أف لأبي يوسف حين خص الأمراء بالتثويب، يعني مال إليهم، فإن عمر ﵁ حين حج أتاه مؤذن مكة يؤذنه بالصلاة فانتهره، وقال: ألم يكن في آذانك ما يكفينا ذلك (^٢).
فعلى هذا قالوا: لا ينبغي أن يقول أحد لمن فوقه في العلم والجاه: حان وقت الصلاة، سوى المؤذن؛ لأنه استغفال، كذا ذكره التمرتاشي.
(سواسية)، أي سواء في أمر الجماعة، والحضور إلى خدمة المعبود الواحد.
وقيل: قول أبي يوسف مقبول ونعم ما قاله، ولكن استبعده محمد لما بينهما من الثقل، يؤيد هذا ما قال في الجامع الصغير: محمد، عن يعقوب، ولم يقل: عن أبي يوسف، ولكن لا يظن أنه لقي الله وهو كما كان، بل تاب ورجع، والبشر لا يخلو عن هذه الحالات، كذا في الحميدية.
وفي جامع قاضي خان ما قاله أبو يوسف في أمراء زمانه لا في أمراء
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٥٦، رقم ٢٦٩٩) من حديث جابر بن عبد الله ﵄. قال الترمذي: هذا حديث منكر.
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣١).
[ ١ / ٥٣٦ ]
(وَيَجْلِسُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ إِلَّا فِي المَغْرِبِ،
زماننا؛ لأنهم مشغولون بالظلم لا بأمور المسلمين.
قوله: (ويجلس)، إلى آخره ذكر التمرتاشي في جامعه أنه يقعد مقدار ركعتين، أو أربع، أو مقدار ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه؛ لقوله ﵇ لبلال: «إذا أذَّنْتَ فأمهل الناس مقدار ما يفرغ الآكل من أكله، والشَّارِبُ من شُربه، والمعتصر - أي الحاقن - من قضاء حاجَتِهِ» (^١)، كذا في المبسوط (^٢).
وقيل: مقدار ما يقرأ عشر آيات، ثم يُثَوِّبُ، ثم يقيم.
وفي المجتبى: في شرح الطحاوي: يفصل بين الأذان والإقامة مقدار ركعتين، أو أربع، يقرأ في كل ركعة نحوا من عشر آيات، وفي المغرب يمكث بينهما بقدر ثلاث آيات، وقيل: بقدر سورة الإخلاص، وينتظر المؤذن الناس، ويقيم للضعيف المستعجل، ولا ينتظر رئيس المحلة وكبيرها، ولا يؤذن إلا في فناء المسجد أو مئذنته، ويتم الإقامة في مكانها إن كان المؤذن غير الإمام، وإن كان الإمام أتمها ماشيئًا بعد قوله: «قد قامت الصلاة»، وقيل: يسكت، وقيل: يخير في الإتمام ماشيًا إماما كان أو غيره.
وإن قدم بعض الكلمات يراعي الترتيب، ولو أذن مكان الإقامة أعاد، وإن علم في وسطه يتم الأذان ويقيم، وعلى عكسه يتمه أذانا، وإن علم بعد قوله:
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١/ ٢٦٨، رقم ١٩٥، ١٩٦) والحاكم (١/ ٢٠٤، رقم ٧٣٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵄. قال الترمذي: حديث جابر هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول، وقال الحاكم: هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فائد والباقون شيوخ البصرة وهذه سنة غريبة لا أعرف لها إسنادا غير هذا ولم يخرجاه. وقال ابن حجر: الترمذي والحاكم والبيهقي، وابن عدي وضعفوه إلا الحاكم، فقال: ليس في إسناده مطعون غير عمرو بن فائد. قلت: لم يقع إلا في روايته هو، ولم يقع في رواية الباقين، لكن عندهم فيه: عبد المنعم صاحب السقاء، وهو كاف في تضعيف الحديث. تلخيص الحبير (١/ ٣٦٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣١).
[ ١ / ٥٣٧ ]
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يَجْلِسُ فِي المَغْرِبِ أَيْضًا جَلْسَةٌ خَفِيفَةً) (*) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الفَصْلِ، إذ الوَصْلُ مَكْرُوهٌ، وَلَا يَقَعُ الفَصْلُ بِالسَّكْتَةِ لِوُجُودِهِمَا بَيْنَ كَلِمَاتِ الأَذَانِ، فَيَفْصِلُ بِالجَلْسَةِ كَمَا بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ: أَنَّ التَّأْخِيرَ مَكْرُوهُ، فَيُكْتَفَى بِأَدْنَى الفَصْلِ احْتِرَازًا عَنْهُ، وَالمَكَانُ فِي مَسْأَلَتِنَا مُخْتَلِفٌ، وَكَذَا النَّعْمَةُ فَيَقَعُ
«قد قامت الصلاة» يعود فيقول: «حي على الصلاة» مرتين، «حي على الفلاح» مرتين، «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله» (^١).
(وهذا)، أي الاستثناء عند أبي حنيفة، وإنما استثنى المغرب لأن تأخيره مكروه بالاتفاق، والوصل بين الأذان والإقامة مكروه بالاتفاق، فيقع الفصل بالسكتة.
ثم قدر السكتة الفارقة عنده مقدار ثلاث آيات قصار أو آية طويلة.
وعن أبي حنيفة مقدار ثلاث خطوات أو أربع، كذا في جامعي قاضي خان، والتمرتاشي، والحقائق.
(والمكان)، أي مكان الأذان والإقامة اعتبارًا بسائر الصلوات، والجامع أن هذا فصل مشروع في صلاة مكتوبة بينهما فوجب أن يجوز بالصلاة كما في سائر الصلوات، ويجيء التفصيل في التنفل بعد الغروب على مذهبه في باب النوافل.
وفي المبسوط: ويستحب للمؤذن أن يتطوع بين الأذان والإقامة، إذ جاء في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ [فصلت: ٣٣] إلى قوله ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] أنه المؤذن يدعو الناس بأذانه، ويتطوع قبلها، والفرق قد ذكرناه وهو أن تأخير المغرب مكروه فيفيد ما قلنا، وهو أن عنده لا يجلس بينهما في المغرب (^٢).
وفي جامع الكردري: وهذا يدل على أن الأولى أن يكون المفتي هو المؤذن؛ لأنه أعلم بالسنة.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الاختلاف في الأفضلية.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١٣).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٩).
[ ١ / ٥٣٨ ]
الفَضْلُ بِالسَّكْتَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الخُطْبَةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَفْصِلُ بِرَكْعَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَالفَرْقُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ (قَالَ يَعْقُوبُ: رَأَيْت أَبَا حَنِيفَةَ يُؤَذِّنُ فِي المَغْرِبِ وَيُقِيمُ وَلَا يَجْلِسُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ) وَهَذَا يُفِيدُ مَا قُلْنَا، وَأَنَّ المُسْتَحَبَّ كَوْنُ
وفي فتاوى العتابي: عن خلف أنه إذا لم يكن بصيرا بأوقات الصلاة ليس له أجر المؤذنين، وكذلك الأعمى؛ لأنه لا يستقبل القبلة، ولا يعلم أوقات الصلاة.
وفي التحفة: ينبغي أن يكون المؤذن عاقلا صالحًا تقيا، عالمًا بالسنة وأوقات الصلاة، وأذان الصبي العاقل صحيح بلا كراهة، ولكن البالغ أفضل (^١). وأما أذان الصبي غير العاقل، والمجنون، والسكران، والمعتوه لا يجوز؛ لأن الصلحاء لا يعتمدون على أذانهم ويعاد، وهكذا في المحيط (^٢).
وفي الإيضاح: ما لا يكون عن عقل لا يعتد به كصوت الطيور (^٣). وفي الوجيز: ولا يصح أذان الكافر، والمجنون، والسكران المخبط، ويصح أذان الصبي المميز الذي تصح صلاته (^٤)، وقال داود: لا يعتد أذانه للبالغين. (عالما بالسنة)، أي بالأحكام الشرعية.
وفي المبسوط: الأذان ذكر معظم فيختار له من يكون محترما في الناس يتبرك به (^٥).
أول الحديث: «يؤمكُم أقرؤُكم، ويُؤَذِّنُ لكُم خياركم» (^٦).
وفي الفائق: قال عمر: لو أطيق الأذان مع الخليفي - أي مع الخلافة - لأذنت.
وقال المحبوبي ناقلا عن السَّرَخْسِي: أن في قوله: (رأيت أبا حنيفة) إشارة إلى أنه كان يباشر الأذان بنفسه، والأحسن أن يكون المؤذن عالمًا
_________________
(١) تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ١١١).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٤٥).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٥٠)، والبحر الرائق لابن نجم (١/ ٢٨٧).
(٤) انظر: فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/ ١٨٨).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٧).
(٦) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٥٣٩ ]
اَلْمُؤَذِّنُ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ لِقَوْلِهِ ﵊: «يُؤَذِّنُ لَكُمْ خِيَارُكُمْ».
إماما في الصلاة، بخلاف ما قال بعض المتأخرين أنه ﵇ ما كان يباشر الأذان والإقامة بنفسه، وقد كان إماما لهم في الصلاة.
فقال السرخسي: هذا في حقنا؛ لأن المؤذن يدعو إلى الله ممن يكون أعلى درجة منا فهو أولى به، وقد روي عن عقبة بن عامر أنه قال: كنت مع النبي ﵇ في سفر، فلما زالت الشمس أذن وأقام، وصلى الظهر (^١)، وهو حجة على الشافعي.
قال شيخ الإسلام: هذا أحد قولي الشافعي.
وفي شرح الوجيز: في الفائتة ثلاثة أقوال، في الجديد: لا يؤذن؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب هويا من الليل، فدعا النبي ﵇ بلالا فأقام للظهر فصلاها، ثم أقام للعصر فصلاها، ثم أقام للمغرب فصلاها، ثم أقام للعشاء فصلاها (^٢)، ولم يؤذن لها مع الإقامة.
ولأن الأذان للإعلام بدخول الوقت، أو للدعاء إلى الاجتماع، وكلا الأمرين لا يحتاج في الفائتة.
وفي القديم: يؤذن لها (^٣)، وبه قال أبو حنيفة (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦)، وفي قول: إن أمل اجتماع قوم يصلون معه أذن، وإلا فلا (^٧)؛ لأن الأذان سنة الجماعة.
ولنا: ما روي من حديث ليلة التعريس، وما روى أصحاب الإملاء عن أبي
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣٦٦، رقم ٣٧٠٨) وفيه أنه كان في الفجر.
(٢) أخرجه النسائي (٢/¬١٧، رقم ٦٦١)، وابن خزيمة (٢/ ٨٧، رقم ٩٧٤)، وابن حبان (٧/ ١٤٧، رقم ٢٨٩٠)، والدارمي (٣/ ٩٥٤، رقم ١٥٦٥)، وأحمد (٣/¬٢٥، رقم ١١٢١٤)،.
(٣) انظر: الوسيط للغزالي (٢/¬٤٦)، والمجموع للنووي (٣/ ٨٥).
(٤) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٤٥)، والبحر الرائق بين نجيم (١/ ٢٧٦).
(٥) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ١٩٦)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٦٨). قال ابن عبد البر: ولا يؤذن لنافلة ولا لصلاة مسنونة، ولا لصلاة مكتوبة فائتة تقضى في غير وقتها ولكن يقام لها.
(٦) انظر: الإنصاف للمرداوي (١/ ٤٢٢)، والمبدع في شرح المقنع لابن مفلح (١/ ٢٨٨).
(٧) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/ ١٤٩).
[ ١ / ٥٤٠ ]
(وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ) لِأَنَّهُ ﵊ قَضَى الفَجْرَ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بِأَذَانِ وَإِقَامَةِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اكْتِفَائِهِ بِالْإِقَامَةِ (فَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ أَذَّنَ لِلْأُولَى وَأَقَامَ) لَمَا رَوَيْنَا (وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي البَاقِي إِنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ) لِيَكُونَ القَضَاءُ عَلَى حَسَبِ الأَدَاءِ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الإِقَامَةِ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلاسْتِحْضَارِ وَهُمْ حُضُورٌ. قَالَ ﵁: وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يُقِيمُ لِمَا بَعْدَهَا وَلَا يُؤَذِّنُ، قَالُوا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا.
يوسف بإسناده إلى النبي ﵇ أنه حين شغلهم الكفار يوم الخندق قضاهن بأذان وإقامة، وفي رواية: بأذان وإقامة للأولى، وإقامة لكل واحدة من البواقي، ولاختلاف الروايتين خيرنا في ذلك.
وأما قوله: شرع لكذا، قلنا بلى، ولتحصيل الثواب أيضًا بهذه الكلمات، وفي هذا لا يتفاوت بين أن يكون واحدا أو جماعة.
وأما رواية أبي سعيد يحتمل أنه ما كان حاضرًا وقت الأذان، وما روينا مثبت فكان أولى من نفيه، وكان مخيرا في الباقي.
فإن قيل: قد عرف في الأصول أن الرفق إذا كان متعينا في أحد الجانبين لا يخير بينهما، كما في قصر صلاة المسافر، وهاهنا الرفق متعين في الإقامة، فكيف يثبت التخيير؟
قلنا: ذاك في الواجبين لا في السنن والتطوعات.
(قالوا)، أي المشايخ، عن أبي بكر الرازي: يجوز أن يكون ما قاله محمد قولهم جميعًا، والمذكور في كتاب محمول على الصلاة الواحدة فيرتفع الخلاف بين أصحابنا.
وفي الْمُجْتَبى: قوم ذكروا فساد صلاتهم في المسجد في الوقت قضوها بجماعة فيه لا يعيدون الأذان والإقامة، وإن قضوها بعد الوقت قضوها في غير ذلك المسجد بأذان وإقامة (^١).
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١٢).
[ ١ / ٥٤١ ]
(وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ عَلَى طُهْرٍ، فَإِنْ أَذَّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَلَيْسَ بِصَلَاةٍ فَكَانَ الوُضُوءُ فِيهِ اسْتِحْبَابًا كَمَا فِي القِرَاءَةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الفَصْلِ بَيْنَ الإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الإِقَامَةُ أَيْضًا
ووجه الفرق بين عدم كراهة الأذان بغير وضوء، وكراهته بالجنابة، فإن على رواية كراهة الأذان بغير وضوء فلا حاجة إلى الفرق. وفي المحيط: أوضح الفرق وقال: إنما لم يعكس لأنا لو اعتبرنا في الحدث جانب الشبه يلزمنا اعتباره في الجنابة بالطريق الأولى لأنها أغلظ الحدثين، فحينئذ يبطل جانب الحقيقة (^١).
وأما وجه مشابهته بالصلاة فمن حيث إن جوازهما متعلق بالوقت واستقبال القبلة شرط فيهما. وأما وجه كراهة الأذان بغير وضوء - وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة -: فهو أن المؤذن يدعو الناس إلى التأهب للصلاة، فإذا لم يكن متأهبا دخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية.
ثم الطهارة غير شرط لجواز الأذان والإقامة عندنا، والشافعي (^٢)، وأحمد (^٣)، وعامة أهل العلم، وعن مالك أنها شرط في الإقامة دون الأذان (^٤). وقال الأوزاعي، وعطاء، وبعض أصحاب الشافعي: شرط فيهما (^٥)؛ لقوله ﵇" «لا يؤذِّنُ إِلَّا مُتوضّى» (^٦)
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٤٥).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٠٥)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/¬٤٥، ٤٧).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٩٩)، والإنصاف للمرداوي (١/¬٤١).
(٤) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ١٢٨)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٩٧).
(٥) قال النووي: يستحب أن يؤذن على طهارة، فإن أذن وهو محدث، أو جنب، أو أقام الصلاة وهو محدث أو جنب صح أذانه وإقامته لكنه مكروه، نص على كراهته الشافعي والأصحاب واتفقوا عليها. المجموع (٣/ ١٠٤).
(٦) أخرجه الترمذي (٢٠٠) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: حديث أبي هريرة لم يرفعه ابن وهب، وهو أصح من حديث الوليد بن مسلم، والزهري لم يسمع من أبي هريرة، وضعفه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٩٧)، وقال ابن =
[ ١ / ٥٤٢ ]
لِأَنَّهَا أَحَدُ الأَذَانَيْنِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الأَذَانُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ دَاعِيًا إِلَى مَا لَا يُجِيبُ بِنَفْسِهِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَهُوَ جُنُبٌ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةً.
وَوَجْهُ الفَرْقِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّ لِلْأَذَانِ شَبَهَا بِالصَّلَاةِ فَتُشترط الطَّهَارَةُ عَنْ أَغْلَظِ الحَدَثَيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يُعِيدُ، وَالجُنُبُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعِيدَ، وَلَوْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِخِفَّةِ الحَدَثِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي الإِعَادَةِ بِسَبَبِ الجَنَابَةِ رِوَايَتَانِ، وَالأَشْبَهُ أَنْ يُعَادَ
ولنا: قوله ﵇: «حَقُّ - أو سُنّةٌ - أن لا يؤذِّنَ الرجلُ إلا وهو طاهر» (^١)، وهذا يقتضي الاستحباب.
ولأن الأذان ذكر فكان الوضوء فيه مستحبا كما في قراءة القرآن، مع أن القراءة أشرف الأذكار، وهذا لا يدل على عدم الكراهة كما في القراءة، وما قاله ﵇ بيان الأولى، مع أنه لم يكن مشهورًا.
(وأما الأول)، وهو قوله: (لا يعيد).
(وأما الثاني)، وهو قوله: (وأحب إليّ أن يعيد)، وفي شرح الطحاوي: يستحب إعادة أذان أربعة: الجنب، والمرأة، والسكران، والمجنون (^٢).
قال المحبوبي: إنما يكره أذان المرأة لأن المؤذن يندب أن يشهر نفسه ويرفع صوته، حتى يستحب له أن يعلو المنارة، أو أعلى موضع عند الأذان، والمرأة منهية عن الكل، فلهذا يستحب إعادة أذانها حين وقع لا على وجه السنة.
_________________
(١) = حجر: وهو منقطع، والراوي له عن الزهري ضعيف، ورواه أيضًا من رواية يونس عن الزهري عنه موقوفا وهو أصح. تلخيص الحبير (١/ ٥١٠)، وقال أيضًا: وعند الترمذي عن أبي هريرة: لا يؤذن إلا متوضئ أخرجه مرفوعًا وموقوفا، ورجح الموقوف، وفي سند كل منهما انقطاع. نتائج الأفكار (١/ ٣٤١).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٩٢، ٣٩٧) من حديث وائل بن حجر ﵁ من قوله موقوفا. قال البيهقي: عبد الجبار بن وائل عن أبيه مرسل، وقال ابن حجر: إسناده حسن؛ إلا أن فيه انقطاعًا. تلخيص الحبير (١/ ٣٦٧).
(٣) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٥٦٣) (٨/ ٥٢٠).
[ ١ / ٥٤٣ ]
الأَذَانُ دُونَ الإِقَامَةِ لِأَنَّ تَكْرَارَ الْأَذَانِ مَشْرُوعٌ دُونَ الْإِقَامَةِ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَوْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَاهُ»: يَعْنِي الصَّلَاةَ، لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ بِدُونِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ المَرْأَةُ تُؤَذِّنُ مَعْنَاهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَادَ لِيَقَعَ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ (وَلَا يُؤَذِّنُ
وفي المبسوط: وليس على النساء أذان وإقامة - وبه قال مالك (^١)، وأحمد (^٢)، وأبو ثور وجملة من التابعين -؛ لأنهما سنتا الجماعة وجماعتهن منسوخة، وكذا لو صلين بجماعة لحديث رايطة - بالياء - قالت: كنا جماعة من النساء أمتنا عائشة بلا أذان وإقامة (^٣).
أما لو أذنت المرأة للرجال يجوز لحصول المقصود، ولكن يكره لأن أذانها من المحدثات لم يكن في السلف، وكل محدثة بدعة.
وللشافعي في جماعة النساء ثلاثة أقوال أصحها وهو نصه في الأم (^٤): أنه يستحب لهن الإقامة دون الأذان؛ لما روي عن عمر أنه قال: ليس على النساء الأذان (^٥)، ولأنه للإعلام ولا يحصل ذلك إلا برفع الصوت، وفي رفع صوتهن خوف الفتنة.
وأما الإقامة فمستحب؛ لأنها لاستفتاح الصلاة، واستنهاض الحاضرين فيستوي فيه الرجال والنساء.
والثاني: أنه لا أذان ولا إقامة؛ فلما ذكرنا أنها تبع الأذان فلا تكون بدون متبوعها.
والثالث: أنه يستحب الأذان والإقامة؛ لما روي عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم، ولا يختص هذا الخلاف فيما إذا صلين بجماعة أو وحدهن، كذا في
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٥٨)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٧٣).
(٢) انظر: الداية لأبي الخطاب (ص ٧٥)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٠٦).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٣).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٠٣).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ١٢٧، رقم ٥٠٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٠٨، رقم ١٩٩٦) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ موقوفا. وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٤٢١)، وابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٣٧٩).
[ ١ / ٥٤٤ ]
لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَيُعَادُ فِي الوَقْتِ) لِأَنَّ الأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ وَقَبْلَ الوَقْتِ تَجْهِيلٌ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَجُوزُ لِلْفَجْرِ فِي النِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ
شرح الوجيز (^١).
ولنا: ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «ليس على النساء أذان وإقامة»، كذا في الإيضاح. وآخر الحديث: «ولا جمعة، ولا يتقدمُهُنَّ إمامُهُنَّ، ولكن يقوم وسطهُنَّ»، رواية أسماء (^٢).
ولأنهما سنتا الجماعة، وجماعتهن منسوخة كما ذكرنا، والرواية عن عائشة مختلفة، والإقامة لإعلام الحاضرين وهن حضور.
وفي المبسوط: لو صلين بهما جازت صلاتهن على الإساءة فهي مخالفة السنة والتعرض للفتنة (^٣).
(وهو قول الشافعي) (^٤)،، وبه قال مالك (^٥)، وأحمد (^٦)، وداود (^٧)؛ لما روي أن بلالا كان يؤذن على عهد النبي ﵇ بالليل (^٨)، فدل أنه لا بأس به، ولأن الفجر وقت نوم وغفلة والحاجة ماسة إلى التأهب للصلاة قبل الوقت بالاغتسال، والوضوء ليتمكن المكلف من شغل الوقت كله بالسنة والفرض؛ فيجوز ذلك إحرازًا لهذه الفضيلة.
ولنا: أن الأذان موضوع للإعلام بدخول الوقت، ألا ترى أنه نداء إلى
_________________
(١) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/ ١٤٦).
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (٣/ ٤٧٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٠٨، رقم ١٩٩٧) من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄. وضعفه ابن عدي، وضعفه كذلك ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٤٢١)، وابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٣٧٩).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٣).
(٤) أي الأذان قبل الوقت، كما ذكر ذلك في المتن. وانظر: الأم للشافعي (١/ ١٠٢)، والبيان للعمراني (٢/ ٦١).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٥٩)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٩٧).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٩٧)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٢٠).
(٧) انظر: المحلى لابن حزم (٢/ ١٥٩).
(٨) أخرجه البخاري (٣/ ١٧٢، رقم ٦٢٢)، ومسلم (٢/ ٧٦٨، رقم ١٠٩٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ١ / ٥٤٥ ]
اللَّيْلِ لِتَوَارُثِ أَهْلِ الحَرَمَيْنِ. وَالحُجَّةُ عَلَى الكُلِّ قَوْلُهُ ﵊ لِبِلَالٍ ﵁: «لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ الفَجْرُ هَكَذَا، وَمَدَّ يَدَهُ عَرْضًا».
الأداء وقبله يكون كذبًا، ألا ترى أنه لا يجوز في سائر الصلوات بالإجماع، وما فعله بلال كان ليوقظ النائم، ويرجع القائم، ويتسحر الصائم لا للإعلام بدخول الوقت؛ فإنه ﵇ قال: «لا يَغُرَّنكُم أذان بلال فإنه يؤذِّنُ بالليل» (^١)، وقال لمن أذن قبل الوقت: «لا تُؤذِّنْ حتى ترَى الفجر هكذا»، ومد يده (^٢).
ومساس الحاجة إنما يكون إلى ما قال لو كان الوقت ضيقًا، وفي وقت الفجر اتساع يحتمل تحصيل التأهب على الكمال، مع إحراز الفضيلة.
وفي المبسوط: في أذان الفجر قبل وقته إضرار بالناس لأنه وقت نومهم فيتلبس عليهم، وذلك مكروه، وكان الحسن البصري إذا سمع يقول: علوج لا يصلون إلا في الوقت، لو أدركهم عمر لأدبهم.
فأما أذان بلال فأنكر عليه النبي ﵇ للأذان بالليل، وأمره أن ينادي على نفسه: «ألا إنَّ العبد قد نام» (^٣)، فكان يبكي ويطوف حول المدينة ويقول:
ليت بلالا لم تلده أمه، وابتل من نضح دم عينيه.
وفي الْمُجْتَبى: روي أنه ﵇ عرك أذنه وقال: «يا عدي نفسك إن عدت إلى هذا لأوجعنك ضربًا» (^٤)، وإنما قال ذلك بلال لكثرة معاتبة النبي ﵇ إياه، وحديثه حجة لنا حيث لم يعتبر أذانه، وأمر الناس أن لا يعتبروا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢/ ٧٦٩، رقم ١٠٩٤) من حديث سمرة بن جندب ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ١٤٧، رقم ٥٣٤) من حديث أبي هريرة ﵁. قال أبو داود: شداد مولى عياض لم يدرك بلالا. وقال ابن حجر: فيه انقطاع. الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ١١٩).
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ١٤٦، رقم ٥٣٢) من حديث ابن عمر ﵄. قال أبو داود: وهذا الحديث لم يروه عن أيوب، إلا حماد بن سلمة. وقال ابن حجر: أخرجه أبو داود وقال: روي عن ابن عمر عن عمر وهو أصح وكذا قال الترمذي وغير واحد؛ منهم: الذهلي، والأثرم، لكن روى الدارقطني من طريق يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال: أن بلالًا أذن، فذكر نحوه، وهذا مرسل قوي. الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ١١٩).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١٣).
[ ١ / ٥٤٦ ]
(وَالمُسَافِرُ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِابْنَيْ أَبِي مُلَيْكَةَ ﵄: «إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذْنَا وَأَقِيمَا»، (فَإِنْ تَرَكَهُمَا جَمِيعًا يُكْرَهُ) وَلَوِ اكْتَفَى بِالإِقَامَةِ جَازَ، لِأَنَّ الأَذَانَ لِاسْتِحْضَارِ الغَائِبِينَ، وَالرُّفْقَةُ حَاضِرُونَ، وَالإِقَامَةَ لِإِعْلَامِ الافْتِتَاحِ وَهُمْ إِلَيْهِ مُحْتَاجُونَ (فَإِنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ فِي المِصْرِ يُصَلِّي بِأَذَانِ وَإِقَامَةٍ) لِيَكُونَ الأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ
فقال: «كلوا واشربوا حتى يُؤذِّنَ ابن أم مكتوم»، وكان هو أعمى ولا يؤذن حتى يسمع الناس يقولون: أصبحت، أصبحت (^١).
فإن قيل: أذان الأعمى مكروه، فكيف جعله النبي ﵇ مؤذنا؟
قلنا: إنما يكون أذانه مكروها وغيره أولى؛ لأن غيره أعلم بمواقيت الصلاة، وكان مع ابن مكتوم من يحفظ عليه أوقات الصلاة، ومتى كان كذلك يكون تأذينه وتأذين البصير سواء، كذا ذكره شيخ الإسلام.
وفي المجرد: قال أبو حنيفة: يؤذن للفجر بعد طلوعه، وللظهر في الشتاء حين تزول الشمس، وفي الصيف يبرد، وفي العصر يؤخر ما لم يخف تغير الشمس، وفي المغرب حتى تغرب الشمس، وفي العشاء يؤخر قليلا بعد ذهاب البياض (^٢).
قوله: (لابني أبي مليكة)، ذكر في المبسوط هذا الحديث بخطاب مالك بن الحويرث وابن عم له، ثم قال فيه: قال ﵇: «من أذَّنَ في أرضِ قَفرٍ وأقام صلَّى بصلاته ما بين الخافقين مِنَ الملائكة، ومن صلى بغيرهما لم يصل معه إلَّا مَلَكاه»، وإن تركهما جميعًا جاز (^٣).
في القنية: عن عطاء: من نسي الإقامة أعاد، وقال الأوزاعي: يعيد ما بقي الوقت، وقال مجاهد: نسي الإقامة في السفر يعيد، وعن علي بن جعد، عن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٢٧، رقم ٦١٧) واللفظ له، ومسلم (٢/ ٧٦٨، رقم ١٠٩٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١٣)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٣٨٥).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٣).
[ ١ / ٥٤٧ ]
الْجَمَاعَةِ (وَإِنْ تَرَكَهُمَا جَازَ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَذَانُ الْحَيِّ يَكْفِينَا.
أبي حنيفة وأبي يوسف: صلوا في المصر الظهر والعصر جماعة بلا أذان وإقامة، أخطأوا السنة وأثموا بهذا، يدل على وجوب الأذان (^١).
(أذان الحي يكفينا)، في المبسوط: روي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود في بيته، فقيل له: ألا تؤذن وتقيم؟ قال: أذان الحي يكفينا (^٢).
ولأن مؤذن الحي نائب عن أهل المحلة في الأذان والإقامة فكان أذانه وإقامته كأذان الكل وإقامتهم؛ لأنهم هم الذين نصبوه، بخلاف المسافر إذا صلى وتركهما حيث يكره له ذلك؛ لأنه يصلي بغير أذان وإقامة حقيقة وحكما فيكون تاركا لصلاة الجماعة حقيقة، وتشبها، ويكره ترك الجماعة، وكذا ترك التشبه كما في الصوم متى عجز عنه وقدر على التشبيه كره له ترك ذلك فكذا هذا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وذكر التمرتاشي: إذا لم يكن أقيم في محلته يكره ترك الإقامة.
وقال السرخسي: له أن يصلي في بيته بلا أذان وإقامة إن شاء (^٣).
وإن كانوا جماعة وعن أبي يوسف: إن شاؤوا تركوا ذلك (^٤).
وفي جامع الكرخي: يرخص له ذلك، ولو أذن وأقام فحسن، وكذا إن أقام ولم يؤذن إذا كان منفردا. وفي المحيط: والذي يصلي في المسجد وحده لا يؤذن إجماعا؛ لأن أذان الحي يكفيه (^٥).
وعند الشافعي سن الأذان في حالة الجماعة والانفراد في الجديد؛ لقوله ﵇ لأبي سعيد الخدري: «إنك تحب البادية والغنم، فإذا دخل وقت الصلاة أذن وارفع صوتك؛ فإنه لا يسمع صوتك حجر، ولا مدر، ولا شجر إلا
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٥٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٣).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٣).
(٤) في الأصل: (إن شاؤوا تركوا ذلك)، وفي النسخة الثانية: (إن شاء ترك ذلك)، والمثبت من النسخة الثالثة.
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٥١).
[ ١ / ٥٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَهِدَ لكَ يوم القيامة» (^١).
وفي القديم: لا يؤذن؛ لأن المقصود منه الإعلام، وهو لا يحصل (^٢).
وقال مالك: يسن الأذان للجماعة الراتبة؛ لأنه ورد هكذا (^٣).
وأما بيان ما يجب على السامع فنقول: تجب عليه الإجابة؛ لقوله ﵇: «أربع منَ الجَفاءِ»، وذكر منها: «سَمِعَ الأذان والإقامة ولم يُجِبْ» (^٤)، والإجابة أن يقول مثل ما قال المؤذن إلا في قوله: «حي على الصلاة، حي على الفلاح»، فإنه يقول مقامهما: لا حول ولا قوة إلا بالله لأن إعادة ذلك يشبه الاستهزاء.
وكذا إذا قال: «الصلاة خير من النوم»، يقول: صدقت وبررت، كذا في التحفة (^٥).
وفي الْمُجْتَبى: قال ﵇: «من لم يجب المؤذن فلا صلاة له» (^٦).
وقيل: هو الإجابة باللسان، وفي جامع قاضي صدر: يستحب الإجابة، وبه قال الشافعي.
وعن الحلواني: الإجابة بالقدم، حتى لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مجيبًا، ولو كان فيه ولم يجب باللسان لا يكون آثمًا، ولو مشى ولم يتكلم فقد أجاب.
وفي النظم: ثمانية مواضع لا تثنى: في الصلاة، وعند استماع الخطبة،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٢٥، رقم ٦٠٩).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٠٦، ١٠٧)، والمجموع للنووي (٣/ ٨٢).
(٣) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٩٦)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٥٨).
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٨٥، رقم ٣٦٩٤) من حديث بريدة بن الحصيب ﵁. وقال: قال البخاري: هذا حديث منكر يضطربون فيه، وضعفه النووي في خلاصة الأحكام (١٦١٠).
(٥) تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ١١٦).
(٦) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١٤).
[ ١ / ٥٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وثلاث خطب الموسم، والجنابة، وفي تعلم القرآن وتعليمه، والجماع، والمستراح، وقضاء الحاجة، والتغوط، قال أبو حنيفة: لا يثني بلسانه وقلبه، وقال أبو يوسف: يثني بقلبه، وقال محمد: لا يثني حتى يفرغ، ثم يثني، وكذا الحائض والنفساء لا يجوز أذانهما، فكذا ثناؤهما (^١).
وفي شرح الوجيز ولو كان في الصلاة فالمستحب أن لا يجيب حتى يفرغ، ويكره أن يجيب في أظهر القولين، أما لو أجاب لا تبطل صلاته؛ لأنها أذكار، ولو قال: حي على الصلاة، أو تكلم بكلمة التثويب تبطل (^٢).
وقال مالك: يجيب في صلاة النافلة (^٣).
وفي التحفة: وينبغي للسامع أن لا يتكلم ولا يشتغل بشيء في حالة الأذان والإقامة، ولا يرد السلام أيضًا؛ لأن الكل يخل بالنظم، كذا في الإيضاح (^٤).
وفي العيون: لو سمع النداء قارئ فالأفضل له أن يمسك ويستمع النداء، به ورد الأثر.
وفي فوائد الرُّسْتُغْفَنِي: ولو سمع وهو في المسجد يمضي في قراءته، وإن كان في بيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده.
قال الإمام ظهير الدين: لو سمع النداء في وقت واحد من الجهات أجاب أذان مسجده بالفعل.
وفي فتاوى العتابي: سمع أذان مسجده في بيته وهو في القراءة ترك القراءة ويجيب الحضور إن أمكنه لقوله ﵇: «خمس لا تُطفَأُ عنهم النيران، ولا تُمَوِّتُ لهم الديدان، ولا يُخفّف عنهم العذاب»، وذكر من جملتها: «من سَمِعَ الأذان ولم يَحْضُرُ».
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١٤).
(٢) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/ ٢٠٥).
(٣) انظر: المدونة (١/ ١٥٩)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١٧/ ٥٨٦).
(٤) انظر: تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ١١٧).
[ ١ / ٥٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو سمع أذان مسجد آخر لا يترك القراءة؛ لأن الجواب ليس بواجب عليه، ويكره رد السلام في الأذان، وكذا في فتاوى الظهيرية.
وفي الْمُجْتَبَى: إذا غشي في أذانه، أو أحدث فتوضأ، أو مات، أو ارتد فالمستحب استقباله، والأولى لمن أحدث في أذانه أو إقامته أن يتم، ويكره التنحنح عند الأذان والإقامة ورد السلام فيهما، ولا يجب الرد بعده على الأصح (^١).
وفي العون: غاب بالمؤذن فأقام غيره لا يكره إجماعًا، ولو أقام غيره بغير رضاه يكره إجماعًا، وإن لم يغب وإن كان برضاه لا يكره عندنا، خلافًا للشافعي.
وفي المبسوط: لا بأس أن يؤذن، ويقيم آخر؛ لما روي أن عبد الله بن زيد سأل النبي ﷺ بأن يكون له نصيبا في الأذان، فأمر بلالا أن يؤذن ويقيم هو، ولأن كل واحد منهما ذكر مقصود بنفسه فلا بأس بأن يأتي بكل واحد رجل آخر، والذي روي أنه ﵇ قال لبلال: «إن أخاك الصُّدَائِي أذن، من أذن فهو يُقيمُ» (^٢)، على وجه تعليم حسن العشرة لا أن يكون خلاف ذلك لا يجوز (^٣).
وفي الإيضاح: وروي عن أبي حنيفة الكراهة في ذلك، وهو قول الشافعي لحديث الصدائي.
وفي المجتبى: أذان الفاسق يكره ولا يعاد (^٤).
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١٥).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ١٤٢، رقم ٥١٤)، والترمذي (١/ ٢٧٣، رقم ١٩٩)، وابن ماجه (١/ ٢٣٧، رقم ٧١٧) من حديث زياد بن الحارث الصدائي. وضعفه الترمذي، وضعفه النووي في خلاصة الأحكام (٨٤٨)، والذهبي في تنقيح التحقيق (١/ ١١٥).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٢).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١٥).
[ ١ / ٥٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المحيط: يكره الأذان قاعدًا لأنه يخل بالإعلام، وإن أذن لنفسه قاعدًا لا بأس به؛ لأن المقصود منه مراعاة سنة الصلاة لا الإعلام.
وفي الإيضاح: يجوز للمسافر أن يؤذن راكبًا لأنه يحصل به، وينزل للإقامة، ولأنه لو لم ينزل يلزم الفصل بين الإقامة والشروع (^١). وأما في الحضر فظاهر الرواية أنه يكره الأذان راكبًا، وعن أبي يوسف لا بأس به.
وفي المبسوط: افتتح الأذان فظن أنه الإقامة فأقام في آخره، يعني قال: قد قامت الصلاة، ثم علم، يتم الأذان ثم يقيم، ولو كان فيها فظن أنها أذان يصنع فيها ما يصنع في الأذان أعادها من أولها؛ لأن التغيير هاهنا وقع في جميعها، وفي الأذان في آخرها (^٢).
ولو قدم بعض الكلمات على بعض فالأصل فيه أن ما سبق أوانه لا يعتبر حتى يعيده في أوانه، وما وقع مكررًا لا يعتبر فكأنه لم يكرر، ويكره للإمام أو المؤذن أن يأخذ على ذلك شيئًا لأنهما خليفتان للنبي ﵇، وقال تعالى: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وجاء رجل إلى عمر (^٣) ﵁ وقال: إني أحبك في الله، فقال: إني أبغضك في الله، قال: لم؟ قال: لأنه بلغني أنك تأخذ على الأذان أجرًا (^٤).
أما لو عرف القوم حاجته وواسوه لا يكره، وما أحسن ذلك وقد كان
_________________
(١) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ١٣١)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٤١).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٨).
(٣) كذا في الأصول، والصواب أنه عبد الله بن عمر ﵄ كما سيأتي في التخريج.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ١٢٨، رقم ٦٠٢٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٢٦٤، رقم ١٣٠٥٩). قال ابن طاهر: يحيى هذا متروك الحديث، والرجل غير معروف. ذخيرة الحفاظ (٣٧١٦)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه يحيى البكاء، ضعفه أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، ووثقه يحيى بن سعيد القطان، وقال محمد بن سعد: كان ثقة إن شاء الله. مجمع الزوائد (٢/¬٣).
[ ١ / ٥٥٢ ]