وفي مسألة التعليق ذكر الحمل في موضع الشرط فيتناول الكل، ولا كذلك في مسألتنا؛ لأنه انفتح فم الرحم فالخارج من الرحم بعد الولادة فيكون نفاسا.
بَابُ الْأَنْجَاسِ
لما فرغ من بيان النجاسة الحكمية وتطهيرها شرع في بيان الحقيقية، إذ الطهارة عنهما شرط جواز الصلاة بالاتفاق، لكن الحكمية أقوى منها؛ لأن قليلها يمنع جواز الصلاة بالاتفاق، بخلاف الحقيقية حيث القليل منها معفو، ولأن وجوب الطهارة عن الحكمية أصل لا يسقط بعذر ما، إما أصلًا أو خلفًا بخلاف الحقيقية، فقدم بيان الحكمية.
وفي البدرية: باب بيان أحكام الأنجاس على تقدير حذف المضاف، وتطهيرها أي تطهير محلها، لكن لما أضاف إلى ضميرها أنثه، والمراد بالتطهر إزالة النجاسة؛ لأن تطهير عين النجاسة محال، فكان التطهير إما إثبات الطهارة وإزالة النجاسة، كما أن البيان إما الظهور أو إزالة الخفاء.
و(الأنجاس) جمع النجس بفتحتين، وبكسر الجيم وفتحها، وسكونها مع فتح النون، وبكسر النون مع سكون الجيم، كلها مستعملة في اللغة، وهو كل ما استقذرته.
والنجس في الأصل مصدر، ثم استعمل في الاسم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، أي ذو نجس، والمراد هاهنا الاسم.
وفي الكافي: الخبث يطلق على الحقيقي، والحدث على الحكمي، والنجس عليهما، والمراد هاهنا الحقيقي.
ثم الكلام هاهنا في مواضع في الدليل الذي يوجب تطهيرها، وفي آلة التطهير، وفي بيان أنواع النجاسة، وفي كيفية التطهير، وفي القدر الذي يصير به المحل نجسًا، وفيما يتعذر التطهير فيه.
تطهير الثوب والبدن والمكان واجب بتقدم الصلاة بالإجماع، وعن مالك ثلاثة أقوال، أحدها: أنه فرض مطلقا، والثاني: أنه فرض عند التذكر ساقط عن
[ ١ / ٤١٨ ]
(تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ مِنْ بَدَنِ المُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَالمَكَانِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
وَقَالَ ﵊: «حُتّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالمَاءِ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ»، وَإِذَا وَجَبَ التَّطْهِيرُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّوْبِ وَجَبَ فِي البَدَنِ وَالمَكَانِ، فَإِنَّ
النسيان، والثالث: أنه سنة، وهو مذهب ابن القاسم (^١).
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وجه التمسك به أن وجوب تطهير الثوب ثبت بعبارته.
فإن قيل: قد قيل المراد من قوله ﴿فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]: فقصر.
قلنا: هذا مجاز، والأصل عدمه، مع أن القصر في الثياب ملزوم للتطهير فيكون أمرًا بتطهير الثوب اقتضاء.
ثم وجوب طهارة البدن والمكان بدلالته، وهذا لأن تطهير الثوب إنما وجب للصلاة لأنها مناجاة مع الرب، وهي أعلى حالة العبد فيجب أن يكون المصلي على أحسن حالة، وذلك في طهارته وطهارة ما يتصل به، وقد وجب عليه تطهير الثوب بالنص مع قصور اتصاله به، وتصور الصلاة بدونه في الجملة؛ لأنه يجب عليه تطهير بدنه ومكانه مع كمال اتصالهما به لقيامه بهما، وعدم تصور الصلاة بدونهما أولى (^٢).
قوله: («حُتّيهِ») قال ﵇ لأسماء بنت أبي بكر حين سألته عن دم الحيض يصيب الثوب: «حُتّيهِ واقْرُصِيهِ»، وفي المغرب: الحَتُّ: القشر باليد، أو العود، والقرص بأطراف الأصابع، كلاهما من باب طلب (^٣).
ولا يقال هذا الحديث ورد في دم الحيض فنقتصر عليه؛ لأنا نقول العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، كذا قيل وفيه تأمل.
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٣٨)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/¬٤١)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٥٩).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١١٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٧٠٢).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب (١/¬٤١).
[ ١ / ٤١٩ ]
الاسْتِعْمَالَ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ الكُلَّ
(يشمل الكل)، أي الثوب، والبدن، والمكان؛ لأنه لما ورد في الثوب بعبارته كان واردا في البدن، والمكان بدلالته كما ذكرنا.
ثم المعتبر في طهارته تحت قدم المصلي حتى لو كان تحت قدميه أكثر من قدر الدرهم نجسا لم تجز صلاته؛ لأنه لابد من القيام، وذلك بالقدم، أما إذا كان في موضع السجود ففي رواية محمد عن أبي حنيفة: لا يجوز؛ لأن السجود ركن كالقيام، وفي رواية عنه: يجوز، كذا في الإيضاح (^١).
وفي الْمُجْتَبى: افتتح الصلاة على النجاسة لم تنعقد، ولو انتقل إليها بعد الافتتاح ثم أعاد ذلك الركن في مكان طاهر جاز، إلا أن يتطاول فيصير في حكم فعل مفسد، والنجاسة في موضع ركبتيه ويديه لا تمنع عندنا - خلافا لزفر والشافعي (^٢) بناءً على أن موضع اليدين والركبتين على الأرض ليس بفرض عندنا فصار وضعهما عليها كلا وضعهما -، وكذا في موضع وجهه في رواية أبي يوسف عنه؛ لأن السجود يتأدى بالأنف عنده وإنه أقل من الدرهم، وفي رواية محمد: لم يجزه.
وإن أعاده في مكان طاهر يجزيه بخلاف حمل النجاسة؛ لأن الوضع أهون من الحمل.
والسجود على فراش ظاهره طاهر وباطنه نجس يجوز، وكذا على الثوب المثني والجبة المحشوة، وعن أبي يوسف: لا يجوز.
ولو صلى في جانب بساط والجانب الآخر نجس جاز، وفي الثوب إن تحرك بحركته لم يجز، وفي الزيادات يجوز تحرك أو لا (^٣).
وفي المحيط: بساط على طرفه نجاسة صلى عليه.
قيل: يجوز في الكبير دون الصغير، وحده لو حرك أحد طرفيه لا يتحرك
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٩٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٧٠٠).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٧٠)، والمجموع للنووي (٣/ ١٥٢).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٤).
[ ١ / ٤٢٠ ]
(وَيَجُوزُ تَطْهِيرُهَا بِالمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ يُمْكِنُ إِزَالَتُهَا بِهِ كَالخَلِّ وَمَاءِ الوَرْدِ وَنَحْوِهِ
الأخر، والأصح أنه يجوز في الصغير والكبير (^١).
قوله: (بالماء وبكل مائع طاهر)، فإن قيل: جواز التطهير بالماء ثابت بالإجماع فما فائدة ذكر الماء؟
قلنا: ليعلم أن الإزالة بالماء جائز عندهما غير واجب.
المائع: السائل، من ماع يميع: سال، وقيد بكونه طاهرا لأنه ذكر التمرتاشي دم يغسل بالبول أن نجاسة الدم زالت وحلت نجاسة البول، حتى لو كان ذلك بول ما يؤكل لحمه رخصنا فيه ما لم يفحش، ولو حلف ما فيه دم لم يحنث.
ثم قال: ذكر السَّرَخْسِيُّ: واختلف في زوال النجاسة ببول ما يؤكل لحمه، والأصح أن التطهير بالنجس لا يكون للتضاد بين الوصفين (^٢).
وقيد بقوله: (يمكن إزالتها) احترازًا عن الدهن واللبن، والدبس ونحوها فإن بها تنبسط النجاسة ولا تزول.
وفي بعض نسخ المختصر: (الماء المستعمل)، ولا صحة له إلا على رواية أبي حنيفة أن الماء المستعمل طاهر.
وفي شرح أبي ذر: يجوز إزالة النجاسة بالماء المستعمل ونحو ذلك مما إذا عصر انعصر كشراب التفاح، وسائر الثمار، والأشجار، والبطيخ، والقثاء، والصابون، والجبن والباقلاء، والأنبذة، وماء الخلاف، واللينوفر (^٣)، واللسان، وكل ما اختلط به طاهر وغلب عليه وأخرجه عن طبع الماء وصار
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٨٢).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٩٦).
(٣) النيلوفر أهمله الجماعة، وهو بفتح النون واللام والفاء، ويقال: النينوفر، بقلب اللام نونا، وهو ضرب من الرياحين ينبت في المياه الراكدة، وهو المسمى عند أهل مصر بالبشنين، ويقوله العوام: النوفر، كجوهر، بارد في الثالثة، رطب في الثانية، ملين للصلابات، وصالح للسعال وأوجاع الجنب، والرئة، والصدر، وإذا عجن أصله بالماء وطلي به البهق مرات أزاله عن تجربة، وإذا عجن بالزفت أزال داء الثعلب، ويتخذ منه شراب فائق. تاج العروس للزبيدي (١٤/ ٢٧٣).
[ ١ / ٤٢١ ]
مِمَّا إِذَا عُصِرَ انْعَصَرَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ﵏: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالمَاءِ (*)، لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّلِ المُلَاقَاةِ، وَالنَّجِسُ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ، إِلَّا أَنَّ هَذَا القِيَاسَ تُرِكَ فِي المَاءِ لِلضَّرُورَةِ.
مقيدا فهو في حكم المائع، ذكره الطحاوي (^١).
قوله: (وقال محمد) (^٢)، وزفر، والشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، وعامة الفقهاء: لا يجوز إلا بالماء.
(لأنه) أي المائع. يتنجس بأول الملاقاة أي ملاقاته النجس، وكذا القياس في كل مرة، إلا أن هذا القياس ترك في الماء بالنص، أو للضرورة لفضل لطافته، وسرعة اتصاله.
ولهما ما روي أنه ﵇ قال: «إنّما يُغَسِلُ الثوبُ مِنْ خَمْسٍ» (^٥)، الحديث، ولم يبين ما يغسل به، فكان جميع ما يغسل به داخلا تحت الحديث.
وما رواه البخاري بسنده عن مجاهد قال: قالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض بلته بريقها فمصعته بظفرها، أي حكته (^٦).
وفي البدرية: الحكم في المائع ثبت بدلالة النص والقياس، أما الدلالة
_________________
(١) (*) الراجح: قولهما.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٧٠٤).
(٣) انظر: المجموع للنووي (١/ ٨٠)، والإقناع للماوردي (ص ٣٢).
(٤) انظر: المجموع للنووي (١/ ٨٠)، والإقناع للماوردي (ص ٣٢).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (٦٩١)، والاختيار لتعليل المختار لابن مودود (١/¬٣٥).
(٦) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٣٠، رقم ٤٥٨) من حديث عمار بن ياسر ﵁ قال: أتى على رسول الله ﷺ وأنا على بئر أدلو ماء في ركوة لي، فقال: يا عمار ما تصنع؟ قلت: يا رسول الله بأبي وأمي، أغسل ثوبي من نخامة أصابته، فقال: «يا عمار إنما يغسل الثوب من خمس: من الغائط، والبول، والقيء، والدم، والمني، يا عمار ما نخامتك، ودموع عينيك، والماء الذي في ركوتك إلا سواء». قال الدارقطني: لم يروه غير ثابت بن حماد وهو ضعيف جدا، وإبراهيم وثابت ضعيفان، وقال ابن حجر: وأخرجه ابن عدي وضعفه، وأخرجه البزار والطبراني، لكن وقع عنده: (عن حماد ابن سلمة) بدل ثابت بن حماد، وهو خطأ. الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٩٢).
(٧) أخرجه البخاري (١/ ٦٩، رقم ٣١٢).
[ ١ / ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلأن الماء صار مطهرا بمعنى القلع والإزالة، ومعنى الإزالة في الخل وماء الورد أبلغ؛ فإن الخل ربما يقلع شيئا لا ينقلع بالماء، وماء الورد يقلع النجاسة ورائحتها.
وأما القياس فكذلك أيضا لاشتراك المائع في الإزالة، وهذا القدر في المنصوص معقول، وإبقاء الماء طاهرا حالة الاستعمال غير معقول؛ لأن ملاقاة النجس الطاهر يوجب تنجس الطاهر، لكن يتعدى الذي هو غير معقول في ضمن المعقول كوجوب غسل الأعضاء الأربعة في ضمن خروج النجس كالجودة في باب الربا فإن استواء الجيد والرديء غير معقول، لكن تعدي هذا الاستواء في ضمن المعقول (^١).
ولكن ما ذكره في الإيضاح أن المائع يشارك الماء في كونه مطهرا مزيلا لأنه قالع، والطهورية بعلة القلع، بدليل أن العين لا تطهر ما لم تزل عين النجاسة، والمأخوذ عليه إزالة العين وللأثر بدليل أنه لو قطع موضع النجاسة أجزأه وأزالها كما يحصل بالماء يحصل بالمائع، بخلاف ما لا ينعصر بالعصر كاللبن، والدهن فإنها لا تستأصل بهما، بل يبقى أثرها فلا تتحقق الإزالة.
فإن قيل: كيف يستقيم التمسك بالحديث، والأمر الوارد في غسل المني محمول على الندب عند الشافعي؟
قلنا: إنه إخبار عن الشارع فكيف يستقيم حمله على الندب مع وجود القرائن الثلاث على الوجوب، وهي الدم، والبول، والغائط.
فإن قيل: الغسل غير منحصر على الخمس بالإجماع.
قلنا: سائر الخمس في معناه فتلحق به كما في قوله ﵇: ﴿لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ﴾ (^٢)، فيلحق به الخنجر لأنه في معناه.
_________________
(١) انظر: تحفة الملوك زين الدين الرازي (ص: ٣٩)، واللباب للميداني (١/¬٥٠).
(٢) انظر: أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٨٩، رقم ٢٦٦٧)، والدارقطني (٤/ ١٠٥، رقم ٣١٧٥) من حديث النعمان بن بشير ﵄. =
[ ١ / ٤٢٣ ]
وَلَهُمَا: أَنَّ المَائِعَ قَالِعٌ، وَالطَّهُورِيَّةَ بِعِلَّةِ القَلْعِ وَالإِزَالَةِ، وَالنَّجَاسَةُ لِلْمُجَاوَرَةِ،
أو المراد حصر وجوب الغسل مما خرج من البدن، بدليل سبب وروده وهو أنه ﵇ مر على عمار وهو يغسل ثوبه من النخامة، فقال ﵇: «ما نُخامَتُكَ ودموعُ عينَيْكَ، والماء الذي في رَكوَتِكَ إِلَّا سواء، إنما يُعْسَلُ الثوبُ مِنْ خَمْسٍ»، الحديث رواه الدارقطني، والبيهقي، وأبو يعلى الموصلي.
وقوله: (والنجاسة للمجاورة)، جواب عن قولهما أنه يتنجس بأول الملاقاة، والنجس لا يفيد الطهارة، فقال: نجاسته بالمجاورة؛ لأن باستعمال الماء تتحول النجاسة إليه، ويصير الماء نجسًا فإذا تكرر ورود الماء والعصر في المحل زالت النجاسة عن المحل؛ لأن الماء بطبعه جاذب لها، فبقدر ما يحول إلى الماء لم يبق في المحل، فإذا انتهت أجزاء النجاسة بالغسل مرات يبقى الماء، أو المائع طاهرا؛ لأنهما طاهران في ذاتهما ولا يقال: النجاسة إذا انتهت تبقى البلة النجسة في الثوب؛ لأنا نقول نجاسة البلة باعتبار مجاورة أجزاء النجاسة أيضًا، فإذا انتهى جزاؤها تبقى البلة طاهرة أيضًا كما كانت إلا أن انتهاء أجزائها شرعًا بالغسل ثلاث مرات أو بإزالة أثرها، كذا ذكره أبو الفضل الكرماني.
وقولهم: سقط حكم القياس في الماء للضرورة غير مُسلَّم لأنا بينا أن إزالتها بالماء أمر معقول، ويسقط بتكرار الغسل بنجاسة الماء؛ لأنه نجس بالمجاورة، فكذا في المائع.
وأما قولهم: بسرعة اتصاله، فقلنا: قد يوجد في بعض المائعات ما يكون
_________________
(١) = وأخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٨٩، رقم ٢٦٦٨) والدارقطني (٤/ ١٠٤، رقم ٣١٧٤) من حديث أبي بكرة ﵁. قال ابن الملقن: هذا الحديث مروي من طرق كلها ضعيفة. البدر المنير (٨/ ٣٩٠)، وقال أيضًا: رواه ابن ماجه من رواية النعمان بن بشير، وأبي بكرة بإسناد واه، وقال أبو حاتم: منكر، وقال البيهقي: ليس بالقوي، وقال عبد الحق: الناس يرسلون عن الحسن. خلاصة البدر المنير (٢٢٢٣)، وقال ابن حجر: وإسناده ضعيف. تلخيص الحبير (٤/¬٣٨).
[ ١ / ٤٢٤ ]
فَإِذَا انْتَهَتْ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ يَبْقَى طَاهِرًا، وَجَوَابُ الكِتَابِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الثَّوْبِ
أسرع اتصالا من الماء فإن الخل ينفد في الحجر، ولا ينفد الماء، ولهذا يزيل الخل العين، واللون، والدسومة.
فإن قيل: الماء مطهر بالنص، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] فلا حاجة إلى التعليل.
قلنا: كونه منصوصًا لا يمنع التعليل كما في قوله ﵇: «الحنطة بالحنطة» (^١).
فإن قيل: لو كان القلع معتبرًا ينبغي أن يجوز القلع بشيء نجس، وحيث لا يجوز قلنا يجوز كما قلنا في إزالة النجاسة الغليظة ببول ما يؤكل لحمه لا أنها تبقى البلة النجسة فلا يطهر على الأصح، وبالنظر إلى التعليل ينبغي أن تزول صفة الغلظة ويبقى صفة الخفة في النجاسة.
وأما قياسهم زوال النجاسة الحقيقية بالحكمية غير مستقيم؛ لأنه ذكر في المبسوط أن الطهارة من الحدث حكمية لا حقيقية لعدمها حقيقية على الأعضاء، فكان فيها معنى العبادة، فلا يجوز إلا بما تعبد به وهو الماء؛ لأنه أهون موجود لا يلحق الناس حرج في إفساده بالاستعمال، بخلاف المائعات فإنها أموال فيلحق الناس حرج في إفسادها به، فلا يكون المائع مثل الماء من كل وجه، فلا يجوز إلحاقه بالدلالة أيضًا (^٢).
وجواب الكتاب وهو قوله: (يجوز تطهيرها بالماء وبكل مائع طاهر) (^٣) لا يفرق، وفي العيون: لا تزول النجاسة عن البدن بالمائع في قولهم جميعًا، والصحيح أنه يزيلها عنه عندهما، كذا قاله الكرخي، والطحاوي (^٤).
وعن الوبري: إن كان الدهن غالبًا على اللبن لا يزيل النجاسة، وإلا فيزيل.
وعن أبي يوسف: غسل الدم من الثوب بدهن أو سمن، أو زيت حتى
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٢١١، رقم ١٥٨٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٩٦).
(٣) انظر المتن ص ٤٢١.
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٥).
[ ١ / ٤٢٥ ]
وَالبَدَنِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْهُ: أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يُجَوِّزُ فِي البَدَنِ بِغَيْرِ المَاءِ. (وَإِذَا أَصَابَ الخُفَّ نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ كَالرَّوْثِ وَالعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَالمَنِيِّ، فَجَفَّتْ فَدَلَكَهُ بِالْأَرْضِ جَازَ)
ذهب أثره جاز، ولا يجزئ في البدن إلا بالماء، كذا في الْمُجْتَبى (^١). وفي المبسوط: وأما ما لا ينعصر كالدهن والسمن لا يجوز إزالتها به. (وعنه)، [أي] (^٢) عن أبي يوسف، (أنه فرق بينهما) أي: بين الثوب والبدن فجوز في الثوب دون البدن، ووجه الفرق أن ما كان على البدن نظير الحدث الحكمي؛ لأن في تطهير البدن معنى العبادة بخلاف ما كان على الثوب، كذا في المبسوط (^٣)، وشرح الأقطع. وفي الكاثي: إزالة النجاسة عن البدن قربة؛ لأنه لا يمكنه أن يضع جسده ويصلي بدونه، أما يمكنه أن يلقي الثوب ويصلي بثوب آخر، فإذا كان قربة لا يجوز بدون الماء، كالوضوء فإنه يوجد بطريق التعبد؛ لأن أعضاء الوضوء طاهر حقيقة وحكما. قوله: (فدلكه بالأرض جاز)، وفي المحيط: ذكر في الجامع النجاسة التي لها جرم إذا أصابت الخف، أو النعل، وحكه أو حتّه بعدما يبس يطهر في قولهما (^٤). قال القدوري: هذا في حق الصلاة، أما لو أصابه الماء بعد ذلك يعود نجسا في رواية.
وفي الأصل: إذا مسحهما بالتراب يطهر.
قال مشايخنا: لولا ما ذكر في الجامع لقلنا لا يطهران ما لم يمسحهما به؛
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٥).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ٩٦). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٠٣).
[ ١ / ٤٢٦ ]
وَهَذَا اسْتِحْسَانُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ) (*) وَهُوَ القِيَاسُ (إِلَّا فِي المَنِيِّ خَاصَّةً) لِأَنَّ المُتَدَاخِلَ فِي الخُفْ لَا يُزِيلُهُ الجَفَافُ وَالدَّلْكُ، بِخِلَافِ المَنِيِّ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
وَلَهُمَا: قَوْلُهُ ﵊: «فَإِنْ كَانَ بِهِمَا أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ،
لأن له أثرًا في باب الطهارة، وأما الحك فلا أثر له، فبين في الجامع أن للحك أثرًا أيضًا.
(وهذا)، أي: قولهما (استحسان)، أي: مستحسن بالأثر، وهو قوله ﵇ «فليمسحهما».
وقال محمد، وزفر: لا يجوز وهو القياس، وبه قال الشافعي في الجديد (^١)، ومالك في العذرة والبول (^٢)، وأما في أرواث الدواب له روايتان، أحدهما: يغسل، والثانية: يمسح (^٣)، وقال الشافعي في القديم: إذا دلكه في الأرض كان عفوا (^٤)، وقال أحمد: يجب غسل جميع النجاسات سبعًا إلا الأرض إذا أصابتها نجاسة، واختلف أصحابه في ضم التراب (^٥).
وفي المحيط: والصحيح أن محمدًا رجع عن هذا القول في الري لما رأى من كثرة السرقين في الطرق (^٦).
(ولهما)، أي: لأبي حنيفة، وأبي يوسف الحديث المذكور رواية أبي سعيد الخدري، وحديث خلع النعال معروف.
فإن قيل: الحدث ساقط؛ لأنه ﵇ لم يستقبل الصلاة.
قلنا: يحتمل أن الحظر مع النجاسة ترك حينئذ، ويحتمل أن يكون أقل من الدرهم، كذا في المبسوط، والأسرار.
_________________
(١) (*) الراجح: قولهما.
(٢) انظر: الخلافيات للبيهقي (١/ ١٢٧)، والمجموع للنووي (٢/ ٥٨٩).
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٢٧)، والذخيرة للقرافي (١/ ١٩٩).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٢٧)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٧٥).
(٥) انظر: الخلافيات للبيهقي (١/ ١٢٧)، والمجموع للنووي (٢/ ٥٨٩).
(٦) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ١٦٣)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٢٣).
(٧) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٠٣).
[ ١ / ٤٢٧ ]
فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ»، وَلِأَنَّ الجِلْدَ لِصَلَابَتِهِ لَا تَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ إِلَّا قَلِيلًا، ثُمَّ يَجْتَذِبُهُ الجِرْمُ إِذَا جَفَّ، فَإِذَا زَالَ زَالَ مَا قَامَ بِهِ (وَفِي الرَّطْبِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَغْسِلَهُ) لِأَنَّ المَسْحَ بِالْأَرْضِ يُكْثِرُهُ وَلَا يُطَهِّرُهُ.
وفي جامع الإسبيجابي: روي أنه ﵇ وطئ رجله، ولكن المستحب أن يزيلها عن نفسه وإن كان قليلا، وعن أم سلمة أنها قالت: قلت يا رسول الله إني أمشي على الأرض النجسة، ثم أمشي على الأرض الطاهرة؟ فقال: «الأرض يطهر بعضها بعضا» (^١)، ولأن الجلد له صلابة، وهذه النجاسة لها جرم فيزول عنه بالمسح إذا كان يابسًا، وما بقي هناك من النجاسة المشربة معفو؛ لأنه لو لم يكن معفوا لما جازت الصلاة مع الخف أبدا؛ لأن الخف لا يخلو عن النجاسة المشربة بخلاف إذا ما كان رطبا لأن البلة تبقى بعد المسح فلا تزول إلا بالغسل.
وفي الْمُجْتَبَى: في هذا الحديث سبع فوائد، أحدها: جواز الصلاة مع النعل: وثانيها: أن قليل النجاسة لا يمنع الجواز، وثالثها: وجوب إزالتها مع قلتها، ورابعها: أن قليل العمل لا يفسد الصلاة، وخامسها: أن أفعاله ﵇ حجة، وسادسها: جواز إخبار المصلي بنجاسة، والاحتياط عند احتمالها، وسابعها: أن المسح بالتراب مطهر.
والفقه فيه أن صلابة الجلد وكثافة النجاسة يمنعان تسربها فيه، ورخاوتها
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ١٠٤، رقم ٣٨٣)، والترمذي (١/ ٢٠٩، رقم ١٤٣)، وابن ماجه (١/ ١٧٧، رقم ٥٣١) من حديث أم سلمة ﵂، أنها سألت النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقال رسول الله ﷺ: «يُطَهِّرُهُ ما بَعْدَه». قال العقيلي: هذا إسناد صالح جيد. الضعفاء الكبير (٢/ ٢٦١)، وضعفه النووي في خلاصة الأحكام (١/ ١٨٣). وأخرجه ابن ماجه (١/ ١٧٧، رقم ٥٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٠٦، رقم ٤٢٧٢) من حديث أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة، فقال رسول الله ﷺ: «الأرضُ يُطَهِّرُ بعضُها بعضا». قال البيهقي: هذا إسناد ليس بالقوي، وقال ابن حجر: إسناده ضعيف. تلخيص الحبير (١/ ٥٠٢).
[ ١ / ٤٢٨ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ إِذَا مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ،
بعد اليبس يجذب الرطوبة إليها فلا يبقى فيها إلا قليل وهو معفو، بخلاف الثوب، والرطب، والرقيق كالخمر والبول لعدم المانع عن التسرب، وعدم الجاذب (^١).
(وعن أبي يوسف)، يعني روي عنه أنه قال: إذا مشى على الروث، ثم مسح خفه على الأرض بحيث لم يبق أثره فيه جازت الصلاة معه.
قال شمس الأئمة: وهو صحيح، وعليه الفتوى للضرورة، وإطلاق ما يروى وهو قوله ﵇: «فليمسحهما» من غير فصل بين رطب ويابس (^٢).
فإن قيل: ما روي لا يفصل بين نجاسة لها جرم، وبين ما لا جرم له أيضًا.
قلنا: بأنه ﵇ بالتعليل بقوله: «فإن الأرض لها طهور»، أي مزيل أخرج ما لا جرم له، إذ يعلم أن الخف إذا تشرب البول، أو الخمر لا يزيله المسح، ولا يخرجه عن أجزاء الجلد، فكان ما لا جرم له مخرجا على الإطلاق بذلك التعليل، مع أنهما لو استحشد بالتراب أو الرمل فجف يطهر بالمسح؛ لأن ما التصق به كالجرم لتلك النجاسة، قاله المحبوبي (^٣).
وقال شمس الأئمة: وهو الصحيح، إذ لا فرق بين كون الجرم منها أو من غيرها (^٤).
كذا ذكره الإمام الهندواني، والفصلي عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف مثل هذه إلا أنه لا يشترط الجفاف.
وفي الْمُجْتَبى: وعليه فتوى مشايخنا لعموم البلوى (^٥).
وفي فتاوى أهل العصر: ذكر الجلابي في صلاته: لو أصابت النجاسة
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٦).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٩٦).
(٣) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ١٩٦)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٩٦).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٨٢).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٦).
[ ١ / ٤٢٩ ]
لِعُمُومِ البَلْوَى، وَإِطْلَاقِ مَا يُرْوَى، وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا ﵏ (فَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلٌ فَيَبِسَ: لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَغْسِلَهُ) وَكَذَا كُلُّ مَا لَا جِرْمَ لَهُ كَالخَمْرِ، لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ تَتَشَرَّبُ فِيهِ وَلَا جَاذِبَ يَجْذِبُهَا.
وَقِيلَ: مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الرَّمْلِ وَالرَّمَادِ جِرْمٌ لَهُ. وَالثَّوْبُ لَا يُجْزِي فِيهِ إِلَّا الغَسْلُ وَإِنْ يَبِسَ لِأَنَّ الثَّوْبَ لِتَخَلْخُلِهِ يَتَدَاخَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ، فَلَا يُخْرِجُهَا إِلَّا الغَسْلُ.
(وَالمَنِيُّ نَجِسٌ يَجِبُ غَسْلُهُ إِنْ كَانَ رَطْبًا، فَإِذَا جَفَّ عَلَى الثَّوْبِ أَجْزَأَ فِيهِ
الخف، أو المكعب، أو الجرموق فأمر الماء عليه ثلاث مرات يطهر من غير تجفيف.
(لتخلخله)، أي لفُرج في خلاله، وقولهم: أجزاء الثوب المخلخلة، أي في خلالها فرج لرخاوتها، وكونها مجوفة غير مكتنزة، كذا في المغرب (^١).
قوله: (والمني نجس)، وبه قال مالك (^٢)، وأحمد في رواية (^٣)، إلا أن مالكا قال: يغسل رطبه ويابسه، وهو قول الحسن البصري، وقول بعض مشايخ بلخ مثل محمد بن الأزهر، وأبو معاذ البلخي.
وعندنا وأحمد في مني الآدمي يغسل رطبه، ويفرك يابسه، وقال الشافعي: مني الآدمي طاهر (^٤)، وبه قال أحمد في أصح قوليه (^٥)، وفي مني المرأة حكي عنه قولان، ومذهبه طهارته.
ويحمل حديث عائشة، وهو قوله ﵇: «اغْسِليهِ إن كان رطبا» (^٦)
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ١٥٣).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ١٨٦)، ومواهب الجليل للحطاب (١/ ١٠٤).
(٤) انظر: الإنصاف للمرداوي (١/ ٣٤٠)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٦٨).
(٥) انظر: البيان للعمراني (١/ ٤١٩)، والمجموع للنووي (٢/ ٥٥٣).
(٦) قال المرداوي: قوله (ومني الآدمي طاهر)، هذا المذهب مطلقا، وعليه جماهير الأصحاب ونصروه، سواء كان من، احتلام، أو جماع من رجل أو امرأة، لا يجب فيه فرك، ولا غسل …
(٧) تقدم تخريجه في المتن.
[ ١ / ٤٣٠ ]
الفَرْكُ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَائِشَةَ: «فَاغْسِلِيهِ إِنْ كَانَ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ إِنْ كَانَ يَابِسًا» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: المَنِيُّ طَاهِرُ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ.
على الاستحباب لاحتمال اختلاطه برطوبة فرجها.
وفي مني غير الآدمي له (^١) ثلاثة أوجه، أحدها وهو ظاهر مذهبه: أن الجميع طاهر إلا مني الكلب والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما، والثاني: أن الجميع نجس، والثالث: أن مني ما يؤكل لحمه طاهر (^٢).
وله ما روي عن ابن عباس أنه قال: (أَمِطْهُ عنك بإذخرة، وإنما هو كمخاط، وبصاق) (^٣)، فشبهه بالأشياء الطاهرة، وإنما أمر بالإماطة لإطفاء رائحة النجاسة لا للتطهير.
وما روي عن عائشة أنها قالت: (كنت أفرك المني عن ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلي فيه) (^٤)، ولأنه مبتدأ خلق الآدمي فأشبه التراب، ولأنه أصل الأنبياء ﵈ فلا يظن أنهم خلقوا من النجس، ولأنه لو كان نجسا لما اقتصر على فركه لو كان يابسا كما في غيره.
ولنا: قوله ﵇ لعائشة: «فَاغْسِلِيهِ» الحديث، وقوله ﵇ لعمار بن ياسر حين مر عليه وهو يغسل ثوبه من النخامة، فقال ﵇: «ما نُخامتُكَ، ودموع عينيك، والماء في ركوتِكَ إلَّا سواء، وإنما يغسل الثوب من خمس: من البول، والغائط، والدم، والمنيّ، والقيء» (^٥)، وفي رواية الأسرار:
_________________
(١) أي للشافعي.
(٢) انظر: المجموع للنووي (٢/ ٥٥٥)، والإقناع للخطيب الشربيني (١/ ٨٩).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٣٦٧، رقم ١٤٣٧)، والدارقطني (١/ ٢٢٥، رقم ٤٤٨).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٢٣٨، رقم ٢٨٨).
(٥) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٣٠، رقم ٤٥٨) من حديث عمار بن ياسر ﵁ قال: أتى علي رسول الله ﷺ وأنا على بئر أدلو ماء في ركوة لي، فقال: «يا عمار ما تصنع؟» قلت: يا رسول الله بأبي وأمي، أغسل ثوبي من نخامة أصابته، فقال: «يا عمار إنما يغسل الثوب من خمس: من الغائط، والبول، والقيء، والدم، والمني، يا عمار ما نخامتك، ودموع عينيك، والماء الذي في ركوتك إلا سواء». قال الدارقطني: لم يروه غير ثابت بن حماد وهو ضعيف جدا، وإبراهيم وثابت ضعيفان، وقال ابن حجر: وأخرجه ابن عدي وضعفه، وأخرجه البزار والطبراني، لكن وقع عنده: (عن حماد ابن سلمة) بدل ثابت بن حماد، وهو خطأ. الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٩٢).
[ ١ / ٤٣١ ]
وَقَالَ ﵊: «إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ»، وَذَكَرَ مِنهَا المَنيَّ، وَلَوْ أَصَابَ البَدَنَ:
«الخمر» مكان «القيء»، وقد مر وجه الاستدلال مع أبحاثه.
ولأنه قرنه بالأشياء التي هي نجسة بالإجماع فكان حكمه حكم ما قرن به؛ لأن القران في الجملة الناقصة يوجب الشركة، وعن عمر، وعائشة، وأبي هريرة، وأنس، وجابر بن سمرة والحسن البصري أنهم غسلوا الثوب من المني، وأمروا بغسله منه، فهذا آية النجاسة.
وأما تعلقه بحديث ابن عباس لا يصح؛ لأنه موقوف، وإن ثبت كونه مرفوعًا يشهد لنا من وجه لأنه أمر بالإماطة، ومطلق الأمر للوجوب، والتشبيه بالمخاط والبصاق يشهد له فيسقط الاحتجاج به، مع أنه في اللزوجة وقلة التدخل لا في الطهارة، وكونه مبدأ خلق الآدمي لا ينفي صفة النجاسة كالمضغة والعلقة، كذا في المبسوطين (^١).
وقيل: لا يرد النقص لأنهما طاهران عنده في أصح الوجهين.
وفي الإيضاح: المني إنما يصير آدميًا بعد خروجه عن حالته وصيرورته شيئًا آخر فيطهر كالخمر إذا تخلل، ولأن أصل المني الدم، والمني طاهر عنده لا الدم، فجاز أن يكون الشيء نجسا ويتولد منه الطاهر.
وأما حديث عائشة لا يدل أن الفرك كان في حال الصلاة، بل الظاهر أنه كان قبلها لأنه يبعد أن تتشبث بثوبه ﵇ وهو يصلي فيه فتشغله عن الصلاة، وهذا كما يقال: كنت أهيئ الطعام لفلان وهو يأكل، أي يأكل بعد ذلك.
يؤيده ما روي في المصابيح بقولها: (ثم يصلي فيه) (^٢)، وفي رواية صحيح
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٨١).
(٢) أخرجه ابن خزيمة (١/ ١٤٩، رقم ٢٩٤) أحمد (٦/ ٢٤٣، رقم ٢٦١٠١) من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسا، ثم يصلي فيه.
[ ١ / ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسلم: (فيصلي فيه) (^١)، والفاء للتعقيب وفي البخاري فيخرج إلى الصلاة فعلم أنه ﵇ ما صلى معه.
أو نرجح ما ذكرنا بقوله ﵇ " «اغسليه إن كان رطبا» (^٢)، الحديث، على أن الحديث حكاية حال فيحتمل أن يكون أقل من الدرهم، ويحتمل أكثره فلا يستقيم الاحتجاج به على طهارة المني، والأمر بالفرك لا يدل على طهارته كما في الخف إذا أصابته نجاسة حيث يطهر بالفرك.
وفي الإيضاح: وأما الاكتفاء بالفرك فبالنص لدفع الحرج؛ لأنه يبس في الظاهر فيزول به.
وأما قوله: أنه أصل الأنبياء فلا يظن أنهم خلقوا من النجس (^٣).
قلنا: لا يقدح ذلك؛ لأن معنى التشريف والتكريم في التخليق من الماء المهين مع أنه ينقلب شيئًا آخر فيطهر كما بينا، كذا في الإيضاح.
وفي الكاثي: مع أن نبينا خلق من النور.
وفي جامع الإسبيجابي: هذا معارض بمثله إذ في القول بكونه طاهرا يلزم خلق الكفرة والفراعنة من طاهر.
ما رووا من الآثار محمولة على القليل إذ هو الغالب، ويكون جمعا بين الأدلة، وأقيستهم أقيسة وهي ليست بحجة عندنا.
وفي الْمُجْتَبى عن الفضلي (^٤): مني المرأة أصفر رقيق كالبول فلا يطهر إلا بالغسل كالبول، والصحيح أنه لا فرق بين مني المرأة والرجل لعموم النص، وبقاء أثر المني بعد الفرك لا يضر كبقائه بعده، وعن أبي إسحاق الحافظ: إنما يجزئ فركه إذا كان رأس الإحليل طاهرًا بالاستنجاء بعد البول، وهو رواية
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٣٨، رقم ٢٨٨).
(٢) تقدم تخريجه في المتن.
(٣) أي قول الشافعي ﵀، كما تقدم.
(٤) هو: أبو بكر محمد بن الفضل، كما في المجتبى.
[ ١ / ٤٣٣ ]
قَالَ مَشَايِخُنَا ﵏: يَطْهُرُ بِالفَرْكِ لِأَنَّ البَلْوَى فِيهِ أَشَدُّ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالغَسْلِ (*)، لِأَنَّ حَرَارَةَ البَدَنِ جَاذِبَةٌ فَلَا يَعُودُ إلَى الجِرْمِ، وَالبَدَنُ لَا يُمْكِنُ فَرْكُهُ.
الحسن عن أبي حنيفة.
وكذا لو خرج المني قبل المذي، ولو خرج بعد المذي لا يجزئ الفرك، كذا في الأسرار.
وقال زفر وعامة مشايخ بلخ: لا يطهر المني بالفرك، قال الهندواني: هذا شيء لا يعتبره مشايخنا؛ فإن المذي لما اختلط بالمني صار تبعًا له، فإذا زال المتبوع زال التبع (^١). وعن محمد: أن الرقيق منه لا يطهر بالفرك كالمذي، ولا فرق في ظاهر الرواية (^٢).
واختلف المتأخرون في الطاق الثاني من الثوب، والصحيح أنه يطهر بالفرك كالأعلى بخلاف لفافة الخف، ذكره في المبسوط (^٣).
ثم إن إصابة الماء بعد الفرك يعود نجسًا على إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ذكره في المحيط (^٤).
وفي شرح بكر: أصاب الثوب دم عبيط فيبس فَحَتُّهُ طهر الثوب كالمني (^٥).
قوله: (لأن البلوى فيه أشد)، وذلك أن محافظة الثوب عنه ممكن، ولا يمكن محافظة البدن إلا نادرًا، ولأنه أكثر تشربا من البدن، ولو طهر بالفرك ما هو أكثر تشربا فما هو أقل تشربا أولى، كذا في جامع الكردري.
(فلا يعود إلى الجرم)، أي باليبس، بخلاف الثوب فإنه يعود ما تشربه الثوب من أجزاء النجاسة باليبس؛ فإن المني لزج لا يتداخل أجزاء الثوب منه
_________________
(١) (*) الراجح: قول الجمهور.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٧).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٨٦)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٣٧).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ٨١).
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٠٦).
(٦) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (٢٨٧١)، والبناية للعيني (١/ ٧١٣).
[ ١ / ٤٣٤ ]
(وَالنَّجَاسَةُ إِذَا أَصَابَت المِرْآةَ أَوْ السَّيْفَ اكْتُفِيَ بِمَسْحِهِمَا) لِأَنَّهُ لَا تَتَدَاخَلُهُ
إلا قليلا، فإذا يبس يجذبه إلى نفسه، فإذا فرك زالت بالكلية، وإن بقي بقي قليل، وأنه معفو عنه بخلاف رطبه فإنه لم يوجد فيه الجذب، كذا في جامع الكردري، وهذا رواية الحسن عن أبي حنيفة (^١).
قوله: (وإذا أصابت المرآة أو السيف)، وفي البدرية: خصهما بالذكر لكونهما مصقولين ولا مدخل للتشرب فيهما، حتى لو كانت قطعة حديد غير مصقولة وأصابتها نجاسة لا يكتفي بمسحها (^٢).
وفي المحيط: أصاب السيف أو السكين دم أو بول، ذكر في الأصل: لا يطهر إلا بالغسل، وكذا [لو] (^٣) أصابه عذرة رطبة، وإن كانت العذرة يابسة يطهر بالحت عند أبي حنيفة وأبي يوسف (^٤)، وبه قال مالك (^٥)، وعند محمد لا يطهر إلا بالغسل (^٦)، وبه قال زفر، والشافعي (^٧)، وأحمد (^٨)، وقاسوه على الثوب، والفرق ظاهر.
وفي الإيضاح: السيف يطهر بالمسح من غير فصل بين الرطب واليابس والعذرة وغيره، وفي الفتاوى: يطهر كلاهما بالمسح؛ لأن الصحابة كانوا يقتلون الكفار بسيوفهم، ثم يمسحونها ويصلون معها، ولأن الغسل يفسدها فكان في تركه ضرورة.
وفي جامع الكردري: الشرط أن يمسح مجففا غير مبق للرطوبة، كذا ذكر في بعض النسخ.
وعن أبي القاسم: ذبح شاة ومسح السكين على صوفها، أو بما يزيل تظهر.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٨١)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٨٤).
(٢) انظر: البناية للعيني (١/ ٧١٩).
(٣) ما بين المغقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٨٤)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٢٣٧).
(٥) انظر: شرح زروق (١/ ١٧٨)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ١١٠).
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٠٤).
(٧) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٥٢)، والمجموع للنووي (٢/ ٦٠٠).
(٨) انظر: الإنصاف للمرداوي (١/ ٣٢١)، والمبدع لابن مفلح (١/ ٢١٠).
[ ١ / ٤٣٥ ]
النَّجَاسَةُ وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالمَسْحِ.
(وَإِنْ أَصَابَتِ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا
وفي الحلية: ذكر القاضي حسين: لو سقى السكين بماء نجس ثم غسل يطهر ظاهره دون باطنه، والحد في تطهيره أن يسقيه بماء طاهر مرة أخرى، وهذا بعيد، ومجرد الغسل يكفي في تطهيره كالذهب والفضة وزبر الحديد (^١). هذا عند الشافعي، وعند أبي يوسف يموه السكين بالماء الطاهر ثلاثًا ويجفف يطهر، وعند محمد لا يطهر أبدًا.
قوله: (فجفت بالشمس)، الجفاف بالشمس قيد اتفاقي، وأخرج الكلام مخرج العادة لا شرطي، حتى لو جفت بالظل فالحكم كذلك، ولهذا أطلق في المبسوط والإيضاح (^٢).
وقال الشافعي في القديم: يطهر بالجفاف (^٣)، وقال زفر والشافعي في الجديد في الأم: لا يطهر (^٤)، وبه قال مالك (^٥)، وأحمد (^٦).
ولو أصابت الأرض نجاسة إن كانت الأرض رخوة تطهر بصب الماء عليها لأنها تتشرب فصار بمنزلة العصر في الثوب، وإن كانت صلبة فاندفع عن موضع النجاسة طهر ذلك المكان، ويتنجس الموضع الذي انتقل الماء إليه، وإن لم ينتقل يحفر، لما روي أن أعرابيا بال في مسجد رسول الله ﷺ فأمر بأن يحفر موضع بوله (^٧)، كذا في الإيضاح.
_________________
(١) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢٥٢).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٥).
(٣) انظر: الوسيط للغزالي (١/ ١٩٨)، والمجموع للنووي (٢/ ٥٩٦).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٥٢).
(٥) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ١٦٢)، ومنح الجليل شرح مختصر خليل لعليش (١/ ٦٠).
(٦) انظر: الإنصاف للمرداوي (١/ ٣١٧)، والإقناع للحجاوي (١/ ٦٠).
(٧) أخرجه أبو داود (١/ ١٠٣، رقم ٣٨١)، والدارقطني (١/ ٢٤٠، رقم ٤٧٩) عن عبد الله بن معقل ابن مقرن قال: صلى أعرابي مع النبي ﷺ بهذه القصة، قال فيه: وقال يعني النبي ﷺ: «خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء». قال أبو داود: وهو مرسل ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ، وقال الدارقطني: وهو مرسل.
[ ١ / ٤٣٦ ]
جَازَتِ الصَّلَاةُ عَلَى مَكَانِهَا) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ
وعند الشافعي لو كانت النجاسة عذرة وجب إزالتها، ثم غسل موضعها، ولو كانت بولا يصب عليها ذنوب من ماء ويكون ذلك طهارة لها (^١)، وقال الإِصْطَخْرِي من أصحابه: يجب في بول الأنثى ذنوبان، والمذهب الأول لما روي أن أعرابيًا بال في مسجد رسول الله ﷺ فأمر أن يصب عليه ذنوب من ماء (^٢).
وقلنا: إنما أمر بالصب لأنه كان مفروشا بالحصى كما هو العادة في تلك الديار، فبالصب نزلت النجاسة إلى القرار وطهر ظاهر الحصى للصلاة، أما إذا كانت الأرض صلبة فلا يزيدها الماء إلا نجاسة؛ لأن أجزاءها تنبسط بصب الماء عليه، ولأنه جاء فيه الحفر والصب فيحتمل أن يكون الصب إزالة النتن.
ثم في قوله: (جازت الصلاة على مكانها)، يشير إلى أنه لا يجوز التيمم به، وهو ظاهر الرواية، وروى ابن كاس النخعي عن أصحابنا أنه يجوز به التيمم؛ لأنه حكم بطهارته، كذا في المبسوط (^٣).
وفي الأسرار والحديث المذكور موقوف على عائشة، والذي روي عنه ﵇: «أيما أرضِ جَفَّت فقَدْ ذَكَتْ»، وروى أبو داود، وابن خزيمة في صحيحهما عن ابن عمر أنه قال: كنت فتى عزبًا أي شابا أبيت في المسجد، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر فيه، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك (^٤)، فدل على أن الشمس إذا أشرقت على الأرض النجسة حتى ذهب أثر النجاسة تطهر. وما قال الخطابي في تأويل هذا الحديث: الصحيح أن الكلاب كانت تبول في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد، غير صحيح، صدر من التعصب لأنه
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٧٠).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٥٤، رقم ٢٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١١٩).
(٤) أخرجه أبو داود (١/ ١٠٤، رقم ٣٨٢)، وابن حبان (٤/ ٥٣٧، رقم ١٦٥٦)، وأحمد (٢/ ٧٠، رقم ٥٣٨٩). وأخرجه البخاري (١/¬٤٥، رقم ١٧٤) معلقا.
[ ١ / ٤٣٧ ]
يُوجَد المُزِيلُ (وَ) لِهَذَا (لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ) وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يَبَسُهَا» وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ ثَبَتَتْ شَرْطًا بِنَصِّ الكِتَابِ فَلَا تَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِالحَدِيثِ.
حينئذ لم تبق فائدة قوله: (وكانوا لا يرشون شيئًا).
والحديث المذكور في الكتاب لم يوجد في كتب الحديث، وهذا لا يضر لأنه ثبت بنقل العدل (^١)، أو يكون ذلك النقل بالمعنى عند من جوزه.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: الزكاة عبارة عن الطهارة.
وفي الْمُجْتَبى: في طبع الأرض إحالة الأشياء إلى طبعها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا﴾ [الكهف: ٨] الآية، وللإحالة أثر في التطهير، كالخمر إذا تخللت (^٢).
قوله: (بنص الكتاب)، أي بعبارة قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] فلا يتأدى لما ثبت طهارته بخبر الواحد، وهذا كالتوجه إلى الحطيم فإن التوجه إلى البيت ثبت بالكتاب، وكون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد، بخلاف اشتراط طهارة المكان فإن ذلك ثبت بدلالة النص، فحينئذ يعارضه ما ثبت خبر الواحد؛ لأن العبارة فوق الدلالة فلا يلزم من عدم تأدي ما ثبت بها عدم تأدي ما ثبت بالدلالة.
فإن قيل: الثابت بها قطعي كالثابت بالعبارة، فكيف يجوز معارضة خبر الواحد للدلالة؟
قلنا: النص الوارد في طهارة المكان مخصوص؛ لأنه خص منه النجاسة القليلة بالإجماع فيكون طيبًا فيعارضه خبر الواحد، بخلاف النص الوارد في التيمم فإنه قطعي فلا يعارضه خبر الواحد.
وفي البدرية: خص من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] غير حالة الصلاة، والنجاسة القليلة، والثياب التي أعدت للدخول والبروز، والعام
_________________
(١) يريد حديث: «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا»، وقد تقدم في المتن.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٨).
[ ١ / ٤٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المخصوص ظني فيجوز تخصيصه بخبر الواحد (^١).
وفي الكافي: فيه إشكال لأن النص لا عموم له في الأحوال؛ لأنها غير داخلة فيه، وإنما ثبتت ضرورةً، ولا عموم لما ثبت بالضرورة، والتخصيص يقتضي سبق العموم، وفيه تأمل.
ولأن الطيب يحتمل الطاهر والمنبت، وعلى الثاني حمله أبو يوسف والشافعي، فلا يجوز أن يكونا مرادين لعدم العموم للمشترك فيكون مؤولًا، وهو من الحجج المجوزة كالعام المخصوص فينبغي أن يجوز التيمم أيضًا.
قال شيخي ﵀: هذا الإشكال إنما يتحقق إذا ثبت أن الاحتمال متطرق إلى الآية منه لا غير، وذلك غير مُسلَّم؛ لأن الاحتمال يتطرق إليها من اختلاف المفسرين في تفسيرها، فقيل: المراد تطهير الثوب.
وقيل: تقصيره للمنع عن التكبر والخيلاء؛ فإن العرب كانوا يجرُّون أذيالهم تكبرًا.
وقيل: المراد تطهير النفس عن المعايب والأخلاق الرديئة، فإذا كان كذلك كانت الآية من الدلائل المجوزة، ولهذا لم يكفر من أنكر اشتراط طهارة الثوب وهو عطاء فتكون دلالتها كذلك.
وقوله: الطيب يحتمل كذا، مُسلَّم، لكن الظاهر مراد بالإجماع، إنما الخلاف في اشتراط الإنبات فيكون اشتراط الطهارة قطعيًا فلا يتأدى بالطهارة الثانية بخبر الواحد.
وقيل: في الفرق أن الأرض تنشف والهواء يجذب فتقل النجاسة، وقليلها لا يمنع جواز الصلاة ومنع التطهير به؛ فإن قطرة الدم لو أصابت الثوب، أو المكان لا يمنع جواز الصلاة، ولو وقع في الماء يتنجس ولا يجوز التوضؤ به، إلا أنهم جعلوا الفاصل بين القليل والكثير بقاء الأثر وذهابه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
_________________
(١) انظر: البناية للعيني (١/ ٧٢٣).
[ ١ / ٤٣٩ ]
(وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنْ النَّجِسِ المُغَلَّظِ كَالدَّمِ وَالبَوْلِ وَالخَمْرِ وَخُرْءِ
وفي الأسرار: الطهورية صفة زائدة على الطهارة فإن الخل طاهر غير طهور، وكذا سؤر الحمار، فكذلك هذه الأرض عندنا فالموضع موضع إشكال فأثبتنا الطهارة بما قلنا حتى جازت الصلاة عليها، وأزلنا الطهورية بما قاله الشافعي عملا بالدليلين.
وفي فتاوى قاضي خان: أصابت الخشب نجاسة ثم أصابه المطر بعد ذلك كان ذلك بمنزلة الغسل كالأرض، وإن لم يصب المطر فالأرض تطهر بالجفاف إذا لم يبق أثر النجاسة، واختلفوا في الشجر والكلأ ما دام قائما عليها يطهر بالجفاف، وبعد ما قطع يجب الغسل.
وكذا الحصى حكمه حكم الأرض، وأما الآجرة إن كانت مفروشة فحكمها حكم الأرض، وإن كانت موضوعة تنقل وتحوّل إن كانت النجاسة على الجانب الذي يلي الأرض جازت الصلاة عليها، وإن كانت على الجانب الذي قام عليه المصلي لم تجز، وجاز أن يكون المراد بالأثر ريح النجاسة ولونها؛ لأنه ذكر في الخلاصة لو أصابت الأرض نجاسة وهي رطبة إذا صب عليها ماء كثير حتى زالت النجاسة ولا يوجد في ذلك لون، ولا ريح كان طاهرًا، ثم إذا أصابها الماء هل يعود نجسًا؟ فيه روايتان، والصحيح أنه لا يعود لأنه محكوم بطهارته بالاتفاق، وملاقاة الماء الطاهر لا ينجسه، كذا في التتمة، وفتاوى قاضي خان (^١).
وفي الثوب المفروك عن المني إذا أصابه الماء بعد الفرك روايتان، والصحيح أنه يعود نجسًا.
وفي الْمُجْتَبى: أصابت الأرض نجاسة وفيها إذخر فيبست، قال الفضلي: لا يجوز الصلاة عليها؛ لأنه كاللبد وقال أبو بكر بن حامد: يجوز لأنه تابع لها، وله حكم السطح (^٢).
قوله: (قدر الدرهم)، في الأسرار: ما دون الدرهم لا يمنع جواز الصلاة،
_________________
(١) فتاو قاضي خان (١/¬١١).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٩).
[ ١ / ٤٤٠ ]
الدُّجَاجِ وَبَوْلِ الحِمَارِ جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَهُ، وَإِنْ زَادَ لَمْ تَجُزْ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّ النَّصَّ المُوجِبَ لِلتَّطْهِيرِ لَمْ يُفَصِّلْ.
وَلَنَا: أَنَّ القَلِيلَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَيُجْعَلُ عَفْوًا، وَقَدَّرْنَاهُ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ أَخْذًا عَنْ مَوْضِعِ الاسْتِنْجَاءِ.
ولكن تكره الصلاة معها.
وفي المبسوط: وقال الشافعي: إذا كانت النجاسة بحيث يقع البصر عليها يمنعه (^١).
وفي الحلية: النجاسة دم وغير دم، فغير الدم إذا لم يدركه البصر فيه ثلاثة طرق، أحدها: يعفى عنه، والثاني: لا يعفى، والثالث: قولان.
أما الدم فيعفى عن القليل من دم القمل والبراغيث، وفي كثيره وجهان، أصحهما أنه يعفى عنه.
وقال الإِصْطخري: لا يعفى، وفي دم غيرهما ثلاثة أقوال، أصحها قوله في الأم أنه يعفى عن القدر الذي يتعافاه الناس بينهم، والثاني: لا يعفى عن شيء منه، وفي القديم: يعفى عما دون الكف، وعن مالك: يعفى عن يسير الدم، ولا يعفى عما تفاحش، وعنه في دم الحيض روايتان أحدهما: أنه كغيره، والثانية: أنه يستوي فيه كثيره وقليله، وحكي عن أحمد أنه قال: الشبر متفاحش، وحكي عنه أيضًا يعفى عن النقطة والنقطتين، واختلف عنه فيما بين ذلك (^٢).
لأن النص الموجب وهو قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وقوله ﵇: «حُتّيهِ، ثم اقرصِيهِ، ثم اغسليه بالماء» (^٣)، لا يفصل بين القليل والكثير.
ولنا: ما روى أبو هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال في الدم: «إذا كان أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة»، فشرط إعادتها في الزيادة على مقدار الدرهم، وما روى أبو سعيد الخدري أنه ﵇ أتم الصلاة بعد العلم
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٦٠).
(٢) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/¬٤٢).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ٥٥، رقم ٢٢٧)، ومسلم (١/ ٢٤٠، رقم ٢٩١).
[ ١ / ٤٤١ ]
ثُمَّ يُرْوَى اعْتِبَارُ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ المِسَاحَةُ، وَهُوَ قَدْرُ عَرْضِ الكَفِّ فِي الصَّحِيحِ، وَيُرْوَى مِنْ حَيْثُ الوَزْنُ وَهُوَ الدِّرْهَمُ الكَبِيرُ المِثْقَالِ، وَهُوَ مَا يَبْلُغُ وَزْنُهُ مِثْقَالًا.
بالنجاسة (^١)، وما روي أنه ﵇ صلى الغداة في كساء فيه لمعة من دم ولم يعد (^٢)، وعن ابن مسعود، وأبي موسى الأشعري مثله، وروي عن عمر ﵁ أنه سئل عن قليلها في الثوب؟ قال: إذا كان مثل ظفري هذا لا يمنع جواز الصلاة.
ولأن القليل لا يمكن التحرز عنها فإن الذباب يقعن على النجاسات، ثم يقعن على الثياب، ولابد أن تكون على أرجلهن وأجنحتهن نجاسة، فجعل القليل عفوًا للبلوي، لهذا يعفى دم القمل، والبراغيث بالإجماع.
ثم جعلنا القليل قدر الدرهم أخذا عن موضع خروج الحدث، كذا قال النخعي فإن الصحابة كانوا يكتفون بالاستنجاء بالأحجار، والاستنجاء بها لا يزيل النجاسة بالكلية، حتى لو جلس في الماء القليل نجسه، واتفاقهم به دليل على أن القليل منها عفو، وقال النخعي: أرادوا أن يقولوا مقدار المقعد فاستقبحوا ذلك فقالوا: مقدار الدرهم، فإذا عفي مقدار الدرهم في موضع الاستنجاء للضرورة فيعفى في سائر البدن لشمولها (^٣).
وعنه أيضًا مقدار الدرهم يمنع جواز الصلاة، وقال الشعبي: لا يمنع حتى يكون أكثر من الدرهم، وبه نأخذ لأنه أوسع.
وعن ابن عباس أنه قال: ليس على الثوب نجاسة، وعن ابن مسعود أنه نحر جذورًا فأصابه من فرثه ودمه وصلى ولم يغسله، وعن سعيد بن جبير أنه سئل عن رجل صلى وفي ثوبه أذى؟ فقال: اقرأ عليَّ الآية التي فيها غسل، وقال مالك: لو صلى معها أعاد في الوقت، ولا يعيد بعد فواته، وحكي عنه
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ١٧٥، رقم ٦٥٠)، وابن خزيمة (١/ ٣٨٤، رقم ٧٨٦)، وأحمد (٣/ ٩٢) رقم (١١٨٩٥)، والحاكم (١/ ٢٦٠). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ١٠٥، رقم ٣٨٨) من حديث عائشة ﵂.
(٣) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٣٥٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٧٢٥).
[ ١ / ٤٤٢ ]
وَقِيلَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا: إِنَّ الأُولَى فِي الرَّقِيقِ، وَالثَّانِيَةَ فِي الكَثِيفِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ نَجَاسَةُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ مُغَلَّظَةٌ، لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ
إن إزالة النجاسة واجبة إلا يسير الدم كما قلنا (^١).
(وقيل: في التوفيق)، وقائل التوفيق أبو جعفر، وإنما احتاج إلى ذكره لأن محمدًا اعتبر الدرهم الكبير في النوادر من حيث العرض، أي عرض الكف، وفي كتاب الصلاة اعتبره من حيث الوزن فقال أبو جعفر: نوفق بين ألفاظ محمد فنقول أن في الرقيقة يعتبر من حيث العرض، وفي الغليظة من حيث الوزن.
وفي الْمُجْتَبى: قيل والأصح قول أبي جعفر (^٢)، وذكر في جامع الكردري هو المختار.
وفي المبسوط والخلاصة: الدرهم أكثر ما يكون من النقد المعروف في البلد، وأما النقود المنقطع كالشهليلي وغيره فقد قيل يعتبر وهو ضعيف (^٣).
قوله: (بدلل مقطوع به)، وفي الكافي: أوَّلوا المقطوع به بالمنصوص بلا تعارض، وهو صحيح بلا تأويل؛ لأنه إن ورد في نجاستها نص قطعي فظاهر، وكذا إن لم يَرِدْ لأن الإجماع منعقد على نجاستها وهو حجة قطعية، فكان أقوى من خبر الواحد.
وفي الخبازية والمراد بكونه قطعيًا أن يكون سالمًا عن الأسباب الموجبة للتخفيف من تعارض النصين، ونجاذب الاجتهاد والضرورات المخففة، وإنما أولوه بذلك لأن قوله ﵇: «إنما يُغسَلُ الثوب من خمس» (^٤)، الحديث
_________________
(١) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٤٠)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ١٥٤).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٩٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ٦٠).
(٤) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٣٠، رقم ٤٥٨) من حديث عمار بن ياسر ﵁ قال: أتى علي رسول الله ﷺ وأنا على بئر أدلو ماء في ركوة لي، فقال: يا عمار ما تصنع؟ قلت: يا رسول الله بأبي وأمي، أغسل ثوبي من نخامة أصابته، فقال: «يا عمار إنما يغسل الثوب من خمس: من الغائط، والبول، والقيء، والدم والمني يا عمار ما نخامتك، ودموع عينيك، والماء الذي في ركوتك إلا سواء». قال الدارقطني: لم يروه غير ثابت بن حماد وهو ضعيف جدا، وإبراهيم وثابت ضعيفان، وقال ابن حجر: وأخرجه ابن عدي وضعفه، وأخرجه البزار والطبراني، لكن وقع عنده: (عن حماد بن سلمة) بدل ثابت بن حماد، وهو خطأ. الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٩٢).
[ ١ / ٤٤٣ ]
(وَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ رُبُعَ الثَّوْبِ) يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (*) لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ بِالكَثِيرِ الفَاحِشِ، وَالرُّبُعُ مُلْحَقٌ بِالكُلِّ فِي حَقِّ بَعْضِ الأَحْكَامِ، وَعَنْهُ رُبُعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالمِثْزَرِ، وَقِيلَ: رُبُعُ المَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ
خبر الواحد، وهو غير قطعي، وفي الكل تأمل.
قوله: (في حق بعض الأحكام)، كما في مسح الرأس، وحلقه في الإحرام، وانكشاف العورة.
وفي الْمُجْتَبى: في بحر المحيط: كره أبو حنيفة أن يحد الكثير الفاحش، وقال: الفاحش ما يستفحشه الناس، وقال أبو علي الدقاق: هو عند أبي حنيفة ومحمد ربع الثوب، وعنه (^١): قدر القدمين، وعنه: في الخف أكثر الخف، وعنه: ربع ما تحت الساق، وقيل: ما بين القدمين إلى الساق.
وعن أبي يوسف: ذراع في ذراع - وعنه: شبر في شبر، أي شبر طولا، وشبر عرضًا، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة -، والأصح هو الربع (^٢).
وقال الحاكم: الصحيح من قول أبي حنيفة ومحمد الربع؛ لأنهما قالا فيمن معه ثوب وربعه طاهر: يجب عليه أن يصلي فيه، وإن كان أقل من الربع طاهرا فهو مخير إن شاء صلى فيه، وإن شاء صلى عريانا، فهذا دليل على الربع عندهما في حد الكثير (^٣).
واختلف في الربع، فقيل: ربع جميع الثوب، وعن أبي بكر الرازي: ربع السراويل.
وفي التحفة: قيل: جميع الثوب والبدن، وقيل: ربع كل عضو وطرف؛ كاليد، والرجل، والكم، وهو الأصح (^٤).
_________________
(١) (*) الراجح: هو رواية ربع العضو المصاب إن بدنا، وربع الطرف المصاب إن كان ثوبًا.
(٢) أي محمد، كما في المجتبى.
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٩٠).
(٤) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١/¬٣٨).
(٥) تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ٦٥).
[ ١ / ٤٤٤ ]
كَالذَّيْلِ وَالدِّخْرِيصِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُخَفَّفَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ، أَوْ لِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ
(كالذيل)، في فوائد الظهيرية: المراد القدر الذي يفهم من قولهم فلان شمر الذيل.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: وكأنه قدَّر شبرًا في شبر اعتبارًا بباطن الخف، إذ المراد به ما يلي الأرض منه؛ لأن حكم النجاسة التي لها جرم ساقط الاعتبار في حق الخفاف، بدليل أنه يطهر بالمسح على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي رواية محمد يطهر به إن زال العين، ولما سقط في حق الخف وباطنه يبلغ شبرا في شبر قدرنا الكثير الفاحش به كما قدرنا الدرهم بموضع الاستنجاء، ومحمد يعتبر ربع الثوب نظرًا إلى هذا المعنى.
قوله: (على اختلاف الأصلين)، الأصل الأول: اختلاف العلماء في نجاسته وهو أصل أبي يوسف ومحمد، والأصل الثاني: تعارض النصين، وهو أصل أبي حنيفة، وإنما أخر أصله رعاية لفواصل الألفاظ.
وثمرة الاختلاف تظهر في الأرواث، والأخثاء، وبعر الإبل والغنم، فعندهما خفيفة لاختلاف العلماء؛ فإن مالكًا يقول: الروث، والبعرة، وخثي البقر طاهر (^١)، وبه قال أحمد (^٢)، والزهري، والثوري، وقال ابن أبي ليلي: السرقين طاهر قليله وكثيره لا يمنع.
واحتجوا فيه بأنه وقود أهل الحرمين؛ فإنهم يجمعونها ويطبخون بها الطعام، والخبز، ولو كان نجسًا لما استعملوها.
وكذا روي أن شبان الصحابة إذا نزلوا موضعًا في الغزو، وكانوا يترامون بالخلة بالفتح أي، البعرة وما فعلوا ذلك بالعذرة، وعن النبي ﷺ أنه رمى بالروثة، وروي أنه ﵇ طلب أحجار الاستنجاء ليلة الجن من ابن مسعود
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٥٥)، والذخيرة للقرافي (٢/ ١٥٧، ١٨٧).
(٢) انظر: مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله (٣٠)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٣٩).
[ ١ / ٤٤٥ ]
(وَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ الرَّوْثِ أَوْ مِنْ أَخْثَاءِ البَقَرِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، لَمْ تَجُز الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ النَّصَّ الوَارِدَ فِي نَجَاسَتِهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ رَمَى بِالرَّوْثَةِ وَقَالَ: هَذَا رِجْسٌ أَوْ رِكْسٌ لَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ، وَبِهَذَا يَثْبُتُ التَّغْلِيظُ عِنْدَهُ وَالتَّخْفِيفُ بِالتَّعَارُضِ وَقَالَا: يُجْزِئُهُ حَتَّى يَفْحُشَ) (*) لِأَنَّ لِلاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاعًا، وَلِهَذَا يَثْبُتُ التَّخْفِيفُ عِنْدَهُمَا، وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً لِامْتِلَاءِ الطُّرُقِ بِهَا، وَهِيَ مُؤَثَّرَةٌ فِي التَّخْفِيفِ،
فأتاه بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورمى الروثة وقال: «إنها ركس» (^١)، أي نجس، ولم يعارضه نص آخر فتتغلظ نجاسته، والبلوى لا تعتبر في موضع النص.
ألا ترى في بول الحمار، وبول الآدمي أكثر ومع ذلك لا يعفى عنهما أكثر من قدر الدرهم، وأيضًا اختلاف العلماء لا يخرجها عن كونها غليظة؛ لأن الرأي لا يعارض النص، بخلاف بول ما يؤكل لحمه فإن حديث العرنيين عارض قوله ﵇: «استَنْزِهُوا البول» (^٢).
قوله: (مَسَاغًا)، أي جوازًا كما قلنا من قول مالك وغيره.
ولأن فيه أي في الروث، أو الخثي (ضرورة لامتلاء الطرق بها)، أي بالأرواث خصوصًا لسائر الدواب.
(وهي)، أي الضرورة مؤثرة في التخفيف ألا ترى أنها مؤثرة في سقوط النجاسة كما في الهرة إلا أن الضرورة هاهنا دون الضرورة في الهرة فأوجبنا التخفيف دون الإسقاط، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٣)
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف ومحمد.
(٢) تقدم تخريجه في المتن.
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٣٢، رقم ٤٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الدارقطني: الصواب مرسل، وقال ابن الملقن: هذا الحديث صحيح، وله طرق كثيرات بألفاظ مختلفات، وفي المعنى متفقات البدر المنير (٢/ ٣٢٣)، وقال ابن حجر: أعله أبو حاتم فقال: إن رفعه باطل. تلخيص الحبير (١/ ٣١١).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٢٩).
[ ١ / ٤٤٦ ]
بِخِلَافِ بَوْلِ الحِمَارِ، لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ.
قُلْنَا: الضَّرُورَةُ فِي النِّعَالِ قَدْ أَثَّرَتْ فِي التَّخْفِيفِ مَرَّةً حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَسْحِ فَتَكْفِي مُؤْنَتُهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَاكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ،
ثم إنهما فرقا بين بول ما يؤكل لحمه، وبين روثه، ولم يثبتا الخفة في حق البول لعدم الضرورة فيه، وذلك لأن صاحب الدابة متى سيرها ربما يغفل عنها فيصيبه روثها من حيث لا يمكنه دفعه، وهذا معدوم في البول؛ لأن الأرض تنشفه.
وفي الصحاح: نشف الحوض الماء نشفًا شربه (^١).
ولأن اختلاط الناس في الروث أكثر لأنهم يتخذونه وقودًا، ويعالجونه في إصلاح الأراضي.
(بخلاف بول الحمار)، يعني أنه نجس نجاسة غليظة لعدم الضرورة؛ (لأن الأرض تنشفه).
(وقد أثرت)، أي الضرورة، في تخفيف الأرواث مرة حتى طهر الخف عنها بمجرد المسح، فكفيت مؤونة الضرورة بتلك التخفيف فلا يؤثر في تخفيف نجاستها ثانيًا إلحاقا للروثة بالعذرة.
فإن قيل: هذا مخالف لما ذكره في تخفيف القراءة في السفر، وهو قوله: (لأن السفر أثر في إسقاط شطر الصلاة) إلى آخره كما يجيء (^٢)، فاستدل بوجود التخفيف مرةً على التخفيف ثانيًا هناك، وأباه هاهنا.
قلنا: لا مخالفة بينهما من حيث المعنى، بل كل واحد في مجره، وذلك لأن سقوطه في السفر رخصة إسقاط، والحكم فيها أن لا تبقى العزيمة مشروعة أصلا لما عرف، فلما كان كذلك كان الساقط كأنه لم يكن؛ فكان التخفيف بالقراءة حينئذ ابتداءً لا ثانيًا، ألا ترى كيف راعى لفظ الإسقاط في الركعتين والتخفيف في القراءة، أما هاهنا يعمل بالضرورة، والثابت بها يتعدد بقدرها
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٤/ ١٤٣٢).
(٢) سيأتي في باب صفة الصلاة.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وَزُفَرُ ﵀ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَوَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ فِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، وَوَافَقَهُمَا فِي المَأْكُولِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الرَّيَّ وَرَأَى البَلْوَى أَفْتَى بِأَنَّ الكَثِيرَ الفَاحِشَ لَا يَمْنَعُ أَيْضًا، وَقَاسُوا عَلَيْهِ طِينَ بُخَارَى، وَعِنْدَ ذَلِكَ رُجُوعُهُ فِي الخُفْ يُرْوَى.
فكيف مؤونة الضرورة.
ولأن العمل بتخفيف القراءة هناك عمل بالطريق الأولى؛ لأن كل شيء ظهر تأثيره في الأصل كان إظهار تأثيره في الوصف بالطريق الأولى؛ لأنه تابع الأصل.
(وزفر فرق بينهما)، أي بين مأكول اللحم وغيره، وقاس الخارج من أحد السبيلين على الخارج من السبيل الآخر وهو البول؛ حيث يختلف باختلاف كونه مأكول اللحم وغيره، وكذا الخارج من هذا السبيل، كذا في الفوائد الظهيرية (^١).
(وعند ذلك)، أي عند دخوله الذي رجوعه في الخف (يُرْوَى)، روي عن محمد لما دخل الري رأى كثرة السرقين في طرقه أفتى بأن الكثير الفاحش لا يمنع، ورجع عن القياس في الروث أنه لا يطهر بالدلك، وقال: يطهر للضرورة.
قال الصدر الشهيد: وعلى هذا قال مشايخنا: طين بخاري لا يمنع جواز الصلاة وإن فحش (^٢).
وفي الْمُجْتَبى والبلوى في طين خوارزم أغلب؛ لأن أصلها أصلب فالفتوى بالجواز هاهنا أولى، وهذا ينزع إلى مسألة معروفة وهي أن الماء والتراب إذا اختلطا وصارا طينًا وأحدهما نجس، فقيل: العبرة فيه للماء.
وقيل: للتراب، وقيل: للغالب، وقيل: أيهما كان طاهرا فالطين طاهر، وبه قال الأكثر، وقيل: إن كانا نجسين فالطين طاهر؛ لأنه صار شيئًا آخر كالخمر إذا تخللت، والكلب والخنزير إذا صار ملحًا في المملحة (^٣).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٠٦).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٠٣)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٣٦).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٧).
[ ١ / ٤٤٨ ]
(وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الفَرَسِ لَمْ يُفْسِدْهُ حَتَّى يَفْحُشَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَمْنَعُ وَإِنْ فَحُشَ) (*) لِأَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ، مُخَفَّفٌ نَجَاسَتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَلَحْمُهُ مَأكُولٌ عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ التَّخْفِيفُ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ.
قوله: (لتعارض الآثار)، في أي بول ما يؤكل لحمه، وحرم الفرس عنده لا للنجاسة بل للكرامة تحاميًا عن تقليل مادة الجهاد فكان الفرس طاهر اللحم عنده حتى إن سؤره طاهر بالاتفاق، فيتحقق التعارض في بوله بخلاف الآدمي؛ فإن حرمة لحمه لكرامته، ومع ذلك لا يكون بوله مخففا لعدم تعارض الآثار، كذا في الفوائد الظهيرية.
وذكر فخر الإسلام لحم الفرس مأكول عنده، وإنما كره للتنزه وهو التحامي عن قطع مادة الجهاد، والكراهة لا تمنع الإباحة كأكل لحم البقرة الجلالة قبل التنقية، فكان بوله كبول مأكول اللحم.
وقيل: أراد به التعارض في لحمه؛ فإنه روي أنه ﵇ نهى عن لحوم الخيل والبغال (^١)، وروي أنه ﵇ أذن في لحم الخيل (^٢)، فهذا يوجب تخفيفًا في بوله لأنه مأكول من وجه فلا يكون كبول الكلب، والحمار.
فإن قيل: مثل هذا التعارض قد وجد في الحمار ولم يوجب خفة في بوله لترجح الحرمة، وهاهنا ترجحت الحرمة أيضًا حتى حرم أكل لحم الفرس في الأصح، فكيف يوجب الخفة؟
قلنا: الحرمة الثابتة في الحمار توجب نجاسة لحمه؛ لأن الحرمة مع
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٥٢، رقم ٣٧٩٠)، والنسائي (٧/ ٢٠٢، رقم ٤٣٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٢٨، رقم ١٩٩٢٩) من حديث خالد بن الوليد ﵁. قال أبو داود: " وهذا منسوخ، وكذا ذكر النسائي في السنن الكبرى (٦٦٠٦)، وقال البيهقي: هذا إسناد مضطرب ومع اضطرابه مخالف لحديث الثقات.
(٣) أخرجه البخاري (٥/ ١٣٦، رقم ٤٢١٩)، ومسلم (٣/ ١٥٤١، رقم ١٩٤١) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
[ ١ / ٤٤٩ ]
(وَإِنْ أَصَابَهُ خُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ جَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَجُوزُ) (*) فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ
صلاحية الغذاء لا للكرامة، واستحباب الطبع يوجب النجاسة على ما مر، وقد ترجحت جهة هذه الحرمة في الحمار حتى لم يبق مأكولا بوجه فتتغلظ نجاسة بوله كبول الكلب.
أما حرمة لحم الفرس لا تدل على نجاسة لحمه؛ لأنه ثبت بالدليل أن الحرمة فيه للتنزه عن قطع مادة الجهاد لا لمعنى في اللحم، فكانت مثل حرمة مال الغير، فيبقى اللحم طاهرًا فيكون بوله كبول مأكول اللحم، ولا يلزم عليه الآدمي فإن حرمته لكرامته، وبوله مغلظ؛ لأن كرامته ثبتت بأصل الخلقة لا تعارض؛ فإنه خلق مكرما فلم يكن في حكم الانفصال بوجه، فلا يمكن إلحاقه بمأكول اللحم؛ لأن ذلك مستلزم إهانته النافية لتكريمه، ولهذا لم يحل قتله للاضطرار، ولا أكل لحم الميت عند المخمصية.
فأما كرامة الفرس في حكم الانفصال لأنها ثبتت بعارض شرعية الجهاد، ولهذا حل ميتته عند المخمصة (^١)، وقتله عن الاضطرار، فيمكن إلحاقه بمأكول اللحم، كذا قرره شيخي ﵀.
فإن قيل: تعارض الآثار إنما يتحقق إذا جهل التاريخ، وقد قيل إن في حديث العرنيين دلالة التقديم لأن فيه المثلة وهي منسوخة.
قلنا: الدلالة دون العبارة، وفي عبارته تعارض، وفيه تأمل.
أو نقول: انتساخ المثلة لا يدل على انتساخ طهارة بول ما يؤكل لحمه، كما في صوم يوم عاشوراء، وتكرار صلاة الجنازة على حمزة على قول الشافعي، وفيه تأمل؛ لأن نسخ المثلة دلالة تقديم، وانتساخها بعموم قوله ﵇: «اسْتَنزهوا من البول» كما ذكره في الأصول.
وفي الخبازية: إنما قال أبو حنيفة بنسخ حديث العرنيين بغالب الرأي
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
(٢) في الأصل: (عندها)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ٤٥٠ ]
الاخْتِلَافَ فِي النَّجَاسَةِ، وَقَدْ قِيلَ فِي المِقْدَارِ، وَهُوَ الْأَصَحُ.
فيكون نفس التعارض باقِيًا، وفيه تَأَمُّل.
وعند الشافعي الأبوال كلها غَلِيظَة، يجب غسل ما يدرك إلا بول صبي لم يطعم؛ فإنه لو نُضِحَ عليه الماء، أي بلَّه به أجزأه وإن لم ينزل عنه، ويغسل من بول الجارية فيصب عليه الماء حتى ينزل عنه كما يجيء (^١).
قوله: (في المقدار)، يعني في كونه غليظة وخفيفة، وهو الأصح، وهكذا ذكر في جامع قاضي خان (^٢)، والمحيط (^٣)؛ لأنه مما أحاله طبع الحيوان إلى نتن وفساد، ولكن ذكر في المبسوطين، ومحيط السَّرَخْسِي خلاف هذا فقال فيه: ليس لما ينفصل من الطيور نتن وخبث رائحة، ولا ينحى شيء من الطيور عن المساجد، فعرفنا أن خرء الجميع طاهر، ولأنه لا فرق في الخرء بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل، ثم خرء ما يؤكل طاهر فكذا خرء ما لا يؤكل (^٤).
وفي المجتبى: قيل: خرء الحمام نجس، إن كانت تثلط لكثرة علفها، وقال الثوري: خرء الدجاج طاهر للبلوى، وخرء دود القز، والفأرة وبولها نجس، وعن محمد: لا بأس ببولها، وبول السنور الذي يعتاد رمي البول على الثياب، لا بأس به للبلوى، وعن محمد بوله طاهر، وبه أخذ أبو نصر، وقيل خفيفة (^٥).
وفي الإيضاح: وبول الخنافس وخرؤها ليس بشيء؛ لتعذر الاحتراز عنه، وخرء الحمام، والعصفور طاهر ليس بدم على التحقيق، في مبسوط شيخ الإسلام أنه ماء آجن أي متغير، ألا ترى أنه يبيض بالشمس، وسائر الدماء تسود به.
وفي الإيضاح: ماء ملون؛ لأن الدموي لا يسكن الماء، ولهذا يباح تناوله، وقال بعضهم: دم لكنه طاهر؛ لأنه لو كان نجسًا لأمر بإنْهَارِهِ فصار حكمه حكم
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (٢/ ٢٧٧، ٣/ ١١٧)، والمجموع للنووي (٢/ ٥٤٨).
(٢) فتاو قاضي خان (١/¬٤).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٨٧).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٧).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٩١).
[ ١ / ٤٥١ ]
هُوَ يَقُولُ إِنَّ التَّخْفِيفَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ لِعَدَمِ المُخَالَطَةِ فَلَا يُخَفَّفُ.
وَلَهُمَا: أَنَّهَا تَذْرِق مِنْ الهَوَاءِ، وَالتَّحَامِي عَنْهُ مُتَعَذِّرٌ فَتَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الإِنَاءِ: قِيلَ: يُفْسِدُهُ، وَقِيلَ: لَا يُفْسِدُهُ لِتَعَذَّرِ صَوْنِ الأَوَانِي عَنْهُ (وَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ دَمِ السَّمَكِ أَوْ مِنْ لُعَابِ البَغْلِ أَوْ الحِمَارِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَجْزَأَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ) أَمَّا دَمُ السَّمَكِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ، فَلَا يَكُونُ نَجِسًا،
الكبد والطحال، ودم يبقى في العروق، كذا في جامع الإسبيجابي.
وقال أبو يوسف، والشافعي في قول: هو نجس، إلحاقا بسائر الدماء (^١)، وهو ضعيف لما ذكرنا.
ودم البق، والبراغيث فليس بشيء، وبه قال مالك (^٢)، وأحمد في رواية أنه ليس بمسفوح، والمحرم الدم المسفوح (^٣)، وعند الشافعي نجس (^٤).
وأما دم الحلمة، والأوزاغ نجس؛ لأنه دم سائل، وأما الكبد والطحال فطاهران؛ لأن إطلاق التناول يدل على الطهارة، وما يبقى في العروق واللحم من الدم طاهر لا يمنع جواز الصلاة وإن كثر؛ لأنه ليس بمسفوح، ولهذا حل تناوله، وعن أبي يوسف أنه معفو في الأكل، غير معفو في الثياب لتعذر الاحتراز فيه دون الثوب (^٥).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/¬١٨)، والمجموع للنووي (٢/ ٥٤٩). قال ابن القاسم: قِيلَ لِمَالِكِ: فَدَمُ البَرَاغِيثِ؟ قَالَ: إِنْ كَثُرَ ذَلِكَ وَانْتَشَرَ فَأَرَى أَنْ يَغْسِلَ، قَالَ: وَالبَوْلُ، وَالرَّجِيعُ، وَالاحْتِلَامُ، وَالْمَذْيُ، وَخَرْءُ الطَّيْرِ الَّتِي تَأْكُلُ الْجِيَفَ، وَالدَّجَاجُ الَّتِي تَأْكُلُ النَّتِنَ فَإِنَّ قَلِيلَ خُرْثِهَا وَكَثِيرَهُ سَوَاءٌ، إِنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ فِي ثَوْبِهِ، أَوْ إِزَارِهِ نَزَعَ وَقَطَعَ الصَّلَاةَ، وَاسْتَأْنَفَهَا مِنْ أَوَّلِهَا بِإِقَامَةٍ جَدِيدَةٍ، كَانَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ وَحْدَهُ، فَإِنْ صَلَّاهَا أَعَادَهَا مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٢٨)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٦١).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ١٥٧)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٢٧).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١) (٧٢)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ٢٩٥). قال الماوردي: وَأَمَّا الْمَعْفُو عَنْ يَسِيرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ فَدَمُ الْبَرَاغِيثِ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَيْهِ، وَتَعَذَّرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
(٥) في النسخة الثانية: (في الأكل دون الثوب).
[ ١ / ٤٥٢ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِيهِ الكَثِيرَ الفَاحِشَ فَاعْتَبَرَهُ نَجِسًا (*).
وَأَمَّا لُعَابُ البَغْلِ وَالحِمَارِ فَلِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَتَنَجَّسُ بِهِ الطَّاهِرُ (فَإِنِ انْتَضَحَ عَلَيْهِ البَوْلُ مِثْلَ رُؤُوسِ الإِبْرِ
قوله: (وعن أبي يوسف فيه)، أي في ثوب أصابه لعاب البغل والحمار، ودم السمك فإن لعابهما يتولدان من لحمهما فكانا نجسين، كلحمهما لأن حرمة لحمها لا للتكريم، لكن خف حكمه لمكان الضرورة.
قوله: (مثل رؤوس الإبر)، وفي الكاثي: أما لو انتضح مثل رؤوس المسلة يمنع لعدم الضرورة، وعن الفقيه أبي جعفر: ما قال محمد في الكتاب مثل رؤوس الإبر دليل على أن الجانب الآخر من الإبر معتبر، وغيره من المشايخ لا يعتبر الجانبان دفعًا للحرج.
وفي الخبازية: سئل ابن عباس عن مثل هذا؟ فقال: أرجو من الله ما هو أوسع، وعن محمد بن الباقر، أو علي بن الحسين زين العابدين أنه رأى في الخلاء ذبابًا يقعن على النجاسات فأمر بثوب للخلاء، فمضى زمان على ذلك فقال: أحدثت ذنبًا، وأستغفر، فقيل: ما فعلت؟ قال: فعلت شيئًا لم يفعله الصالحون، ولا خير في البدعة.
وسأله رجل عن دم البق؟ فقال: من أين؟ فقال: من الشام؟ قال: انظروا إلى قلة حياء هذا الرجل فإنه من قوم أراقوا دم ابن رسول الله ﷺ، وجاء يسألني عن دم البق.
أصل هذا كله ما قال ﵇: «بُعثتُ بالحَنيفية السَّمحة السهلة، ولم أُبعث بالرهبانية الصعبة» (^١).
وفي الْمُجْتَبى: في نوادر المعلى: ولو انتحض ويرى أثره لابد من غسله، وإن لم يغسل حتى صلي به وهو بحال لو جمع كان أكثر من الدرهم
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٦، رقم ٢٢٣٤٥) من حديث أبي أمامة ﵁، بنحوه. قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٩).
[ ١ / ٤٥٣ ]
فَذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الامْتِنَاعُ عَنْهُ.
[بَيَانُ كَيْفِيَّةِ تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ]
قَالَ: (وَالنَّجَاسَةُ ضَرْبَانِ: مَرْثِيَّةٌ، وَغَيْرُ مَرْثِيَّةٍ، فَمَا كَانَ مِنهَا مَرْثِيًّا فَطَهَارَتُهُ زَوَالُ عَيْنِهَا) لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حَلَّت المَحَلَّ بِاعْتِبَارِ العَيْنِ فَتَزُولُ بِزَوَالِهَا (إِلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهَا مَا تَشُقُّ إِزَالَتُهُ) لِأَنَّ الحَرَجَ مَدْفُوعٌ، وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الغَسْلُ بَعْدَ زَوَالِ العَيْنِ وَإِنْ زَالَ بِالغَسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً،
أعاد، كذا ذكره البقالي والمحبوبي في جامعه، ولو علم قليل النجاسة عليه في صلاته يرفضها إذا لم يخف فوت الوقت أو الجماعة.
(بزوالها)، أي بزوال العين، وفي بعض النسخ: (بزواله)، أي العين أيضًا.
وقوله: (إلا أن يبقى)، استثناء، والمستثنى منه غير مذكور لفظا؛ لأن استثناء الأثر من العين لا يصح فيضمر، فكان تقديره: فطهارتها زوال عينها وأثرها، إلا أن يبقى من أثرها ما يشق، والدليل على صحة هذا الإضمار ما ذكر شيخ الإسلام في مبسوطه، وإن كانت النجاسة مرئية كالغائط والدم فطهارتها بزوال عينها وأثرها إلا أن تكون نجاسة لا يزول أثرها بالماء فإن ذلك لا يضرها.
فإن قيل: حذف المستثنى منه في المثبت غير جائز لا يقال: ضربني إلا زيد.
قلنا: إنما لا يجوز ذلك إذا لم يستقم المعنى، أما إذا استقام فيجوز، كقولك: قرأت إلا يوم كذا، فإنه يجوز أن يقرأ كل الأيام، بخلاف قولك: ضربني إلا زيد، فإنه لا يجوز أن يضربه كل أحد، كذا ذكره ابن الحاجب في شرح الكافية.
وما نحن فيه من قبيل ما يستقيم المعنى فإنه يجوز أن يقال: طهارته زوال عينها وأثرها في جميع الصور إلا في صورة يشق زواله.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وَفِيهِ كَلَامٌ (وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِي فَطَهَارَتُهُ أَنْ يُغْسَلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الغَاسِلِ أَنَّهُ قَدْ
ثم قيل في تفسير المشقة أن يحتاج في قلعه إلى شيء آخر نحو الصابون والحرض وغيرهما، وفي مبسوط شيخ الإسلام: عدم إزالة أثرها بالماء لا يضر لما روي عن خولة بنت يسار أنها قالت: يا رسول الله إني لي ثوبًا واحدًا، وإني أحيض فيه، فقال ﵇: «رُشّيهِ فَاقْرُصِيهِ، ثم اغسليه بالماء»، فقالت: يا رسول الله، يبقى له أثر، فقال ﵇: «يكفيك الماء، فلا يضرُّكِ أثره» (^١)، ولأنه إذا لم يزل كان ذلك في ضرورة ويسقط حكم النجاسة بالضرورة، ولأن الأثر عبارة عن اللون والنجاسة ما كانت باعتبار اللون، بل باعتبار النتن والعين، فكلاهما قد زالا.
قوله: (وفيه)، أي في الغسل بعد زوال العين (كلام)، أي اختلاف المشايخ.
فقال الهندواني، والطحاوي: يغسل مرتين بعد زوال العين؛ لأنه التحق بغير مرئية غسلت مرة، وقال بعضهم: يطهر، وإن كان بمرة واحدة لتيقنا بزوال العين فنحكم بطهارته، كذا في المبسوط (^٢).
وفي الجامع الكبير للبزدوي: يغسل ثلاثًا بعده.
وفي الْمُجْتَبى: طهارته زوال عينها لقوله ﵇ لفاطمة بنت حبيش في دم الحيض: «حتّيهِ، ثم اقرصِيهِ، ثم اغسليه بالماء» (^٣).
وفي المحيط: قال أبو إسحاق الحافظ: غسل الثوب المصبوغ أو المنقوش بنجس، أو اليد المخضوبة بحناء نجس إلى أن صفا الماء وحال تلونه (^٤)، ثم
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ١٠٠، رقم ٣٦٥)، وأحمد (٢/ ٢٦٤، رقم ٨٧٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁. وضعفه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٠٨)، وابن حجر في فتح الباري (١/ ٣٣٤).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٩٣).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٩١). والحديث تقدم تخريجه.
(٤) هكذا في النسخ الخطية، وفي المحيط: (يغسل إلى أن يصفو، أو يسيل الماء من الثوب على لونه، ثم يغسل بعد ذلك ثلاثا).
[ ١ / ٤٥٥ ]
طَهُرَ) لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنهُ لِلاسْتِخْرَاجِ، وَلَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ، فَاعْتُبِرَ غَالِبُ الظَّنِّ كَمَا فِي أَمْرِ القِبْلَةِ، وَإِنَّمَا قَدَّرُوا بِالثَّلَاثِ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ يَحْصُلُ عِنْدَهُ، فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا، وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ.
يغسل بعد ذلك ثلاثا يطهر (^١).
وفي جامع العالمي: يطهر بالثلاث، وهو الأصح، وعن محمد لا يطهر أصلا، ولو غسل يده من دهن نجس طهرت، ولا يضره أثر الدهن على الأصح، ولو تنجس العسل يلقى في طنجير ويصب عليه الماء ويغلى حتى يعود إلى المقدار الأول، هكذا يفعل ثلاثًا فيطهر، وعلى هذا الدبس (^٢).
وفي الكافي: المراد (من غير مرئية) ما أصابت النجاسة، ثم جفت ولا يدري بعد ذلك؛ لأن جميع النجاسات الحقيقية مرئية.
قوله: (ولا يقطع بزواله)، أي بزوال غير المرئية، يعني لا يعلم قطعًا بالغسل مرة.
قوله: (ويتأيد ذلك بحديث المستيقظ)، يعني لما أمر ﵇ بالغسل ثلاثا في النجاسة الموهومة، ففي النجاسة المحققة أولى.
واعتبر الشافعي غلبة الظن فيما سوى ولوغ الكلب، وهو ظاهر الرواية عندنا، رواه الكرخي، حتى لو غلب على ظنه أنه طهر بالمرة الواحدة يكفيه، ولكن المشايخ قدَّروا بالثلاث لأن غلبة الظن في العام الغالب لا تحصل إلا بالغسل ثلاثًا، وذلك تختلف قلوب الناس فيه فأقمنا السبب الظاهر - وهو الثلاث - مقام غلبة الظن تيسيرًا، كذا في المبسوط (^٣).
فإن قيل: هذا بدل البدل وهو لا يجوز.
قلنا: غلبة الظن تقوم مقام حقيقة إزالة النجاسة؛ لأنه لو توقف الحكم على حقيقة الإزالة يلزم الحرج، فلا يكون بدلًا عن الإزالة، فلا يلزم بدل البدل، كذا
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٩٦).
(٢) انظر: الفتاوى الهندية (١/¬٤٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ٩٣).
[ ١ / ٤٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الكاثي. وفي جامع الكردري: وقال الشافعي: الغسل مرة يكفي في غير المرئية قياسًا على الطهارة الحكمية؛ فإن العدد فيها غير شرط بالإجماع.
وقلنا: النجاسة الحكمية ليست لها عين قائمة في المحل حتى يحتاج إلى إزالتها، وهاهنا في المحل عين قائمة، فلابد من إزالتها في المرئية، فلا بد من زوال عينها، وفي غير المرئية حتى يغلب على الظن طهارتها في رواية الكرخي.
وفي الحلية: يجزئ في بول صبي لم يطعم النضح، وهو أن يبله بالماء وإن لم ينزل عنه - للحديث، وهو ما روي أنه ﵇ أجلس في حجره صبيا لم يأكل الطعام فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (^١) -.
ويغسل من بول الجارية فيصب عليه الماء حتى ينزل عنه، وبه قال أحمد لما روي أنه ﵇ قال في حديث لبابة: «إنما يُغسَلُ الثوب من بول الأنثى، ويُنضَحُ من بول الذكر» (^٢) -، وقال الأوزاعي: يطهر بولها بالرش عليه (^٣)، وقال أبو حنيفة ومالك: يجب عليه غسل بول الصبي (^٤)، لعمومات النصوص فإن البول نجس بالإجماع.
وأما الجواب عن حديثه أنه أراد بالنضح الغسل قاله ابن عبد البر (^٥)، يؤيده ما رواه مسلم في المذي: «تَوَضَّأْ وانضَحْ فَرْجَكَ» (^٦)، ولا يجزئه إلا غسله
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٥٤، رقم ٢٢٣)، ومسلم (١/ ٢٣٨، رقم ٢٨٧) من حديث أم قيس بنت محصن ﵂.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ١٠٢، رقم ٣٧٥)، وابن ماجه (١/ ١٧٤، رقم ٥٢٢)، وابن خزيمة (١/ ١٤٣، رقم ٢٨٢) والحاكم (١/ ١٦٦، رقم ٥٨٨). وصححه الحاكم، وقال ابن حجر: صححه ابن خزيمة وغيره. فتح الباري (١/ ٣٢٦).
(٣) في مطبوع الحلية: (وقال الأوزاعي: يطهر (بولهما) جميعًا بالرش عليه)، قال المحقق: (بولهما): في أ، جـ، وفي ب: (بولها)، والأول هو الصحيح.
(٤) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٣٢١).
(٥) انظر: التمهيد (١/ ٢٦٦، ٩/ ١١٠)، والاستذكار (١/ ٢٤٠).
(٦) أخرجه مسلم (١/ ٢٤٧، رقم ٣٠٣) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
[ ١ / ٤٥٧ ]
مِنْ مَنَامِهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ العَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَخْرَجُ.
اتفاقا، يدل عليه رواية البخاري: «اغسل ذكرك وتوضأ» (^١)، وفي البخاري: (فدعا بماء فأتبعه إياه) (^٢)، قال الطحاوي: وإتباعه إياه حكمه حكم الغسل (^٣).
وقال المهلب: النضح كثرة الصب، ومنه الناضح للجمل الذي سيخرج به الماء، ولا فرق بين بول الرجل والمرأة، فكذا في بول الصبي والصبية، ولم يرد النبي ﵇ بقوله: «إنما يُغسَلُ من بول الأنثى، ويُنضَحُ من بولِ الذَّكرِ» أنه لا يغسل، وإنما أراد التفرقة بين الغسلين، فعبر عن أحدهما بالنضح، فاستدل بذلك المبالغة في الغسل في بول الأنثى.
ولئن كان النضح بمعنى الرش فيمكن أن يكون ثوبه صلبًا لا ينشف الماء، والضمير في: (ثوبه) يرجع إلى الصبي.
فأما سائر النجاسات فالواجب فيها أن يتكاثر الماء حتى يستهلك به، وتزول صفتها ولا يتغير الماء بها، فإن حصل ذلك بمرة واحدة أجزأه، ويستحب غسله ثلاثًا، وقال أحمد: يجب غسل سائر النجاسات سبعًا إلا الأرض لو أصابتها نجاسة، واختلف أصحابه في ضم التراب إليه (^٤).
ولو كانت النجاسة في الثوب خمرًا فغسلها وبقيت رائحتها يطهر في أحد القولين، ولا يطهر في الأصح، ولا يعتبر الحتُّ والقرص في غسل الثوب من الدم وغيره إذا زال وإن بقي الأثر، وقال داود يجب الحَبُّ والقرص في غسل الدم من الثوب بظاهر الحديث.
قوله: (لابد من العصر)، أي فيما يقبل العصر كالثوب، أما فيما لا يقبله كالحزق، والحصير لا يطهر أبدًا عند محمد، ويطهر بالغسل والتجفيف ثلاث مرات عند أبي يوسف، وعند محمد في غير رواية الأصول إذا غسل ثلاث مرات.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٦٢، رقم ٢٦٩)، ومسلم (١/ ٢٤٧، رقم ٣٠٣) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٥٤، رقم ٢٢٢)، ومسلم (١/ ٢٣٧، رقم ٢٨٦) من حديث عائشة ﵂.
(٣) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٢/¬٤٥).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/¬٤٠)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣١٣).
[ ١ / ٤٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَعَصْرٌ في الثالثة يَطْهُر، وعنه أيضًا يكفي بالغسل مرة (^١).
وفي صلاة المستغنى: عن الحلواني أن النجاسة لو كانت دمًا، أو بولًا وصُبَّ عليه الماء كفاه ذلك على قياس قول أبي يوسف؛ فإنه روي عنه أن الجُنُبَ إذا اتَّزَرَ في الحمام وصب الماء على جسده حتى خرج من الجنابة، ثم صب الماء على الإزار يحكم بطهارة الإزار وإن لم يعصره.
وقال في رواية أخرى: لو صب الماء على الإزار وأَمَرَّ الماء عليه يكفيه فهو أحسن، وإن لم يفعل يجزيه، كذا في المحيط، وجامع التمرتاشي (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: في بحر المحيط: في الأصل غسلها ثلاثًا وعصرها في كل مرة، وعن أبي يوسف: إذا غسله مرةً سابغة طهر، وبه قال الشافعي، ورواه الكرخي من أصحابنا.
ثم شرط العصر يعتبر فيه قوة كل غاسل، حتى لو عصره ثلاثًا، ثم عصر يتقاطر منه الماء، فإن كان بحال لو عصره غاسله لا يسيل يطهر الثوب، واليد والبلة، وإلا فالكل نجس.
وفي غنية الفتاوى: العصر المعتبر في الثوب أن لا يبقى متقاطرا به.
وفي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ: تطهر النجاسات بعشر معان، أحدها: بالغسل، وثانيها: بالمسح في الأشياء المصقولة، وثالثها: الفرك في المني، ورابعها: الحَتُّ والدَّلْكُ في الخف، وخامسها: الإحراق؛ فإن الأرواث إذا أحرقت وصارت رمادًا طهرت عند محمد، وعلى هذا صار الكلب والخنزير ملحًا في المملحة يطهر عند محمد، وعليه الفتوى كذا في الخلاصة، وعند أبي يوسف، والشافعي (^٣)، وأحمد (^٤) لا يطهر.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٠١)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٧٤٠).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٦٦).
(٣) انظر: المجموع للنووي (٢/ ٥٩٧)، ونهاية المحتاج للرملي (١/ ٢٤٧).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٧٢)، والمبدع لابن مفلح (١/ ٢٠٨).
[ ١ / ٤٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو أحرق موضع الدم من رأس الشاة طهر، والتنور إذا رش بماء نجس لا بأس بالخبز به، وسادسها: الاستحالة؛ كالخمر إذا تخللت بعلاج وغيره، واختلف في خمر صب عليها ماء ثم تخللت، فعندنا تطهر، وعند الشافعي (^١)، وأحمد (^٢): لو تخللت بطرح شيء لا تطهر، ولمالك ثلاث روايات أصحها: أن التخليل حرام، وتطهر، والثانية: حلال وتطهر، والثالثة: حرام ولا تطهر (^٣)، وسابعها: الجفاف وزوال الأثر؛ كالأرض إذا يبست وثامنها: الدباغ كما مر، وتاسعها: الذكاة فكل حيوان يطهر جلده به يطهر لحمه بالذكاة، وعاشرها: النزح.