(الجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) لِقَوْلِهِ ﵊ «الجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ
قيل: أراد به الخطبة، سماها قرآنا؛ لأن القراءة فيها مشروعة.
[بَابُ الْإِمَامَةِ]
لما ذكر أفعال الإمامة فيما تقدم من وجوب الجهر والمخافتة، وسنة قراءة الإمام؛ ذكر في هذا الباب صفة شرعية الإمامة بأنها على أي صفة شرعت؟ فقال: (الجماعة سنة مؤكدة)؛ أي: قوية تشبه الواجب في القوة.
وفي فتاوى العتابي: حتى لا يجوز تركها إلا بعذر (^١).
وقيل: إنها مستحبة، والصحيح: أنها واجبة وسنة مؤكدة.
وقال أحمد (^٢)، وداود، وإسحاق بن راهويه، وابن خزيمة، وداود الطائي، وبعض أصحاب الشافعي (^٣): أنها فريضة فرض عين، حتى لو صلى وحده لم يجزه؛ لقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، قيل: أراد به الجماعة.
ولقوله ﵇: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (^٤)، ولما روي أنه ﵇ قال: «هَمَمْتُ أن آمر رجلًا يُصلّي بالناس، ثم أعمد إلى قوم تخلفوا عن الصلاة بأنْ أُحَرِّقَ عليهم بيوتهم» (^٥)، ولو كان سنة ما استحق تاركه الوعيد إلا عند أحمد وداود الظاهري ليس بشرط لصحة الصلاة، وسأل رجل ابن عباس عمن يقوم بالليل ويصوم بالنهار ولا يحضر الجماعة قال: هو في النار.
وقال أكثر أصحاب الشافعي (^٦)، والكرخي، والطحاوي، وجماعة من
_________________
(١) انظر: حاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ٨٤).
(٢) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٨٧)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١٣٠).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٩٧)، والبيان للعمراني (٢/ ٣٦٢).
(٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٩٢، رقم ١٥٥٢) من حديث جابر ﵁ وضعفه ابن حجر في الدراية (٢/ ٢٩٣، رقم ١٠٦٠).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٣١، رقم ٦٤٤) ومسلم (١/ ٤٥١، رقم ٦٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٣٦٤)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٨٣).
[ ١ / ٧٦٥ ]
الهُدَى لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ» (وَأَوْلَى النَّاسِ بِالإِمَامَةِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَقْرَؤُهُمْ (*) لِأَنَّ القِرَاءَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَالحَاجَةُ إِلَى العِلْمِ إِذَا نَابَتْ نَائِبَةٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ: القِرَاءَةُ مُفْتَقَرٌ إِلَيْهَا لِرُكْنٍ وَاحِدٍ وَالعِلْمُ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ (فَإِنْ تَسَاوَوْا
أصحابنا: أنها فرض كفاية. وقال بعض أصحابنا: إنها سنة، وبه قال مالك (^١).
واختلفت الروايات عن أصحابنا، قيل: إنها واجبة، وبه قال السيد الإمام في الأحقاف؛ لقوله ﵇: «لقد هممت …» الحديث، وقيل: إنها سنة مؤكدة؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]؛ أمرنا بإقامة الصلاة مطلقا، فتجوز وحده، ولا تكون الجماعة واجبة؛ لقوله ﵇: «صلاةُ الرجل بجماعة تفضلُ على صلاةِ الرَّجل وحدَهُ بخمس وعشرين درجة أو سبع وعشرين درجة»، ولم يقل: صلاة الرجل وحده فاسدة، فدل أنها سنة، مع أنه ﵇ أطلق لفظ السنة عليها كما ذكر في الخبر، إلا أنها مؤكدة؛ لأنها من شعائر الإسلام، ومن خصائص هذا الدين، وما كان من الشعائر فالسبيل فيه الإظهار.
وأما تعلقهم بالآية؛ فقلنا: إنها لا تدل على الفرضية؛ لأن الخطاب لليهود، فإنه لا ركوع في صلاتهم.
وقيل: أراد الخضوع، وفي الآية أقاويل فلا تثبت الفرضية، وكذا تعلقهم بالحديث؛ لأن المراد به نفي الفضيلة بمعارضة أحاديث أخر، وكذا تعلقهم بالحديث الآخر؛ لأنه قال فيه (تخلفوا عن الصلاة) ولم يقل (تخلفوا عن الجماعة) والصلاة فريضة، وتارك الفرض يستحق الوعيد. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٢).
ولم يقل تخلفوا عن جماعة، ويروى عن الصلاة في جماعة لا يدل عليها أيضًا؛ لأنه خبر واحد، فلا يزاد على إطلاق الكتاب، ولا على الواجب؛
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) انظر: جامع الأمهات لابن الحاجب (ص ١٠٧)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٤٨).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٢٧).
[ ١ / ٧٦٦ ]
فَأَقْرَؤُهُمْ) لِقَوْلِهِ ﵊:
لمعارضة أحاديث أخر، فثبت تأكدها به. كذا في الإيضاح (^١).
وقد ذكرنا عن محمد: أن أهل قرية لو تركوا الأذان يقاتلون، ولو تركه واحد ضربته وحبسته، فهذا في الأذان الذي [هو] دعاء الجماعة، فما ظنك في الجماعة؟ (^٢).
وعن أبي حفص: من لا يحضر الجماعة؛ للمؤذن أن يرفعه إلى السلطان فيأمره بذلك، فإن أبى عذر (^٣)، ومن سمع النداء كره له الاشتغال بالعمل؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا أذن المؤذن فكلُّ عملٍ يعمله الإنسان فهو نصيب الشيطان» (^٤).
وعن محمد: لا بأس بالإسراع إلى الجماعة والجمعة ما لم يجهد نفسه، والسكينة أفضل فيهما (^٥).
وقيل: الإسراع أفضل فيها؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]، وعن عائشة قالت: إذا سمع الأذان فما عمل بعده فهو حرام. قال أستاذنا: يعني حال الأذان، وإن عمل بعده؛ قيل: لا بأس (^٦).
وقال محمد: لا تجب الجماعة والجمعة على الأعمى والمقعد، ومقطوع اليد والرجل من خلاف، ومقطوع الرجلين، ولا على من شبكه الريح، ولا على المفلوج الذي لا يستطيع المشي وإن لم يكن بهم ألم، وعلى الشيخ الكبير الذي لا يقدر على المشي (^٧)، قال: وإن زاد على واحد فجماعة في غير الجمعة، ولو
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٢٧).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٢).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٢٥).
(٤) وفي معناه ما روي من حديث أنس مرفوعا: «إذا أذن المؤذن حرم العمل» أخرجه الديلمي في الفردوس (١/¬١/¬١٥٥) كما في الضعيفة للشيخ الألباني (٥/ ٣٢٠، رقم ٢٢٠٦) وأعله بسعيد بن ميسرة قال: منكر الحديث.
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٢).
(٦) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٢).
(٧) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٢٨)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٣٣).
[ ١ / ٧٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كان معه صبي يعقل كانت جماعة، ولو فاتته جماعة؛ جمع بأهله في بيته ينال ثواب الجماعة. كذا فعله النبي ﵇.
وفي تتمة الدهر: سئل الحلواني عن من يصلي بجماعة مع أهل بيته أحيانًا، هل ينال ثواب الجماعة؟ قال: لا، ويكون ذلك بدعة ومكروهًا بلا عذر (^١).
وفي شرح التمرتاشي (^٢): واختلف في كون المطر والثلج والوحل والبرد الشديد عذرًا، فقال الجلابي في صلاته: المطر والبرد الشديد والخوف والحبس، كله عذر يمنع لزوم الجماعة.
وقيل: الوحل عذر، والسفر غير عذر. كذا في القنية (^٣).
وعن أبي حنيفة: إذا اشتد البرد يعذر (^٤).
وفي المبسوط: لا أحب ترك المساجد للأوحال والردع، وقال أبو يوسف: هذا حسن (^٥).
وفي فتاوى الظهيرية: ولا يستحب تركها في الأمطار وغيرها.
وقال محمد في الموطأ (^٦): الحديث رخصة، وهو قوله ﵇: «إذا ابتلَّتِ النِّعالُ فالصلاة في الرحال» (^٧)، والنعل للأرض الغليظة يبرق حصاها ولا ينبت شيئًا، ويختار جماعة مسجد حَيِّه، ولو كان مَسجِدان يختار أقدمهما، وإن استويا يختار الأقرب، وإن صلوا في الأقرب وسمع الإقامة من غيره، فإن كان دخل فيه لا يخرج منه، وإلا فيذهب إليه.
_________________
(١) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٤٥)، ومنحة الخالق لابن عابدين (١/ ٢٧٣).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٣).
(٣) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٤٥)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٠٧).
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٣).
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٣).
(٦) انظر: مُوَطَّأ مالك رواية: محمد بن الحسن الشيباني (ص ٧٩).
(٧) قال ابن الملقن في البد المنير (٤/ ٤١٩): لم أجده بعد البحث في كتاب حديث. ومعناه ورد عند البخاري (١/ ١٣٤، رقم ٦٦٦) ومسلم (١/ ٤٨٤، رقم ٦٩٧) من حديث ابن عمر إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر في السفر أن يقول: «ألا صلوا في رحالكم».
[ ١ / ٧٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: جماعة الجامع أفضل من مسجد محلته.
وقيل: مسجد حيه أفضل، ولو كان متفقها فمسجد أستاذه لدرسه، أو مجلس العامة أفضل بالاتفاق؛ تحصيلا للمثوبتين.
ولو فاتته جماعة فصلاها في مسجده وحده أو بجماعة في مسجد آخر أو في بيته، فكل ذلك حسن.
وتكره الجماعة في المسجد بأذان وإقامة بعد ما صلى أهله بجماعة، وبه قال الشافعي (^١)، ومالك (^٢). وقال أحمد (^٣)، وداود: لا يكره تكرار الجماعة.
ولو صلى فيه من ليس بأهله بجماعة؛ كان لأهله أن يصلوا فيه بأذان وإقامة.
وعن أبي يوسف: إنما يكره تكرار الجماعة بقوم كثير، أما إذا صلى واحد بواحد وباثنين؛ فلا بأس به، وعنه: لا بأس به مطلقًا إذا صلى في غير مقام الإمام (^٤).
وعن محمد: إنما يكره تكرار الجماعة على سبيل التداعي، أما إذا كان يخفيه في زاوية المسجد فلا بأس به (^٥).
قال القدوري: لا بأس به في مسجد قارعة الطريق (^٦).
قال قاضي خان مسجد لا إمام له ولا مؤذن، فصلى الناس فيه فوجًا فوجًا، فالأفضل أن يصلي كل فريق بأذان وإقامة على حدة، ولو صلى بعض أهل المسجد بأذان وإقامة مخافتة، ثم حضر بقيتهم؛ فلهم أن يصلوا على وجه الإعلان الكل من الْمُجْتَبى (^٧).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٨٠)، والبيان للعمراني (٢/ ٣٨٠).
(٢) انظر: كفاية الطالب الرباني لعلي أبو الحسن (١/ ٣٠٨)، والثمر الداني لصالح الآبي (ص ١٥٦).
(٣) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٩٤)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/¬٧).
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٣).
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٣).
(٦) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٣).
(٧) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٤).
[ ١ / ٧٦٩ ]
﴿يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانُوا سَوَاءٌ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ﴾
وفي فتاوى الصغرى وقت إدراك الفضيلة تكبيرات الأولى عند أبي حنيفة أن يكبر مع الإمام، وعندهما وقت الثناء.
وقيل: ما لم يفرغ الإمام من الفاتحة، وهذا لا يصح؛ لأن بلالا يقول النبي ﵇ له: «إن كنت تسبقني بالتكبير فلا تسبقني بالتأمين» (^١)، ففيه دليل على أنه لا يدرك بعدها.
قوله: (أعلمهم بالسنة)؛ أي: بالفقه وأحكام الشريعة. كذا في البدرية (^٢)، وبه قال الشافعي (^٣)، ومالك (^٤). وقال أبو يوسف: أقرأهم، وبه قال أحمد (^٥)؛ لظاهر الحديث.
وفي المبسوط (^٦): القراءة يحتاج إليها في ركن واحد، والعلم يحتاج إليه في جميع الأركان، والخطأ المفسد للصلاة لا يعرف إلا بالعلم، فكان الأعلم أولى إذا قدر على القراءة قدر ما يحتاج إليها، وإنما قدم الإقراء في الحديث؛ لأنهم كانوا في ذلك الزمان يتعلمون القرآن بأحكامه، على ما روي أن عمر ﵁ حفظ سورة البقرة في ثنتي عشرة سنة، وقال ابن مسعود: كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها؛ فالأقرأ فيهم يكون أعلم.
ويؤيده قوله ﵇: «مروا أبا بكر يصلي للناس» (^٧)، إذ كان فيهم من هو أقرأ منه للقرآن مثل أبي وغيره، وأبو بكر أفقههم في كل أمره، أما في زماننا فقد يكون الرجل ماهرا في القراءة ولا حظ له في العلم، فالأعلم بالسنة أولى، إلا أن يكون ممن يطعن عليه في دينه، فحينئذ لا يقدم؛ لأن الناس لا يرغبون في الاقتداء به.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٣٤٠، رقم ٧٩٧) وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٤٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٢٨).
(٣) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٤١٤)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٣٢٩).
(٤) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٣٥٥)، وشرح التلقين للمازري (١/ ٦٦٦).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٩٧)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١٣٣).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬٤١).
(٧) أخرجه البخاري (١/ ١٣٣، رقم ٦٦٤) ومسلم (١/ ٣١٣، رقم ٤١٨).
[ ١ / ٧٧٠ ]
وَأَقْرَؤُهُمْ كَانَ أَعْلَمَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُ بِأَحْكَامِهِ فَقُدِّمَ فِي الحَدِيثِ، وَلَا كَذَلِكَ
قوله: (وأقرؤهم كان أعلمهم):
فإن قيل: الكلام في الأفضلية مع الاتفاق على الجواز على أي وجه كان، والحديث بصيغته يدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول؛ لأن صيغته صيغة إخبار، وهو في اقتضاء الوجوب أكد من الأمر، أو أنه ذكره بالشرط والجواز على طريق الترتيب، فكان اعتبار الثاني إنما كان بعد وجود الأول لا قبله.
قلنا: صيغة الإخبار لبيان الشريعة لا أنه يجوز غيره؛ لقوله ﵇: «يَمسحُ المقيم يومًا وليلةً» (^١)، ولئن سلمنا أنها محمولة على معنى الأمر، ولكن يحمل الأمر على الاستحباب؛ لوجود الجواز بدون الاقتداء بالإجماع.
فإن قيل: لو كان المراد من الأقْرَأ في الحديث الأعلم يلزم تكرار الأعلم فيه، ويُؤوّل تقديره ويؤم القوم أعلمهم، فإن تساووا فأعلمهم.
قلنا: المراد من قوله (أعلمهم) بأحكام كتاب الله تعالى دون السنة، ومن قوله (أعلمهم بالسنة) أعلمهم بأحكام الكتاب والسنة جميعًا، فكان الأعلم الثاني غير الأعلم الأول. كذا نقل عن شيخ شيخي رحمهما الله (^٢).
وفي الخبازية (^٣): المساواة في القراءة توجب المساواة في العلم في ذلك الزمان ظاهرا إلا قطعًا، فجاز تصوير مساواة الاثنين في القراءة مع التفاوت بينهما في معرفة الأحكام، أليس أن أُبَيَّ بن كعب كان أقرأ من ابن مسعود، وابن مسعود كان أعلم، وصاحب الشرع ﵇ بين هذا الممكن لو اتفق وقوعه.
أو نقول: قال ذلك بحسب زماننا، فإن المساواة في القراءة لا تستلزم المساواة في العلم وفيه تأمل (التلقي حيزي اركسي كرفتن).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ١٥٩، رقم ٢٧٦) من حديث عائشة ﵁.
(٢) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١٣٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٠).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٠).
[ ١ / ٧٧١ ]
فِي زَمَانِنَا فَقَدَّمْنَا الْأَعْلَمَ ﴿فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَوْرَعُهُمْ﴾ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ
وفي الْمُجْتَبى: العالم بالسنة أولى إذا كان يحذر الفواحش الظاهرة، وإن كان غيره أورع منه (^١).
وفي الشفا: عن أبي حفص: الأمي الذي يقرأ القليل أحب إلي من الفاسق القارئ (^٢).
وفي شرح الإرشاد: لو كان عالمًا بمسائل الصلاة متبحرًا فيها، غير متبحر في سائر العلوم؛ فإنه أولى من المتبحر في سائر العلوم (^٣).
قوله: (فأورعهم) وفي البدرية: الورع: الاجتناب عن الشبهات، والتقوى: الاجتناب عن المحرمات (^٤).
وفي الكافي: المتقي الذي لا يأكل الربا، والورع لا يدفع المال ببدل الإجارة (^٥).
ثم الورع ليس في لفظ الحديث في ترتيب الإمامة، وإنما فيه يعد ذكر الأعلم أقدمهم هجرة، ولكن أصحابنا وأكثر أصحاب الشافعي جعلوا مكان الهجرة الورع؛ لأنها منقطعة في زماننا، وقد قال ﵇: «لا هجرة بعد الفتح» (^٦) وإنّما المهاجر من هجر السيئات (^٧)، فجعلوا الهجرة عن المعاصي مكان تلك الهجرة، فإن هجرتهم لتعلم الأحكام، وعند ذلك يزداد الورع، وقال ﵇: «مَلاكُ دِينِكُم الورع» (^٨)، وفي الحديث: «الجهاد جهادان:
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٤).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٤).
(٣) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١٣٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٢٩).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٠).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣١).
(٦) أخرجه البخاري (٥/ ٧٥، رقم ٣٨٩٩) من حديث ابن عمر ﵄.
(٧) جزء من حديث أخرجه الطبراني في (١٩/ ١٧٥، رقم ٤٠٠) من حديث كعب بن عاصم ﵁، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٧٢، رقم ٥٦٤٢): فيه كرامة بنت الحسين، ولم أجد من ذكرها.
(٨) جزء من حديث أخرجه البزار (٣٧١٧، رقم ٢٩٦٩) من حديث حذيفة ﵁ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٨٦، رقم ٤٧٨): فيه عبد الله بن عبد القدوس؛ وثقه البخاري وابن حبان، وضعفه ابن معين وجماعة.
[ ١ / ٧٧٢ ]
صَلَّى خَلْفَ عَالِم تَقِيٍّ فَكَأَنَّمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ» (فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَسَنُّهُمْ)، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ
أحدهما أفضل من الآخر؛ [هو أن تجاهد نفسك وهواك] (^١)، والهجرة هجرتان: أحدهما أفضل من الآخرِ؛ وهو أن يهجر السيئات (^٢).
وقدم صاحب التهذيب (^٣)، والتتمة من أصحاب الشافعي: الأورع على الأعلم والأقرأ.
وقال في التتمة (^٤): لأن الإمامة سفارة بين الله تعالى وبين عباده، فيقدم في السفارة من له منزلة عنده، والمنزلة عند الله تعالى الأتقياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، ثم بعد الورع العلم مقدم، واعتبر فيه الهجرة بعد العلم والقراءة، وقال: يعني بها سبق الإسلام.
وفي شرح الوجيز وكذلك الهجرة بعد النبي ﵇ معتبرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وأولاد من هاجر أو تقدمت هجرته مقدمون على أولاد غيرهم (^٥).
وعندنا الهجرة انتسخت بما روينا؛ فإنه ذكر فيه بكلمة (إنما) وهي للحصر، وأنه ﵇ يبين الأحكام لا الحقائق، فقام الورع مقامه.
وفي شرح الإرشاد والهجرة في زماننا أن يهجر المعاصي، إلا أن يكون رجل أسلم في دار الحرب؛ فإنه يلزمه الهجرة إلى دار الإسلام، فإذا هاجر، فالذي نشأ في دار الإسلام أولى بالتقديم إذا استويا في سائر الفضائل، وكذا قالوا: إن استويا فيه إلا أن أحدهما أقدمهما ورعًا أولى بالتقديم، وروي من
_________________
(١) في النسخ: (وهو أن يهجر السيئات)، والتصويب من تبيين الحقائق (١/ ١٣٤).
(٢) هذا الحديث ملفق من حديثين فجزؤه الأول أخرجه الديلمي من حديث أبي ذر مرفوعا: «أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله تعالى» كما في كنز العمال (٤/ ٤٣١، رقم ١١٢٦٥)، والجزء الأخير أخرجه أحمد (٣/ ٢٠٦، رقم ١٦٧١) من حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص الله مرفوعا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٥١، رقم ٩٢٨١): رجال أحمد ثقات.
(٣) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٣٣٢).
(٤) تتمة الإبانة للمتولي (ص ١٥٥).
(٥) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٣٣٠).
[ ١ / ٧٧٣ ]
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِابْنَيْ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا سِنًّا وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهِ تَكْثِيرَ الجَمَاعَةِ.
أشراط الساعة أن يقدموا من يُغَنِّي بهم يختارون طيب الصوت ويتركون الورع، والدليل عليه: أن هذا مقام الأنبياء ﵈، فمن كان أشبه بهم فهو أولى به (^١).
قوله: (فأكبر كما)؛ لقوله ﵇ لابني أبي مليكة: «إذا سافَرتُما فأذنا وأقيما وليؤمكُما أكبر كما» (^٢)، ولقوله ﵇: «الكبر الكبر» (^٣)، وعن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﵇ أنه قال: «ليؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواءً فأقدَمُهم هجرةً، فإن كانوا سواءً فأكبرهم سنا، فإن كانوا سواءً فأحسنُهم خُلُقًا، فإن كانوا سواءً فأحسنهم وجها، فإن كانوا سواءً فأَصْبَحُهُم وَجْهَا» (^٤).
وجملة الجواب: أن المستحب بالتقدم أن يكون أفضل القوم قراءة وعلمًا وصلاحًا ونسبًا وخلقًا وخلقًا. كذا في المبسوطين (^٥).
وفي الكافي (^٦): تفسير حسن الوجه: أن يصلي بالليل، في الحديث: «من كثر صلاته [١/ ١١٨] بالليل حَسُنَ وجهه بالنهار» (^٧)، فإن تساووا فأشرفهم نسبًا، وإن استووا في هذه الخصال يقرع، أو الخيار إلى القوم. كذا في الخلاصة (^٨).
_________________
(١) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٤٩)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٦٩).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٢٨، ٦٣٠) ومسلم (١/ ٤٦٦، رقم ٧٤) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٩/¬٩، رقم ٦٨٩٨) من حديث سهل بن أبي حثمة ﵁.
(٤) لم أقف عليه بهذا السياق من حديث أبي مسعود وإنما أخرج مسلم أول الحديث وتقدم تخريجه قريبا وأما باقي الحديث من قوله: فإن كانوا سواء فأحسنهم خلقا … فأخرجه البيهقي (٣/ ١٢١، رقم ٥٥٠٥) من حديث عمرو بن أخطب ﵁ وضفعه.
(٥) المبسوط للسرخسي (١/¬٤١).
(٦) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٤٢)، وحاشية الشَّلْبِي على تبيين الحقائق (١/ ١٣٤).
(٧) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٢٢، رقم ١٣٣٣) من حديث جابر ﵁، وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٥٧، رقم ٤٧٢) وحكم بوضعه الشيخ الألباني في الضعيفة (١٠/ ١٦٩، رقم ٤٦٤٤).
(٨) انظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٣٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٢).
[ ١ / ٧٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الْمُجْتَبى (^١): وإن استويا في العلم وأحدهما أقرأ وقدموا غيره؛ فقد أساءوا ولا يأثمون، قال ﵇: «من أم قومًا وفيهم مَنْ هُوَ أفضلُ منه فلا صلاة له» (^٢).
وقيل: إمامة المقيم أولى من العكس، وعن الفضل الكرماني: هما سواء.
ثم بعد الفقه والقراءة والورع للشافعي قولان (^٣)، في القديم: يقدم الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن، وهو الأصح؛ لقوله ﵇: «قدموا قريشًا ولا تتَقدَّموها» (^٤)، ولأن الشرف يعود إلى الكسب؛ لأن شرفه لانتسابه وفضيلتهم خصلة اكتسبوها من الورع والعلم.
والقول الثاني: يقدم الأسنُّ ثم الأشرف ثم الأقدم هجرة؛ لقوله ﵇: «لِيؤُمَكَما أكبر كما» (^٥)، وقال ﵇: «إن الله تعالى يستَحِي أَنْ يَرُدَّ دعوة ذي الشيبة في الإسلام» (^٦)، ولأن الكبر صفة فيه، والشرف صفة في الآباء، فما كان صفة فيه كان أولى، ولأن أكبرهم سنا أعظمهم حرمة، وعادة ورغبة الناس في الاقتداء به أكثر.
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٤).
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ وبمعناه أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/¬٢٨، رقم ٤٥٨٢) من حديث ابن عمر مرفوعا: «مَنْ أمَّ قومًا وفيهم من هُوَ أقرأ لكتاب الله منه لم يَزَلْ في سفال إلى يوم القيامة» قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٦٤، رقم ٢٣٢٣): الهيثم بن عقاب قال الأزدي: لا يعرف، قلت: ذكره ابن حبان في الثقات. قلت: وفي إسناده حفص بن سليمان القارئ متروك في الحديث إمام في القراءات.
(٣) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٨٦)، والمجموع للنووي (٤/ ٢٧٩).
(٤) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (١/ ١٥٤، رقم ٢١٧)، وفي السنن الكبرى (٣/ ١٢١، رقم ٥٥٠٣) من حديث ابن شهاب مرفوعا وقال: مرسل وروى موصولا وليس بالقوي.
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٧٠، رقم ٥٢٨٦) بنحوه من حديث أنس مرفوعا: «إن الله ﷿ ليستحيي من ذي الشيبة المسلم إذا كان مسددا لزوما للسنة، أن يسأل الله فلا يعطيه» قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٩، رقم ١٧٢١١) فيه صالح بن راشد، وثقه ابن حبان، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.
[ ١ / ٧٧٥ ]
(وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ العَبْدِ) لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِلتَّعَلُّمِ (وَالأَعْرَابِيِّ) لِأَنَّ الغَالِبَ فِيهِمْ الجَهْلُ
وعندنا: هذا أصح؛ لأن قوله ﵇ «يَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» نص في تقديم الأكبر، وما رواه ظاهره يحتمل الإمامة وغيرها، فيحمل المحتمل عليه.
وفي تتمتهم (^١): ثم بعد الكبر والشرف يقدم بنظافة الثوب، والمراد به: النظافة عن الوسخ، لا عن النجاسات؛ لأن الصلاة مع النجاسة لا تصح، وفي النظافة عن الوسخ يميل قلوب الناس إلى الصلاة خلفه، فتكثر الجماعة بسببها، ثم بعد ذلك حسن الصوت؛ لأن به يميل الناس إلى الصلاة خلفه فتكثر الجماعة، ثم بعد ذلك حسن الصورة؛ لأن من كان حسن الوجه أحبه الناس في العادة فيميلون إليه، فتكثر الجماعة، ولأنه جاء في الخبر «أنه تعالى لا يُحَسِّنُ خُلُقَ رجلٍ وخَلْقَهُ وهوَ يريد أن يُعذِّبُهُ بالنارِ» (^٢).
قوله: (ويكره تقديم العبد …) إلى آخره: قال مالك: لا يؤتم به جمعة ولا عيد (^٣).
وقال الأوزاعي: لا يجوز أن يؤم الأحرار.
ولنا: قوله ﵇: «اسمعوا وأطيعوا ولَوْ أُمْرَ عليكم عبدٌ حَبَشِيٌّ أَجْدَعْ» (^٤)، وما روي عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: عَرَّسْتُ وأنا عبد، فدعوت رهطا من الصحابة فيهم أبو ذر، فحضرت الصلاة، فأراد أبو ذر أن يؤم، فقالوا له: تؤم وأنت في بيت غيرك، فقدموني وصليت بهم (^٥)، ولأن الإمامة أمر ديني يستوي فيه الحر والعبد، ولهذا جوز الشافعي إمامته بلا كراهة، وقال: الحر أولى.
_________________
(١) تتمة الإبانة للمتولي (ص ١٥٧).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/¬٣٧، رقم ٦٧٨٠) من حديث أبي هريرة مرفوعا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/¬٢١، رقم ١٢٦٦٣): فيه عبد الله بن يزيد البكري؛ ضعيف.
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٧٧)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢١٠).
(٤) بنحوه أخرجه الترمذي (٣/ ٢٦١، رقم ١٧٠٦) من حديث أم الحصين الأحمسية ﵁ وقال: حسن صحيح. وبنحوه أخرجه البخاري (٩/ ٦٢، رقم ٧١٤٢) من حديث أنس ﵁.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/¬٣٠، رقم ٦١٠٤).
[ ١ / ٧٧٦ ]
(وَالفَاسِقِ) لِأَنَّهُ لَا يَهْتَمُّ لِأَمْرِ دِينِهِ (وَالأَعْمَى) لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ (وَوَلَدِ الزِّنَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَبٌ يُثَقِّفُهُ فَيَغْلِبَ عَلَيْهِ الجَهْلُ، وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ هَؤُلَاءِ تَنْفِيرَ الجَمَاعَةِ
ولكن ذكر في تتمتهم (^١): تكره إمامته، ووجه الكراهة: أن في تقديمه تقليل الجماعة؛ لأن الناس يستنكفون متابعته، ولأنه لم يتفرغ للتعلم لاشتغاله بخدمة المولى، ولأن الإمامة من باب الكمال والأمانة، والعبد ليس بأهل لهما، ولهذا لا تثبت له الولاية والشهادة.
وفي شرح الإرشاد: وقدم قوم إلى عمر ﵁، فقال: من يؤمكم؟ قالوا: عبيدنا وصبياننا، فأنكر عليهم.
وأما كراهة إمامة الأعرابي؛ لأنه يكون بعيدا من مجالس العلم عادة، فيغلب فيه الجهل، وهو معنى قوله ﵇: «مَنْ بَدَا جَفَا» (^٢)، وأخبر عن مثل هؤلاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ [الحجرات: ٤] الآية، أما جواز إمامته؛ فلأنه تعالى أثنى على بعض [الأعراب] (^٣) بقوله ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٩٩] الآية.
وفي الكافي (^٤): يستحب تقديم العربي؛ لأنه يسكن المدن، ولهذا يقال: محمد العربي.
[ولا يكره] (^٥) تقديم الخلفاء والصحابة، أما الأعرابي يسكن البوادي، حتى قيل: أهل الكفور أهل القبور.
وأما إمامة الفاسق جائزة عندنا ولكنها مكروهة، وقال مالك (^٦): لا تجوز؛ لأن الإمامة أمانة وكرامة، وقد ظهرت خيانته في أمر دينه، فلا يؤتمن ولا يؤهل
_________________
(١) تتمة الإبانة للمتولي (ص ١٥٣).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٧١، رقم ٨٨٢٣) والبزار (١٧/ ١٤٤، رقم ٩٧٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٤٦، رقم ٩٢٥٥) - بعد أن عزاه لأحمد والبزار -: أحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح خلا الحسن بن الحكم النخعي وهو ثقة.
(٣) في الأصل: (العرب) وما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٢).
(٥) بين المعقوفتين زيادة من النسخة الثالثة.
(٦) انظر: التلقين للثعلبي (١/¬٤٨)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٤٨).
[ ١ / ٧٧٧ ]
فَيُكْرَهُ (وَإِنْ تَقَدَّمُوا جَازَ) لِقَوْلِهِ ﵊: … … … …
لهذه الكرامة التي هي من شعائر الإسلام، وإعلام العظام هذا في فاسق بلا تأويل، كالزاني وشارب الخمر، أما في الفاسق بالتأويل؛ كمن يسب السلف الصالح؛ فعنه فيه روايتان. وعن أحمد روايتان في جواز الاقتداء به مطلقًا، أصحهما: المنع (^١).
وقلنا نحن والشافعي (^٢): تجوز إمامته؛ لقوله ﵇: «صَلُّوا خلف كُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ» (^٣)، ولأن ابن عمر وأنسًا وغيرهما من الصحابة والتابعين صلوا خلف الحجاج صلاة الجمعة وغيرها، مع أنه كان أفسق أهل زمانه، وروي أن عمر بن عبد العزيز قال: لو جاء كل أمة بجناياتها، وجئنا بأبي محمد - يعني الحجاج - لغلبناهم (^٤).
وروي أن حجاجًا كان يخطب يوم الجمعة، فأطال الخطبة حتى كاد يدخل وقت العصر، فقام ابن عمر وقال: أقصر يا مكثار خذلك الله، فلما فرغ الحجاج دعا ابن عمر ليقتله، وقال له: أما تخشى أن الله تعالى سلطني على مالك ودمك فأهريقه، أو على نفسك فأَضُرُّ بها، فقال ابن عمر: أما يكفيني أني صليت خلف رسول الله ﷺ، وخلف أبي بكر وعمر ﵄، والآن أصلي خلفك وأنت من أفسق الناس، ولأن الفاسق ليس من أهل الشهادة والقضاء، فيصلح إمامًا بالطريق الأولى، ولكن لا يؤتمن عليه في الأمانة الشرعية، مع أن الناس يستنكفون عن إمامته، وفيه تقليل الجماعة، ولهذا قال أصحابنا: لا ينبغي أن يقتدى بالفاسق إلا في الجمعة؛ لأن في سائر الصلوات تجد إمامًا غيره، بخلاف الجمعة، وكان ابن مسعود يصلي خلف الوليد بن عقبة فيها وسائر الصلوات، وكان الوليد واليًا بالكوفة وكان فاسقًا، حتى صلى بالناس يومًا وهو سكران. كذا في شرح الإرشاد (^٥).
_________________
(١) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٩٨)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٧٤).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٩٣)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٩٩).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) ذكره ابن الأثير في الكامل (٤/ ٦١).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٣).
[ ١ / ٧٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المحيط (^١): لو صلى خلف فاسق أو مبتدع؛ يكون محرزًا ثواب الجماعة؛ لقوله ﵇: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وفَاجِرٍ (^٢)»، أما لا ينال ثواب من يصلي خلف التقي.
ثم الفاسق إذا كان يؤم وعجز القوم عن منعه تكلموا فيه.
قيل: يقتدي به في صلاة الجمعة، ولا يترك الجمعة بإمامته، أما في غيرها من المكتوبات؛ فلا بأس بأن يتحول إلى مسجد آخر، ولا يصلي خلفه، ولا يأثم بذلك.
وفي الْمُجْتَبى (^٣)، والمبسوط (^٤): يكره الاقتداء بصاحب البدعة.
وفي شرح بكر (^٥): حاصل الجواب: أن كل من كان من أهل قبلتنا ولم يُغْلِ في هواه، حتى لم يحكم بكفره ولا بمجانته بتأويل فاسد؛ تجوز الصلاة خلفه، وإن كان هوى يكفّر أهلها؛ كالجهمي والقدري الذي قال بخلق القرآن، والرافضي الغالي الذي ينكر خلافة أبي بكر، والمشبهة؛ لا تجوز، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (^٦).
وقال القفال: ومن تابعه يجوز الاقتداء بهم وأنهم لا يكفرون، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لقوله ﵇: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ مَنْ قال لا إلهَ إِلَّا الله، وعلَى مَنْ قال لا إله إلا الله (^٧)» كذا في شرح الوجيز (^٨).
وعن أبي يوسف: من انتحل من هذه الأهواء شيئًا فهو صاحب بدعة، روى
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٠٧).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٥).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬٤١).
(٥) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٠٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٣).
(٦) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٣٣١)، والمجموع للنووي (٤/ ٢٥٤).
(٧) أخرجه الدارقطني (٢/ ٤٠١، رقم ١٧٦١) من حديث ابن عمر ﵄، وضعف سنده ابن حجر في بلوغ المرام (ص: ١٢٣، رقم ٤٢٢).
(٨) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٣٣١).
[ ١ / ٧٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الصلاة خلف أهل الأهواء لا تجوز، أما الصلاة خلف الشافعية إذا انحرف عن القبلة، أو لم يتوضأ من الخارج من غير السبيلين، أو لم يغسل المني الذي أكثر من الدرهم؛ لا تجوز على الأصح، وإلا فتجوز (^١).
وقيل: لكنه يكره، وتجيء هذه المسألة بتمامها في باب الوتر.
وقال أبو يوسف: لا تجوز الصلاة خلف المتكلم وإن تكلم بحق (^٢).
قال الهندواني: يجوز أن يكون مراد أبي يوسف؛ من يناظر في دقائق علم الكلام (^٣).
وفي شرح السنة: اتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام (^٤).
وطعن صاحب المجتبى على هذا بناء على اعتقاد مذهب الاعتزال، فقال: بني النهي عن الخوض في علم الكلام الذي يرفع به أعلام الإسلام، ويدفع به شكوك الملاحدة، ومطاعن الضلال عن مذهبه الذي شهدت البراهين العقلية والحجج السمعية على بطلانه من التقليد في معرفة الله تعالى وصفاته، ومعرفة حقيقة كتبه ورسله (^٥).
وأما قول أبي يوسف (لا تجوز الصلاة خلف المتكلم)؛ يجوز أن يريد المتكلم الذي قدره أبو حنيفة حين رأى ابنه حمادا يناظر في الكلام فنهاه، فقال: رأيتك في الكلام تناظر وتنهاني، فقال: كنا نناظر وكأن على رؤوسنا الطير مخافة أن يزل صاحبنا، وأنتم تناظرون وتريدون زلة صاحبكم، ومن أراد أن يزل صاحبه فقد أراد أن يكفر صاحبه، فهو قد كفر قبل صاحبه، فهذا هو
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٧٢).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٦).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٦).
(٤) شرح السنة للبغوي (١/ ٢١٦).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٦).
[ ١ / ٧٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخوض المنهي في الكلام، وهذا المتكلم ممن لا يجوز الاقتداء به، أما لو أراد الوصول إلى الحق وهداية الضلال؛ فهو ممن يتبرك باقتدائه.
وأما الأعمى فتجوز إمامته؛ لأنه ﵇ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرة، وعثمان بن مالك مرة، وهما أعميان، ولكن البصير أولى، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (^١)؛ لما ذكر في الكتاب، ولما روي أنه قيل لابن عباس بعد ما كف بصره: ألم تؤم الناس؟ فقال: كَيْفَ أَؤُمُّهُمْ وَهُمْ يَعْدِلُونَنِي إِلَى الْقِبْلَةِ (^٢)، فأشار إلى أن الإمام هو الذي يهتدي به الناس، لا الذي يهديه الناس. كذا في شرح الإرشاد (^٣).
والمذهب الصحيح عند الشافعي: أن الأعمى والبصير سواء لما ذكرنا، وعنه أنه قال: أستحسن إمامة الأعمى؛ لأنه لا يشتغل بالنظر، فهو أخشع في صلاته من البصير.
وفي الحلية: هذا خلاف نص الشافعي (^٤).
وفي مبسوط شيخ الإسلام (^٥): هذا إذا كان من البصراء من هو أفضل منه، فأما إذا لم يكن فهو أولى؛ ألا ترى أنه ﵇ استخلف ابن أم مكتوم حين خرج إلى غزوة تبوك؛ لأنه لم يبق أحد أفضل منه، وكذلك جابر وعتبان (^٦) بن مالك بعد ما كف بصرهما.
وأما ولد الزنا فإن الجهل فيه غالب؛ لأنه ليس له أب يثقفه - أي: يؤدبه - من التثقيف وهو التأديب. وبقولنا: قال الشافعي (^٧) ومالك (^٨).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٩٢)، والبيان للعمراني (٢/ ٤٢١).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/¬٢٨، رقم ٦٠٧٧).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٤١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٤).
(٤) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢١٠).
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٥٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٦٩).
(٦) في النسخ: (عثمان) والتصويب من المبسوط للسرخسي (١/¬٤١).
(٧) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٩٣)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٢٢).
(٨) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٧٨)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٤٣١).
[ ١ / ٧٨١ ]
«صَلَّوْا خَلْفَ كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ».
(وَلَا يُطَوِّلُ الإِمَامُ بِهِمْ الصَّلَاةَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَمَّ قَوْمًا
وقال أحمد (^١): لا يكره، ورواه ابن المنذر عن مالك، واختاره؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: ما عليه من وزر أبويه شيء (^٢)، والذي روي أنه ﵇ قال: «ولد الزنا شر الثلاثة» (^٣)؛ فقد ردت عائشة هذا الحديث، أو قاله في ولد زنا بعينه نشأ مرتدا.
وكذا ما روي أنه ﵇ قال: «إن ولد الزنا مما ذرأه الله لجهنم» (^٤)؛ محمول على هذا، فأما من كان مؤمنًا فالاقتداء به يصح. كذا في المبسوطين (^٥).
وقيل: إنما قال له (شر الثلاثة)؛ لأن للزانيين الأب والأم خبثة الفعل لا الذات، ولولد الزنا خبثة الذات والفعل جميعًا؛ لأنه ليس له أب يثقفه.
قوله: (لقوله ﵇: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ»): والاستدلال به في حق الفاسق ظاهر، وفي حق العبد والأعمى يتمسك بدلالته؛ لأنه لما جوز الاقتداء به مع المعنى الموجب للتنفير، فيجوز في حقهما بالطريق الأولى.
أو نقول: كل واحد منهما لائح من أن يكون برًّا أو فاجرًا، والنبي ﷺ جوز الاقتداء بكليهما.
وفي الْمُجْتَبى (^٦): والمراد من الكراهة في هذه المواضع: التنزيه؛ فإنه قال محمد في الأصل: إمامة غيرهم أحب إلي (^٧).
(قوله ﵇: مَنْ أمَّ قومًا … . الحديث): وفي المبسوط (^٨): في هذا
_________________
(١) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٩٩)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٩٣).
(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ١١٢، رقم ٧٠٥٣) وصححه وأقره الذهبي فقال: صحيح وصح ضده.
(٣) أخرجه أبو داود (٤/¬٢٩، رقم ٣٩٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (٢/ ٢٧٦، رقم ٦٧٢).
(٤) أخرجه ابن أبي عمر العدني كما في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٢٦، رقم ٧٨٤٢) من حديث ابن عبد الله بن عمرو ﵄ قال البوصيري: فيه راو لم يُسَمَّ.
(٥) المبسوط للسرخسي (١/¬٤١).
(٦) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٥).
(٧) الأصل للشيباني (١/¬٢٠).
(٨) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٢).
[ ١ / ٧٨٢ ]
فَلِيُصَلِّ بِهِمْ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ، فَإِنَّ فِيهِمْ المَرِيضَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ» (وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ أنْ يُصَلِّينَ وَحْدَهُنَّ الجَمَاعَةُ) لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ، وَهُوَ قِيَامُ الإِمَامِ
الحديث دليل على أن الإمام لا ينبغي أن يطوّل بهم القراءة على وجه يمل القوم، وقال ﵇: «إِنَّ مِنَ الأئمةِ الطَّرادين» (^١)، وحديث معاذ معروف.
وقال أنس: ما صليت خلف أحد أتم وأخف مما صليت خلف النبي ﵇ (^٢)، وروي أنه ﵇ قرأ المعوذتين في الفجر، فلما فرغ قالوا: أوجزت، قال: «سمعتُ بكاءَ صبي، فخشيت علَى أُمِّهِ أَنْ تُفتَنَ» (^٣)، فدل أن الإمام ينبغي أن يراعي حال قومه.
قوله: (ويكره للنساء وحدهن الجماعة) وبه قال مالك (^٤)، وأحمد في رواية (^٥).
وقال الشافعي (^٦)، والثوري، والأوزاعي: جماعة النساء في بيوتهن أفضل، وليس فيها في التأكيد بمنزلة الرجال، ولا يكره لهن فعلها وتركها، وبه قال عطاء، وأحمد في رواية أخرى؛ لأنه ﵇ أمر أم ورقة أن تأم أهل دارها (^٧).
وعن صفوان بن سليم أنه قال: من السنة أن تصلي المرأة بالنساء (^٨)، وتقوم وسطهن؛ لحديث رائطة: أن عائشة أمتنا وقامت وسطنا (^٩).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٠٥، رقم ٤٦٦١) من حديث عباس الجشمي.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٣٤٤، رقم ٤٧٣).
(٣) حديث ملفق من حديثين الأول حديث عقبة أخرجه النسائي (٢/ ١٥٨، رقم ٩٥٢) من حديث عقبة بن عامر ﵁، صححه الحاكم (١/ ٣٦٦، رقم ٨٧٦) وأقره الذهبي. والثاني حديث أنس أخرجه الترمذي (١/ ٤٨٦، رقم ٣٧٦) وقال: حسن صحيح.
(٤) انظر: شرح التلقين للمازري (١/ ٦٧٠).
(٥) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٩٧)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٨٨).
(٦) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٥٦)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٣٨٣).
(٧) أخرجه أبو داود (١/ ١٦١، رقم ٥٩٢) من حديث أم ورقة ﵂، وأعله بالاضطراب والجهالة ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٣٩٢)، وحسنه الشيخ الألباني في إرواء الغليل (٢/ ٢٥٥، رقم ٤٩٣).
(٨) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (٤/ ٢٣١، رقم ٥٩٧٤).
(٩) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٣١، رقم ٥٥٦١) وحسنه النووي في المجموع (٤/ ٢٩٦).
[ ١ / ٧٨٣ ]
وَسَطَ الصَّفِّ فَيُكْرَهَ كَالعُرَاةِ (فَإِنْ فَعَلْنَ قَامَت الإِمَامُ وَسَطَهُنَّ) لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ فَعَلَتْ
ولنا: ما روى ابن مسعود أنه ﵇ قال: «صلاة المرأة في بيتها أفضلُ مِنْ صَلاتِها في حُجرَتِها، وصَلاتُها في مَخدَعِها أفضلُ من صَلاتِها في بيتها». رواه أبو داود (^١) بإسناد صحيح على شرط مسلم.
ولأن جماعتهن لو كانت مشروعة لكره تركها، ولشاعت كما شاع شرع جماعة الرجال على أنها من الشعائر، فتختص بالرجال كالأذان والخطب، والجمع والأعياد، ولأن جماعتهن لائح عن ارتكاب محرم؛ لأن في التقديم زيادة كشف، وفي التوسط ترك المقام، وكل ذلك حرام، أما زيادة الكشف؛ فلقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، وأما ترك القيام؛ فلأنه خلاف السنة؛ لأنه لم يعمل به النبي ﵇ ولا واحد من الصحابة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٢).
وأما حديث أم ورقة ورائطة؛ كان في ابتداء الإسلام، أو تعليمًا للجواز، مع أن في حديث أم ورقة مقال عند أهل الحديث.
قيل: في حمل حديث عائشة على ابتداء الإسلام بعد؛ لأنه ﵇ أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم تزوج عائشة بالمدينة، بل الأولى أن يقال: أنه منسوخ وإن لم يكن في ابتداء الإسلام، فالنساء يحضرن الجماعة ثم نسخت. هكذا قالوا.
(كالعراة)؛ فإنهم أمروا بترك الجماعة؛ ليتباعد بعضهم عن بعض، فلا يقع بصر بعضهم على عورة البعض؛ لأن الستر يحصل به، ولكن الأولى لإمامهم إذا أمهم أن يقوم وسطهم؛ كيلا يقع بصرهم على عورته، وإن تقدمهم جاز، وحالهم في هذا الموضع كحال النساء في الجماعة. كذا في المبسوطين (^٣).
وقال الحسن البصري: يصلون بالجماعة؛ لأنهم يتوصلون إلى إقامتها من غير ارتكاب مكروه؛ بأن يقدموا إمامهم ويغضوا أبصارهم.
_________________
(١) (١/ ١٥٦، رقم ٥٧٠)، وصححه الحاكم (١/ ٣٢٨، رقم ٧٥٧) على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٢)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٧٣).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٧).
[ ١ / ٧٨٤ ]
كَذَلِكَ، وَحُمِلَ فِعْلُهَا الجَمَاعَةَ عَلَى ابْتِدَاءِ الإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ زِيَادَةَ الكَشْفِ.
وقلنا: غض البصر مكروه حالة الاختيار، كقيام الإمام وسط الصف، فصح أنهم لا يتوصلون إلى إقامتها بدون ارتكاب أمر مكروه، وإقامة الجماعة سنة، فترك السنة أولى من ارتكاب المكروه، فعلم بهذا كله أن التشبيه بالعراة ليس من كل وجه؛ بل في أفضلية الإفراد وأفضلية قيام الإمام وسطهن، وأما العراة فيصلون قعودًا وهو أفضل، والنساء قائمات مقام الإمام.
قال المطرزي: الإمام: من يُؤَمُّ به - أي: يقتدى - ذكرا كان أو أنثى (^١).
فإن قيل: تعارضت هاهنا حرمتان: حرمة زيادة الكشف بالتقدم، وحرمة ترك مقام الإمام، فلم رجحت حرمة زيادة الكشف؟.
قلنا: الاحتراز عن كشف العورة قوي الفرائض والاحتراز عن ترك مقام الإمام الذي هو التقديم سنة، وتعيين الفرض أقوى من السنة، وإنما قلنا ذلك، فإن النجاسة التي في بدن المصلي لو منعت الجواز، ولا يمكن غسلها إلا بإظهار عورته؛ يصلي معها احترازا عنه. كذا ذكره في جامع التمرتاشي (^٢)، فلأن يرجح على السنة أولى.
فإن قيل: لو فرضنا تقدم المرأة على جماعة النساء لابسة ثوبًا من قرنها إلى قدمها، وليس بينهن أحد من الرجال يكره، مع أنه لا كشف فيه أصلًا، فلو كانت الكراهة لزيادة الكشف ينبغي أن يجوز هناك لانعدام العلة.
قلنا: يجب أن تكون المرأة على أستر الأحوال، خصوصًا في حق الصلاة، ولا شك أن الستر أكثر في الوسط من المتقدم، وما تركت عائشة سنة التقدم حين أمت إلا لأمر أوجب عليها؛ وهو رعاية جانب الستر، فكان أصل ترك التقدم ثابتًا بالسنة لا بالتعليل.
وفي شرح الطحاوي: إمامة الرجل للمرأة جائزة إذا نوى إمامتها (^٣) إذا لم
_________________
(١) انظر: المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٢٨).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٣).
(٣) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٥٨)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٦٢).
[ ١ / ٧٨٥ ]
(وَمَنْ صَلَّى مَعَ وَاحِدٍ أَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ) لِحَدِيثِ «ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَإِنَّهُ ﵊ صَلَّى بِهِ وَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ» وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الإِمَامِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ نَظَلَتَهُ أَنَّهُ
تكن في الخلوة، فأما لو كان لهن أو لبعضهن محرم يجوز ويكره.
فإن قيل: لو كان كذلك لما جازت إمامة المرأة في صلاة الجنازة بلا كراهة.
قلنا: لأنهن إن صلين بجماعة في المكتوبة والتراويح يلزم ارتكاب مكروه، والجماعة سنة فيهما، فكان ترك السنة أولى من ارتكاب المكروه، أما صلاة الجنازة فريضة، وقيام الإمام وسطهن مكروه، فإقامة الفريضة مع ارتكاب المكروه أولى، وإنما قلنا ذلك؛ لأنهن إن صلين بجماعة يلزم مكروه مع إقامة الفرض؛ لأن الصلاة تقع من الكل فرضًا، وإن صلين فرادى حتى لا يلزم المكروه أدى ذلك إلى فوات الصلاة عن البعض؛ لأن الفرض يسقط بأداء واحدة، وقد يتفق فراغ الواحدة قبل فراغ الباقيات، فتكون الصلاة من الباقيات نفلًا، والتنفل بصلاة الجماعة غير مشروع، فعلم أنهن ابتلين بين ترك الفرض وبين ارتكاب المكروه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
قوله: (لحديث ابن عباس) عن ابن عباس أنه قال: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ زوج النبي ﵇ لأراقب صلاته ﵇ بالليل، فانتبه النبي ﵇ وقال: «نامَتِ العُيونُ وغارَتِ النّجومُ، وَبَقِيَ الحَيُّ القيوم»، ثم قرأ آخر سورة آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى أخر السورة، ثم قام إلى شن معلق فتوضأ وافتتح الصلاة، فقمت وتوضأت ووقفت عن يساره، فأخذ بأذني وأدارني خلفه حتى أقامني عن يمينه (^٢). كذا في المبسوط (^٣).
وفي مبسوط شيخ الإسلام (^٤): فأخذ ذؤابتي وأقامني عن يمينه، فعدت إلى
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٤).
(٢) جزء من حديث أخرجه تمام في فوائده (٢/ ١٢٢، رقم ١٣١٨) ابن عباس وهو عند البخاري (١/ ١٤١، رقم ٦٩٩)، (٨/ ٦٩، رقم ٦٣١٦).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٣).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٥٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٥).
[ ١ / ٧٨٦ ]
يَضَعُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الإِمَامِ، وَالأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ (*)، فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَوْ فِي يَسَارِهِ جَازَ وَهُوَ مُسِيءٌ، لِأَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ
مكاني فأعادني ثانيًا وثالثًا، فلما فرغ قال: «ما منعك يا غلام أن تثبت في الموضع الذي أوقفتك؟»، قلت: أنت (^١) رسول الله، فلا ينبغي لأحد أن يساويك في الموقف، فقال ﵇: «اللَّهُمَّ فقهْهُ فِي الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأويل»، فأعاده رسول الله إلى الجانب الأيمن (^٢)، ففيه دليل على أنه هو المختار.
فإن قيل: كيف يجوز أداء النافلة بالجماعة وإنه بدعة؟.
قلنا: أداء النفل بلا أذان وإقامة بواحد أو اثنين يجوز، على أنا نقول: التهجد كان فرضًا على النبي ﷺ، فيكون اقتداء المتنفل بالمفترض، مع أن ابن عباس كان صبيًا، فلا يكون مخاطبًا. كذا في الكاثي (^٣)، وفيه تأمل.
وفي الحلية (^٤): السنة: أن يقف الواحد عن يمين الإمام بإجماع الأئمة الأربعة.
وعن ابن المسيب أنه قال: يقف عن يسار الإمام.
وقال النخعي: يقف خلفه إلى أن يركع، فإن جاء أحد وإلا تقدم، ويقف عن يمينه إذا ركع عند عقب الإمام.
وفي المبسوط: هو الذي وقع عند العوام. وإن كان المقتدي أطول وسجوده قدام الإمام لم يضره؛ لأن العبرة لموضع الوقوف، كما لو وقف في الصف ووقع سجوده أمام الإمام لطوله (^٥).
قوله: (لأنه خالف السنة)؛ وهي ما ذكر من حديث ابن عباس آنفا.
_________________
(١) (*) الراجح: القول الأول، أي ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه.
(٢) بعدها في النسخ: (يا) والسياق بدونها أليق، وهو الموافق لأكثر مصادر كتب الفقه الحنفي.
(٣) بنحوه مختصرا أخرجه البخاري (١/¬٤١، رقم ١٤٣) ومسلم (٤/ ١٩٢٧، رقم ٢٤٧٧) من حديث ابن عباس ﵁.
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٤٠).
(٥) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢١١).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٣).
[ ١ / ٧٨٧ ]
(وَإِنْ أَمَّ اثْنَيْنِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَتَوَسَّطُهُمَا (*)، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَلَنَا: «أَنَّهُ ﵊ تَقَدَّمَ عَلَى أَنَسٍ وَاليَتِيمِ حِينَ صَلَّى بِهِمَا»
وذكر شيخ الإسلام (^١): من مشايخنا من قال: الجواب في الفصلين؛ وهو ما لو قام عن يساره أو خلفه واحد؛ لأنه ترك السنة في المقام، فيكون مكروها، ومنهم من فرق وقال: لا يكون مسيئا إذا قام خلفه؛ لأنه لا يصير تاركا للسنة من كل وجه؛ لأنه عمل به واحد من الصحابة وهو ابن عباس؛ لأنه قام خلفه ﵇، ودعا له بالفقه والعلم.
وعند أحمد (^٢): لو وقف على يساره تبطل صلاته، ونقل ذلك عن ابن مسعود؛ فإنه صلى بعلقمة والأسود فقام وسطهما، ولأن الاصطفاف خلف الإمام سنة الجماعة، والاثنان ليس بجماعة حقيقة؛ لأنه لا ينطلق عليه اسم الجمع، فلا يقال: رجال، بل يقال: رجلان، وحكما؛ لأن الجمعة لا تنعقد بهما.
وقال أحمد: لو كان أحدهما صبيا فوقفا عن يمينه؛ فلا بأس، ولو وقفا خلفه؛ توقف أحمد، وأكثرهم: لا يصح، بل الصبي يقف على يساره (^٣).
وجه الظاهر: (أنه ﵇ تقدم على أنس واليتيم): روي عن أنس أنه قال: صنعت جدتي مليكة طعاما، فدعت النبي ﵇، فلما فرغ قال: «قوموا لأصلي بكم»، فقمت إلى حصير لنا قد اسود، فتقدم النبي فأقامني ويتيما لنا خلفه، والعجوز من ورائنا (^٤).
واليتيم: أخ لأنس من أبيه، اسمه: عمير.
قيل: الصحيح: أن اسمه ضميرة بن سعد الحميري المدني.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الجمهور.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٤٠).
(٣) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ١٠٠)، والكافي لابن قدامة (١/ ٣٠٠).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ١٥٠)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٦٢).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٧١، رقم ٨٦٠) ومسلم (١/ ٤٥٧، رقم ٦٦٠).
[ ١ / ٧٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قيل: لا خلاف أن الإمام يتقدم على الثلاثة، والخلاف في الاثنين.
قلنا: المرأة كالعدم في حكم الاصطفاف؛ ولهذا لو كان خلفه رجل واحد وامرأة؛ فالسنة أن يقوم الرجل بحذاء الإمام، كما إذا لم تكن معه امرأة.
وفي المبسوطين (^١): وجه الظاهر: ما روى أبو موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الاثنان فما فوقهما جماعة» (^٢)، ولم يرد به الحقيقة، بل أراد به الحكم، وعن علي ﷺ مثل قولهما.
والمعنى: أن الاصطفاف من حكم الأداء بجماعة، وقد وجدت الجماعة حقيقة وحكمًا، أما حقيقة؛ فلأنهم ثلاثة مع الإمام، وأما حكما؛ فلأن الإمام من القوم في غير الجمعة لجواز الأداء بدونه، فيمكننا أن نعده في حقه من القوم، فإن عُدَّ منهم فقد حصل الأداء بجماعة، بخلاف الجمعة؛ فإن الإمام شرط على حدة فيها، والجماعة على حدة.
وما روي من فعل ابن مسعود؛ قال إبراهيم النخعي: كان ذلك لضيق البيت والأصح: أن هذا كان من مذهب ابن مسعود؛ ولهذا قال في الكتاب: وإن لم يتقدم وصلى بهما فصلاتهم تامة؛ لأن فعلهم في موضع الاجتهاد، قال: فإن كان القوم كثيرًا وقام وسط الصف، أو في ميمنة الصف أو ميسرته؛ فصلاته جائزة وأساؤوا، إلا أن الإمام يكون مسيئًا لتركه السنة من كل وجه بغير عذر؛ لأن السنة أن يقوم الإمام إزاء وسط الصف؛ ألا ترى أن المحاريب ما نصبت إلا وسط المساجد، وهي قد عينت لمقام الإمام، ولو قام واحد بجنب الإمام وخلف صف؛ يكره بالإجماع. كذا في شرح الإرشاد (^٣).
وفي الْمُجْتَبى (^٤): وفي مبسوط بكر: السنة أن يقوم في المحراب ليعتدل
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٣١٢، رقم ٩٧٢) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١١٩، رقم ٣٥٥): هذا إسناد ضعيف لضعف الربيع بن بدر ووالده بدر بن عمر. وأقره الشيخ الألباني في الإرواء (٢/ ٢٤٨، رقم ٤٨٩).
(٣) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٥٦٨).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٨).
[ ١ / ٧٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الطرفان، ولو قام في أحد جانبي الصف يكره، ولو كان المسجد الصيفي بجنب الشتوي، وامتلأ المسجد؛ يقوم الإمام في جانب الحائط؛ ليستوي القوم من جانبيه.
والأصح: ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: أكره للإمام أن يقوم بين الساريتين أو في زاوية المسجد، أو في ناحية المسجد أو إلى سارية؛ لأنه خلاف عمل الأمة، قال ﵇: «وَسَطُوا الإمام وسُدُّوا الخَلَلَ» (^١)، ومتى استوى جانباه يقوم عن يمين الإمام إن أمكنه، وإن وجد في الصف فرجة سدها، ولا ينتظر حتى يجيء آخر فيقفان خلفه، وإن لم يجئ حتى ركع الإمام؛ يختار أعلم الناس بهذه المسألة، فيجذبه حتى لا يتأبى عليه.
وفي المبسوط (^٢): يختار من يُعرَفُ منه علمًا وحسن الخلق حتى لا يغضب عليه، ويقفان خلفه، ولو لم يجد عالمًا؛ يقف خلف الصف بحذاء الإمام للضرورة، ولو وقف منفردًا بغير عذر؛ تصح صلاته عندنا، والشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، ولكن يكره.
وعن الميداني: لا يكره، ولكن ترك الأفضل.
وقال أحمد (^٥)، وأصحاب الحديث: لا تصح صلاته؛ لقوله ﵇: «لا صَلاةَ للمنفرد خلفَ الصَّف» (^٦)؛ قاله ﵇ حين رأى رجلًا يصلي في حجرة من الأرض خلف الصف، فقال له: «أعِدْ صلاتك فإنه لا صلاة للمنفرد …» الحديث (^٧).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ١٨٢، رقم ٦٨١) وضعف سنده الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود (١/ ٣٢٧، رقم ٣٠٦)، وأفاد أن الشطر الثاني منه صحيح لغيره.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٩٣).
(٣) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ٢٣١)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٣٣٨).
(٤) انظر: شرح التلقين للثعلبي (١/ ٦٩٦)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٢٦١).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٠٠)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١٥٥).
(٦) أخرجه ابن حبان (٥/ ٥٨٠، رقم ٢٢٠٢) عن علي بن شيبان ﵁.
(٧) أخرجه ابن حبان (٥/ ٥٨١، رقم ٢٢٠٣) من حديث علي بن شيبان ﵁.
[ ١ / ٧٩٠ ]
فَهَذَا لِلْأَفْضَلِيَّةِ وَالْأَثَرُ دَلِيلُ الإِبَاحَةِ.
ولنا: حديث أنس واليتيم والعجوز؛ فقد جُوِّزَ اقتداؤها وهي منفردة خلف الصف، وما روي أن أبا بكرة دخل المسجد والنبي ﵇ راكع، فكبر ودب راكعا حتى التحق بالصف، فلما فرغ ﵇ قال: «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ» (^١)، فقد جوز اقتداءه وهو خلف الصف.
وتأويل حديثه: أنه أراد به نفي الكمال، والأمر بالإعادة شاذ؛ فيحمل على أنه كان بينه وبين الإمام ما يمنع الاقتداء، وفي الحديث دلالة عليه؛ فإنه كان يصلي في حجرة من الأرض - أي: ناحية -. كذا في المبسوط (^٢).
ثم الأفضل أن يقف في الصف الأخير إذا خاف إيذاء أحد؛ قال ﵇: «من ترك الصف الأول مخافةً أن يُؤذي مُسلِمًا أضعف اللهُ لَهُ أَجرَ الصف الأول» (^٣)، وبه أخذ أبو حنيفة ومحمد، وفي كراهة تركه مع إمكان الوقوف اختلاف.
ولو اقتدى أحدهما بالآخر في الصحراء فجاء ثالث؛ يجذب المقتدي بعد التكبير، وإن جذبه قبله لا يضره، وقيل: يتقدم الإمام فيقوم في موضع سجوده. كذا في الْمُجْتَبى (^٤).
(فهذا)؛ أي: تقدم النبي ﵇ (للأفضلية، والأثر)؛ وهو ما روي عن ابن مسعود (الإباحة).
فإن قيل: لو لم يعكس حتى تثبت الأفضلية والإباحة بفعله ﵇، كما هو من عزم أبي يوسف، فإنه ﵇ لما كان يفعل الأفضل يفعل المباح لتعليم الجواز.
قلنا: لم يعكس لترجيح فعله ﵇ على فعل غيره وهو ظاهر، وإما
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ١٥٦، رقم ٧٨٣) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٩٢).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٧١، رقم ٥٣٧) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٩٥، رقم ٢٥٣٠): فيه نوح بن أبي مريم وهو ضعيف.
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٩).
[ ١ / ٧٩١ ]
(وَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ أَنْ يَقْتَدُوا بِامْرَأَةٍ وَصَبِيّ) أَمَّا المَرْأَةُ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «أَخُرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّهُ
لأن الفعلين لما تعارضا رجحنا جانب المتقدم؛ لقوله ﵇ لعبد الرحمن ابن عوف: «إذا كان ثلاثةٌ في سفر تقدَّم أحدهم، فإذا أمَّهُمْ فذاك أميرُهُم» (^١). كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٢).
قوله: (أخروهن …) إلى آخره في الأسرار: (حيث) عبارة عن المكان، ولا مكان يجب علينا تأخيرهن إلا مكان الصلاة، وقيل: يجوز أن يكون (حيث) للتعليل؛ يعني: كما أخرهن في الشهادات والإرث والسلطنة وجميع الولايات. كذا وجد بخط العلامة (^٣).
فإن قيل: هذا الحديث خبر الواحد، وبمثله يثبت الوجوب لا الفرض، فلا تفسد الصلاة بتركه.
قلنا: هذا حديث مشهور، تثبت الفرضية به فتركه مفسد. كذا في الأسرار (^٤).
وفي الْمُجْتَبى: تمسك في المسألة بالإجماع، والمراد به: إجماع المجتهدين؛ لأنه حكي عن أبي الورقاء ابن جرير الطبري (^٥)؛ أنه تجوز إمامتها في التراويح إذا لم يكن هناك قارئ غيرها (^٦).
قوله: (وأما الصبي)؛ أي: عدم إمامته.
للشافعي في إمامة الصبي الذي تصح صلاته، في غير الجمعة فرضًا ونفلّا
_________________
(١) أخرج عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٣٩٠ رقم ٣٨١٢) بنحوه عن أبي سلمة مرسلًا.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٤٢).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٤٣).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٤٣).
(٥) ابن جرير هذا ليس هو المفسر المشهور، وإنما هو أحد علماء الشيعة يوافقه في اسمه واسم أبيه قال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود (١/ ١٤٢): وقد رأيت له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة وفروعهم.
(٦) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٧٩).
[ ١ / ٧٩٢ ]
مُتَنَفِّلٌ فَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ المُفْتَرِضِ بِهِ. وَفِي التَّرَاوِيحِ …
وفي الجمعة قولان (^١): أحدهما: قال في الأم (^٢): لا يجوز، وقال في الإملاء: يجوز؛ ما روي عن عمرو بن سلمة قال: وفد أبي على رسول الله، فلما رجع قال ﵇: «إذا حَضرَتِ الصَّلاةُ فليُؤَذِّنْ أحدُكُم وليَؤُمَّكُم أكثرُكُم قرآنًا» (^٣)، ولم [يكن] (^٤) في قومي أكثر قرآنا مني، فقدموني وأنا ابن سبع سنين أو ست، فكنت أصلي بهم الفرض والنفل.
وعندنا، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦): لا تجوز إمامته في الفرض، وفي النفل روايتان عندنا، وبه قال أحمد.
وهذا الخلاف بناء على جواز الاقتداء للمفترض بالمتنفل، فعنده يجوز، وعندنا لا يجوز، وسيجيء ذلك.
ولنا: ما روي أنه ﵇ جعل الناس طائفتين في صلاة الخوف (^٧) على ما يجيء، فلو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل؛ لصلى الفرض بأحدهما، ثم يصلي بالطائفة الثانية، فيكون له نفلًا ولهم فرضًا.
وقوله ﵇: «الإمامُ ضامِنٌ» (^٨)، فتكون صلاته مبنية على صلاة الإمام، والصبي ليس من أهل الضمان، وعن ابن مسعود أنه قال: لا يؤم الغلام الذي لا تجب عليه الحدود (^٩)، وعن ابن عباس: لا يؤم الغلام حتى يحتلم،
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٤٧)، وحلية العلماء لأبي بكر الشاشي (٢/ ١٦٨).
(٢) الأم للشافعي (١/ ١٩٣).
(٣) أخرجه البخاري (٥/ ١٥٠، رقم ٤٣٠٢) من حديث عمرو بن سلمة ﵁.
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٥) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٣٩٦)، وشرح التلقين للمازري (١/ ٥٨٢).
(٦) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٩٨)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٨٢).
(٧) أخرجه أبو داود (٢/¬١٦، رقم ١٢٤٦) من حديث حذيفة ﵁، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٤/ ٤٠٩، رقم ١١٣٣)
(٨) أخرجه أبو داود (١/ ١٤٣، رقم ٥١٧) والترمذي (١/ ٢٨٢، رقم ٢٠٧) من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (١/ ٢٣١، رقم ٢١٧).
(٩) أخرجه والذي بعده أبو بكر الأثرم كما في نيل الأوطار (٣/ ١٩٧).
[ ١ / ٧٩٣ ]
وَالسُّنَنِ المُطْلَقَةِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَشَايِخُنَا ﵏، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّقَ الخِلَافَ فِي النَّفْلِ المُطْلَقِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (*)،
كذا في سنن الأثرم (^١).
وما رواه قول الصحابي، مع أنه لا يرى قوله حجة، ويستدل بفعل صبي ابن ست أو سبع، وفي الشاهدين ست أو سبع لا يميز، ولا يعرف فرائض الصلاة، فكيف يتقدم في الإمامة؟.
قال الخطابي: كان أحمد يضعف حديث عمرو، وأيضًا شاذ فيما تعم به البلوى.
(السنن المطلقة)؛ أي: الرواتب المشروعة قبل الفرض وبعده، وصلاة العيد في إحدى الروايتين، والوتر على قولهما، وصلاة الكسوف والخوف والاستسقاء على قولهما. كذا في الفوائد الظهيرية (^٢).
فمشايخ بلخ قاسوا هذه المسألة بمسألة المظنون؛ بعلة أن النقل غير مضمون في حقهما، ولجريان العادة في التراويح، ومشايخنا قالوا: لا يصح؛ لأنه لا صلاة له أصلًا، وإنما يؤمر بها تخلّقًا واعتيادًا، ولهذا لو صلت المراهقة بغير قناع يجوز، فإذا كان كذلك؛ لم يصح به الاقتداء أصلا.
وقال بعضهم: بل صلاته صحيحة؛ بدليل أنها لو حاذت رجلا في الصلاة تفسد صلاته، فلو لم تكن لها صلاة صحيحة لما فسدت، لكن صلاته ليست بفرض، وقد ثبت من أصلنا أن اقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز، فلم يَجُزِ الاقتداء به أيضًا في النفل؛ لأن نفله دون نفل البالغ، حيث لا يجب بالشروع نفله؛ فلم يَجُزِ اقْتِداء الكامل بالناقص. ولأن الإمامة ضمان كما بينا، والصبي لا يصلح بالضمان. كذا في شرح الإرشاد (^٣).
(بين أبي يوسف ومحمد)؛ حيث لم يجوز أبو يوسف، وجوز محمد.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف، أنه لا يجوز اقتداء الرجال خلف الصبي.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٣٩٨، رقم ٣٨٤٧).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٤٤).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٤٤).
[ ١ / ٧٩٤ ]
وَالمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، لِأَنَّ نَفْلَ الصَّبِيِّ دُونَ نَفْلِ البَالِغِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ القَضَاءُ بِالإِفْسَادِ بِالإِجْمَاعِ، وَلَا يَبْنِي القَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ، بِخِلَافِ المَظْنُونِ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ فَاعْتُبِرَ العَارِضَ عَدَمًا
(والمختار)؛ أي: للفتوى أنه لا يجوز قال فخر الإسلام: إنما تركنا قول محمد؛ لأن ابتداء النفل غير مضمون قصدًا غير مشروع، وإنما شرع في حق الصبي والمعتوه لقصور عمدهما، فإذا انتقص من عزيمة البالغ فيه؛ بأن شرع فيه على نية أداء الواجب صار ملحقًا بهما.
قوله: (لأنه مجتهد فيه)؛ فإن عند زفر عليه القضاء، وعند الثلاثة: لا يجب؛ لأنه شرع فيه مسقطًا لا ملزمًا.
وجه قول زفر: أن ما وجد بعد الشروع من أجزاء العبادة فيجب صيانته عن البطلان؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، ولا يصان إلا بالإتمام فيلزمه، وقلنا: أن النافي للعسر والضرورة تنفي لزوم المكلف ما لا يلزمه، وهاهنا لم يوجد منه الالتزام لا صريحًا ولا دلالة، ونعني بالصريح: النذر، وبالدلالة: الشروع لا على قصد إسقاط الواجب؛ إذ الشروع بهذه الصفة دليل التزامه، فإذا لم يوجد كلاهما يجري على قضية النافي.
(فاعتبر العارض عدمًا)؛ أي: عارض ظن الإمام عدمًا في حق من اقتدى به، فجعل كأن الضمان غير ساقط في حق المقتدي، فبقي اقتداء ضامن بضامن، وذلك لأن العارض غير ممتد عرض بعد أن لم يكن بخلاف الصبا؛ لأنه أصْلِيُّ، فلم يجعل معدومًا، فلا يتخذ حال الإمام والمقتدي؛ لأن صلاة الإمام غر مضمون، وصلاته مضمون، فلا يجوز الاقتداء به، وهذا معنى قوله: (بخلاف المظنون)، فإنه يجوز اقتداء الظان به.
وحاصله: أن الظن والضمان عارضان، فأمكن جعلهما عدمًا بالنظر إلى اجتهاد زفر مع احتمال صحة قول محمد، فصار كأن الإمام ضامن، فاتحد حالهما، بخلاف الصبي؛ فإن سقوط اللزوم من صلاته لأمر أصلي وهو الصبا، فلا يمكن جعله عدمًا في حق المقتدي. وقيد بقوله (للرجال)؛ احتراز عن اقتداء
[ ١ / ٧٩٥ ]
وَبِخِلَافِ اقْتِدَاءِ الصَّبِيِّ بِالصَّبِيِّ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُتَّحِدَةٌ.
(وَيَصُفُ الرِّجَالَ ثُمَّ الصِّبْيَانَ ثُمَّ النِّسَاءَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لِيَلِنِي
الصبي بالصبي؛ فإنه يجوز.
قوله: (ليليني)؛ أي: ليقرب مني؛ يعني: يأتم خلفي بقرب مني، من الولي وهو القرب من باب حسب. و[عن] (^١) علي بن عيسى: الولي: حصول الثاني بعد الأول من غير فصل، والأمر باللام (ليلي). كذا في المغرب (^٢).
المهملة العين (ليليني) رواية النون المشددة، جاز أن تكون النون الخفيفة مع نون العماد، فأدغمت وهي نون الثقيلة، مع حذف نون العماد، كما فعل ذلك في نون الجمع مع نون العماد في قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] على القراءتين، والصحيح: حذف اليائين والنون؛ لأن الأمر مجزوم.
والأحلام: جمع الحُلْم - بالضم -، وهو ما يراه النائم، فكان المراد: ليليني البالغون، وتفسير الحُلْم بالعقل غلط؛ لأن الثقات لم يفسروا به، أو يلزم التكرار في الحديث لمعنى العقل من غير فائدة، فإن النُّهَى جمع نُهْيَة وهي العقل، ولأن في عقل الصبي والمرأة نقصان، فيقدم الرجال عليهما، وبهذا المعنى يؤخر النساء.
وفي الْمُجْتَبى: إنما يقدم الرجال؛ لفضلهم، ثم الصبيان؛ لأنهم تبع لهم، ثم الخناثي؛ لاحتمال رجوليتهم، ثم النساء (^٣)، وحديث أنس لما ذكرنا وروينا، وقوله ﵇: «أخروهن …» الحديث (^٤)؛ يدلان على تأخير النساء أيضًا.
وقال الشافعي (^٥)، ومالك (^٦): يقف بين كل رجلين صبي؛ ليتعلم منهما الصلاة، وليكون أصوب له. والحجة عليهما: ما روينا.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٤٩٦).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨٠).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢١٣)، والبيان للعمراني (٢/ ٤٢٦).
(٦) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٧٩)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/¬٤٥).
[ ١ / ٧٩٦ ]
مِنكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى» وَلِأَنَّ المُحَاذَاةَ مُفْسِدَةٌ فَيُؤَخَّرْنَ (وَإِنْ حَاذَتْهُ امْرَأَةٌ وَهُمَا مُشْتَرَكَانِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ: فَسَدَتْ صَلَاتُهُ إِنْ نَوَى الإِمَامُ إِمَامَتَهَا) وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا تَفْسُدَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ اعْتِبَارًا بِصَلَاتِهَا حَيْثُ لَا تَفْسُدُ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا رَوَيْنَاهُ وَأَنَّهُ مِنْ المَشَاهِيرِ،
وينبغي للإمام أن يسوي الصفوف؛ لما ورد في الحديث.
وقال الإسبيجابي: لا بأس للإمام أن يقول: استَوُوا (^١).
قوله: (اعتبر) (^٢)؛ أي: قياسًا على صلاتها؛ فإن المحاذاة فعل مشترك بينهما، وعلى المحاذاة في صلاة غير مشتركة، وفي صلاة جنازة؛ إذ الاستواء في العلة يوجب الاستواء في الحكم، ولما لم يوجب الفساد في جانبها، وفيما ذكرنا من المسألتين علم أنها ليست بعلة للفساد. وبقول الشافعي (^٣): قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥).
وفي المبسوط (^٦): محاذاتها لا تكون أقوى من محاذاة الكلب والخنزير، وذلك غير مفسد لصلاة الرجل، ولو تفسد بالمحاذاة لكان أولى أن تفسد صلاتها؛ لأنها منهية عن الخروج إلى الجماعة.
(وجه الاستحسان: ما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «أخّروهن …» الحديث.
وقوله: (وأنه من المشاهير)؛ جواب عما يقال: هذا خبره واحد، فكيف أَثْبَتُم به الفريضة؟، فقال: (وأنه من المشاهير)، ولئن سلمنا أنه خبر الواحد؛ فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: ما ذكره صاحب المحيط (^٧): أن وجوب التأخير على الرجل ثبت
_________________
(١) انظر: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (١/ ٢٦٦)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٥٩).
(٢) انظر المتن ص ٧٩٥.
(٣) انظر: مختصر المزني (١٠٩٨)، والمجموع للنووي (٤/ ٢٩٩).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٩٥)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٣٠٧).
(٥) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ١٠١)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١٥٨).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٣).
(٧) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٢٥).
[ ١ / ٧٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالكتاب أيضًا، فإن تأخير النساء إنما وجب إما لتفضيل الرجال عليهن، وتفضيل الرجال ثابت بالنص، قال الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ أوجب لصيانة صلاة الرجل عن الفساد، فإن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة، فربما يشوش الأمر على الرجل، فيكون ذلك سببًا لفساد الصلاة، وصيانتها واجبة بالنص، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، والخبر جاء مبينا لما ثبت بالنص، لا أن يكون الحكم مقصورا عليه، وفيه تأمل.
والثاني: ما ذكره صاحب الأسرار (^١): أن فروض الصلاة لا تثبت بخبر الواحد، أما فروض الجماعة تثبت به؛ لأن أصل الجماعة تثبت بالسنة، ففرضها وشروطها أيضًا تثبت بها، أو لأن تأخيرها في صلاة مشتركة فرض بدلالة الإجماع، فإنا أجمعنا على عدم جواز اقتداء الرجل بها مع اتحاد فرضية صلاتهما، وهو لائح عن أوجه: إما لنقصان حالها؛ كما في إمامة الصبي، أو لعدم صلاحيتها؛ كما في الأمي، أو لفوت شرط من شروط الصلاة؛ كما في العاري، أو لفوت ترتيب المقام، أما نقصان الحال مطلقا؛ فغير مانع عن الاقتداء؛ لجواز إمامة العبد والفاسق والأعمى.
وأما عدم الصلاحية فغير مسلم، بل لها صلاحية؛ بدليل جواز إمامتها للنساء، وأما شروط الصلاة فغير فائت، فتعين لعدم جواز الاقتداء بها فوت فرض ترتيب المقام، الثابت بحديث ابن مسعود، ولما عمل هذا الحديث هناك في حق الاقتداء؛ أفاد عدم الجواز بالإجماع، فيفيدها أيضًا عدم جواز صلاة الرجل عند المحاذات لانعدم التأخير.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: والأمر بقوله: «أخروهن …» للإيجاب، ولا موضع يجب تأخيرها إلا في الصلاة (^٢).
والدليل عليه: أن امرأة جميلة اقتدت بالنبي ﵇، فيُقَدِّمُها قوم
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٦٢)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٦٠).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٦٢).
[ ١ / ٧٩٨ ]
وَهُوَ المُخَاطَبُ بِهِ دُونَهَا فَيَكُونُ هُوَ التَّارِكُ لِفَرْضِ المَقَامِ فَتَفْسُدَ صَلَاتُهُ دُونَ
ويُؤَخِّرها قوم، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤] (^١)، قال ﵇: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها،
وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» (^٢)، ثم قال: «أخروهن … .» الحديث.
وقوله: (وهو مخاطب به)؛ أي: بالتأخير، إشارة إلى جواب قياس الشافعي؛ يعني: تجوز صلاتها؛ لأن الخطاب للرجال دون النساء. إليه أشار شيخ الإسلام، وصاحب الأسرار (^٣).
فإن قيل: لما كان هو مأمورًا بالتأخير؛ كانت هي مأمورة بالتأخير ضرورة، فيجب أن تفسد صلاتها.
قلنا: الضرورة غير مُسَلَّمَة؛ لما أنه يمكن للرجال تأخيرها بدون تأخرها؛ بأن يتقدم عليها خطوة أو خطوتين، فلم يكن تأخرها من ضرورة التأخير، فلم يتناوله مقتضى الخطاب، كما أن الرجال مخاطبون بتأخير الصبيان، وهم غير مأمورين بالتأخر، على أنه لو ثبت تأخرها يثبت ضمنًا لا قصدًا، فانحطت رتبته عن الثابت قصدًا، فأظهرنا الأمر في حقها في حق ثبوت الإثم، وفي حقه بالفساد؛ إظهارًا للتفرقة، ولأن تأخرها لما ثبت ضمنًا لتأخيره لا تكون هي مأمورة بالتأخر إذا لم يوجد منه التأخير؛ لأن المتضمن إنما يوجد عند التضمن. هذا محصول ما ذكره في المحيط (^٤).
وفي الذخيرة، والمحيط (^٥): لو اقتدت بعدما شرع الرجل في الصلاة ونوى إمامتها، فلم يمكنه التأخير بالتقدم بخطوة أو خطوتين؛ لأن ذلك مكروه فيها، وإنما تأخرها بالإشارة باليد وما أشبه ذلك، فإذا فعل ذلك فقد وجد منه
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥/ ١٤٧، رقم ٣١٢٢) والنسائي (٢/ ١١٨، رقم ٨٧٠) وابن ماجه (١/ ٣٣٢، رقم ١٠٤٦) وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (٥/ ٦٠٨، رقم ٢٤٧٢).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٦، رقم ٤٤٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٥٠).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٢٦).
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٢٦).
[ ١ / ٧٩٩ ]
صَلَاتُهَا، كَالمَأْمُومِ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى الإِمَامِ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إِمَامَتَهَا لَمْ تَضُرَّهُ وَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهَا) لِأَنَّ الاِشْتِرَاكَ لَا يَثْبُتُ دُونَهَا عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ رَحْمَةُ اللهِ … …
التأخير، فيلزمها التأخر، فإذا لم تتأخر فقد تركت فرض المقام، فتفسد صلاتها لا صلاته.
ثم قال: وهذه مسألة عجيبة كالمقتدي، فإن هناك لما خوطب برعاية ترتيب المقام دون الإمام، فلذلك تفسد صلاته دون صلاة الإمام؛ لأنه غير مخاطب بالترتيب، فالمأموم لا يتقدم عليه في الموقف عندنا، وعند الشافعي في الجديد (^١)، وأحمد (^٢).
وقال في القديم، ومالك (^٣): يجوز تقدم المقتدي على الإمام؛ لأنه أخطأ في الموقف، وهو غير مبطل؛ قياسًا على ما إذا اقتدى أحد ووقف على يساره؛ فإنه أخطأ في الموقف وهو اليمين.
ولنا: ما روي عن ابن عباس أنه قال: وقفت عن يسار رسول الله في الصلاة، فأدارني من ورائه حتى أوقفني على يمينه (^٤)، ولو كان تقدم المأموم لا يفسد الصلاة؛ لكان ﵇ يجذبه قدامه، ولما اختار أشق الأمرين، وفيه تأمل.
ولأن المأخوذ عليه متابعة الإمام في الأفعال بالإجماع، فكذا في المقام؛ يعني: لو تقدم فيها لا يجوز، فكذا إذا تقدم في المقام؛ وجب أن لا يجوز، مع أن النقل تواتر بتقدم الإمام، وفيه تأمل أيضًا.
(لم تضره)؛ أي: المحاذاة الرجل، ولكن لا تجوز صلاة المرأة.
(لأن الاشتراك لا يثبت دونها)؛ أي: دون النية.
(خِلافًا لِزُفَرَ)؛ فإن عنده نية إمامتها ليست بشرط لفساد صلاة الرجل، بعد ما دخلت في صلاتها بلا نية؛ لأن الرجل صالح لإمامة الرجال والنساء، ثم
_________________
(١) انظر: التنبيه للشيرازي (ص ٤٠)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٨٩).
(٢) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ١٠٠)، والمحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ١١٠).
(٣) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢١١).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٨٠٠ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ
اقتداء الرجل به صحيح بلا نية إمامته، فكذلك اقتداء المرأة، كما في الجمعة والعيدين؛ فإن اقتداءها به صحيح فيهما وإن لم ينو إمامتها بالإجماع.
وقلنا: إن الرجل يلحق بصلاته فساد من جهتها، فيمكنه التحرز عنه بالنية؛ وهو أن لا ينوي إمامتها، كالمقتدي يلحق صلاته فساد من جهة الإمام، وأمكنه التحرز؛ بأن لا ينوي الاقتداء به، فلو صححنا اقتداءها به بلا نية؛ قدرت كل امرأة على إفساد صلاة الرجل متى شاءت، بأن تقتدي به فتقف في جنبه، وفيه من الضرر ما لا يخفى.
وفي الجمعة والعيدين، أكثر مشايخنا قالوا: لا يصح اقتداؤها به بلا نية، وإن كان الجواب مطلقا في الكتاب، ومنهم من سلم، لكن يفرق بينهما وبين غيرهما، وقال: الضرورة في جانبها هاهنا؛ لأنها لا تقدر على أداء الجمعة والعيد وحدها، ولا تجد إمامًا آخر تقتدي به.
والظاهر: أنها لا تتمكن من الوقوف بجنب الإمام في هاتين الصلاتين؛ لكثرة الازدحام، فصححنا اقتداءها بلا نية؛ لدفع الضرر عنها، خلافًا لسائر الصلوات.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: لو وقفت خلف الإمام جاز اقتداؤها بلا نية، ثم إذا وقفت بجنبه (^١) فسدت صلاتها لا صلاة الرجل، وهو قوله (أو لا)؛ لأنها إذا وقفت خلفه (^٢) فقصدها أداء الصلاة لا إفساد صلاة الرجل، فلا تشترط نية الإمامة، فإذا قامت بجنبه فقد قصدت إفساد صلاته، فرد عليها قصدها، إلا أن يكون الرجل نوى إمامتها، فحينئذ التزم هذا الضرر. كذا في المبسوط (^٣).
قوله: (ألا ترى أنه يلزم الترتيب)؛ أي: يلزم الإمام؛ يعني: الإمام التزم على نفسه زيادة فرض وهو تأخيرها، ولذلك يلحق بصلاته فساد من جهتها،
_________________
(١) في الأصل (بجنبها) والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل (بجنبها) والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٥).
[ ١ / ٨٠١ ]
فِي المَقَامِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى التِزَامِهِ كَالِاقْتِدَاءِ، إِنَّمَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الإِمَامَةِ إِذَا التَمَّتْ مُحَاذِيَةٌ.
فلما كان الإمام يلتزم بصحة اقتدائها زيادة فرض، وفساد من جهتها؛ وجب أن لا يلزم هذا إلا بقصده، وهذا دليل على أن نية الإمام شرط لفساد صلاة الرجل، كالاقتداء؛ فإن المقتدي لما يلتزم بالاقتداء زيادة فرض، وهو أن لا يتقدم على الإمام، ويلحق بصلاته فساد من جهته؛ لا يلزم بدون التزامه وهو نية المتابعة.
فإن قيل: يشكل على هذا قول أبي حنيفة في اقتداء القارئ؛ فإن صلاة الأمي تفسد بسبب اقتداء القارئ، ومع ذلك لا يشترط للأمي النية، مع أنه يلحق صلاته فساد من جهته عنده.
قلنا: يمنع عدم اشتراط النية على قول الكرخي؛ فإن عنده لا يصح بلا نية أيضًا، ولئن سلمنا فثمة لا يلحقه الفساد بسبب الاقتداء، فإن القارئ لو صلى وحده والأمي وحده، فأمكن الأمي الاقتداء به؛ تفسد صلاته، دل على أن الفساد ليس بسبب الاقتداء، وأما فساد صلاة الإمام في المحاذاة به لا غير، فيتوقف على التزامه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط (^١).
وفي جامع المحبوبي: محاذاة الأمرد تفسد الصلاة عند البعض؛ لأنه ذكر في الملتقط: أن الأمرد من قرنه إلى قدمه عورة (^٢).
قوله: (إِذَا انْتَمَّتْ)؛ أي: اقتدت (محاذية): للإمام أو المقتدي.
ذكر فخر الإسلام: مسألة كتاب الصلاة: في امرأة وقفت إلى جنب الإمام، ولم ينو الإمام إمامتها؛ تفسد صلاتها دون صلاة الرجل، ومسألة هذا الكتاب: فيما إذا وقفت خلفه، وذلك على وجهين: إما أن تكون خلف الإمام، بجنبها رجل أو لا، فإن كان؛ لا يصح اقتداؤها إلا بنية الإمام؛ لأنه يلزم صلاة الذي بجنبهما فساد لا محالة، فعلى هذا ينبغي أن ينوي المقتدي إمامة النساء، لكنه لما كان موليا عليه من جهته؛ يتوقف ما يلزمه على التزام الإمام، والتزام الإمام التزامه، وإن لم يكن؛ ففيه روايتان: في رواية: لا يصح أيضًا؛ لأنه احتمل
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٢٤).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٥١)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٦١).
[ ١ / ٨٠٢ ]
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِجَنْبِهَا رَجُلٌ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالفَرْقُ عَلَى إِحْدَاهُمَا أَنَّ الفَسَادَ فِي الْأَوَّلِ لَازِمٌ، وَفِي الثَّانِي مُحْتَمَلٌ (وَمِنْ شَرَائِطِ المُحَاذَاةِ … … … …
فساد صلاة الإمام من جهتها، فيوقف على اختياره وإن لم تكن محاذية في الحال، وفي رواية: يصح اقتداؤها؛ لأن ذلك لا يفسد صلاته، لكن بشرط أن لا يلزمه فساد، فإذا حاذته فات الشرط، فبطل الاقتداء (^١).
وفي المبسوط (^٢): ائتمت محاذية وقد نوى إمامتها؛ تفسد صلاة الإمام، وصلاة القوم بفساد صلاة الإمام بسبب المحاذاة.
وقال محمد بن مقاتل: لا يصح اقتداؤها؛ لأن محاذاتها كانت مفسدة صلاتها، فإذا اقترنت منعت، وهذا فاسد؛ لأن فساد صلاتها بفساد صلاة الإمام، ولا تفسد صلاته إلا بعد صحة شروعها؛ لأن المحاذاة ما لم تكن في صلاة مشتركة؛ لا توجب الفساد على أحدهما، وهي الرواية التي لا تشترط النية لصحة اقتدائها إذا لم يكن بجنبها رجل.
(في الأول)؛ أي: فيما إذا كانت محاذية.
(وفي الثاني)؛ أي: فيما إذا لم يكن بجنبها رجل.
(محتمل)؛ أي: يحتمل أن تمشي فتحاذي فتفسد، ولكن الظاهر: أن لا تمشي في الصلاة ولا تحاذي، فلذلك لم يشترط النية في هذه في إحدى الروايتين.
قوله: (ومن شرائط المحاذاة): قال أبو الفضل الكرماني: المحاذاة المفسدة: محاذاة المرأة المشتهاة - حالًا أو ماضيًا - الرجل في صلاة مطلقة مشتركة، منوية نية إمامة النساء في مكان واحد بلا حائل، فشرطنا المحاذاة مطلقا؛ ليتناول كل الأعضاء وبعضها؛ فإنه ذكر أبو علي النسفي: حد المحاذاة: أن يحاذي عضو منها عضوًا منه، حتى لو كانت المرأة على الظلة ورجل بحاذئها أسفل منها، إن كان يحاذي الرجل شيئًا منها؛ تفسد صلاة الرجل، وشرطنا
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٣٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٦٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٥).
[ ١ / ٨٠٣ ]
أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مُشْتَرَكَةٌ، وَأَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةٌ، وَأَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الشَّهْوَةِ.
المرأة مطلقا؛ ليتناول المحرم والأجنبية والحليلة، والحال والماضي؛ ليتناول الصغيرة المشتهاة والكبيرة التي ينفر الرجال عنها؛ لما أنها كانت مشتهاة فيما مضى، وهو معنى قوله: (وهو أن تكون المرأة من أهل الشهوة) في الجملة، حتى لو حاذت مجنونة أو صغيرة لا تشتهى لا تفسد، ولو حاذت المحرم أو الكبيرة التي تنفر عنها الطباع تفسد. إليه أشير في المحيط (^١)، وجامع المحبوبي.
وقيد الصلاة بالمطلقة؛ ليقع الاحتراز عن صلاة الجنازة؛ فإن المحاذاة فيها لا تفسد.
ثم اعلم أن مشايخنا فرقوا بين الاقتداء والمحاذاة فيها، فقالوا: لا يصح اقتداء الرجل بها فيها، ولا تفسد صلاته بمحاذاتها؛ لأن صلاة الجنازة تشبه سجدة التلاوة من وجه؛ لأنها ركن واحد من الصلاة، كسجدة التلاوة، والمرأة تصلح إماما لرجل فيها، فإنها لو تلت على الرجل يلزمه، والتالي إمام للسامع فيها، وتشبه الصلاة المطلقة من وجه؛ لأن فيها تحليلا وتحريما، بخلاف سجدة التلاوة، فوفرنا بكلا الشبهين حظهما، فألحق بها في حق المحاذاة، فلم توجب هي الفساد، وبالمطلقة في أنها لا تصلح إماما للرجل فيها عملا بالشبهين. كذا ذكره شيخ الإسلام (^٢).
وقيد بالمنوية؛ احترازا عن غير المنوية، فإن عند ذلك لا يصح اقتداؤها فلا تفسد؛ لعدم الاشتراك.
وقيد الاشتراك بتحريمة وأداء؛ احتراز عن المرأة والرجل المسبوقين يتحاذيان في أداء ما سبق، حيث لا تفسد صلاة الرجل؛ لأن المسبوق في أداء ما سبق منفرد بدليل وجوب القراءة وسجدة السهو، بخلاف اللاحق.
وفي المحيط: ونعني بالشركة تحريمة؛ أن يكونا بانيين تحريمهما على
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٢٥).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨٠).
[ ١ / ٨٠٤ ]
وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ) لِأَنَّهَا عُرِفَتْ مُفْسِدَةً بِالنَّصّ، بِخِلَافِ القِيَاسِ فَيُرَاعَى
تحريمة الإمام، وبالشركة؛ إذ أن يكون لهما إمام فيما يؤديان حقيقة أو تقديرا، ثم الشركة تكون عند اتحاد الفرضين أو النفلين، وعند اقتداء المتنفل بالمفترض (^١).
فإن قيل: يشكل بما لو اقتدت ناوية للعصر برجل يصلي الظهر، فلم يصح اقتداؤها من حيث الفرض، ويصح من حيث النفل، ومع ذلك لا تفسد صلاة الرجل وإن حاذته.
قلنا: رواية عدم الفساد رواية باب الحدث من المبسوط، أما في رواية باب الأذان؛ فتفسد صلاته باعتبار صحة الاقتداء.
وقيل: هي قولهما، خلافا لمحمد على جواب مسألة صلاة الفجر؛ إذا طلعت الشمس في خلالها، فعندهما: تنقلب نفلًا خلافا لمحمد. كذا ذكره شيخ الإسلام (^٢).
وشرط اتحاد المكان؛ ليتحقق المحاذاة، فإن الرجل لو كان على الدكان والمرأة على الأرض، والدكان قدر قامة الرجل؛ لا تتحقق المحاذاة. ذكره في جامع السَّرَخْسِي (^٣).
وهذا الشرط وإن كان يفهم من المحاذاة، ولكن المشايخ أوردوها؛ توضيحًا للبيان، والحائل أدناه مثل مؤخرة الرَّحْل؛ لا يوجب الفساد وإن كان في مكان واحد.
وفي المحيط: لو كان بينهما حائط قدر الذراع كان سترة، وإن كان أقل لا يكون سترة؛ لأن أدنى أحوال الصلاة القعود مقدار العصا والذراع. كذا في جامع الكردري (^٤).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٢٥).
(٢) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٣٧)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٦٤).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٢٤).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٢٢).
[ ١ / ٨٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعني مقدر بقدر قامة الرجل حال القعود، وغلظه بمقدار غلظ الإصبع. كذا في الخبازية (^١).
وتقدمها عليه في صلاة لا يشتركان فيها يورث الكراهة، وذكر شيخ الإسلام مكان الكراهة الإساءة، والكراهة أفحش (^٢).
وفي المبسوط (^٣): فإن كان صف تام من النساء ووراءهن صف الرجال؛ فسدت تلك الصفوف كلها استحسانًا، والقياس: أن لا تفسد، إلا صلاة صف واحد خلف صف النساء؛ لتتحقق المحاذاة في حقهم، ولكن استحسن؛ لحديث عمر موقوفًا عليه، ومرفوعًا أنه قال: «من كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق، أو صف من النساء؛ فلا صلاة له» (^٤)، ولأن صف النساء بمنزلة الحائط بين الإمام والمقتدي، ووجود الحائط الكبير الذي ليس عليه فرجة بينهما يمنع صحة الاقتداء، فكذلك صف النساء، فأما المرأتان والثلاثة إذا وقفن في الصف؛ فالمروي عن محمد: أن المرأتان تفسدان صلاة أربعة من على يمينهما، ومن على يسارهما، ومن خلفهما بحذائهما، والثلاثة يفسدن صلاة من على يمينهن، ومن على يسارهن، وثلاثة ثلاثة خلفهن إلى آخر الصفوف، فقال: الثلاثة جمع متفق عليه بمنزلة صفّ تام، فأما المثنى ليس يجمع.
وعن أبي يوسف روايتان في رواية: جعل الثلاثة كالاثنتين، وقال: لا تفسدن إلا صلاة خمسة نفر من على يمينهن، ومن على يسارهن، ومن خلفهن بحذائهن؛ لأن الأثر جاء في الصف التام، وفي رواية: جعل المثنى كالثلاث، فقال: تفسدان صلاة من على يمينهما، ومن على يسارهما، ورجلين رجلين إلى آخر الصفوف، ولأن للمثنى حكم الثلاث، قال ﵇: «الاثنان فما
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٣٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٧٨).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٧٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٥٤).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٤).
(٤) بنحوه أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٨١، رقم ٤٨٨٠) من قول عمر ﵁.
[ ١ / ٨٠٦ ]
جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ.
فوقهما جماعة» (^١).
وقيل: الثلاث صف تام، فتفسد صلاة صفوف الرجال خلفهن كالصف التام، ولو كان وراءهن حائط خلفه صفوف؛ لا تفسد صلاتهم على الأصح، وإن كان وراءهن صف الرجال ثم الحائط ثم صفوف الرجال؛ فسدت صلاة الكل (^٢).
وفي فوائد الرُّسْتُغْفَنِي: اقتدت على رف المسجد وتحته صفوف الرجال؛ لا تفسد صلاتهم (^٣).
وفي البقالي (^٤): اقتدت على رف أو سترة قدر قامة الرجل؛ لا تفسد، ودونها تفسد، ولو كان الرجل على سترة أو رفٌ، والمرأة قدامه؛ تفسد، سواء كان قدر قامة الرجل أو دونه، وهذا إذا لم يكن على الرف سترة.
ولو كان بينهما فرجة قدر ما يسعها الرحل أو اسطوانة:
قيل: لا تفسد، وكذا إذا قامت أمامه وبينهما هذه الفرجة.
عن أبي حنيفة عن حماد قال: سألت إبراهيم عمن يصلي في الجانب الشرقي من المسجد، والمرأة في الغربي بحذائه؛ يكره أن لا يكون بينهما قدر مؤخرة الرحل.
قال محمد: وبه نأخذ، والمحاذاة قدر أداء ركن شرط الفساد عند محمد، وعند أبي يوسف: تفسد وإن قلت. كذا في الْمُجْتَبى (^٥).
قوله: (جميع ما ورد به النص)؛ وهو ما روي عن أنس أنه قال: صنعت جدتي مليكة طعامًا … إلى آخر ما روينا (^٦).
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨١).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨١).
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨١).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨١).
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٨٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والاستدلال به: أن تأخيرها لا يجوز أن يكون لضيق المكان؛ لأن البيت لا يضيق عن اصطفاف ثلاثة في العادة، ولا يجوز أن يكون لكيلا يراها الرجال؛ لأن أحدهما كان ابن بنتها، والآخر كان صغيرًا، ولا يجوز أن يكون استحبابًا لتأخيرها؛ لأنه يضمن أمرًا مكروهًا؛ وهو الانفراد خلف الصف، فثبت أنه إنما أمر به؛ دفعًا لما فوقه وهو الفساد، وصلاتها لا تفسد، فتعين فساد صلاة غيرها. كذا في شرح المجمع (^١)، ثم يذكر مسائل يحتاج إليها في الإمامة.
وفي المحيط: لا يصح اقتداء من هو خارج المسجد بإمام فيه؛ إن لم تكن الصفوف متصلة، والمسجد ملآن بحيث لا يسعهم (^٢).
وفي الفتاوى (^٣): الطريق العام؛ وهو الذي يمر فيه العجلة والأوقار، والنهر العظيم؛ وهو الذي لا يمكن العبور منه بدون علاج، وقنطرة ونحوهما، أو تجري فيه السفينة؛ يمنع الاقتداء، وبه قال أحمد (^٤)؛ لقوله ﵇: «ليس مع الإمامِ مَنْ كانَ بينَهُ وبينَ الإمام طريق أو نهر أو صفٌ مِنَ النساء» (^٥).
وقال الشافعي (^٦)، ومالك (^٧): لا يمنع، وما دون ذلك لا يمنع بالإجماع.
ولو اصطف القوم على طول الطريق، ولم يكن بينهم وبين الإمام مقدار ما يمر فيه الجمل؛ فصلاتهم تامة.
وكذلك فيما بين الصف الأول والثاني في الصحراء أو في المسجد، والمصلى إذا كانت الصفوف غير متصلة جاز الاقتداء.
وقال الشافعي (^٨): فلو اتصلت الصفوف إلى من في المسجد؛ فالصلاة
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٥٨).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤١٧).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٥٨).
(٤) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٠٢)، والمحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ١٢٢).
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) انظر: حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢١٨)، والمجموع للنووي (٢/ ٤٣٩).
(٧) انظر: شرح التلقين للمازري (١/ ٦٩٩)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/¬٣٦).
(٨) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٤٨)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤٠).
[ ١ / ٨٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جائزة، وإن كان بين الصفين فصل قريب مقدار ثلاثمائة ذراع، وعلموا بصلاة الإمام؛ فكذلك، وفي مكان غير متخذ ثلاثة أذرع، ولو كان بين الصفين حائط إن كان طويلا وعريضًا ليس فيه ثقب يمنع الاقتداء، وإن كان فيه ثقب لا يمنع مشاهدة حال الإمام؛ لا يمنع بالإجماع.
ولو صلى في دار وبينهما حائط غير حائط المسجد؛ لم يصح الاقتداء.
وقال مالك (^١): يصح إلا في الجمعة إذا علم بصلاة الإمام، ولو صلى على سطح المسجد مقتديًا بالإمام وهو يراه ويسمع صوته؛ جاز على المذهبين، ولو قام على جدار بين داره وبين المسجد ولا يشتبه عليه حال إمامه؛ صح الاقتداء، وكذا لو قام على سطح المسجد، إن كان له باب ولا يشتبه حال إمامه؛ صح الاقتداء، وكذا لو لم يكن باب ولكن لا يشتبه حال إمامه، وكذا لو قام في المئذنة مقتديا بإمام المسجد؛ يجوز إجماعًا.
وفي مختصر الكافي: لو كان بينه وبين إمامه حائط قصير؛ جاز اقتداؤه، وإلا فلا (^٢).
وقيل: القصير الذي يصعد عليه بخطوة من غير كلفة.
وقيل: الذي لا يشتبه عليه حال إمامه. وقيل: الذي لا يمنع الوصول إلى الإمام.
وقيل: النهر المانع ما لا يمكن للقوي اجتيازه بوثبة.
ولو اتصل الصف على الطريق والجسر على النهر يجوز، وللثلاث حكم الصف بالإجماع، وفي المثنى اختلاف.
ولو كان بينهما بركة أو حوض، إن كان حكميًا يمنع، وإلا فلا، ومقدار الصف في الفضاء مانع. وقيل: مقدار الصفين.
ومصلى العيد والجنازة له حكم المسجد في جواز الاقتداء، دون مرور
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٧٥)، وشرح التلقين للمازري (١/ ٦٩٨).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٦٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٥٤).
[ ١ / ٨٠٩ ]
(وَيُكْرَهُ لَهُنَّ حُضُورُ الجَمَاعَاتِ) يَعْنِي الشَّوَابَّ مِنهُنَّ، لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ
الجنب، ومقدار سجود المصلي في الفضاء من الجوانب الأربع مسجد له، فانتقاله إليه غير مفسد، والحوض العظيم في وسط الصفوف لا يمنع إذا استداروا عليه.
ولو صلى الجمعة في سوق الصيارفة مقتديًا بالإمام في المسجد؛ جاز إذا اتصلت الصفوف.
ولو اقتدى على سطح متصل به؛ فهو كمن صلى في منزل متصل بالمسجد، إن سمع تكبير الإمام أو المُكَبِّر؛ يجوز، وإلا فلا.
ولو أغلقت أبواب المسجد والصفوف خارجة متصلة بالحائط، فإن كان باب منها مفتوحًا؛ جاز، وإلا فلا. وقيل: إن كان مفتوحًا من جانبهم جاز، وإلا فلا.
وعن أبي القاسم: يجوز، سواء كان أعلى منهم أو أسفل (^١).
وعن أبي يوسف: يجوز وإن كانت الأبواب مغلقة، وبه أخذ أبو بكر الإسكاف، ومحمد بن سلمة، وفناء المسجد له حكم المسجد، حتى يجوز الاقتداء فيه وإن لم تكن الصفوف متصلة (^٢).
قال محمد: يجوز الاقتداء في الطاقات بالكوفة وإن لم تكن الصفوف متصلة، ولا يصح في دار الصيارفة إلا إذا اتصلت الصفوف (^٣).
ولو قام في مقصورة الجامع صف وفي آخره؛ اختلفوا فيه، واختلف في الخان الكبير إذا أغلق بابه ولم تتصل الصفوف. كذا في الْمُجْتَبى (^٤).
قوله: (ويكره لهن حضور الجماعات): وبه قال الشافعي (^٥)، والمراد: الشواب منهن، ولم يكره للعجائز.
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨٨).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨٨).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨٨).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨٨).
(٥) انظر: المهذب للشيرازي (١) (١٧٧)، والمجموع للنووي (٤/ ١٩٨).
[ ١ / ٨١٠ ]
(وَلَا بَأْسَ لِلْعَجُوزِ أَنْ تَخْرُجَ فِي الفَجْرِ وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ
وقال أحمد: لا يكره لغيرهن أيضًا (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ونهى النبي ﵇ النساء عن الخروج، إلا عجوزًا في منقلها (^٢)، والمنقل: الخف. كذا في شرح الوجيز (^٣).
وفي تتمتهم: (^٤) لو أرادت الخروج إلى المسجد؛ يكره للزوج منعها، ولكن المستحب أن تخرج في ثياب المهنة بغير زينة، ولا استعمال طيب؛ لقوله ﵇: «إذا اسْتَأْذَنَتْ أحدكم امرأتُهُ إليهِ فَلَا يَمْنَعْهَا» (^٥)، وعن أبي هريرة أنه ﵇ قال: «لا تَمْنَعُوا إماء الله مساجد الله، إِذا خَرَجْنَ فَلَيَخْرُجْنَ تفلات» (^٦)، يعني: غير متطيبات.
ولنا: ما تلونا من الآية والحديث، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم﴾ [الحجر: ٢٤] الآية، نزلت في شأن النسوة؛ فإن المنافقين يتأخرون حتى يتطلعون على عوراتهن، فمنعن عن الخروج؛ لما صار خروجهن سببًا لوقوع الفتنة، فصار إباحة خروجهن منسوخًا، بدليل أن عمر ﵁ نهى النساء عن الخروج إلى المساجد، فشكون إلى عائشة فقالت: لو علم النبي ﵇ ما علم عمر؛ ما أذن في الخروج لَكُنَّ.
(والمغرب والعشاء): وكذا الجمعة والعيد عند أبي حنيفة. كذا ذكره شيخ الإسلام وقاضي خان (^٧).
_________________
(١) انظر: المبدع لابن مفلح (٢/ ١٤٨)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٢١٢).
(٢) قال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٣٩٤): هذا الحديث لا يحضرني رفعه بعد البحث عنه. وأخرجه البيهقي في (٣/ ١٣١، رقم ٥٥٧٠).
(٣) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٢٨٧).
(٤) تتمة الإبانة للمتولي (ص ١٦٦).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٧٣، رقم ٨٧٥) ومسلم (١/ ٣٢٦، رقم ٤٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) أخرجه أبو داود (١/ ١٥٥، رقم ٥٦٥) من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٢/ ٢٩٣، رقم ٥١٥).
(٧) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٠٢)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٣٩).
[ ١ / ٨١١ ]
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَخْرُجْنَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا) (*) لِأَنَّهُ لَا فِتْنَةَ لِقِلَّةِ الرَّغْبَةِ إِلَيْهَا، فَلَا يُكْرَهُ كَمَا فِي العِيدِ.
وَلَهُ: أَنَّ فَرْطَ الشَّبَقِ حَامِلٌ فَتَقَعُ الفِتْنَةُ، غَيْرَ أَنَّ الفُسَّاقَ انْتِشَارُهُمْ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَالجُمُعَةِ، أَمَّا فِي الفَجْرِ وَالعِشَاءِ فَهُمْ نَائِمُونَ، وَفِي المَغْرِبِ بِالطَّعَامِ مَشْغُولُونَ، وَالجَبَّانَةُ مُتَسِعَةٌ فَيُمْكِنُهَا الاعْتِزَالُ عَنِ الرِّجَالِ فَلَا يُكْرَهُ.
وفي المبسوط (^١)، والمحيط (^٢): لا يباح لهن الخروج إليها، وجعل قاضي خان صلاة المغرب من قبيل الظهر كلها، حتى صلاة الكسوف والاستسقاء.
(الفرط) بسكون الراء: مجاوزة الحد، و(الشبق) بفتحتين - مصدر شبق (^٣) بالكسر، من حد علم: شِدَّة الغَلَمَة، وهي شهوة الضراب. كذا في الصحاح.
وفي مبسوط فخر الإسلام (^٤): أما العجائز؛ فلا بأس بخروجهن إلى العيدين بالإجماع.
وتكلموا في أن حضورهن للصلاة أو لتكثير الجمع:
ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة: للصلاة، فيصلين في آخر الصفوف.
وفي رواية أبي يوسف عنه: لتكثير سواد المسلمين، فقمن في ناحية ولا يصلين؛ لأنه قد صح أنه ﵇ أمر الحيض بالخروج (^٥) مع أنهن لسن من أهل الصلاة، والفتوى اليوم على الكراهة في الصلوات كلها، فمتى كره حضورهن المسجد للصلاة، لأن يكره لحضور مجالس العلم، خصوصًا عند هؤلاء الجهال [الذين (^٦)] تحلوا بحلية أهل العلم. إلى هذا لفظه. ذكره المحبوبي (^٧).
_________________
(١) (*) الراجح: هو عدم الجواز مطلقًا.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤١).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٠٢).
(٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٥/ ١٩٩٧).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/¬٤١)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٧٥).
(٦) أخرجه البخاري (١/ ٧٢، رقم ٣٢٤) ومسلم (٢/ ٦٠٥، رقم ٨٩٠) من حديث أم عطية ﵂.
(٧) ما بين المعقوفتين زيادة من النسخة الثالثة.
(٨) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٣٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٥٥).
[ ١ / ٨١٢ ]
قَالَ: (وَلَا يُصَلِّي الطَّاهِرُ خَلْفَ مَنْ هُوَ فِي مَعْنَى المُسْتَحَاضَةِ، وَلَا الطَّاهِرَةُ خَلْفَ المُسْتَحَاضَةِ) لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى حَالًا مِنْ المَعْذُورِ، وَالشَّيْءُ لَا يَتَضَمَّنُ مَا
(من هو في معنى المستحاضة) كمن به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ وانفلات ريح واستطلاق بطن.
وللشافعي في صلاة الطاهرة خلف المستحاضة وجهان:
أحدهما: أنه يجوز كالمتوضئ خلف المتيمم والغاسل خلف الماسح، وبه قال زفر، وكذا قال زفر: خلف كل معذور؛ لأنه آت بما هو مأمور به.
والثاني: لا يجوز؛ لأن طهارتها ضرورية، ولا ضرورة في الاقتداء (^١).
وعندنا: الأصل في جنس هذه المسائل: أن المقتدي إذا كان أقوى حالًا من الإمام لا يجوز اقتداؤه به؛ لأن بناء القوي على الضعيف لا يجوز؛ لأن صلاة الإمام تتضمن صلاة المقتدي، والشيء إنما يتضمن ما هو مثله أو دونه، لا ما هو فوقه.
وإنما قلنا أنها تتضمن؛ لقوله ﵇: «الإمام ضامِنٌ» (^٢)، والضمان ليس في الذمة، فإن صلاة المقتدي لا تصير في ذمة الإمام، فثبت أن معناه: صلاة المقتدي في ضمن صلاة الإمام. إليه أشير في الأسرار (^٣).
ولأن طهارتها مع المنافي للضرورة، ولا ضرورة في حق الاقتداء.
وللشافعي في صلاة القارئ خلف الأمي قولان:
أحدهما: أنه يصح، وبه قال زفر، واختاره المزني (^٤)، فإن اقتداء الكاسي بالعارى يجوز مع فوات الصلاة، فكذا اقتداء القارئ بالأمي.
والثاني - وهو المنصوص في الجديد -: أنه لا يصح (^٥)، وهو قولنا،
_________________
(١) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٨٤)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٠٢).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٦٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٥٦).
(٤) انظر: مختصر المزني (٨/ ١١٦).
(٥) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٨٥)، والبيان للعمراني (٢/ ٤٠٥).
[ ١ / ٨١٣ ]
هُوَ فَوْقَهُ، وَالإِمَامُ ضَامِنٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ تَضَمَّنُ صَلَاتُهُ صَلَاةَ المُقْتَدِي (وَلَا) يُصَلِّي (القَارِئُ خَلْفَ الأُمِّيِّ، وَلَا المُكْتَسِي خَلْفَ العَارِي) لِقُوَّةِ حَالِهِمَا.
ومالك (^١)، وأحمد (^٢).
ثم الأمي عنده من لا يحسن الفاتحة أو حرفًا منها، وعندنا من لا يحسن القراءة.
وله في اقتداء الكاسي بالعاري قول واحد: أنه يجوز (^٣)؛ لأن العجز عن فرض من فرائض الصلاة إذا لم يمنع صحة الصلاة؛ فلا يمنع صحة الاقتداء، قياسًا عن العجز عن القيام. ولنا: ما ذكرنا من الأصل.
وفي فتاوى قاضي خان (^٤): لا يصح اقتداء القارئ بالأخرس أيضًا، وكذا اقتداء الأمي به؛ لأن الأخرس لا يأتي بالتحريمة، وهي فرض، والأمي يأتي بها، فصار كاقتداء القارئ بالأمي.
ولو اقتدى الأمي بالقارئ فتعلم سورة في وسط الصلاة:
قال الفضلي: لا تفسد صلاته؛ لأن صلاته كانت بقراءة.
وقال غيره: تفسد؛ لأنه يقوى حاله (^٥).
ثم ذكر في جنس هذه المسائل: أن صلاة الإمام جائزة، إلا إذا كان الإمام أُميًّا والمقتدي قارئًا أو أخرسًا، والمقتدي أميا؛ حيث لا يجوز.
وفي كل موضع لا يجوز الاقتداء، هل يصير شارعًا في صلاة نفسه؟
في رواية باب الحدث وزيادات الزيادات: لا يصير، حتى لو ضحك قهقهة لا ينتقض وضوءه، وفي رواية: الأذان يصير شارعًا.
وفي المحيط (^٦): الصحيح: هو الأول؛ لأنه نص عليه محمد في الأصل،
_________________
(١) انظر: شرح التلقين للمازري (١/ ٦٨٠)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٢٤٤).
(٢) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٩٤)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١٤٤).
(٣) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٣٧٩).
(٤) انظر: فتاوى قاضي خان (١/¬٤٢)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٨٢).
(٥) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٤١)، وفتاوى قاضي خان (١/¬٤٢).
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤١٠).
[ ١ / ٨١٤ ]
(وَيَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ المُتَيَمِّمُ المُتَوَضِّئِينَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا
حتى لو كان متطوعًا لا يلزمه القضاء؛ لأن الشروع كالنذر، ولو نذر أن يصلي بغير قراءة؛ فلا يلزمه القضاء، فكذا إذا شرع، وفيه تأمل.
وقيل: ما ذكر في باب الحدث قول محمد، وما ذكر في باب الأذان قولهما، بناء على فساد الجهة يوجب فساد التحريمة عنده، خلافا لهما.
وأما جواب قياس زفر على المتيمم والماسح: أن طهارة المعذور فائتة حقيقة وهو شرط، والمعذور لم يؤمر في هذا الوقت إلا بتحصيل الأضعف، وهو أداء الصلاة مع الحدث، وإذا أتى به خرج عن عهدة ما أمر به، وذلك لا يجعله صالحًا لبناء الأقوى عليه، بخلاف المتيمم؛ لقيام الخلف مع الأصل، وكون الخلف مانعًا من سراية الحدث، فلم تكن الطهارة فائتة حقيقة وحكمًا.
قوله: (ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين) وبه قال زفر، والشافعي (^١)، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣)، وجمهور الفقهاء، خلافا لمحمد (^٤).
قال شيخ الإسلام: هذا الخلاف فيما إذا لم يكن مع المتوضئين ماء، وإلا فلا (^٥).
وأجمعوا أن ماسح الخف يؤم الغاسلين.
لمحمد: ما روي عن علي ﵁ أنه قال: «لا يؤم المتيمم المتوضئين، ولا المقيد المطلقين» (^٦)، ولم يرو عن أقرانه خلاف ذلك، فوجب اتباعه.
ولأنه صلى بالتيمم باقتدائه بالمتيمم، مع قدرته على الصلاة بالوضوء؛ بأن يصلي وحده فلا يجوز؛ لأنه طهارة ضرورية.
ولهما: حديث عمرو بن العاص: أنه ﵇ جعله أميرًا على سرية،
_________________
(١) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٨٤)، والمجموع للنووي (٤/ ٢٦٣).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٥٠)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢١٣).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٩٣)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (١/ ٢٨٣).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١١١)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٤٢).
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٥٦)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٦٧).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٥٢، رقم ٣٦٦٨) وفي سنده الحارث الأعور ضعيف.
[ ١ / ٨١٥ ]
اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀:
فلما انصرفوا سألهم عن سيرته، فقالوا: كان حسن السيرة (^١)، ولكنه صلى بنا يوما وهو جنب، فسأله النبي ﵇، فقال: احتلمت في ليلة باردة، خشيت الهلاك إن اغتسلت فتلوت قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فتيمَّمْتُ وصلّيتُ بهم، فتبسم النبي ﷺ، وقال: «يا لك من فقه عمرو بن العاص» (^٢)، ولم يأمرهم بالإعادة.
ولأنه طاهر اقتدى بطاهر، فإن التيمم عند عدم الماء مطهر، والعدم ثابت في حق الكل، فيكون طهارته ثابتة في حقهم.
وأما حديث علي ﵁؛ أراد به نفي الفضيلة والكمال، بدليل عطف المقيد عليه، وهناك المراد نفي الفضيلة بالاتفاق، وفي الحقيقة هذا بناء على ما ذكر في الأصول: أن التراب خلف عن الماء على قولهما، وعنده التيمم خلف عن الوضوء، فيكون المتيمم صاحب الخلف، والمتوضؤ صاحب الأصل عنده، فلا يؤمه.
وعندهما: لما كان التراب خلفًا عن الماء في حصول الطهارة، فبعد حصولها كان شرط الصلاة موجودًا في حق كل واحد منهما بكماله؛ بمنزلة الماسح يؤم الغاسلين.
وجه قول محمد: قوله ﵇: «التَّيمم وضوء المسلم …» الحديث (^٣)؛ جعل التيمم وضوءا دون التراب.
ولهما: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] الآية؛ فقد أقام الصعيد مقام الماء، وقوله ﵇: «الصَّعيدُ الطَّيبُ وضوء المسلم» (^٤)، وفهم
_________________
(١) في الأصل (السرية)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) وأخرجه أبو داود (١/ ٩٢، رقم ٣٣٤) مختصرا من حديث عمرو بن العاص والحاكم (١/ ٢٨٥، رقم ٦٢٩) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٩٠، رقم ٣٣٢) والترمذي (١/ ١٨٤، رقم (١٢٤) والنسائي (١) ١٧١، رقم ٣٢٢) من حديث أبي ذر وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٤) انظر تخريج الحديث السابق.
[ ١ / ٨١٦ ]
لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ (*)، وَالطَّهَارَةُ بِالمَاءِ أَصْلِيَّةٌ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ
محمد من وضوء المسلم الطهارة، والوضوء ما يعد للطهارة لا نفسها.
(طهارة ضرورية)؛ يعني: من حيث إنه يصار إليه عند العجز والضرورة عن استعمال الماء.
(طهارة مطلقة)؛ يعني: غير مؤقتة بالوقت، بخلاف طهارة المستحاضة؛ فإنها مؤقتة بالوقت، وهذا هو الفرق بينهما.
فإن قيل: يشكل على أصل كل واحد مسألة انقطاع الرجعة؛ فإنه جعل محمد التيمم هاهنا طهارة ضرورية، وفي باب الرجعة طهارة مطلقة، حتى انقطع الرجعة بمجرد التيمم عنده من غير أن يصلي، وهما جعلاه مطلقة هاهنا وضرورية هناك، حتى قالا: لا تنقطع الرجعة به، فيلزم التناقض.
قلنا: لا تناقض في التحقيق؛ فإنهم اتفقوا على أن التيمم طهارة مطلقة بجهة، وضرورية بجهة، لكنهم اختلفوا في تفسير الضرورة والإطلاق، فقال محمد: ضرورة من حيث تقييده بعدم الماء؛ فإنه في الحقيقة تلويث، ولكنه جعل تطهيرًا ضرورة عدم الماء، ولكن بعد تحقق شرطه وهو عدم الماء مطلقة كالوضوء، حتى جاز به جميع ما يجوز بالوضوء مما يتعلق بالطهارة، ولا ينتقض بخروج الوقت ودخوله، وإلى هذا الإطلاق أشير في قوله ﵇: «التيمم طهور المسلم» (^١) الحديث، ففي مسألة الاقتداء طهارة مطلقة في حق نفسه ليتحقق شرطه في حقه، حتى يجوز له جميع ما يجوز بالتوضئ، ولكنه طهارة ضرورية بالنسبة إلى المقتدي؛ لأن الشرط لم يوجد في حقه طهارة المعذور؛ فإنها ليست بطهارة في حق الصحيح؛ لعدم الضرورة في حقه، وإن كانت طهارته في حق نفسه، وكما لو كان معه ما لا يشعر به إمامه المتيمم، فاختار محمد في الموضعين جانب الاحتياط، فكان الاحتياط في المطلقة؛ كونه طهارة مطلقة بعد تحقق شرطه كالوضوء، فينقطع حق الرجعة وتجب الصلاة؛ لأن سقوط الرجعة
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) انظر تخريج الحديث السابق.
[ ١ / ٨١٧ ]
وَلِهَذَا لَا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الحَاجَةِ (وَيَؤُمُّ المَاسِحُ الغَاسِلِينَ) لِأَنَّ الخُفَّ مَانِعُ سِرَايَةَ الحَدَثِ إِلَى القَدَمِ، وَمَا حَلَّ بِالخُفِّ يُزِيلُهُ المَسْحُ، بِخِلَافِ المُسْتَحَاضَةِ لِأَنَّ الحَدَثَ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا … … …
مما يوجد بالاحتياط بالاتفاق، ولهذا لو اغتسلت وبقيت لمعة؛ تنقطع الرجعة احتياطًا وإن لم يحل لها الصلاة، وهاهنا تحل لها الصلاة بالتيمم، فأولى أن تنقطع به الرجعة.
وفي مسألة الاقتداء: الاحتياط أن لا يجوز؛ لأنه اجتمع جهتان، فرجح جهة عدم الجواز احتياطًا، وهما جعلاه طهارة ضرورية؛ من حيث إنه جعل طهارة مع كونه تلويثًا؛ ضرورة التحرز عن تضاعف الواجبات، كما ذكر في المتن في مسألة الرجعة، ولكنه طهارة مطلقة فيما شرع طهارة في حقه وهو أداء الصلاة، وما يتوقف صحته على الطهارة، وإلى هذا الإطلاق أشير في قوله ﵇: ﴿جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا …﴾ الحديث (^١)، ثم تيمم الإمام بعد تحقق شرطه طهارة مطلقة في حقه وحق المقتدي؛ لأنه كالوضوء في حق أداء الصلاة، فلا يمنع صحة اقتدائه به، كما لو متوضئًا حقيقة، واستعمال المقتدي الماء لا يصير الماء موجودًا في زعمه، فكان الإمام طاهرًا في زعمه، بخلاف ما لو كان معه ماء لا يشعر به إمامه؛ فإن الشرط لم يوجد في زعمه، وبخلاف المعذور؛ لأن طهارته ضرورية في حق جميع الأحكام، فلا يظهر فيما وراء موضع الضرورة.
فأما تيمم المطلقة وإن كان طهارة مطلقة في حق الصلاة، ولكنه ضرورة في حق انقطاع الرجعة؛ إذ هو ليس من الصلاة في شيء، فلم يظهر في حقه؛ لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها، فتبين مما ذكرنا أنهما عملا في مسألة الاقتداء بصفة الإطلاق، وفي حق الرجعة بصفة الضرورة احتياطًا أيضًا، فلا يكون ما ذكره المصنف تناقضًا. إليه أشير في إشارات الأسرار (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٧٤، رقم ٣٣٥)، ومسلم (١/ ٣٧٠، رقم ٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٦٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٥٩).
[ ١ / ٨١٨ ]
مَعَ قِيَامِهِ حَقِيقَةً (وَيُصَلِّي القَائِمُ خَلْفَ القَاعِدِ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَجُوزُ (*)، وَهُوَ
(مع قيامه)؛ أي: قيام الحدث في المستحاضة (حقيقة)، أما على الرجل ما حلت النجاسة حقيقة؛ لوجود الخف، بل حلت حكمًا وقد ارتفعت بالمسح، وفي المعذور الطهارة فائتة حقيقة، وإنما جعل طهارة مع المنافي في الوقت؛ ضرورة التقضي عن عهدة التكليف، فلا يجعل صالحًا لبناء الأقوى، كما قلنا في جواب قياس زفر.
قوله: (ويصلي القائم): اقتداء القائم بالقاعد جائز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف (^١)، والشافعي (^٢)، ومالك في رواية استحسانًا.
وفي قول محمد، وزفر: لا يجوز، وهو رواية أخرى عن مالك (^٣) قياسًا. وقال أحمد (^٤)، والأوزاعي: يصلون خلفه قعودًا.
لمحمد: قوله ﵇: «لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعَدي جالسًا» (^٥)، ولم يرد به الجالس بالجالس، فإن اقتدى القاعد بالقاعد، والجالس بالقائم؛ يجوز بالإجماع، فعلم أن مراده (جالسًا): القائم، ولأن هذا اقتداء غير معذور بالمعذور فلا يصح، فإن صلاة الفرض لا تجوز جالسًا إلا بعد العجز، فلا تصح إمامته للقائم، قياسًا على اقتداء الصحيح بالمريض الذي يومئ؛ فإنه لا يصح بالاتفاق، وعلى اقتداء المكتسي بالعاري، بل أولى؛ لأن الستر شرط والقيام ركن؛ وهذا لأن المقتدي بان صلاته على صلاة الإمام، وتحريمة الإمام لم تنعقد للقيام، فلا يمكنه بناء القيام عليه، فحينئذ كان اقتداؤه في بعض أفعال الصلاة دون البعض، فيكون منفردًا بالقيام، فكان اقتداء وانفرادًا في حالة واحدة.
_________________
(١) (*) الراجح قول الشيخين.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٤٣)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٦٨).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٧/ ٢٠٩)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٠٢).
(٤) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢١٣)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٥١٢).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ١٦٢)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٨٠).
(٦) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٥٢، ١٩٨٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٨٠، رقم ٥٢٧٨) وقال الدارقطني: لم يروه غير جابر الجعفي وهو متروك والحديث مرسل لا تقوم به حجة.
[ ١ / ٨١٩ ]
القِيَاسُ لِقُوَّةِ حَالِ القَائِمِ، وَنَحْنُ تَرَكْنَاهُ بِالنَّصِّ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى آخِرَ صَلَاتِهِ قَاعِدًا وَالقَوْمُ خَلْفَهُ قِيَامٌ» (وَيُصَلِّي المُومِيُّ خَلْفَ مِثْلِهِ).
ولنا: حديث عائشة: أنه ﵇ لما ثقل في مرضه قال: «مُرُوا أبا بكر أنْ يُصلِّي بالناس» (^١)، فقالت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف - أي: حزين - إذا وقف مكانك لا يملك نفسه، فلو أمرت غيره - يعني: ليت أمرت غيره -، و(لو) بمعنى المتمني هاهنا، فقالت ذلك كرتين، فقال ﵇: «أنتُنَّ صَواحباتُ يُوسُفَ، مُرُوا أبا بكرٍ»، فلما افتتح أبو بكر وجد النبي ﵇ خفة في نفسه، فخرج يهادى بين علي والفضل، ورجلاه تخطان في الأرض، حتى دخل المسجد فسمع أبو بكر حسه، فتأخر وتقدم النبي ﵇، وجلس على يسار أبي بكر، وصلى وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر (^٢) - يعني: أن أبا بكر يسمع تكبير النبي ﵇. قاله الأعمش، وبه يعرف جواز رفع المؤذنين أصواتهم في الجمعة والعيدين وغيرهما.
ولأن الإمام صاحب بدل صحيح كالماسح، فيجوز اقتداء صاحب الأصل به، بخلاف صاحب الحرج والعاري؛ فإنهما ليسا بصاحب بدل، ولا يلزم اقتداؤه بالمومئ؛ فإنه لا يصح، لما أن صلاة المقتدي بركوع وسجود، وليسا في الإيماء أصلًا ولا بدلا صحيحًا، فإن الإيماء ليس ببدل منهما؛ لأنه بعضهما، وبعض الشيء لا يكون خلفه، لكن سقط عنه ما عجز عنه للضرورة، ولهذا يقال لمن قعد ناهضًا عن نومه: قام عن فراشه وعن مضجعه، ويقال للمضطجع: قم واقرأ، فنهض وقعد يكون ممثلا أمره بالقيام، بخلاف الإيماء؛ فإنه لا يسمى سجودًا بحال، ولأن الركوع والسجود ركنان مقصودان، بخلاف القيام، ولهذا يتخير المتنفل بين القيام والقعود، ولا يتخير بين الإيماء والسجود، فإذا لم يكن مقصودًا؛ جاز أن يسد الناقص مَسَدَّهُ، لعدم فوات المقصود، فكان حال الإمام مثل حال المقتدي، بخلاف الركوع والسجود؛
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٣٣، رقم ٦٦٤) ومسلم (١/ ٣١٣، رقم ٤١٨) من حديث عائشة.
[ ١ / ٨٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنهما مقصودان، وقد فاتا في حق الإمام المومئ، فلا يكون حاله مثل حال المقتدي.
وأما الجواب عن تعلقه بقوله ﵇: «لا يَؤُمَّنَّ …» (^١) أن المراد الجالس القادر على القيام، ونحن نقول هكذا، فكان ﵇ مخصوصًا به، وإنما قلنا ذلك بدليل قصة الحديث، وهو ما روى الزهري عن أنس أنه ﵇ سقط من فرسه فجحش شقه الأيسر في رواية مبسوط السَّرَخْسِي (^٢)، وفي رواية مبسوط شيخ الإسلام: شقه الأيمن (^٣)، فلم يخرج أيامًا، فدخل عليه الصحابة فوجدوه يصلي قاعدًا، فافتتحوا الصلاة خلفه قيامًا، فصلوا قيامًا وهو جالس، فأشار إليهم أن اقعدوا، فلما فرغ من صلاته قال: «إنما جُعِلَ الإمامُ إمامًا ليؤتم به فلا تَخْتَلِفوا عليه، فإذا صلَّى قائمًا فَصَلُّوا قيامًا، وإذا صلّى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين، لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا - أي: الجالس - هو قادر على القيام، كما فَعَلتُهُ أنا، فإنّي كنتُ مخصوصًا بذلك» (^٤) كذا في المبسوطين (^٥)، والأسرار.
وهذا في الحقيقة جواب عما تمسك أحمد بهذا الحديث، ثم قال في الأسرار: وكلام محمد أحب إلي.
وفي الْمُجْتَبى (^٦): هذا الحديث محمول على الاستحباب، كما قال ﵇: «لا يؤُمُّ المُقيَّد المُطلقين» (^٧) وإمامته لهم جائزة، والمراد نفي الفضيلة، فكذا هذا.
_________________
(١) يريد حديث: «لَا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بَعدِي جالسًا» وتقدم تخريجه قريبا.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٤).
(٣) كما في صحيح البخاري (١/ ١٣٩، رقم ٦٨٩) من حديث أنس ﵁.
(٤) لم أجده بهذا اللفظ وبنحوه أخرجه البخاري (١/ ١٣٩، رقم ٦٨٨) ومسلم (١/ ٣٠٨، رقم ٤١١) من حديث أنس ﵁.
(٥) المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٤).
(٦) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨٤).
(٧) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٨٢١ ]
لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الحَالِ، إِلَّا أَنْ يُومِنَ المُؤْتَمُّ قَاعِدًا وَالإِمَامُ مُضْطَجِعًا، لِأَنَّ القُعُودَ
وقيل: محمول على غير حالة العذر، والتخيير بين القيام والقعود كان مخصوصًا بالنبي ﵇، وقال أبو عمر بن عبد البر (^١): حديث «لَا يَؤْمَنَّ أحدٌ بَعدِي …» لا يصح؛ لأنه رواه جابر الجعفي عن الشعبي، وأهل الحديث لا يقبلون مسند الجعفي، فكيف يقبلون مرسله، ومتفق رد روايته.
وقيل: إنه يقول بالتناسخ والرجعة، ويتظاهر بسب السلف الصالح، فلا يحل قبول قوله في الدين.
ولأن القعود قيام مقصود؛ لأن كماله باستواء النصفين، وقد وجد أحد نصفيه مستويًا، فصار كاقتداء المستوي قائما مع المنحني ظهره، حتى كان كالراكع. كذا في الأسرار (^٢).
وعن شيخ شيخي: هذه النكتة قاطعة للشغب؛ لما أن القيام عبارة عن استواء النصفين، فلما لم يوجب فوات استواء النصف الأعلى عدم جواز الاقتداء؛ لم يوجب فوات النصف الأسفل عدم الجواز أيضًا؛ لأنهما سواء في تكميل القيام واسم النصف.
قوله: (لاستوائهما في الحال): قال التمرتاشي: لو كان الإمام يصلي قاعدًا بالإيماء، والمقتدي يصلي قائما بالإيماء؛ صح اقتداؤه به أيضًا؛ لأن هذا القيام ليس بركن، حتى كان الأولى تركه دل عليه: ما لو عجز عن السجود وقدر على غيره من الأفعال؛ أنه يصلي قاعدًا بإيماء، فيستوي حالهما (^٣).
قوله: (إلا أن يومئ المؤتم قاعدًا) إلى آخره؛ أي: فحينئذ لا يجوز.
وذكر التمرتاشي حكم هذه المسألة على خلاف هذا؛ فإنه قال: واختلف في اقتداء من يصلي قاعدًا مومِنًا بمن يصلي مضطجعًا مومنا، والأصح: أنه يجوز على قول محمد، وكذا الأظهر على قولهما الجواز (^٤).
_________________
(١) التمهيد (٦/ ١٤٣).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٤٣)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٦٨).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٦٣).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٦٣).
[ ١ / ٨٢٢ ]
مُعْتَبَرٌ فَتَثْبُتَ بِهِ القُوَّةُ (وَلَا يُصَلِّي الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ خَلْفَ المُومِئِ) لِأَنَّ حَالَ المُقْتَدِي أَقْوَى، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ ﵀.
(وَلَا يُصَلِّي المُفْتَرِضُ خَلْفَ المُتَنَفِّلِ) لِأَنَّ الاِقْتِدَاءَ بِنَاءُ، وَوَصْفُ الفَرْضِيَّةِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ الإِمَامِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ البِنَاءُ عَلَى المَعْدُومِ. قَالَ: (وَلَا مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ) لِأَنَّ الاِقْتِدَاءَ شَرِكَةٌ وَمُوَافَقَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الاتِّحَادِ …
وذكر في المحيط (^١) ما يوافق رواية الهداية، ثم ذكر التمرتاشي: وعلى هذا الخلاف اقتداء السليم بالأحدب الذي بلغ حد الركوع (^٢)، وهذا على خلاف ما ذكرنا قبله من الأسرار، ولكن رواية المحيط مثل رواية الأسرار.
قوله: (خلاف زفر): والشافعي أيضًا (^٣).
لهما: أن الفرض سقط إلى خلف وهو الإيماء، والمتأدى بالبدل كالمتأدى بالأصل، فصار كإمامة المتيمم المتوضئين، والماسح الغاسلين.
ولنا: أن الإيماء ليس ببدل عنهما؛ لأنه بعضهما كما بينا، وبعض الشيء لا يكون بدلًا عنه. كذا في المحيط (^٤).
فإن قيل: يلزم راكب ترك في صلاته؛ فإنه يبني الركوع والسجود على الإيماء.
قلنا: إحرامه انعقد مُجَوّزًا لهما؛ لقدرته عليهما، لكنهما سقطا لعجز حالي، فصح البناء وبقولنا: قال مالك (^٥)، وأحمد (^٦).
قوله: (لأن الاقتداء شركة)؛ أي: في التحريمة.
(وموافقة)؛ أي: في الأفعال.
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٠٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٦٣).
(٣) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٤٠٤)، والمجموع للنووي (٤/ ٢٦٦).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤١١).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٤٤)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ٩٨).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ١٦٥)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/¬٤٢).
[ ١ / ٨٢٣ ]
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: يَصِحُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الاِقْتِدَاءَ عِنْدَمَا أَدَّاءُ عَلَى سَبِيلِ المُوَافَقَةِ،
(وعند الشافعي يصح في جميع ذلك) (^١) وهو قول عطاء، وأحمد في رواية (^٢)، واختاره ابن المنذر؛ لحديث معاذ: أنه كان يصلي مع النبي ﵇ العشاء، ثم يرجع فيصلي بقومه في بني سلمة (^٣)، وزاد الدارقطني (^٤): فكان صلاة العشاء لمعاذ نفلا ولقومه فرضًا، ولأنه لا يظن بمعاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي ﵇، مع قوله ﵇: «إذا أقيمَتِ الصَّلاةُ فَلَا صَلاةَ إلا المكتوبة» (^٥)، فكيف يظن بمعاذ أنه يصلي النافلة مع إقامة المكتوبة؟.
ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال المعهودة، ويصحان جماعة وفرادى، فيصح بناء أحدهما على الآخر، قياسًا على صلاة واحدة، ولا يلزم الجمعة بمن يصلي الظهر، حيث لا يجوز عنده؛ لأنه قال: يصح فرادى وجماعة، والجمعة لا تصح فرادى، ولأن لها شرائط لم توجد في الظهر.
وبقولنا: قال مالك (^٦)، وأحمد في رواية، واختارها أكثر أصحاب أحمد (^٧).
ودليلنا: ما روي أنه ﵇ قال: «الإمام ضامن …» الحديث (^٨)، وقوله ﵇: «إنّما جُعِلَ الإمامُ إمامًا لِيُؤْتَمَّ به، فلا تَخْتَلِفوا عليه» (^٩)، نهى عن الاختلاف عليه، والفرض غير موجود في صلاة الإمام، فيعمل على إطلاقه.
ومعنى قوله: (ضامن)؛ أي: ضامن لصلاة القوم صحة وفسادًا، فإن كل مصلي ضامن لصلاة نفسه، والضمان ليس في الذمة لما ذكرنا، فثبت أن معناه:
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣١٦)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٠٦).
(٢) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٩٦)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٥٩).
(٣) والبخاري (١/ ١٤١، رقم ٧٠١) من حديث جابر ﵁.
(٤) أخرجه الدارقطني (٢/¬١٣، رقم ١٠٧٥) من حديث جابر ﵁.
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٤٩٣، رقم ٧١٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) انظر: شرح التلقين للمازري (١/ ٥٨٢)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ٢٠٦).
(٧) انظر: الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٥٩)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٢٧٦).
(٨) تقدم تخريجه قريبا.
(٩) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٨٢٤ ]
وَعِنْدَنَا مَعْنَى التَّضَمُّنِ مُرَاعَى (وَيُصَلِّي المُتَنَفِّلُ خَلْفَ المُفْتَرِضِ) لِأَنَّ الحَاجَةَ فِي حَقِّهِ
صارت في ضمن صلاة الإمام صحة وفسادًا؛ لأن الأداء لا يسقط عنهم بأداء الإمام بالإجماع. كذا في الأسرار. (^١)
وفي المبسوط (^٢): ومعنى قوله: (والإمام ضامن)؛ أن تتضمن صلاته صلاة القوم، وتضمين الشيء فيما فوقه لا يجوز، وفيما دونه يجوز، وهو المعنى في الفرق بين اقتداء المتنفل بالمفترض، وبين اقتداء المفترض بالمتنفل.
فإن قيل: ينبغي أن لا يصح اقتداء المتنفل بالمفترض؛ لأن القراءة فرض على المقتدي في الآخرتين دون الإمام.
قلنا: لما اقتدى به لم يبق عليه قراءة، لا فريضة ولا نفلا، وكذا قعدة المتنفل في الشفع الأول تصير نفلا لما صار نفله أربعًا. كذا في الأسرار". (^٣)
وفي المحيط (^٤): بين مشايخنا اختلاف في اقتداء المفترض بالمتنفل، قال بعضهم: لا يجوز في جميع الأفعال، ولكن يجوز في فعل واحد؛ ألا ترى أن محمدًا ذكر أن الإمام إذا رفع رأسه من الركوع، فجاء إنسان واقتدى به، وسبق الإمام الحدث قبل السجود، فاستخلف هذا الذي اقتدى؛ صح الاستخلاف، ويأتي الخليفة بالسجدتين، ويكونا هما نفلين له حتى يعيدهما بعد ذلك، وفرضين في حق من أدرك أول الصلاة، ومع هذا صح الاقتداء، وكذا لو اقتدى المتنفل بالمفترض في الشفع الأخير يجوز، وهذا اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القراءة.
وقال عامتهم: لا يجوز شيء من أفعال الصلاة.
وأجابوا عن المسألتين: أما عن الأولى؛ فلأن السجدتين فرضان في حق الخليفة أيضًا؛ لوجود حد الفرض؛ وهو أنه إذا لم يأت به تفسد صلاته، وهذا كذلك؛ لأن الخليفة قام مقام الإمام.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٧٤).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٧).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٦٢).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤١٩).
[ ١ / ٨٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما عن الثانية؛ فإن صلاة المقتدي أخذت حكم الفرض بسبب الاقتداء، ولهذا لزمه قضاء ما لم يدرك الإمام من الشفع الأول، وكذا لو أفسده يلزمه قضاء الأربع، وإذا كان كذلك؛ كانت القراءة نفلا في حقه أيضا كما في حق الإمام، مع أنه لم يبق عليه قراءة بالاقتداء كما بينا، فكان هذا من قبيل اقتداء المتنفل بالمفترض في حق القراءة.
وأما حديث معاذ فتأويله: أنه كان يصلي مع النبي ﵇ بنية النفل؛ ليتعلم سنة القراءة.
قال الطحاوي: فعل معاذ حين كانوا يصلون الفريضة الواحدة مرتين، ثم نهوا عن ذلك. ذكره ابن بطال في شرح البخاري (^١)؛ بدليل أن إسلام معاذ متقدم، وقد صلى النبي ﵇ بعد سنين من الهجرة صلاة الخوف، فلو جاز ما ذكروه لما تحملها مع المفسدات.
وأما الزيادة التي هي له تطوع ولهم فريضة؛ فقد روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار حديث جابر هذا، ولم يذكر فيه (هي له تطوع)، فيجوز أن يكون ذلك من قول الراوي، أو من قول جابر ظنا واجتهادا، فلا يجزم به.
وقد سئل أحمد عن حديث معاذ؛ فضعف هذه الزيادة وقال: من كلام ابن عيينة، فإنه روى الحديث منصور بن زاذان وشعبة، ولم يقولا ما قاله ابن عيينة يعني الزيادة.
وأما قولهم: لا يظن بمعاذ كذا، فقلنا: سائر أئمة مساجد المدينة، أليس كانت الفضيلة تفوتهم، وفضيلة النافلة خلفه تقوم مقام أداء الفريضة خلفه، وامتثال أمره ﵇ في إمامة قومه زيادة طاعة، مع أنه يحتمل أنه كان يصلي معه ﵇ صلاة النهار ومع قومه صلاة الليل؛ لأنهم كانوا أهل خدمة لا يحضرون بالنهار مباركهم، فأخبر الراوي بحال معاذ في وقتين، ومع أنه حكاية حال لم تعلم كيفيتها.
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٥٣٥).
[ ١ / ٨٢٦ ]
إِلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الإِمَامِ فَيَتَحَقَّقَ البِنَاءُ.
وأما المراد من قوله ﵇: «إِذَا أُقيمَتِ الصلاةُ …» الحديث (^١)؛ أن لا يصلي النافلة غير الصلاة التي تقام؛ لأن المحذور وقوع الخلاف على الأئمة، وهو منتف مع الاتفاق في الصلاة، ولهذا تجوز النافلة خلف المفترض بالإجماع، ولو تناوله النهي؛ لما جاز مطلقًا، فعلم أن المراد الانفراد بما يشوش عليه.
وما روي عن أبي داود (^٢) عن جابر: أن معاذا كان يصلي مع النبي ﵇ العشاء، ثم يأتي قومه فيصلي بهم تلك الصلاة؛ غير ثابت؛ لأن البخاري ومسلم والنسائي وأبا داود أيضًا صرحا أنه كان يصلي مع النبي ﵇، ثم يرجع قومه فيؤمهم، وليس في قول جابر: (فيصلي بهم تلك الصلاة)، ولأن تغاير الفرضين يمنع صحة المشاركة، فلا يجوز؛ قياسًا على مصلي الجمعة بمن يصلي الظهر، وعلى القارئ بالأمي؛ فإنه لا يصح؛ لأن المقتدي يبني صلاته على تحريمة الإمام، فما أمكنه البناء بنفسه على تحريمته أمكنه بالاقتداء، وما لا فلا. كذا في المبسوطين (^٣). وقياسه منقوض باقتداء القارئ بالأمي.
قوله: (فيتحقق البناء): وتفسير البناء: أن تجعل التحريمتان تحريمة واحدة.
وقال مالك (^٤)، والزهري: لا يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض أيضًا؛ لأن الاقتداء شركة وموافقة، والمغايرة بين الفرض والنفل ثابتة.
وجوابهما: ما قلنا من حديث معاذ، وقوله ﵇ لأبي ذر: «كيف بِكَ يا أبا ذر إذا كانَ أُمراء سوءٍ يُؤخِّرُونَ الصَّلاةَ عن مواقيتها؟ وإذا كان كذلك فصل في بيتك، ثم اجْعَلْ صَلاتَكَ معهُمْ سُبحَةً» (^٥)، ولأن البناء يتحقق فيجوز.
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ١٦٣، رقم ٥٩٩) من حديث جابر ﵁.
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٧).
(٤) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٤٩)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ١٢٦).
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٤٤٨، رقم ٦٤٨) من حديث أبي ذر، وبنحوه أخرجه مسلم (١/ ٣٧٨، رقم ٥٣٤) من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ١ / ٨٢٧ ]
(وَمَنِ اقْتَدَى بِإِمَامٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ إِمَامَهُ مُحْدِثٌ أَعَادَ) لِقَوْلِهِ ﵊: مَنْ أَمَّ قَوْمًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا، أَعَادَ صَلَاتَهُ وَأَعَادُوا وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَنَحْنُ نَعْتَبِرُ مَعْنَى التَّضَمُّنِ وَذَلِكَ فِي الجَوَازِ
وقيد بقوله: (يصلي فرضًا آخر)؛ لأنه لو صلى فرض الإمام أداء وقضاء؛ يجوز بالإجماع، حتى يجوز اقتداء القاضي بالقاضي إذا فاتهما فرض واحد من يوم واحد كالأداء.
والحاصل: أن اتحاد الصلاتين شرط عندنا، ومالك، وأحمد، خلافًا للشافعي.
قوله: (ثم علم): قيد بالعلم بعد الاقتداء؛ لأنه لو علم أن إمامه محدث قبل الاقتداء؛ لا يصح اقتداؤه بالإجماع.
(وفيه خلاف الشافعي): في تتمتهم (^١): اقتدى بجنب أو محدث أو بمن على ثوبه نجاسة، فإن كان عالما به؛ لا تصح صلاته؛ لأنه مفرط في الاقتداء بمن لا صلاة له، وإن كان جاهلا بحالة حتى فرغ من صلاته، أو علم في أثناء الصلاة فانفرد عنه؛ فصلاة المقتدي صحيحة، وبه قال أحمد (^٢).
وقال مالك (^٣): إن كان الإمام ناسيًا؛ لا إعادة على المقتدي، وإن كان قد تعمد ذلك؛ فعلى المأموم الإعادة.
وقال عطاء: إن كان حدثه جنابة بطلت صلاته، وإن كان غيرها؛ أعاد في الوقت، وبعده لا.
للشافعي: حديث أنس: أنه ﵇ خرج ذات يوم وكَبَّرَ لصلاة الصبح وكبروا معه، ثم تذكر أنه قد أصابته جنابة، فأومأ إلى القوم أن امكثوا، فدخل الحجرة واغتسل، وخرج ورأسه يقطر ماء، فأتم الصلاة بهم (^٤)، ولو لم تكن
_________________
(١) تتمة الإبانة للمتولي (ص ١١٧).
(٢) انظر: الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٥٥)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٨٣).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٤١)، ومختصر خليل (ص ٤٠).
(٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٣، رقم ١٣٦٢) من حديث أنس ﵁، وبنحوه أخرجه البخاري (١/ ١٣٠، رقم ٦٤٠) وابن ماجه (١/ ٣٨٥، رقم ١٢٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٨٢٨ ]
وَالفَسَادِ. (وَإِذَا صَلَّى أُمِّيٌّ بِقَوْمٍ يَقْرَؤُونَ وَبِقَوْمٍ أُمِّيِّينَ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي
صلاتهم منعقدة؛ لم يكلفهم استدامة القيام، مع قوله ﵇: «لا تقوموا في الصَّفِّ حَتَّى تَرَوْنِي خَرَجْتُ» (^١)، فدل أن عدم الطهارة لم يمنع الانعقاد، حيث لم يأمرهم بالاستئناف.
وروي أن عمر ﵁ صلي بالناس الصبح، ثم رأى على ثوبه أثر الاحتلام، فاغتسل وأعاد ولم يأمر القوم بالإعادة (^٢)، ولأنه غير مفرط بهذا الاقتداء.
ولنا: ما روي في الكتاب.
وجواب حديثه: أنه كان في بدء الأمر قبل تعلق صلاة القوم بصلاة الإمام؛ ألا ترى أن في الحديث: جاء النبي ﵇ وكبر ولم يأمرهم بإعادة التكبير، فيكون القوم مصلين بصلاته بتكبير قبل تكبير الإمام، وهذا لا يصح بالإجماع، ولأن محمد بن سيرين ذكر هذه القصة، وذكر أنه ﵇ أومأ إليهم أن اقعدوا، ولو انعقدت صلاتهم لم يأمرهم بالقعود، ويحتمل أن الأمر بالمكث كيلا يتفرقوا، حتى يجيء رسول الله ﷺ، والحديث حكاية حال لا عموم له، فلا يجوز ترك القياس بمثله.
وحديث عمر يحتمل أنه كان ما دون الدرهم، وأعاد هو للاحتياط، مع أنه لا يلزم على الإمام الإعلام إذا كانوا قومًا غير متعينين.
وقوله: (أنه غير مفرط) يشكل؛ بما لو ظهر أنه كافر أو امرأة، حيث لا يصح وإن كان هو غير مفرط. كذا في الأسرار، ومبسوط شيخ الإسلام (^٣).
وفي الْمُجْتَبى (^٤): أمَّ قومًا مدة ثم قال: صلّيتُ بغير طهارة، أو مع العلم بالنجاسة المانعة، أو قال: كنت مجوسيًا؛ لا تلزمهم الإعادة؛ لأنه صرح
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٢٩، رقم ٦٣٧) ومسلم (١/ ٤٢٢، رقم ٦٠٤) من حديث أبي قتادة ﵁.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١/ ١١٤، رقم ٤١٦) عن عبد الله بن أبي مليكة، يحدث عمن لا أتهم، أن عمر بن الخطاب … فذكره بنحوه.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٧٠).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨٩).
[ ١ / ٨٢٩ ]
حَنِيفَةَ، وَقَالَا: صَلَاةُ الإِمَامِ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ تَامَّةٌ) (*) لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ أَمَّ قَوْمًا مَعْذُورِينَ وَغَيْرَ مَعْذُورِينَ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَمَّ العَارِي عُرَاةٌ وَلَا بِسِينَ. وَلَهُ: أَنَّ الإِمَامَ تَرَكَ فَرْضَ القِرَاءَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهَا فَتَفْسُدَ صَلَاتُهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَو اقْتَدَى بِالقَارِئِ تَكُونُ قِرَاءَتُهُ
بكفره، وقول الفاسق غير مقبول في الديانات بناء على ما تقدم؛ وهو أن عنده الاقتداء أداء على سبيل الموافقة، ونحن نعتبر معنى التضمين جوازا وفسادًا.
(وقالا): والشافعي في قول: تصح صلاة الإمام وبمن بحاله؛ لأنه معذور أم معذورا.
وفي قول له: تصح صلاة القارئ أيضًا؛ لأنه يجوز في قول اقتداء القارئ بالأمي مع القدرة عليها (^١)؛ لأنهم لما جاؤوا مجتمعين لأداء هذه الصلاة بالجماعة، فالأمي يقدر أن يجعل صلاته بالقراءة؛ بأن يقدم القارئ، قال ﵇: «قراءة الإمام قراءة له» (^٢).
الأمي: منسوب إلى أُمّية العرب، وهي الأمة الخالية من صناعة العلم والكتابة والقراءة، قال تعالى: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة: ٢]، ثم استعير لمن لا يعرفهما.
فإن قيل: لو صلى الأمي وحده وهناك قارئ؛ تجوز صلاته، مع أنه يقدر أن يجعل صلاته بقراءة؛ بالاقتداء بالقارئ.
قلنا: قال أبو حازم على قياس قول أبي حنيفة لا تجوز (^٣)، وهو قول مالك (^٤).
وفي شرح الطحاوي: لا رواية عنه فيها، بل اختلف المشايخ في ذلك وبعد
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٨٥)، والبيان للعمراني (٢/ ٤٠٥).
(٣) بنحوه أخرجه ابن ماجة (١/ ٢٧٧، رقم ٨٥٠) من حديث جابر ﵁ قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٠٥، رقم ٣١٣): في إسناده جابر الجعفي كذاب. والحديث له شواهد حسنه بها الشيخ الألباني في الإرواء (٢/ ٢٦٨، رقم ٥٠٠).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٧٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٧٣).
(٥) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (٢/¬٢٥)، والشرح الكبير للدردير (١/ ٣٢٨).
[ ١ / ٨٣٠ ]
قِرَاءَةٌ لَهُ، بِخِلَافِ تِلْكَ المَسْأَلَةِ
التسليم؛ لما لم يظهر هناك رغبة بالجماعة لا يعتبر وجوده؛ لأنه لا ولاية له على القارئ حتى يأمره بأداء الصلاة بها، فلا يلزمه ذلك، بخلاف ما نحن فيه.
فإن قيل: هذا على أصل أبي حنيفة لا يستقيم؛ فإنه لا يعتبر قدرة الغير، حتى لا يوجب الحج والجمعة على الضرير وإن وجد قائدًا.
قلنا: الفرق أن الأعمى لا يقدر على إتيانهما بدون اختيار القائد، وهاهنا قادر على الاقتداء بالقارئ بدون اختياره. كذا قيل.
ولأبي حنيفة وجه آخر؛ وهو أن افتتاح الكل قد صح؛ لأنه أوان التكبير، والأمي قادر عليه، فيصح الاقتداء، وصار الأمي متحملًا فرض القراءة عن القارئ، فإذا جاء أوان القراءة وهو عاجز عن الوفاء بما تحمل؛ فتفسد صلاته، وفساد صلاته يفسد صلاة القوم بخلاف سائر الأعذار؛ فإنها قائمة عند الافتتاح، فلا يصح اقتداء من لا عذر به ابتداء، ولا يقال: لو كان القارئ مشتغلا ينبغي أن يلزمه القضاء، حيث صح شروعه في الابتداء، لأنا نقول: صار شارعًا في صلاة لا قراءة فيها، والشروع كالنذر، ولو نذر أن يصلي بغير قراءة؛ لا يلزمه شيء، فكذا لو شرع. كذا في المبسوط (^١).
وفي جامع الكردري: والصحيح: أن اقتداءه لا يصح ابتداء لما ذكر.
في الأصل (^٢): لو اقتدى القارئ في النفل به؛ لا يلزمه القضاء، فهذا دليل على عدم صحة اقتدائه؛ لأنه لو صح ثم فسد بترك القراءة؛ ينبغي أن يلزمه القضاء، ولكن لا يلزم هذا؛ لما ذكر من الفرق.
في المبسوط وعلى هذا الخلاف: لو أمّ الأخرس لقوم خرس ولقوم قارئين (^٣).
(تلك المسألة)؛ وهي مسألة العراة واللابسين.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨١).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٨١).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٠٩)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٧٥).
[ ١ / ٨٣١ ]
وَأَمْثَالِهَا، لِأَنَّ المَوْجُودَ فِي حَقِّ الإِمَامِ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي (وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي الأُمِّيُّ وَحْدَهُ وَالقَارِئُ وَحْدَهُ جَازَ) هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ مِنهُمَا رَغْبَةٌ فِي
(وأمثالها)؛ كصاحب الجرح السائل الجريح والأصحاء، والمومئ المؤمئين، والمصلين بركوع وسجود.
(لا يكون موجودا في حق المقتدي)؛ فإن لبس الإمام لا يكون لبسًا في حق المقتدي، وكذا الركوع والسجود والطهارة، فلا يكون قادرًا بإزالة هذا العذر بتقديم من لا عذر له.
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن قول أبي حازم على ما ذكرنا.
وذكر التمرتاشي: ويجب أن لا يترك الأمي الاجتهاد آناء ليله ونهاره حتى يتعلم مقدار ما تجوز به الصلاة، فإن قصر لم يعذر عند الله تعالى (^١)، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
ولو افتتح الأمي ثم حضر القارئ؛ قيل: تفسد صلاته.
وقال الكرخي: لا تفسد صلاته؛ لأنه إنما يقدر على أن يجعل صلاته بالقراءة قبل الافتتاح (^٢).
ولو حضر الأمي على قارئ يصلي، فلم يقتد به وصلّى وحده، اختلفوا فيه، والأصح: أن صلاته فاسدة.
وفي المحيط (^٣): رأيت مسألة في بعض النسخ: أن القارئ إذا كان على باب المسجد أو بجواره، والأمي يصلي وحده في المسجد؛ جازت صلاته بلا خلاف، وكذا إذا كان القارئ في صلاة غير صلاة الإمام؛ يجاز للأمي أن يصلي وحده ولا ينتظر فراغ القارئ بالاتفاق.
وعن الجرجاني (^٤): في مسألة الأمي والأخرس إنما تفسد صلاتهما عند أبي حنيفة؛ إذا علم خلفه قارئًا، أما إذا لم يعلم؛ لا تفسد صلاتهما.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٧٤).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٦١)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٧٦).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤١٠).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤١٠).
[ ١ / ٨٣٢ ]
الجَمَاعَةِ (فَإِنْ قَرَأَ الإِمَامُ فِي الأُولَيَيْنِ ثُمَّ قَدَّمَ فِي الأُخْرَيَيْنِ أُمِّيًّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا تَفْسُدُ لِتَأَدِّي فَرْضِ القِرَاءَةِ. وَلَنَا: أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ، فَلَا تَخْلُو عَنِ القِرَاءَةِ إِمَّا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا وَلَا تَقْدِيرَ فِي حَقِّ الأُمِّيِّ لِانْعِدَامِ الأَهْلِيَّةِ، وَكَذَا عَلَى هَذَا لَوْ قَدَّمَهُ فِي التَّشَهُدِ.
وفي ظاهر الرواية: لا فرق بين العلم وعدمه؛ لأن القراءة فرض، وما يتعلق بالفرائض لا يختلف بين العلم وعدمه، وإليه مال أبو نصر الصفار.
قوله: (قَدَّمَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ أُمِّيًا)؛ أي: أحدث فاستخلف أميا. كذا ذكره مقيدًا في بعض نسخ الجامع (^١).
(وقال زفر: لا تفسد): وكذا روي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول؛ لأن الإمام الأول أدى فرض القراءة، وليس في الأخريين قراءة، فكان استخلاف القارئ والأمي سواء، مع أن عند زفر تجوز إمامة الأمي للقارئ ابتداء، فالأولى أن تجوز بعد تأدي الفرض، فكان ما ذكر في الكتاب: (لتأدي فرض القراءة) دليل أبي يوسف.
وقوله: (وقال زفر) وقع مكان قوله: (وقال أبو يوسف)؛ ولهذا ذكر في جامع الكردري (أبو يوسف) مكان (زفر).
وقلنا: القراءة فرض جميع الصلاة، وتؤدى في موضع مخصوص، فإذا كان الإمام قارئًا؛ فقد التزم أداء جميع الصلاة بالقراءة، والأمي عاجز عن ذلك، فلا يصح خليفة، واستعماله باستخلاف من لا يصلح للإمامة تفسد صلاته، كما لو استخلف، امرأة، أو تقديرًا؛ فإن القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين بالحديث (^٢)، وشرط اعتبار القراءة المعدومة موجودة استمرار الأهلية إلى آخر الصلاة.
(وكذا على هذا)؛ أي: على هذا الخلاف.
(لو قدمه في التشهد)؛ يعني: قبل أن يقعد قدر التشهد لو استخلف أميا،
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٧٦).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٨٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما لو استخلفه بعد ما قعد قدر التشهد؛ تجوز صلاته عندهما، خلافًا لأبي حنيفة، وهي من المسائل الاثني عشر.
وقيل: لا تفسد عند الكل، أما عندهما فظاهر، وأما عنده؛ لوجود الخروج من الصلاة بصنعه وهو الاستخلاف، كما لو قهقه أو تكلم. كذا في جامع قاضي خان (^١).
وجعل التمرتاشي عدم الفساد عند الكل أولى، وهو قول الهندواني، وجعل الكشاني عدمه بالإجماع.
ثم الأمي إذا اقتدى؛ قال الهندواني: تفسد صلاتهما عند أبي حنيفة؛ لأنه قادر على تكبير الافتتاح، فيكون قارئًا حكمًا (^٢).
وقال الكرخي: صلاة الأمي فاسدة، وصلاة الأخرس جائزة، ولو اقتدى الأخرس جازت صلاتهما.
لو نوى الاقتداء بإمام على ظن أنه أصل فإذا هو خليفة؛ جاز، أما لو نوى الاقتداء بالأصل فإذا هو خليفة لم يجزه؛ لأنه ما اقتدى بمن هو إمام.
وفي فتاوى الصغرى (^٣): اقتدى بإمام وفي زعمه أنه فلان، ثم ظهر أنه غيره يجزيه، وإن اقتدى بفلان بعينه ثم ظهر أنه غيره لا يجزيه.
اقتدى مسبوق بمسبوق في قضاء ما سبقا لا يجوز؛ لأنه اقتدى في موضع الانفراد، وكذا لا يجوز اقتداء اللاحق باللاحق. كذا في الخلاصة (^٤).
شك في إتمام وضوء إمامه جاز اقتداؤه به؛ لأن الظاهر هو الإتمام. كذا في جمل النوازل (^٥).
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٧٧).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٨١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٧١).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٧٤).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٧٤)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٥٨٠).
(٥) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٥٢٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٧٥).
[ ١ / ٨٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الْمُجْتَبى (^١)، والخلاصة: يجوز اقتداء المتنفل بالمتنفل، واقتداء الناذر بالناذر، والشارعين فيما أفسد بعد الشروع؛ لا يصح؛ لاختلاف الأسباب.
ولو نذر أحدهما صلاة، وقال الآخر: الله عليّ أن أصلي بتلك المنذورة؛ يصح الاقتداء، ولو قال مثله لا يصح إلا في رواية عن أبي يوسف، واقتداء الحالف بالناذر يصح، وعلى العكس لا يصح، ولو اشتركا في نافلة ثم أفسداها؛ صح اقتداء أحدهما بصاحبه، وإن لم يشتركا لم يصح.
شرع في ظهر الإمام متطوعًا، ثم قطعها فاقتدى بِمُصَلِّ ظهر ذلك اليوم جاز.
تكلم الإمام في شفع الترويحة، ثم أمَّهم في ذلك جاز، وكذا لو اقتدى في سنة العشاء بمن يصلي التراويح، أو في السنة بعد الظهر بمن يصلي الأربع قبل الظهر؛ صح، ولو صليا الظهر ونوى كل واحد إمامة صاحبه صحت صلاتهما، ولو نويا الاقتداء فسدت.
وفي الخلاصة، والخزانة (^٢): أربعة مواضع لا يتابع المقتدي الإمام إذا فعله.
منها: ما لو زاد سجدة في صلاته لا يتابعه، ولو زاد في تكبيرات العيد؛ يتابعه ما لم يخرج عن أقاويل الصحابة، ولو خرج لا يتابعه.
ومنها: لو كبر خمسًا في صلاة الجنازة؛ لا يتابعه.
ومنها: لو قام إلى الخامسة ساهيًا بعد ما قعد قدر التشهد على الرابعة؛ لا يتابعه، فإن لم يقيد الإمام الخامسة بالسجدة، وعاد وسلم؛ سلّم المقتدي معه، وإن قيدها بالسجدة؛ سلم المقتدي ولا يتابعه، ولو لم يقعد على الرابعة وقام إلى الخامسة ساهيًا، وتشهد المقتدي وسلّم، ثم قيد الإمام الخامسة بها؛ فسدت صلاتهم.
وتسعة أشياء إذا لم يفعلها الإمام يفعلها المقتدي:
أحدها: إذا لم يرفع يديه عند الافتتاح يرفعهما المقتدي.
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٨٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٧٥).
[ ١ / ٨٣٥ ]