(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ فِي الاسْتِسْقَاءِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ فِي جَمَاعَةٍ، فَإِنْ صَلَّى النَّاسُ وُحْدَانَا جَازَ، وَإِنَّمَا الاِسْتِسْقَاءُ الدُّعَاءُ وَالاسْتِغْفَارُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ
كل واحدٍ في بيته عنده، ويشتغل بالدعاء والتضرع.
(فافزعوا)؛ أي: النجاد إليها، يقال: فزع إليه النجا، والمفزع الملجأ.
وفي رواية: فارغبوا.
باب الاستسقاء
والاستسقاء: طَلَبُ السَّقي، والسقي: مصدر طلب الماء تكون في ضمنه؛ كالاستغفار: طلب المغفرة، وغفر الذنوب في ضمنه.
وفي الْمُجْتَبى: الاستسقاء طلب السقي من الله تعالى؛ بالثناء عليه والفزع إليه والاستغفار (^١). وقد ثبت ذلك بالكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى حكاية عن موسى ﵊: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾، وعن نوح ﵊ حين أصاب قومه القحط والموت: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾.
وأما السنة: [فقد صح في الآثار الكثيرة أنه ﵊] (^٢) استسقى كثيرًا، وكذا الخلفاء بعده. وأجمعت الأمة عليه خلفا عن سلف من غير نكير.
قوله: (صلاة مسنونة في جماعة): فإنه ﵊ لم يواظب عليه.
وجه التمسك بالآية: أن الله تعالى أمر بالاستغفار دون الصلاة، فعلم أن الاستسقاء شرع به لا الصلاة.
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٩٢).
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] الآية، «وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى وَلَمْ تُرْوَ عَنْهُ الصَّلَاةُ» (وَقَالَا: يُصَلِّي الإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ) (*) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ العِيدِ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. قُلْنَا: فَعَلَهُ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى فَلَمْ يَكُنْ
(أنه ﵊ استسقى)؛ أي: مرارًا من غير أن يصلي، وقد زعم البعض أنه لا يرى الصلاة سنة، فتكون بدعة، معتقدًا أن نفي السنة إثبات البدعة، وليس كذلك؛ لأن نفي السنة أعم من البدعة، فإنه قد يكون حسنًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون بدعة؛ إذ السنة ما واظب ﵊، ولم ينقل المواظبة على ذلك.
(فقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (^١).
وفي المبسوط، والمحيط: قول أبي يوسف مع قول أبي حنيفة (^٢).
وفي شرح الطحاوي، ومبسوط شيخ الإسلام، والأسرار، والتحفة مع محمد كما ذكر في الكتاب (^٣).
(كصلاة العيد)؛ أي: بجماعة، وبه قال الشافعي (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦)، إلا أن عندهما، ومالك، وفي رواية عن أحمد: لا يكبر. وعند الشافعي، ورواية عن محمد، وأحمد: يكبر كما في العيد.
وفي الْمُجْتَبى: الإمام مخير عند أبي حنيفة؛ إن شاء صلّى، وإن شاء دعا، والأولى أن يخرج الإمام بالناس (^٧).
ثم عندنا: يقرأ فيهما ما شاء، ولو قرأ في الأولى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ
_________________
(١) (*) الراجح: العمل اليوم على قول الصاحبين.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٩٢)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٩٧).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٣٨).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٢)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٣٠).
(٥) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٥١٧)، وكفاية الأخيار للحصني (ص ١٥٣).
(٦) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ١٠٩) وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٤٠٥).
(٧) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٤٧)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٢٠٣).
(٨) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٩٢).
[ ٢ / ٣٩٩ ]
سُنَّةٌ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الأَصْلِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ.
الأعلى، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؛ فحسن.
وعند الشافعي: يقرأ في الأولى ﴿ق﴾، وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ وقال بعض أصحابه: يقرأ في الثانية سورة نوح (^١)، والأول أصح.
وجه قولهم: ما روي عن ابن عباس أنه قال: صنع النبي ﵊ في الاستسقاء ما صنع في العيد (^٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ خرج إلى الاستسقاء فصلى ركعتين وخطب (^٣).
ولأبي حنيفة: ما روى البخاري، ومسلم عن أنس، أنه ﵊ كان يخطب، فقام أعرابي وقال: يا رسول الله، هلك البهائم وجاع العيال فادع لنا، فرفع النبي ﵊ يديه فدعا، وما نرى في السماء قزعة، فثار السحاب كأمثال الجبال، فلم ينزل عن منبره حتى رأينا السحاب يتحادر عن لجته، فمطرنا حتى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي وقال: يا رسول الله، تهدم البنيان وغرق المال فادع لنا، فرفع يديه وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» (^٤)، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انقرضت، وصارت المدينة مثل الجوبة (^٥).
وفي رواية: لما سئل، فقال ﵊: «اللهم أغثنا اللهم أغثنا» (^٦)، فعلم أنه استسقى، ولم يصل ولم يخطب.
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٦٨١)، والمجموع للنووي (٥/ ٧٤).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٣٠٢، رقم ١١٦٥) وابن ماجه (١/ ٤٠٣، رقم ١٢٦٦) وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ١٣٣، رقم ٦٦٥).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٠٣، رقم ١٢٦٨) وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٥٥، رقم ٤٤٧).
(٤) رواه البخاري (٢/¬١٢، رقم ٩٣٣) ومسلم (٢/ ٦١٤، رقم ٨٩٧) من حديث أنس ﵁.
(٥) الجوبة: هي الحفرة المستديرة الواسعة. النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣١٠).
(٦) أخرجه البخاري (٢/¬٢٨، رقم ١٠١٤) ومسلم (٢/ ٦١٢، رقم ٨٩٧) من حديث أنس ﵁.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما روي أنه ﵊ صلَّى فيه؛ شاذ فيما تعم به البلوى خصوصًا في ديارهم، وما يحتاج فيه الخاص والعام لا يقبل فيه قول الشاذ. كذا في المبسوط (^١).
وفي ملتقى البحار وغيره: فعله ﵊ مرة وتركه بعد ذلك (^٢)، والمعتبر ما وجد منه آخرًا وهو الترك، فجعل المتقدم منسوخا، كما روي أنه ﵊ قنت شهرًا في الفجر ثم ترك (^٣).
وفي الخلاصة الغزالية: يستحب للإمام أن يأمر الناس أولا بصيام ثلاثة أيام وما أطاقوا من الصدقة، والخروج من المظالم والتوبة من المعاصي، ويخرج بهم الإمام يوم الرابع، وبالعجائز والصبيان أيضًا، متنظفين في ثياب بذلة واستكانة، متواضعين لله تعالى، وإخراج الدواب مستحب، ويصلي بهم كصلاة العيد، ثم يخطب خطبتين، ولكن معظم الخطبتين؛ الاستغفار (^٤).
وقريب من هذا في مذهبنا ما ذكره الحلواني، وفي المحيط: يخرج الناس إلى الاستسقاء مشاة لا على دوابهم، في ثياب خلق أو غسيل أو مرقع، متذلّلين خاضعين ناكسي رؤوسهم، ثم في كل يوم يقدمون الصدقة قبل الخروج. هذا تفسير قول محمد (^٥).
وفي المبسوط، والمحيط: وإنما يخرج ثلاثة أيام لا أكثر؛ إذ الأكثر لم ينقل (^٦).
وفي الإيضاح: ولو أمر الإمام الناس بالخروج ولم يخرج بنفسه؛ خرجوا فعله مرة (^٧).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٧).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٣٠)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٣٩).
(٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٠٠، رقم ٣١٧٠) ومسلم (١/ ٤٦٨، رقم ٦٧٧) من حديث أنس ﵁.
(٤) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ٣٥٢)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٧٥).
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٤٠).
(٦) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٧)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٤٠).
(٧) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٥١).
[ ٢ / ٤٠١ ]
(وَيَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) اعْتِبَارًا بِصَلَاةِ العِيدِ (ثُمَّ يَخْطُبُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ ثُمَّ هِيَ كَخُطْبَةِ العِيدِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ (وَلَا خُطْبَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) (*)؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْجَمَاعَةِ وَلَا جَمَاعَةَ عِنْدَهُ (وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِالدُّعَاءِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ.
قال شيخ الإسلام: في هذا دليل الجواز (^١).
وعندنا: لو صلوا بجماعة جاز، ولكن الخلاف في أنها سُنَّة أم لا؟ لا أنه بدعة كما ظنه البعض؛ إذ السنة ما واظب عليه، ولم يواظب؛ لما روينا، بخلاف التراويح؛ فإنه سنة ولم يواظب عليه؛ لأنه ﵊ بين العذر في تركها. كذا في الحميدية (^٢).
أو عند تعارض الروايات يتمسك بالقياس؛ وهو أن لا يؤدي النوافل بالجماعة.
(كخطبة العيد عند محمد): وبه قال الشافعي (^٣).
(وعند أبي يوسف: خطبة واحدة)؛ لأن المقصود منها الدعاء فلا يقطعها بالجلسة، وقد روي عنه ﵊ كل منهما.
(ولا خطبة عند أبي حنيفة): وبه قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥).
وفي الحلية: لم يذكر أحمد الخطبة؛ لعدم النقل، ولعدم الجماعة عنده (^٦).
قوله: (ويستقبل القبلة) وفي المبسوط، والمحيط: عن أبي يوسف: إن شاء رفع يديه بالدعاء، وإن شاء أشار بأصبعيه؛ لأن رفع اليد بالدعاء سنة، فإنه
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي يوسف.
(٢) انظر: المجتبى (ص ٤٩٣)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٤٩).
(٣) انظر: اللباب لجمال الدين الخزرجي (١/ ٣١٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٥٠).
(٤) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٩٨)، والمجموع للنووي (٥/ ٨٤).
(٥) انظر: التلقين للثعلبي (١/ ٥٤)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٦٨).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٢١)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٢٠٦).
(٧) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٧٤).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ» (وَيَقْلِبُ رِدَاءَهُ) لِمَا رَوَيْنَا. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي
﵊ كان يدعو بعرفات باسطا يديه كالمستطعم المسكين (^١).
وفي النهاية: علم بهذا أن رفع اليدين في الأدعية كلها جائز سوى المواضع السبعة؛ لأن الاستسقاء غيرها، ولو أشار بظهر كفه إلى السماء يجوز؛ لما روى أنس ﵁ أنه ﵊ استسقى وأشار بظهر كفه (^٢).
وفي شرح الوجيز: قال العلماء: وهذه السنة لمن دعا لدفع البلاء، وإذا سأل شيئًا من الله تعالى يجعل باطن كفه إلى السماء (^٣)، وكذا في المبسوط (^٤).
(حول رداءه): في المبسوط: إذا مضى صدر من خطبته قلب رداءه (^٥)، ويقلب الإمام.
قلبت بالتخفيف، ويقلب أيضًا بالتشديد مبالغة؛ إذ القلب متعمد، وباب التفضيل للمبالغة والتنكير، كما يقال فتح الباب وفتح الرداء شيء لا ذيل له، ولا كم كالمئزر والفوطة.
وفي المبسوط: صفة القلب: أنه إن كان مربعًا جعل أعلاه أسفله، وإن كان مدورًا كالجبة جعل الجانب الأيمن على الأيسر، والجانب الأيسر على الأيمن (^٦).
(هذا هو قول محمد)؛ أي: تقليب الرداء، وقول أبي يوسف مضطرب، ذكر الحاكم قوله مع أبي حنيفة، وذكر الكرخي قوله مع محمد. وبقول محمد قال الشافعي (^٧)، ومالك (^٨)، وأحمد (^٩)؛ لأنه روي أنه ﵊ فعله.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٧)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٤٠).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٥٦).
(٣) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٠٢).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٧).
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٧).
(٦) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٧).
(٧) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٦٤٩)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٠٣).
(٨) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٤٤)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٣٥).
(٩) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٢٢)، والإقناع للحجاوي (١/ ٢٠٨).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
حَنِيفَةَ فَلَا يَقْلِبُ رِدَاءَهُ (*)؛ لِأَنَّهُ دُعَاءُ فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ.
وَمَا رَوَاهُ كَانَ تَفَاؤُلًا (وَلَا يَقْلِبُ القَوْمُ أَرْدِيَتَهُمْ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ.
لأبي حنيفة: حديث ابن عباس، وحديث الوليد بن عقبة؛ أنه ﵊ استسقى، وليس فيه قلب الرداء (^١)، ولأنه دعاء فيعتبر بسائر الأدعية، وفي التقليب ليس معنى الثناء والعبادة فلا يفيد. (وما رواه)؛ أي: محمد كان تفاؤلا.
وفي المبسوط: ولا تأويل لما رواه سوى أنه ﵇ يُعان: بتغير الهيئة لتغير الهواء (^٢)، يعني: غيرنا ما كنا عليه فغير اللهم الحال، قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وفي المحيط: رواية التقليب محمول على التسوية، والمنع من السقوط عند رفع اليدين في الدعاء؛ ليكون أثبت على عاتقه عند الرفع، أو عرف ﵊ من جهة الوحي تغير الحال بتغير ردائه (^٣).
وفي الخبازية: يحتمل أنه ﵊ تحول رداءه فأصلحه، فظن الراوي أنه قلبه (^٤).
قوله: (ولا يقلب القوم أرديتهم): وقال الشافعي (^٥)، ومالك (^٦): يقلبون أرديتهم كالإمام؛ لما روي أن الناس فعلوه حين فعله ﵊، ولم ينكر عليهم أحد.
ولنا: أنه لم ينقل أنه ﵊ أمرهم بذلك، ولم ينقل في
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٣٠٢، رقم ١١٦٥) والترمذي (١/ ٦٩٥، رقم ٥٥٨) وابن ماجه (١/ ٤٠٣، رقم ١٢٦٦) من حديث ابن عباس قال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٧)، وفيه: " وَلَا تَأْوِيلَ لَهُ سِوَى أَنْ يُقَالَ: تُغَيَّرُ الْهَيْئَةُ لِيَتَغَيَّرَ الْهَوَاءُ ".
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٣٩).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٥٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٨٢).
(٦) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٨٧)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٠٣).
(٧) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٤٤)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٣٥).
[ ٢ / ٤٠٤ ]
(وَلَا يَحْضُرُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الاِسْتِسْقَاءَ)؛ لِأَنَّهُ لِاسْتِنْزَالِ الرَّحْمَةِ، وَإِنَّمَا تَنْزِلُ عَلَيْهِم اللَّعْنَةُ.
المشاهير أنهم فعلوه، ولو كان كما روي؛ فتأويله: أنهم اقتدوا على ظن أنه سنة، كما خلعوا نعالهم حين خلع ﵊ نعليه في الصلاة، ولم يأمرهم ﵊. كذا في المبسوط (^١).
ولا يحضر أهل الذمة للاستسقاء، وبه قال الشافعي (^٢)، حتى يمنعون من الخروج، وقال مالك: لو خرجوا لم يمنعوا (^٣)، وقد ورد به أثر؛ أنهم خرجوا في عهد بعض الخلفاء، ولأن الشدة عامة والكفار يسمع دعاؤهم.
وقلنا: الخروج لاستنزال الرحمة، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، وإنما ينزل عليهم اللعنة والسخط، فلا يصلح حضورهم في وقت استنزال الرحمة، وقد أمر النبي ﵊ بتبعيد المشركين بقوله: «أنا بريء من كل مسلم مع مشركِ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» (^٤)، فلهذا لا يمكنون من الخروج مع المسلمين. كذا في المبسوط (^٥).
وفي المحيط: لا يخرج المنبر للاستسقاء (^٦)، بل يقوم الإمام والقوم قعود، وإن أخرج المنبر لاستسقاء الإمام جاز.
ولو خرج أهل الذمة مع أنفسهم إلى بيعهم وكنائسهم أو إلى الصحراء؛ لم يمنعوا من ذلك، فلعل الله يستجيب دعائهم استعجالا لحظهم في الدنيا على ما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]. والمستحب أن يصلي صلاة
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٧).
(٢) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٥١٦)، والمجموع للنووي (٥/ ٧٢).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٣٤)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ١١٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/¬٤٥، رقم ٢٦٤٥) والترمذي (٣/ ٢٠٧، رقم ١٦٠٤) وابن ماجه (٨/¬٣٦، رقم ٤٧٨٠) من حديث جرير ﵁، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود - الأم - (٧/ ٣٩٧، رقم ٢٣٧٧).
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٧).
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٤٠).
[ ٢ / ٤٠٥ ]