(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً
قوله: (بسائر الأنبذة)، قال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بسائر الأنبذة قياسًا على نبيذ التمر، وقال ابن أبي ليلى: يجوز التوضؤ بماء العنب إذا لم يكن مشتدا كما في التمر (^١).
وقلنا: لا يجوز، لأن جواز الوضوء به مخصوص من القياس بالأثر فلا يقاس عليه غيره، كذا في جامع قاضي خان، والمبسوط (^٢).
ويبتنى على اختلافهم في النبيذ مسألة ذكرها في الشافي وهي: أنه لو شرع في الصلاة بالتيمم ثم وجد النبيذ، فعند محمد يمضي فيها، ويعيدها بالوضوء، وقال أبو يوسف: يمضي فيها ولا يعيدها، وعند أبي حنيفة يقطعها، وفي وجود سؤر الحمار فيها جواب الكل كجواب محمد كذا ذكره التمرتاشي (^٣).
[بَابُ التَّيَمُّمِ]
ابتدأ بالوضوء، ثم ثنى بالغسل، ثم ثلث بالتيمم تأسيًا بكتاب الله تعالى، أو ابتدأ بالوضوء لأنه للأعم والأغلب، ثم بالغسل لأنه الأنذر، ثم بالآلة التي بها يحصلان وهو الماء المطلق، ثم بالعوارض التي تعرض عليه من مخالطة طاهر أو نجس، ثم بالخلف وهو التيمم.
ثم أتبع التنزيل في هذا الباب من قوله: (ومن لم يجد الماء)، إلى قوله:
_________________
(١) انظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف لابن القصار (٢/ ١١٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٨٩).
(٣) انظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ١٢٨).
[ ١ / ٢٦٧ ]
وَهُوَ مُسَافِرٌ، أَوْ خَارِجَ المِصْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ نَحْوُ
(والتيمم ضربتان)، حيث بين الحكم في أربعة نفر كما بين في الآية من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ولكن قوله: (الخارج المصر) يقابل قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ﴾ [المائدة: ٦].
ثم شرعية التيمم بهذه الآية رخصة مخصوصة بهذه الأمة، والرخصة فيه من حيث الآلة حيث اكتفى بالصعيد الملوث حقيقة، وفي محله حيث اكتفى فيه بشطر أعضاء الوضوء، وقيل: إنما اكتفى فيه بالمسحتين لأن الأصل في أركان الوضوء غسل الوجه والذراعين بحيث لا ينوبهما شيء من المسح، بخلاف الرأس والرجل فإن المسح فيهما ينوب عن الغسل فلذا اكتفى بهما.
فإن قيل: كيف ترك التأسي بكتاب الله تعالى في تقديم المسافر أو خارج المصر على المريض، وفيه قدم المريض عليهما؟
قلنا: قال العلامة: إنما قدم المسافر أو خارج المصر لأن الحاجة إلى ذكرهم أمس لكونهما أعم لكثرة وقوعهما من المرض، أو لأن عدم الماء فيهما حقيقي، وفي المريض حكمي، وذكر في الآية عدم وجدان الماء ويتناول الكامل وكامله في حقهما، أما الآية لبيان شرعية الرخصة مرحمة للعباد، والمريض أحق بها.
ولأن المرض عارض ثبت من الله تعالى بلا اختيار، والسفر باختيار العبد فقد بيان الحكم فيما جاء من قبله، وفي الرواية انعدم المعنيان في حقهما عدم الماء حقيقي وفي حقه حكمي فلذا قدمهما، كذا في البدرية (^١).
وفي المبسوط: التيمم لغة القصد (^٢).
ومنه قول الشاعر (^٣):
فما أدري، إذا يممت أرضا أريد … الخير، أيهما يليني؟
أم الخير الذي أنا أبتغيه، … أم الشر الذي هو يبتغيني؟
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٥/¬٢٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٥١٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٧٢).
(٣) البيتان من الوافر، وهما للمثقب العبدي في ديوانه (ص ٢١٢)، وخزانة الأدب (١١/ ٨٠)، وشرح اختيارات المفضل (ص ١٢٦٧)، وشرح شواهد المغني (١/ ١٩١).
[ ١ / ٢٦٨ ]
مِيلٍ أَوْ أَكْثَرَ يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
أَي قصدت، وقال آخر (^١):
وَلَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ … إِذَا طَلَبا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّمَا
وَفي الشريعة: القصد إلى الصعيد للتطهير، وفي الاسم الشرعي معنى اللغة، وفيه تأمل إذ التيمم فعل الضرب شرعًا كما فسره النبي ﵇، والقصد من لوازمه.
وثبوت التيمم بالكتاب والسنة، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، ونزول الآية في غزوة المريسيع حين عرس النبي ﷺ ليلة أي نزلت في آخر ليلة فسقطت من عائشة ﵂ قلادة لأسماء، فلما ارتحلوا فذكرت ذلك لرسول الله فبعث رجلين في طلبها ونزلوا ينتظرونها، فأصبحوا وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال: حبست رسول الله ﷺ والمسلمين على غير ماء، فنزلت آية التيمم.
فلما صلوا جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة - أي خيمتها - ويقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر (^٢).
وفي رواية قال: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجًا (^٣).
وأما السنة فما روي أنه ﵇ قال: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ مَسْجِدًا وطهورًا، أينما أدركت الصلاةَ تيممتُ وصلَّيتُ» (^٤)، وقال ﵇: «التيمم طهور المسلم ولَوْ إلى عشرِ حِجَجٍ ما لم يَجِدِ الماءَ» (^٥).
_________________
(١) البيت من الطويل، وانظر: التذييل (٤/ ١٣٨)، وشرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ (٢/ ٥٨١).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٧٤، رقم ٣٣٤)، ومسلم (١/ ٢٧٩، رقم ٣٦٧).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ٧٤، رقم ٣٣٦)، ومسلم (١/ ٢٧٩، رقم ٣٦٧).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ٧٤، رقم ٣٣٥)، ومسلم (١/ ٣٧٠، رقم ٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، بلفظ: «فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان».
(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٩١، رقم ٣٣٢، ٣٣٣)، والترمذي (١/ ١٨٤، رقم ١٢٤)، والنسائي (١/ ١٧١، رقم ٣٢٢)، وأحمد (٥/ ١٤٦، رقم ٢١٣٤٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٧٦، رقم ٦٢٧) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه.
[ ١ / ٢٦٩ ]
[المائدة: ٦] وَقَوْلُهُ ﵊: «التَّرَابُ طَهُورُ المُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ
فإن قيل: الله تعالى ذكر الماء نكرة في موضع النفي فيتناول كل جزء منه فيكون مخاطبًا في حق ذلك القدر بالاستعمال؛ لأنه طهور حقيقةً وحكمًا، فصار كالعاري إذا وجد ثوبًا يستر بعض عورته يلزمه ستر ذلك القدر، وكذا إذا كان نجاسة حقيقية يجب استعماله في ذلك القدر ينبغي أن يجب في النجاسة الحكمية أيضًا كما هو مذهب الشافعي؛ فإن عنده لو وجد ما لا يكفيه في الوضوء لزمه استعماله على أظهر القولين، ويتيمم لما بقي في وجهه ويديه بعد استعماله.
وفي قول: لا يجب استعماله (^١)، وهو قولنا، وقول مالك (^٢)، وداود (^٣)، واختيار المزني (^٤)، وعن أحمد روايتان كقول الشافعي (^٥).
وعن عطاء، والحسن البصري: لو وجد من الماء ما يكفيه لوجهه ويديه غسلهما وأغناه عن التيمم (^٦).
ولأن الضرورة لا تتحقق إلا بعد استعمال ذلك القدر، كما لو أصاب الرجل مخمصة ومعه لقمة من الحلال لا يجوز له أن يتناول الميتة، ولا يبعد الجمع بين التيمم واستعمال الماء كما في سؤر الحمار.
قلنا: المراد من الماء في الآية ما يكفي للوضوء لأنها سيقت لبيان الطهارة الحكمية، وكان قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] أي ماء طهورا محلّلا للطهارة، فإن وجود الماء النجس لا يمنعه عن التيمم بالإجماع، وباستعمال ذلك القدر لم يثبت شيء من الحل يقينا على الكمال؛ فإن الحل حكم، والعلة غسل الأعضاء كلها، وشيء من الحكم لا يثبت ببعض العلة كبعض النصاب في حق الزكاة، وكبعض الرقبة في حق الكفارة، بخلاف النجاسة الحقيقية، وستر
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٦٨)، وحلية العلماء للشاشي (١/ ١٩٧).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٣٣٩).
(٣) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٩٧).
(٤) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٩٧).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٧٥)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٢٧٣).
(٦) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٩٧).
[ ١ / ٢٧٠ ]
مَا لَمْ يَجِد الْمَاءَ»، …
العورة؛ لأن الواجب الذي يزال فيهما أمر حسي، وإذا كان حسيًا اعتبر الزوال حسًا، والزوال حسا بقدر الماء معه، وبقدر الثوب الذي معه يزول انكشاف العورة إليه، أشير في الأسرار (^١).
أما قوله: (لأن الضرورة لا تتحقق قبل الاستعمال)، قلنا: الضرورة قبله حاصلة؛ لأن الشرع علق جواز التيمم بعدم ما يطهره، وعدم ما يطهره حاصل قبل الاستعمال، ولا نقول في مسألة المخمصة أنه يلزم مراعاة الترتيب؛ فإن ما معه من الحلال إذا كان لا يكفيه ليسد الرمق فله أن يتناول معه، ولأن الأصل لا يرفى بالبدل لأنهما لا يلتقيان كما لا يكمل التكفير بالمال بالتكفير بالصوم، فلو قلنا بالجمع يلزم رفو الأصل بالبدل بخلاف سؤر الحمار، فإن الجمع هنا عندنا للاحتياط لا لرفوء الأصل بالبدل، كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (أو خارج المصر) (^٣)، يجوز رفع (خارج)، ونصبه عطفًا على لفظ: (وهو مسافر)، ومحله نصب فإنه جملة حالية ليكون انتصابه على الحال، ويجوز أن يكون منتصبًا على أنه مفعول فيه؛ لأن تقديره وهو في مكان خارج المصر فعلى هذا الخارج صفة للمكان، لكن الوجه الأول أولى؛ لأن نظير ذلك بعينه مذكور في "الكشاف" (^٤) في قوله ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] الآية [النساء: ٤٣]، فإنه عطف على قوله: ﴿وَأَنتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] وهو جملة حالية كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبًا.
وقيل: لما جاز عطف الجملة الحالية على المفرد من الحال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] أي مضطجعين على جنوبهم جاز عكسه.
ثم قوله: (أو خارج المصر)، احتراز عن قول من قال: لا يجوز التيمم
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٤٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٥٠٠).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١١٤).
(٣) انظر المتن ص ٢٦٨.
(٤) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري (١/ ٥١٣).
[ ١ / ٢٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أولا للمسافر، فحينئذ يكون معناه يجوز التيمم لمن هو خارج المصر وإن لم يرد سفرًا، وفيه أيضًا نفي لجواز التيمم في الأمصار إلا في ثلاثة مواضع: عند خوف فوت صلاة الجنازة والعيد، وعند خوف الجنب من البرد عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز، قال التمرتاشي: لا يجوز التيمم في المصر؛ لأن عدم الماء فيه نادر (^١).
وفي الأسرار: يجوز التيمم في المصر لو تحقق عدم الماء لأن الشرط عدم الماء إلا أنهم بنوا الأمر على عادات الأمصار فإن عدم الماء فيها نادر، وأعرضوا عن الشذوذ، فعلى هذا خرج قوله: (أو خارج المصر) على وفاق العادة، ونص في المبسوط على عدم جوازه في المصر (^٢).
(بينه وبين المصر) (^٣)، وفي بعض النسخ: (بينه وبين الماء).
وقوله: (وأكثر) (^٤) للتأكيد، كما قوله: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، قال الكاثي: فيه نظر، أو نقول: المسافة تعرف بالحذر والظن فقال: لو كان في وطنه أن بينه وبين الماء ميل أو أقل لا يجوز له التيمم، وإنما يجوز له التيمم أن لو تيقن نحو ميل فلذا قال: (ميل أو أكثر).
أو نقول: تقديرات الشرع أربعة: ما يمنع الأكثر لا الأقل كمدة النفاس، أو على العكس كنصاب الزكاة، أو يمنعهما كمقادير الصلوات المفروضات، أو لا يمنعها كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فذكر قوله: (أو أكثر) ليعلم أن هذا من قبيل ما يمنع النقصان لا الزيادة، كذا قيل.
وفي فتاوى قاضي خان: قليل السفر وكثيره سواء في التيمم، والصلاة على الدابة، وإنما الفرق بين القليل والكثير في ثلاثة: في قصر الصلاة،
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٢٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٥١١).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٦٨).
(٣) انظر المتن ص ٢٦٨.
(٤) انظر المتن ص ٢٦٩.
[ ١ / ٢٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والإفطار، والمسح على الخفين (^١).
وفي البدرية: قوله: (أو أكثر) لنفي رواية الحسن، عن أبي حنيفة؛ فإنه روى: إن لم يكن الماء قدامه فالمسافة ميل، وإن كان قدامه فميلان، وهو اختيار السَّرَخْسِي.
فالمصنف بقوله: (أو أكثر) أثبت التسوية بين الميل والأكثر في إثبات الرخصة مطلقا (^٢).
قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦]، قال الكردري: الفاء في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] للعطف على الشرط، وفي ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] لجواب الشرط، وفي ﴿وَامْسَحُوا﴾ [المائدة: ٦] لتفسير التيمم والمراد من الوجود القدرة، أي: فلم تقدروا على استعماله؛ لأن لفظة الوجود كما تستعمل في الظفر بالشيء تستعمل للقدرة عليه، يقال: وجد الشيء ظفر به، ووجده إذا قدر عليه، فحملناه على القدرة هاهنا لاعتماد التكليف عليه، لا الوجود مطلقا.
والعجز حقيقةً يثبت بفوت سبب من أسباب القدرة، وبفوت آلة، حتى أن مقطوع اليدين إذا لم يقدر على الوضوء بنفسه، ولا يجد من يوضئه يباح له التيمم، وكذا الواقف على رأس البئر وليس معه آلة الاستسقاء يباح له التيمم (^٣).
فإن قيل: النص مطلق عن اشتراط المسافة فلا يجوز تقييده بها بالرأي.
قلنا: المسافة القريبة غير مانعة بالإجماع والبعيدة مانعة بالإجماع. فجعلنا الفاصل بينهما الميل لأنه يلحقه الحرج بسبب الدخول منه في المصر وهو منفي، والماء معدوم حقيقة والمراد من قوله: «وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ» الكثرة لا نفس العشرة فإن الحكم إلى ما فوقها كذلك، واستعمل العشرة لمعنى الكثرة لأنها منتهى عدد الآحاد، وما فوقها من العقود [ولا يخلو] (^٤) من عقد الآحاد فلذلك استعمل في مكان الكثرة كذا قاله الكاثي.
_________________
(١) فتاوى قاضي خان (١/¬٢٥).
(٢) انظر: تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/¬٣٧).
(٣) انظر: الصحاح تاج اللغة للجوهري (٥/ ١٨٢٣)، والمغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٥١).
(٤) في الأصل (لائح)، وما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وَالمِيلُ هُوَ المُخْتَارُ فِي المِقْدَارِ، لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الحَرَجُ بِدُخُولِ المِصْرِ، وَالمَاءُ مَعْدُومٌ
قوله: (الميل هو المختار)، الميل في كلام العرب منتهى مد البصر، وقيل: للأعلام المبنية في طريق مكة أميال لأنها بنيت على مقادير منتهى البصر، كذا في الصحاح، والمغرب (^١).
والمراد هنا: ثلث الفرسخ، والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة، وفسر ابن شجاع الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع إلى أربعة آلاف ذراع. والغلوة: ثلاثمائة ذراع، كذا في الذخيرة (^٢).
وفي الينابيع: الميل ثلث الفرسخ، أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربع وعشرون إصبعًا.
وفي بحر المحيط: الغلوة ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع، والميل ثلاثة آلاف ذراع إلى أربع ألاف (^٣).
وعن محمد: البعد عن المصر مقدار ميلين، وهو اختيار الفضلي، وعن الكرخي إن كان في موضع يسمع صوت أهل الماء فهو قريب، وإلا فهو بعيد، وبه أخذ أكثر المشايخ، كذا في فتاوى قاضي خان (^٤).
وقال الحسن بن زياد: إذا كان الماء أمامه يعتبر ميلين، وإن كان يمنة أو يسرة أو خلفه فميل، وقال أبو يوسف: بحيث لو ذهب إليه تذهب القافلة وتغيب عن بصره، وهذا حسن جدا كذا في الذخيرة (^٥).
وفي الْمُجْتَبى: وقيل: بحيث لا يسمع أذان البلد، وقيل: بحيث لا يسمع صوت المنادي من أقصى البلد، وقيل: قدر غلوة وعن محمد الغلوة مقدار رمية سهم (^٦).
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٤٨).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٢٥)، والمحيط البرهاني لابن مازوة (٢/ ٦٦).
(٣) انظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٤٤).
(٤) انظر: فتاوى قاضي خان (١/¬٢٥).
(٥) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (٢١١)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١٣٧١).
(٦) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٤١).
[ ١ / ٢٧٤ ]
حَقِيقَةٌ، وَالمُعْتَبَرُ المَسَافَةُ دُونَ خَوْفِ الفَوْتِ، لِأَنَّ التَّفْرِيطَ يَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ. (وَلَوْ كَانَ يَجِدُ المَاءَ، إِلَّا أَنَّهُ مَرِيضٌ يَخَافُ إِنْ اسْتَعْمَلَ المَاءَ اشْتَدَّ مَرَضُهُ: يَتَيَمَّمُ)، لِمَا تَلَوْنَا، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي زِيَادَةِ المَرَضِ فَوْقَ الضَّرَرِ فِي زِيَادَةِ ثَمَنِ المَاءِ، وَذَلِكَ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، فَهَذَا أَوْلَى. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ بِالتَّحَرُّكِ أَوْ بِالِاسْتِعْمَالِ. وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ خَوْفَ التَّلَفِ،
وجه المختار أن رخصة التيمم باعتبار دفع المشقة الحاصلة بالدخول في المصر، وهذا موجود في هذا المقدار غالبًا.
قوله: (والمعتبر المسافة دون خوف الوقت)، هذا احتراز عن قول زفر فإنه يعتبر خوف الوقت لما تلوناه وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، فإن صدر الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى﴾ [النساء: ٤٣] يفيد الجواز، إلا أن المريض لما تفاوت في لحوق الضرر باستعمال الماء وعدمه كأنه سياق الآية دليلا على أن شرعية التيمم لرفع الحرج بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] اعتبرنا فيه لحوق الحرج والضرر وزيادة المرض قد تقضي إلى التلف وكأن اعتبارها أولى.
قوله: (لأن الضرر)، إلى آخره وذلك أن ثمن الماء مال، والمال خلق وقاية للنفس فكان تبعًا، فلما كان الحرج مرفوعًا عن الوقاية التي هي تبع بالإجماع؛ لأن يكون مرفوعًا عن الموقى الذي هو أصل بالطريق الأولى.
(أن يشتد مرضه)، بالتحريك كالمبطون، والمبتلى من العرق المدني، أو باستعمال الماء كالجدري والحصبة.
قوله: (واعتبر الشافعي خوف التلف)، في السهيلي له فيه قولان:
أحدهما: مثل قول أبي حنيفة، وهو قوله القديم، وقال في الجديد: ليس له أن يتيمم لمرض إلا أن يخاف على نفسه أو عضوه (^١).
وفي شرح الوجيز: أما مرض يخاف زيادة العلة وبطء البرء فقد حكموا فيه
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٥٨)، والمهذب للشيرازي (١/ ٧١).
[ ١ / ٢٧٥ ]
وَهُوَ مَرْدُودٌ بِظَاهِرِ النَّص.
ثلاثة طرق أظهرها: أن في جواز التيمم له قولين:
أحدهما: المنع، وهو قول أحمد؛ لأن المبيح للتيمم مرض يخاف فوت نفس أو عضو؛ لأنه نقل عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى﴾ [النساء: ٤٣]: إذا كانت بالرجل جراحة في سبيل الله تعالى، أو قروح، أو جدري فشجت ويخاف أن يغتسل فيموت يتيمم.
وأظهرها الجواز، وهو قول الإِصْطَخْرِي وعامة أصحابه، وقول مالك، وقول أبي حنيفة (^١).
وفي الحلية: وهو الأصح.
فإن كان مرض لا يلحقه باستعمال الماء ضرر كالصداع، والحمى لا يجوز له التيمم، وقال داود يجوز، ويحكى ذلك عن مالك.
وعن عطاء، والحسن البصري: أنه لا يجوز التيمم للمريض إلا عند عدم الماء، ولو خاف من استعمال الماء شيئًا في المحل، قال أبو العباس: لا يجوز له التيمم، على مذهب الشافعي، وقال غيره وإن كان الشين كأثر الجدري والجراحة ليس له التيمم، وإن كان تشوه من خلقه وتسود من وجهه كثيرًا فيه قولان (^٢).
والثاني من الطرق: أنه لا يجوز قطعًا، والثالث: أنه يجوز قطعا.
وأجمعوا على أنه لو خاف على نفسه الهلاك، أو على عضوه، أو منفعته يباح له التيمم.
(وهو) أي اعتبار الشافعي مردود بظاهر النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى﴾ [النساء: ٤٣] فإنه يفيد الجواز المطلق المرض، لا لمرض يلحقه ضرر
وهو خوف التلف كاستعمال الماء لسياق الآية كما بينا (^٣).
_________________
(١) انظر: فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٢/ ٢٦٩).
(٢) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢٠١).
(٣) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (٣١٠)، والمجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٤١).
[ ١ / ٢٧٦ ]
(وَلَوْ خَافَ الجُنُبُ إِنْ اغْتَسَلَ أَنْ يَقْتُلَهُ البَرْدُ أَوْ يُمْرِضَهُ
فإن قيل: أنتم تركتم ظاهر النص أيضًا حيث قيدتموه بمرض مضر؟
قلنا: تقييده بسياق النص بقوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] الآية [الحج ٧٨].
قوله: (ولو خاف الجنب)، ولم يذكر خوف المحدث، وفي الأسرار أنهما سواء على قول أبي حنيفة.
وذكر قاضي خان: الجنب الصحيح في المصر إذا خاف الهلاك للبرد جاز له التيمم على قوله، وأما المسافر إذا خاف الهلاك من الاغتسال يجاز له التيمم بالاتفاق، وأما المحدث في المصر اختلفوا فيه على قول أبي حنيفة (^١).
وفي المحيط في المحدث اختلاف الرواية فجوزه شيخ الإسلام ولم يجوزه الحلواني، قال مشايخنا: في ديارنا لا يجوز للمقيم أن يتيمم بالاتفاق لأن في عرف ديارنا أجر الحمام يعطى بعد الخروج فيمكنه أن يدخل الحمام ويغتسل ويتعلل بالعسرة (^٢).
وفي الْمُجْتَبى عن محمد مريض يجد من يوضئه ولا يستضر به يتوضأ بإعانته، قيل: بغير بذل، وقيل: ببذل يسير، ولو حرك للوضوء يستضر به تيمم (^٣).
وفي بحر المحيط: مريض له عبد يوضئه لا يتيمم عندنا فاختلف المشايخ على قول أبي حنيفة فمن سوى بين الحر والعبد، قال: ألا ترى أن العاجز عن القيام في الصلاة إذا كان له عبد يقيمه تجزيه الصلاة قاعدًا.
قال أستاذنا: تلك المسألة أيضًا على الخلاف فإنه ذكر في صلاة المريض إذا كان له خادم يتكئ عليه قدر على القيام يقوم ويتكئ عليه خصوصًا على قولهما.
وفي النظم: فإن لم يجد المريض معينًا يتيمم بالاتفاق، وإن وجد من
_________________
(١) فتاوى قاضي خان (١/¬٢٧).
(٢) المحيط البرهاني (١/ ١٤٩).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٤٠).
[ ١ / ٢٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يوضئه مجانا لا يتيمم بالاتفاق، وإن لم يوضئه إلا ببذل يتيمم عند أبي حنيفة قل الأجر أو كثر، وقالا: إن كان أكثر من ربع درهم تيمم، وإلا فلا، وقيل: الاختلاف في ثلاثة دراهم (^١).
ومن شلت يده ولا يجد أحدا يمسح يديه على الأرض ووجهه على الحائط؛ لأنه قادر عليه ويتيمم إذا كان يؤذيه الماء أذى شديدا، ولو كان عامة بدن الجنب أو عامة أعضاء المحدث جريحا يتيمم، وعلى عكسه يغسل الصحيح، ويمسح الجريح أو القرحة إن لم يضره المسح، وفي النصف اختلاف المشايخ.
وكذا في اعتبار الكثرة، فقيل: تعتبر الكثرة في نفس كل عضو، وقيل: في أعضاء الوضوء.
وفي الهاروني: جريح يخاف الماء والتيمم لا يصلي عند أبي حنيفة، وكذلك الجنب، وقال أبو يوسف: يغسل ما قدر ويصلي (^٢).
ويعيد المحبوس في السجن خارج المصر يصلي بالتيمم إذا لم يجد ماء ولا يعيد. وفي المصر لم يصل عند أبي حنيفة، ثم رجع إلى قولهما وقال: يصلي ثم يعيد، وإن لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا لم يصل عنده، وعن أبي يوسف: يومئ بغير طهارة تشبها احتراما للوقت، وعنه: يتيمم بالتراب النجس، وعنه: يصلي بركوع وسجود ثم يعيد، وعنه: لا يصلي (^٣)، وقول محمد مضطرب.
وكذا الأسير منعه الكفار عن الوضوء والصلاة يتيمم ويومئ، ثم يعيد، وكذا المقيد.
قلت: بخلاف الخائف منهم؛ فإن الخوف من الله تعالى.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٤٨).
(٢) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ١٤٢)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٤٨).
(٣) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ١٢٥)، والمبسوط للسرخسي (١/ ١٢٣).
[ ١ / ٢٧٨ ]
يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ)، وَهَذَا إِذَا كَانَ خَارِجَ المِصْرِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ كَانَ فِي المِصْرِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلَافًا لَهُمَا (*) هُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ تَحَقَّقَ هَذِهِ الحَالَةِ نَادِرٌ فِي المِصْرِ فَلَا يُعْتَبَرُ. وَلَهُ: أَنَّ العَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ.
(وَالتَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ يَمْسَحُ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ
قوله: (يتيمم بالصعيد)، وفي الأحقاف (^١): إن الله خلق ذرة ونظر إليها فصارت ماءً، وعلا الزبد عليه، فخلق الله تعالى الأرض منه، فيكون أصل الأرض من الماء، فكذا أقامه مقام الماء.
قوله: (والتيمم ضربتان)، إنما اختار لفظة الضرب وإن كان الوضع جائزا لما أن الآثار جاءت بلفظ الضرب. وفي البدرية: والوضع جائز، ولكنه أولى مبالغةً في إيصال التراب إلى أثناء الأصابع (^٢).
وقيل: إنما قال ضربتان احترازا عن قول ابن سيرين فإن عنده ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين، وضربة للوجه والذراعين جميعًا، كذا في البدرية.
وفي الحلية: عن ابن سيرين ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين (^٣).
وقال أحمد (^٤)، وداود (^٥)، ومالك في رواية (^٦): ضربة واحدة تكفي للوجه والذراعين، وعندنا والشافعي في الجديد، ومالك في رواية: لا تكفي (^٧).
_________________
(١) (*) الراجح: قولهما.
(٢) وفي النسخة الثانية: (الأخواف).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٠٦)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/¬٣٨).
(٤) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٨٢).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٧٩)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٠١).
(٦) انظر: المحلى لابن حزم (١/ ٣٦٨).
(٧) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٩٣)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٨٢).
(٨) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٤٥)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٩٣).
[ ١ / ٢٧٩ ]
وَبِالأُخْرَى يَدَيْهِ إِلَى المَرْفِقَيْنِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ، ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ»،
ولو ضرب على الأرض فقبل المسح بهما أحدث ثم مسح جاز، كمن ملأ كفه ماءً للوضوء ثم أحدث، وقال السيد الإمام أبو شجاع والحلواني: لا يجوز؛ لأن الضربة من التيمم، وقد أتى ببعضه ثم أحدث فينقضه كما ينقض الكل، فصار كما لو أحدث في خلال الوضوء (^١).
قوله: (وبالأخرى يديه إلى المرفقين)، نفي لقول الزهري فإن عنده إلى الآباط (^٢)، وكذا عند مالك في رواية (^٣)، ولرواية الحسن عن أبي حنيفة أنه إلى الرسغ (^٤).
وروي ذلك عن ابن عباس، وهو رواية عبد الحكم، وابن نافع عن مالك، وقول القديم للشافعي، وقول الأوزاعي، والأعمش (^٥).
وروى ابن لبابة عن مالك: أنه في الجنابة إلى الكوعين، وفي الحدث الأصغر إلى المنكبين (^٦).
لهم إطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، كما أطلق في قوله تعالى ﴿فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والقطع من الرسغ للإطلاق، وهكذا هاهنا، وبذلك ورد في حديث عمار.
وفي النهاية: وجه رواية الحسن أن الأكثر يقوم مقام الكل، ولأن في الممسوحات الاستيعاب ليس بشرط كما في مسح الخف والرأس.
وفي ظاهر الرواية، والقول الجديد للشافعي لابد منه إلى المرفقين.
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٤٤).
(٢) انظر: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد (١/ ٩٥).
(٣) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ١١٤) وقال: وهو قول ابن شهاب، ومحمد بن مسلمة من أصحابنا.
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/¬٤٦)، ومراقي الفلاح للشرنبلالي (ص ٥٢).
(٥) انظر: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد (١/ ٧٥).
(٦) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٤٦)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٨٢).
[ ١ / ٢٨٠ ]
وَيَنْفُضُ يَدَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَتَنَاثَرُ التَّرَابُ كَيْ لَا يَصِيرَ مُثْلَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِيعَابِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الوُضُوءِ، وَلِهَذَا قَالُوا: يُخَلِّلُ الأَصَابِعَ وَيَنْزِعُ الخَاتَمَ لِيُتِمَّ
(لقيامه)، أي التيمم (مقام الوضوء)، يعني أنه خلف عن الوضوء، ووظيفة هذا العضو فيه الاستيعاب فكذا في خلفه، ولولا الخليفة لوجب المصير إلى وجوب المسح إلى المناكب عملا بالمقتضى للحقيقة، وهي ليست بمرادة في آية السرقة؛ لأنه تعالى حرَّم على السارق نعمة قوة الباطشة في مقابلة هذه الجناية، وهذه الفائدة تحصل من القطع من الزند فكان ذلك من باب إطلاق اسم الكل على البعض.
وأما المسح في التيمم فلا يهتدي العقل إلى حكمته، فلا يعلم أن الحكمة تحصل بالبعض، والخليفة مانعة عن العمل بالحقيقة لئلا نزيد الخلف على الأصل فتعين الاقتصار على ما يجب غسله في الوضوء إعمالا للخليفة بقدر الإمكان، وعملا بالحديث المذكور في الكتاب.
وحديث عمار ورد بالكل، ورجحنا روايته (إلى المرفقين) بما حكى ابن عمر ووجابر تيمم رسول الله ﷺ، وعلم ﵇ الأسلغ (^١) نحو ذلك، وفيه سؤال وجواب ذكرناهما في بيان الوصول في شرح الأصول.
قوله: (وينفض يديه)، في الكاثي: وفيه اختلاف، قيل: ينفض مرة، وقيل: مرتين، والمثلة ما تمثل به مثلا في تبديل خليقته، وتغيير هيئته سواء كان بقطع عضو، أو تسويد وجه ويعتبره، كذا في الخبازية.
وفي الزاد: الأحوط أن يضرب بيده على الأرض ثم ينفضهما حتى يتناثر التراب، فيمسح بهما وجهه، ثم يضرب أخرى فينفضها، ويمسح بباطن أربع أصابعه يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بباطن كفه اليسرى باطن ذراعه اليمنى إلى الرسغ، ويمر بباطن إبهام يده اليسرى على ظاهر إبهام يده اليمنى، ثم يفعل بيده اليسرى كذلك، هكذا حكى ابن عمر وجابر تيمم رسول الله ﷺ، وعلم ﵇ الأسلغ كذلك.
_________________
(١) معناها الأبرص.
[ ١ / ٢٨١ ]
المَسْحُ (وَالحَدَثُ وَالجَنَابَةُ فِيهِ سَوَاءٌ) وَكَذَا الحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا
وقال الشافعي: إن علقت الكفان غبارًا كثيرًا نفض، وقال مالك: ينفضهما نفضًا خفيفًا، وقال أحمد: لا يضرك تركه.
وقلنا: فيه مخالفة الرسول، وتمثيل بوجهه فلا يترك.
وفي المستصفى: قال بعض مشايخنا: ينبغي أن يضع بطن كفه اليسرى على كفه اليمنى، ويمسح بثلاثة أصابع أصغرها ظاهر يده اليمنى إلى المرفق، ثم يمسح باطنه بالإبهام والمسبحة إلى رؤوس الأصابع، ثم يفعل في اليد اليسرى (^١).
كذلك قالوا يخلل الأصابع عن محمد، في هذه الحالة يحتاج إلى ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للذراعين، وضربة لتخليل الأصابع ونزع الخاتم.
وفي المُجْتَبى: يحرك الخاتم والسوار، كذا روي عن محمد (^٢).
وفي شرح الطحاوي: فإن لم يكن له إلا الذراع تيمم لذراعيه، ولو كان مقطوعًا من المرفقين يتيمم لموضع القطع عندنا خلافًا لزفر، وقيل: يخلل أصابعه إذا لم يدخلها غبار.
وفي المحيط: يمسح تحت الحاجبين.
وفي الحلية: مسح من وجهه ظاهر البشرة وظاهر الشعر على الصحيح، ومن أصحابنا من قال: يجب إيصال التراب إلى باطن الشعور الأربعة كما يجب إيصال الماء في الوضوء.
ولو أمر غيره حتى ييممه ونوى هو جاز، وقال ابن القاص: لا يجزئه (^٣).
قوله: (والحدث والجنابة فيه)، أي في التيمم.
(سواء)، أي في الكيفية والكمية، وكذا في الحيض والنفاس، وعن النخعي أن الجنب يؤخر الصلاة حتى يجد الماء (^٤).
_________________
(١) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٣١١).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٤٤).
(٣) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٨٦).
(٤) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٨١).
[ ١ / ٢٨٢ ]
جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: «إِنَّا قَوْمٌ نَسْكُنُ هَذِهِ الرِّمَالَ وَلَا نَجِدُ المَاءَ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ، وَفِينَا الجُنُبُ وَالحَائِضُ وَالنَّفَسَاءُ، فَقَالَ ﵊: عَلَيْكُمْ بِأَرْضِكُمْ».
وفي المبسوط: ما قال في الكتاب قول علي وابن عباس، وعائشة، وقال عمر، وابن مسعود: لا يجوز التيمم للجنب والحائض، وعن عمار قال لعمر: أما تذكر إذ كنت معك في الإبل فأجنبت فتَمعكتُ في التراب، ثم سألت رسول الله ﷺ فقال لي: «أصِرْتَ حِمَارًا، أما يكفيك ضربتان»، فقال عمر: اتق الله، فقال: إن شئت لم أذكره، فقال عمر: إن شئت فاذكره وإن شئت لا (^١)، ولما ذكر لابن مسعود حديث عمار قال: لم يقنع به عمر (^٢).
وأصل الاختلاف راجع إلى أن المراد من قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] ماذا؟ فقال عمر وابن مسعود: المراد منه المس باليد، فيجوز التيمم للمحدث خاصة بخلاف القياس فلا يباح للجنب، وقيل: أنهما رجعا عن ذلك.
وقال علي وابن عباس: المراد منه الجماع (^٣).
فأباحا التيمم للجنب والمحدث، وبه أخذ أصحابنا ورجحوا قولهما بسياق الآية، وبأخبار موافقة له.
أما سياق الآية: فإنه تعالى بين حكم المحدث والجنابة في آية الوضوء، ثم نقل الحكم إلى التراب حال عدم الماء، وذكر الحدث الأصغر بقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] فتحمل ﴿لَّمَسْتُمُ﴾ [النساء: ٤٣] على الحدث الأكبر فتصير الطهارتان والحدثان مذكورين في آية البدن، كما في آية الوضوء ليكون آخر الآية موافق لأولها، وتمام هذا البحث مذكور في بيان الوصول.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٧٥، رقم ٣٣٨)، ومسلم (١/ ٢٨٠، رقم ٣٦٨).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٨٧، رقم ٣٢١)، والنسائي (١) ١٧٠، رقم (٣٢٠)، والدارقطني (١/ ٣٣١، رقم ٦٨٤).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١١١).
[ ١ / ٢٨٣ ]
(وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ،
وأما الخبر فما روى أبو هريرة أن قوما جاءوا الحديث (^١)، وما جاء في حديث أبي ذر أنه قال: اجتمعت إبل الصدقة عند النبي ﵇، فقال لي: «ابد بها»، فبدوت إلى نادية يقال لها ربذة فأصابتني الجنابة، فأتيت النبي ﵇ فقال: «مالك؟» فسكت، فقال: «ثكلتك أمك، مالك؟» فقلت: إني جنب، فأمر جارية سوداء فأتت بعس من الماء وسترتني بالثوب حتى اغتسلت، فكأني وضعت عن عانقي حملا، فقال ﵇: «كان يكفيك التيمم ولَو إِلَى عشر حجج ما لم تَجِدِ الماء» (^٢).
ثم الشافعي يحمل الآية على المس باليد، ويرى التيمم للجنب (^٣)، فكان مخالفًا للطائفتين من الصحابة، وفيه نوع تأمل.
وقوله: (بكل ما كان من جنس الأرض)، قيل كل ما يحترق بالنار ويصير رمادا كالشجر، أو ينطبخ ويلين كالحديد ليس من جنس الأرض، وما عدا ذلك منه، كذا في الزاد والتحفة (^٤).
وفي الإيضاح: عن محمد لا يجوز التيمم ببرادة الذهب والفضة، والحديد؛ لأنه ليس من جنس الأرض، وكذا بالبورق والملح لأنه ماء انجمد، وكذا بالرماد؛ لأنه أجزاء الخشب، وكذا باللؤلؤ المدقوق لأنه متولد من الحيوان، وليس من أجرابها (^٥).
وفي المغرب: همزة واو النورة خطأ (^٦).
_________________
(١) أي المذكور في المتن سابقًا.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٩١، رقم ٣٣٢، ٣٣٣)، والترمذي (١/ ١٨٤، رقم ١٢٤)، والنسائي (١/ ١٧١، رقم ٣٢٢)، وأحمد (٥/ ١٤٦، رقم ٢١٣٤٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٧٦، رقم ٦٢٧) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه.
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/¬٢٩)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ١٨٤).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٥٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٥٥).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٠٩)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٠٣).
(٦) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٧٣).
[ ١ / ٢٨٤ ]
كَالتُّرَابِ وَالرَّمَلِ وَالحَجَرِ وَالجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالكُحْلِ وَالرِّزْنِينِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا
وفي المبسوط: وكان أبو يوسف أولا لا يُجَوِّزُ التيمم إلا بالتراب والرمل، ثم رجع وقال: لا يجوز إلا بالتراب الخالص، وهو قول الشافعي (^١).
وفي الحلية: لا يصح التيمم عندنا إلا بتراب طاهر، أو غبار يعلق باليد، وبه قال أحمد، وداود، وعند أبي حنيفة، ومحمد -، ومالك: يجوز بكل ما كان من جنس الأرض، ولا يعتبر أن يتعلق بها غبار - إلا في رواية عن محمد، حتى قال مالك: يصح التيمم بالثلج.
وعن مالك أنه قال: يصح بكل ما كان متصلا بالأرض من النبات، وعند أبي يوسف يصح بالتراب والرمل، وهو قول الشافعي في القديم، وعن بعض أصحاب الشافعي (^٢): لا يصح إلا بتراب عذب تراب الحرث، وبه قال إسحاق لما روي عن ابن عباس: أن الصعيد الطيب تراب الحرث (^٣).
قال النواوي: الإنبات ليس بشرط في الأصح (^٤).
لأبي يوسف والشافعي قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، قال ابن عباس: الصعيد الطيب التراب الخالص، وقوله ﵇: «جُعِلَت لِيَ الأرض مسجدًا وطهورًا» (^٥)، وقوله ﵇: "التّراب طهور المُسلم" الحديث (^٦).
وفي المبسوط: تخصيص التيمم بالتراب إظهار كرامة الآدمي لأنه مخلوق
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٠٨).
(٢) في مطبوع "الحلية ": (وحكي عن ابن عباس).
(٣) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٨٢).
(٤) انظر: المجموع (٢/ ٢١٨)، وروضة الطالبين وعمدة المفتين (١/ ١٠٨).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ٧٤، رقم ٣٣٥)، ومسلم (١/ ٣٧٠، رقم ٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁.
(٦) أخرجه أبو داود (١/ ٩١، رقم ٣٣٢، ٣٣٣)، والترمذي (١/ ١٨٤، رقم ١٢٤)، والنسائي (١/ ١٧١، رقم ٣٢٢)، وأحمد (٥/ ١٤٦، رقم ٢١٣٤٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٧٦، رقم ٦٢٧) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه.
[ ١ / ٢٨٥ ]
يَجُوزُ إِلَّا بِالتُّرَابِ وَالرَّمَلِ خاصةً) (*) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالتُّرَابِ المُنْبِتِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] أَيْ: تُرَابًا مُنْبِتًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسِ ﵁، غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ زَادَ عَلَيْهِ الرَّمَلَ بِالحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ. وَلَهُمَا: أَنَّ الصَّعِيدَ اسْمٌ لِوَجْهِ الْأَرْضِ سُمِّيَ بِهِ لِصُعُودِهِ، وَالطَّيِّبُ يَحْتَمِلُ الطَّاهِرَ فَحُمِلَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِمَوْضِعِ الطَّهَارَةِ، …
من التراب والماء فخصا بكونهما طهورًا (^١).
وفي شرح التأويلات: الإنبات شرط عند أبي يوسف كما هو قول الشافعي؛ لأنه ذكر الطيب مطلقًا، ويذكر ويراد به المنبت قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ [الأعراف: ٥٨]، ويذكر ويراد به الحلال، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، والحلال لا يليق هاهنا، وفي الآية الطيب مقرون بالأرض فيكون الإنبات أليق إذ القرآن يفسر بعضه بعضًا، مع أنه روي عن ابن عباس: أن الصعيد الطيب تراب الحرث (^٢).
ولنا: أن الصعيد اسم لوجه الأرض، قال الأصمعي: فعيل بمعنى فاعل، أي صاعدًا، وهذه الأشياء صاعدة، كذا في الأسرار (^٣)
وقيل: فعيل بمعنى مفعول، أي: يصعد عليه فيعم جميع وجه الأرض ترابًا وغيره، وقال الزجاج: لا أعرف فيه اختلافًا من أهل اللغة (^٤).
والطيب يحتمل الطاهر، قال تعالى: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقال ﵇: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ» (^٥)، ويحتمل المنبت والحلال.
(فحمل عليه)، أي على الطاهر، (لأنه أليق) بهذا الموضع؛ لأنه قال في آخر الآية: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقال أيضًا: ﴿فَامْسَحُوا﴾ [المائدة:
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٠٨).
(٣) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٨٢).
(٤) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٣١٦).
(٥) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٢/ ٥٦).
(٦) أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٣، رقم ١٠١٥) من حديث أبي هريرة ﵁، بلفظ: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا».
[ ١ / ٢٨٦ ]
أَوْ هُوَ مُرَادُ الإِجْمَاعِ.
٦] ولو كان المراد المنبت لقال (^١) فازرعوا.
وأما أثر ابن عباس فقلنا: لا يقيد المطلق بخبر الواحد فكيف بالأثر.
وفي المبسوط: الصعيد: الأرض، قال ﵇: «يُحْشَرُ العلماء في صعيدٍ واحدٍ كأنها سبيكة فضة، فيقولُ اللهُ تعالى: يا معشر العُلَماء إني لم أضَعْ عِلْمِي فيكُمْ إِلَّا لِعِلْمِي بكُمُ، إِنِّي لم أضَعْ كَلِمَتي فيكم وأنا أريد أن أعذِّبَكُم، انطلقوا مغفورًا لَكُمْ» (^٢)، وقال ﵇: «جُعِلَت لِيَ الأَرضُ مَسجدًا وطهورًا، أينما أدركتني الصلاةُ تيممتُ وصَلّيتُ» (^٣).
ثم غير التراب في كونه مصلى أسوة، فكذا في كونه طهورًا، ثم إنه تعالى يسر على النبي وأمته فإنها كما تدركه في موضع التراب تدركه في غير موضع التراب فيجوز التيمم بالكل تيسيرًا (^٤).
قوله: (أو هو مراد)، أي الظاهر مراد بالإجماع، فينبغي أن لا يكون المنبت مرادًا لأن المشترك لا عموم له خصوصا في موضع الإنبات، وقد بين هذا الأصل في الأصول، وفيه تأمل.
ثم حاصل مذهبنا أن كل ما كان من جنس الأرض يجوز التيمم به، وما لا فلا يجوز، بالذهب والفضة، والرصاص، والنحاس، والصفر، والحديد، وكل ما يذوب بالإذابة، وكذا بالملح لأنه يذوب بالماء.
وقيل: يجوز بالملح الجبلي، وفي قاضي خان: لا يجوز على الأصح لأنه يذوب (^٥).
_________________
(١) في الأصل: (لقالوا)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) أخرجه ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (٥/ ١٣٧).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ٧٤، رقم ٣٣٥)، ومسلم (١/ ٣٧٠، رقم ٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، بلفظ: «فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان».
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ١٠٨).
(٥) فتاوى قاضي خان (١/¬٢٩) وفيها: وكل ما يذوب وينطبع ولا بالملح المائي، واختلفوا في الجبلي، والصحيح هو الجواز.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ غُبَارٌ
ولا يجوز بالغضارة، لأنه مطلي بالصبغ والآنك، حتى لو لم يكن مطليا يجوز كالجباب، والكيزان، والآجر، ولا بما يصير رمادا، كذا في الأوضح، والزاد، وصلاة الجلابي.
وكذا بالزئبق لأنه ليس من جنس الأرض، وكذا بالرماد لأنه ليس منه:
وفي الْمُجْتَبى: في شرح قاضي صدر: قال أصحابنا يجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد بالحديد والفضة والذهب والفيروزج والرصاص والنحاس والمغرة لأنها من أجزاء الأرض (^١).
وفي النظم: يجوز بالنحاس، والرصاص، والحديد، والذهب ما لم يسبك، فإذا سبك فإن كان عليهم غبار يجوز، ولا يجوز بالبورق، والرماد، والملح بالحديث الذي روينا، وهو قوله [عليه] (^٢) السلام: «عليكم بأرضكم» (^٣).
وقوله: (ثم لا يشترط)، ذكر الولوالجي: إذا ضرب على صخرة لا غبار عليها، أو على أرض نزة ولم يتعلق بيده شيء يجوز عند أبي حنيفة، وبه قال مالك (^٤).
وفي المبسوط: يجوز التيمم بالكحل وَالْمَرْدَاءُ (^٥) سَبَخٌ، وَالْآجُر كذلك لأنه مُسْتَحْجَرٌ عنده، وعن محمد روايتان في اشتراط الغبار، في رواية: لا يجوز بدونه (^٦).
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٤٥).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٢٧٨، رقم (٧٧٣٣)، وعبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٣٦، رقم ٩١١)، وأبو يعلى في المسند (١٠/ ٢٦٩، ٥٨٧٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١) ٣٣٢، رقم ١٠٣٨) من حديث أبي هريرة ﵁. وضعفه البيهقي، وضعفه أيضًا ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٣٢)، والهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦١).
(٤) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ١٨٣)، والذخيرة للقرافي (١/ ٣٤٩).
(٥) المَرْدَاءُ: الأرض الخالية من النبات.
(٦) المبسوط للسرخسي (١/ ١٠٩).
[ ١ / ٢٨٨ ]
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (*) لِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا (وَكَذَا يَجُوزُ بِالغُبَارِ
وهو قول أبي يوسف، والشافعي (^١)، وأحمد (^٢)، وداود (^٣) لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، أي من التراب، وكلمة (من) للتبعيض، فأفادت الآية وجوب المسح بشيء من الأرض فينبغي أن يلتصق بيده شيء، وفيه تأمل لاحتمال عود الضمير في ﴿مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] إلى الحدث المذكور، وتحمل من على ابتداء الغاية كما يجيء.
ولأن التصاق ما تحصل به الطهارة في الوضوء شرط، فكذا في التيمم لنقصان ما تحصل به الطهارة وهو التراب لأنه خلفه.
وفي الإيضاح: ما ذكر في الأصل أنه يلطخ الثوب بالطين ويتيمم بعد الجفاف إذا كان في طين وردعه هو.
قوله: (أما عند أبي حنيفة)، يجوز التيمم بالطين الرطب إذا لم يعلق بيده شيء منه.
(لإطلاق ما تلونا)، وهو قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، والصعيد ما يصعد عليه أو الصاعد، وقال تعالى: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] جاء في التفسير: فحجر أملس؛ لأن التراب لا يكون زلقًا، ولهذا لو دق الحجر فتيمم بمدقوقه يجوز عند محمد، ولا تفصيل في الآية فيجري على إطلاقه، وهذا الشرط زيادة على النص فيكون نسخًا، ولأن في الإطلاق تكثيرًا للمصلحة المتعلقة بالصلاة، إليه أشار شيخ الإسلام (^٤).
ولأنه لو وجب ذلك لما استحب نفض اليدين قبل المسح.
وأما الآية فالمراد بـ (من) ابتداء الغاية، كقولك: خرجت من البصرة، يعني ابتداء المسح من الصعيد بدليل قوله تعالى في موضع آخر: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٢٣٧)، والمجموع للنووي (٢/ ٢١٤).
(٣) انظر: الإنصاف للمرداوي (١/ ٢٨٤)، والفروع لابن مفلح (١/ ٢٩٦).
(٤) انظر: المحلى لابن حزم (١/ ٣٧٧).
(٥) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/¬٣٩)، والبناية شرح الهداية (١/ ٥٣٤).
[ ١ / ٢٨٩ ]
مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الصَّعِيدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) (*) لِأَنَّهُ تُرَابٌ رَقِيقٌ.
﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] بدون ﴿مِنْهُ﴾ [البقرة: ٦٠] فيجوز لعدم الالتصاق بإطلاق هذه الآية كذا نقل عن الكردري.
وقيل: لا يستقيم هذا الاستدلال؛ لأن المطلق والمقيد إذا وردا في حادثة واحدة، في حكم واحد يجب حمله على المقيد بالاتفاق، وكذا قوله: (من) لابتداء الغاية عدول عن حقيقة هذه الكلمة؛ لأنها حقيقة للتبعيض، مجاز لغيره، وفيه تأمل.
وفي المبسوط: روي ابن عمر أنه ﵇ بال، فسلم عليه رجل فلم يرد عليه سلامه حتى كاد الرجل أن يتوارى بحيطان المدينة، فضرب بيده على الحائط فتيمم، ثم [رد] (^١) ﵇ (^٢)، وحيطانهم كانت من الحجارة فثبت أن التيمم بالحجر، وفيه تأمل لجواز أن يكون عليها غبار وهو الظاهر، والتيمم جائز عند أبي حنيفة بالطين، وعن محمد روايتان إلا إذا كان مغلوبا بالماء (^٣).
وقوله: (مع القدرة على الصعيد)، نفي لقول أبي يوسف حيث لا يجوز عنده به مع القدرة عليه أو الرمل (^٤)، وهذا حكي عن مالك أيضا.
وفي الإيضاح أن أبا يوسف رجع عن ذلك وقال: ليس الغبار عندي من الصعيد (^٥).
وفي شرح الطحاوي: يجوز به حالة العجز من التراب والرمل؛ لأن الغبار ليس بتراب خالص لأنه مزج بالهواء، فكان ترابا من وجه دون وجه، فيجوز به
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٩٠، رقم ٣٣٠). قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثا منكرا في التيمم. وقال النووي: رواه أبو داود، إلا أنه من رواية محمد بن ثابت العبدي، وليس هو بالقوي عند أكثر المحدثين، وأنكر البخاري وغيره على العبدي رفع هذا الحديث. " خلاصة الأحكام" (٥٥٩).
(٤) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ١٠٤، ١١١).
(٥) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١) (١٢٢)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٥٥).
(٦) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٤٤).
[ ١ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عند العجز عنهما، كالعاجز عن الركوع والسجود يصلي بالإيماء.
وفي المبسوط: واحتج أبو حنيفة ومحمد بحديث عمر؛ فإنه كان مع أصحابه في سفر فمطروا بالجابية، فأمرهم أن ينفضوا لبودهم وسروجهم وتيمموا بغبارها، ولأن الغبار تراب بدليل أن من ينفض ثوبه يتأذى جاره من التراب إلا أنه رقيق، فكما يجوز التيمم بالخشن منه في كل حال فكذا بالرقيق منه (^١).
صورته أن ينفض ثوبه أو لبده فيرفع يديه قريبًا من الغبار، فإذا وقع الغبار عليه تيمم، وكذا لو رفعه الهواء فوقع على وجهه ويديه تيمم.
وفي تجنيس المصنف: لا يجوز بغبار الثوب النجس إلا إذا وقع في التراب بعدما يبس الثوب؛ لأنه حينئذ يكون الغبار طاهرا (^٢).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: لا يجوز التيمم بالثوب بالإجماع.
وفي الذخيرة: يشترط المسح بيده الغبار، ولو لم يجد الغبار يلطخ ثوبه بالطين حتى يجف ثم تيمم (^٣).
وفي المحيط: رمادًا اختلط بالتراب تعتبر الغلبة، فلو كان التراب غالبًا يجوز، وإلا فلا، وكذا لو خالط به ما ليس من أجزاء الأرض يعتبر فيه الغلبة (^٤).
ولا يجوز بالزجاج المتخذ من الرمل، ويجوز بالياقوت، والفيروزج، والمرجان، والزمرد، وباللؤلؤ المدقوق لا يجوز لأنه من الحيوان، ويجوز بالخذف إذا كان من طين خالص، وإن كان مخلوطا بما ليس من أجزاء الأرض لا يجوز.
وفي الْمُجْتَبى: قام في هدم جدار فأصاب التراب وجهه ويديه لم يجز حتى يمسح، وكذا لو ذر التراب عليهما غيره، ولو أصابه غبار فمسح بنية التيمم جاز، والشرط وجود الفعل منه، ولو جعل التراب في كميه فأصاب ذراعيه
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٠٩).
(٢) انظر: فتح القدير للسيواسي (١/ ١٣٥)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٥٤).
(٣) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ١١٢)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٢٣).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٤٥).
[ ١ / ٢٩١ ]
(وَالنِّيَّةُ فَرْضٌ فِي التَّيَمُّمِ) وَقَالَ زُفَرُ نَظَلُهُ: لَيْسَتْ بِفَرْضِ (*)، لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الوُضُوءِ فَلَا يُخَالِفُهُ فِي وَصْفِهِ.
وَلَنَا: أَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ القَصْدِ فَلَا يَتَحَقَّقُ دُونَهُ، أَوْ جُعِلَ طَهُورًا فِي حَالَةٍ
جَازَ (^١).
وقوله: (والنية)، في فتاوى الظهيرية: تفسير النية أن ينوي الطهارة، أو رفع الحدث، أو الجنابة، وقال شمس الأئمة: ظاهر ما في الكتاب يدل على أنه يشترط نية الصلاة، وعن أبي يوسف أن نية الطهارة تكفي، يعني عن القصد فإن التيمم هو القصد لغة (^٢).
فإن قيل: التيمم القصد لغة فلا حاجة إلى النية.
قلنا: مطلق القصد غير مراد بالإجماع، بل المراد القصد الشرعي وذا لا يكون بدون النية، يعني النص يدل على اشتراط القصد إلى الصعيد للطهارة، فإنه تعالى أمر بالغسل بالماء الذي هو مطهر طبعًا لتحصل الطهارة، ثم أقام الصعيد مقامه عند عدمه في تحصيل ذلك المقصود بقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، والتيمم: القصد، فكان المراد والله أعلم: فإن لم تجدوا ماءً للتطهير فاقصدوا إلى الصعيد للطهارة، فكان القصد إليه لها (^٣) داخلا تحت الأمر بهذا الطريق فكانت النية شرطًا.
(أو جعل طهورا)، قال شيخ الإسلام: التراب غير مطهر حقيقة، بل هو ملوث، فالشرع جعله طهورًا بشرطين بشرط عدم الماء، وبشرط أن يكون التيمم للصلاة؛ لأن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] بناءً على قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ﴾ [المائدة: ٦]، والأمر بالتوضي متوجه في حال القيام إليها فكان الأمر باستعمال التراب متوجها في هذه الحالة؛ لأن الخلف لا يفارق الأصل في الشروط، فبقي في غير هذه الحالة على طبعه، بخلاف الماء
_________________
(١) (*) الراجح: قول الجمهور.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٤٦).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١١٦).
(٤) في النسخة الثانية: للطهارة.
[ ١ / ٢٩٢ ]
مَخْصُوصَةٍ، وَالمَاءُ طَهُورٌ بِنَفْسِهِ عَلَى مَا مَرَّ (ثُمَّ إِذَا نَوَى الطَّهَارَةَ أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَجْزَاهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ أَوْ لِلْجَنَابَةِ) هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ المَذْهَبِ.
فإنه مطهر طبعًا فلا يتغير بالنية وعدمه.
أما التراب فغير طهور طبعًا، وإنما صار طهورا في حالة مخصوصة شرعًا بخلاف القياس فيقتصر عليهما.
قال شيخي: النكتة الأولى تشير إلى أن القصد إلى الطهارة ثبت بالنص من غير تعرض لبيان طهوريته، والثانية تشير إلى أن طهوريته تثبت في وقت مخصوص من غير تعرض لبيان اشتراط القصد بالنص لكن يلزم منها أن النية شرط؛ لأن الحالة المخصوصة لا تثبت بلا نية.
وأما قوله: (لا يفارقه)، أي الوضوء في وصفه.
قلنا: بل الأصل أن الخلف لا يفارق الأصل، لكن قد يفارقه لاختلاف حالهما، ألا ترى الوضوء بالأعضاء الأربع بخلاف التيمم وسن التكرار في الوضوء دون التيمم.
وقوله: (وهو الصحيح من المذهب)، احترازًا عن قول أبي بكر الرازي من أصحابنا فإنه يقول: يحتاج إلى نية التيمم للحدث أو للجنابة؛ لأن التيمم لهما بصفة واحدة فلا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالنية (^١).
وقلنا: إن التيمم طهارة في حالة مخصوصة، فإذا وجدت صار طهارة فلا يشترط التعيين؛ لأن الشروط يراعى وجودها لا غير، ألا ترى أنه لو توضأ للظهر يجوز أداء العصر به، وكذا على القلب، كذا في الخبازية.
ولأنه لا يرفع الحدث فلا معنى لذكر أصناف الحدث، بل يكفي فيه نية استباحة الصلاة، كذا قيل وفيه تأمل.
وفي الحلية: ينوي استباحة الصلاة ولو نوى رفع الحدث لم يصح تيممه في أصح الوجهين، وعن بعض أصحاب أبي حنيفة أنه يرفع الحدث، ولابد في استباحة الفريضة من نية التيمم للفرض عند الشافعي، وهو قول مالك، وأحمد.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١١٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٥٣٩).
[ ١ / ٢٩٣ ]
(فَإِنْ تَيَمَّمَ نَصْرَانِيٌّ يُرِيدُ بِهِ الإِسْلَامَ، ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَكُنْ مُتَيَمِّمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ مُتَيَمِّمٌ) (*) لِأَنَّهُ نَوَى قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ لِدُخُولِ المَسْجِدِ وَمَسِّ المُصْحَفِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ.
وَلَهُمَا: أَنَّ التَّرَابَ مَا جُعِلَ طَهُورًا إِلَّا فِي حَالِ إِرَادَةِ قُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ لَا تَصِحُ بِدُونِ الطَّهَارَةِ، وَالإِسْلَامُ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ تَصِحٌ بِدُونِهَا، بِخِلَافِ سَجْدَةِ التَّلَاوَةِ، لِأَنَّهَا
وهل يفتقد إلى تعيين الفرض من ظهر وعصر؟ فيه وجهان، ففي قول يباح الفرض بنية صلاة مطلقة أو نافلة، ولو تيمم للفرض استباح به النفل قبل الفرض وبعده، وفي قول: لا يجوز به الفعل قبل الفرض، وبعده يجوز، وبه قال مالك، وأحمد.
ولو تيمم لِمَسِّ المصحف، أو لقراءة القرآن، أو للوطء استباح ما نواه، وهل يبيح به النفل؟ فيه وجهان.
شك في غايته ثم تيمم لها ثم تفكر أنها عليه، قيل: لا يجوز أن يصليها به، وفي هذا عندي نظر، ولو تيمم لفوائت جاز له أن يصلي واحدة منها في أصح الوجهين (^١).
قوله: (والإسلام قربة) إلى آخره، وفي النهاية في هذا اللفظ إشارة إلى أن الكافر لو نوى قربة لا تصح بدون الطهارة كان متيمما، وليس كذلك فإنه لو تيمم للصلاة ثم أسلم لا تجوز الصلاة بذلك التيمم نص عليه في مبسوط شيخ الإسلام، بل المعتمد في التعليل أن يقال: إن الكافر ليس بأهل للنية لأنها عبادة، والتيمم لا يصح بدونها.
وعن هذا فرق أبو يوسف بين نية الإسلام ونية الصلاة فقال: يكون متيمما في الأول دون الثاني؛ لأنه أهل للإسلام وهو تصح منه فيصح منه نية التيمم للإسلام، بخلاف نية الصلاة لأنه ليس بأهل لها (^٢).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٨٤).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٥٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٥٤٢).
[ ١ / ٢٩٤ ]
قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ لَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ وَإِنْ تَوَضَّأَ لَا يُرِيدُ بِهِ الإِسْلَامَ ثُمَّ أَسْلَمَ. فَهُوَ مُتَوَضِّئٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ.
(فَإِنْ تَيَمَّمَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ: فَهُوَ عَلَى تَيَمُّمِهِ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: بَطَلَ
وفي المبسوط: في تعليلها شرط التيمم نية الصلاة؛ لأن الشرع جعله طهورا في حالة إرادة الصلاة كما بينا، والكافر ليس بأهلها، ونية الإسلام غير معتبرة، ألا ترى أن المسلم لو تيمم بنية الصوم والصدقة لا يصح، فالكافر بالطريق الأولى؛ لأنها أي سجدة التلاوة قربة مقصودة (^١).
فإن قيل: هذا مخالف لما ذكر في الأصول حيث قال فيها أنها قربة غير مقصودة.
قلنا: المراد بكونها مقصودة هاهنا أن لا يجب في ضمن شيء آخر بطريق التبعية، بل شرعت ابتداءً من غير أن تكون تبعًا لآخر، بخلاف مس المصحف، ودخول المسجد.
والمراد بما ذكر في الأصول أن هيئة السجدة ليست بمقصودة لذاتها عند التلاوة، بل لاشتمالها على التواضع المحقق لموافقة المقربين، أو مخالفة المشركين، فلهذا لا تختص إقامة الواجب بهذه الهيئة بل ينوب الركوع منها.
فإن قيل: يصح التيمم بنية الطهارة وهي ليست بمقصودة.
قلنا: الطهارة شرعت للصلاة فكانت نيتها نية إباحة الصلاة، حتى لو تيمم لتعليم الغير لا تجوز به الصلاة في الأصح، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجوز، ولو تيمم لدخول المسجد، أو مس المصحف وقراءة القرآن، أو زيارة القبر، أو للأذان، أو للإقامة لا تجوز الصلاة به في قول عامة العلماء خلافًا لأبي بكر بن سعيد البلخي لصحة هذه الأشياء بدون الطهارة أو لم تكن مقصودة، كذا في الخبازية (^٢).
قوله: (وقال زفر)، فإن قيل: ينبغي أن لا تبطل بالارتداد على قوله لعدم
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١١٦).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٥٠)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٢٣).
[ ١ / ٢٩٥ ]
تَيَمُّمُهُ، لِأَنَّ الكُفْرَ يُنَافِيه، … … …
احتياجه إلى النية عنده كما في الوضوء حيث لا يبطل بالارتداد بالاتفاق.
قلنا: قال شيخ الإسلام: وهذه المسألة رواية من زفر أن التيمم لا يصح بدونها فكان عنه روايتان، فعلى أحدهما يبطل بالارتداد، أو بقول عدم جواز التيمم للكافر عنده لا لاشتراط النية، بل لأن الشارع جعله طهور المسلم بقوله ﵇: «التراب طهور المسلم»، وقوله ﵇: «التيمم طهور المسلم» الحديث، ولهذا لا يصح من الكافر بالاتفاق، فعلم أن الكفر مناف لطهوريته، وبالارتداد ارتفعت طهوريته، إليه أشار التمرتاشي (^١).
قوله: (لأن الكفر ينافيه)، وفي بعض الجوامع أن المنافاة بينهما باعتبار معنى العبادة فإنه شرع مطهّرًا غير معقول المعنى تعبدا فينافيه الكفر كسائر العبادات، وهذا في الجامع الحسابي.
وفي المختلف أنه عبادة فلا يجامع الكفر، فعلى هذا لا يتصور الخلاف المذكور إلا في التيمم المنوي؛ لأن غيره وإن كان مفتاحا للصلاة عنده ليس بعبادة كالوضوء بلا نية فلا ينافيه الكفر فيبقى بعد الارتداد على أصله.
والصحيح أن المنافاة بينهما باعتبار عدم الأهلية؛ فإن الكافر لو تيمم لا يصح نوى أو لم ينو؛ لأنه شرع لأداء الصلاة والتقضي عن عهدة التكليف، والكافر ليس من أهله (^٢) بها فلا يكون التيمم مشروعًا في حقه، ويكون فعله كفعل البهيمة، فثبت أن الكفر مناف للتيمم فيستوي فيه البقاء والابتداء، فعلى هذا يبطل تيممه عنده نوى أو لم ينو.
وفي الكافي: ويبطل عنده؛ لأنه عبادة فينافيه الكفر، ثم سيق الكلام إلى أن قيل:
فإن قيل: إنما يصير عبادة بالنية وليست بشرط عنده.
قلنا: الكلام في المنفي إذ في غيره لا خلاف.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٥٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٥٤٣).
(٢) في النسخة الثانية: (من أهل التكليف).
[ ١ / ٢٩٦ ]
فَيَسْتَوِي فِيهِ الابْتِدَاءُ وَالبَقَاءُ كَالمَحْرَمِيَّةِ فِي النِّكَاحِ. وَلَنَا: أَنَّ البَاقِيَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ صِفَةُ كَوْنِهِ ظَاهِرًا، فَاعْتِرَاضُ الكُفْرِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِيهِ، كَمَا لَو اعْتَرَضَ عَلَى الوُضُوءِ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُ مِنْ الكَافِرِ ابْتِدَاءً لِعَدَمِ النِّيَّةِ مِنْهُ.
قال شيخي: إن أراد به أنه لا خلاف في بقائه على الصحة بعد الكفر فهو غير مستقيم؛ لأن هذا التيمم لم يصح أصلا عندنا لعدم شرطه فكيف يبقى على الصحة.
وإن أراد به أنه لا خلاف في بطلانه - وهو الظاهر -، فهو كما قال، إلا أن بناء قول زفر على كونه عبادة فينافيه الكفر غير مستقيم لما بينا أنه غير عبادة، فكيف يصح بنا بطلانه على كون الكفر منافيا للعبادة (^١).
قوله: (كالمحرمية في باب النكاح)، بأن كان الزوجان رضيعين وقد زوج كلا منهما أبواهما، ثم أرضعتهما امرأة، أو كانا كبيرين وقد مكنت المرأة ابن زوجها بعد النكاح حيث يرتفع النكاح فيهما بعد الثبوت كما لا ينعقد فيهما ابتداء، والأصل أن كل صفة منافية لحكم يستوي فيه الابتداء والبقاء كالردة والمحرمية في النكاح والحدث العمد في الصلاة.
فإن قيل: لو سبقه حدث في الصلاة لا يفسدها فينبغي أن يفسدها لأنها لا تنعقد به ابتداء.
قلنا: ذلك مخصوص بالنص وهو قوله ﵇: «من قاء أو رعف» (^٢) الحديث.
قوله: (فاعتراض الكفر لا ينافيه)، فإن قيل: أليس أن الردة تحبط عمله والتيمم عمل؟
قلنا: يحبط ثواب عمله، وذلك لا يمنع زوال الحدث، كمن توضأ على
_________________
(١) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ١٣٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٥٩).
(٢) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٨٢، رقم ٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٤٢، رقم ٦٨٧) من حديث عائشة ﵂. وضعفه الدارقطني وقال: وأصحاب ابن جريج الحفاظ عنه يروونه عن ابن جريج، عن أبيه مرسلًا والله أعلم، وقال البيهقي: كلاهما غير محفوظ.
[ ١ / ٢٩٧ ]
(وَيَنْقُضُ التَّيَمُّمَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الوُضُوءَ) لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْهُ فَأَخَذَ حُكْمَهُ (وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا رُؤْيَةُ المَاءِ إِذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ)، لِأَنَّ القُدْرَةَ هِيَ المُرَادُ بِالوُجُودِ الَّذِي هُوَ غَايَةٌ
قصد مراءاة زال الحدث وإن كان لا يثاب عليه، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (وينقضه أيضًا رؤية الماء)، أي رؤية الكافي للوضوء حتى لو لم يكف لا يلزم استعماله عندنا، وبه قال مالك (^٢)، وقالت الشافعية في أحد قوليه: يلزمه استعماله ويتمم للباقي (^٣)، وهو قول أحمد في الجنابة، وفي الوضوء له وجهان (^٤)؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] عام لأن (ما) نكرة في موضع النفي فتعم الكافي وغيره، وصار كما لو وجد ما يكفي لإزالة بعض النجاسة، أو ثوبًا يستر بعض عورته.
وقلنا: الغسل المأمور به هو المبيح للصلاة، فما لا يبيحها وجوده وعدمه سواء، ولأن الاشتغال باستعماله يصير عبثًا وتضييعًا للماء على الخصوص في موضع عزته، وتضييعه حرام، بخلاف النجاسة الحقيقية لأنها منجز، ويثبت العفو عن قليلها، وكذا ستر العورة بالوجود الذي هو غاية الوجود المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، وفي قوله ﵇: «ما لم يجد الماء» (^٥)، لا الملك، بخلاف الوجود المذكور في قوله تعالى في الكفارات: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ﴾ [النساء: ٩٢] فالمراد به الملك لا القدرة، حتى لو عرض عليه الماء لا يجوز له التيمم، ولو عرض على الحانث المعسر الرقبة يجوز له التكفير بغير المال، كذا ذكره التمرتاشي.
(هو غاية)، أي الوجود، وإنما سماه غاية من حيث المعنى لا من حيث
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١١٧).
(٢) انظر: عيون الأدلة لابن القصار (٢/ ٦٨)، والذخيرة للقرافي (١/ ٢٢٠).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٢٥٢)، والمجموع للنووي (٢/ ٣١٠).
(٤) انظر: الإنصاف للمرداوي (١/ ٢٩٩)، والمغني لابن قدامة (١/ ١٩٩).
(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٩١، رقم ٣٣٢، ٣٣٣)، والترمذي (١/ ١٨٤، رقم ١٢٤)، والنسائي (١/ ١٧١، رقم ٣٢٢)، وأحمد (٥/ ١٤٦، رقم ٢١٣٤٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٧٦، رقم ٦٢٧) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه.
[ ١ / ٢٩٨ ]
لِطَهُورِيَّةِ التُّرَابِ، وَخَائِفُ السَّبُعِ وَالعَدُوِّ وَالعَطَشِ … … … ..
الصيغة فإن لم ترد فيه كلمة الغاية؛ لأن قوله ﵇ «ما لم يجد الماء» ليس بغاية للتيمم حيث لم يقل إلى وجود الماء، بل فيه بيان مدة التيمم كما في قوله: اجلس ما دمت جالسًا، لكن معنياهما يلتقيان في أن الحكم بعد ذلك الوقت يخالف ما قبله فسمي باسم الغاية.
وفي الخبازية: فإن قيل: لا يلزم من انتهاء طهورية التراب انتفاء الطهارة الحاصلة به كالماء يصير نجسًا بالاستعمال أو تنتهي طهوريته وتبقى الطهارة الحاصلة به.
قلنا: التراب مُطهّر مؤقت حكمًا لا حقيقةً على معنى أنه يزول مطهريته بدون شيء يتصل به فتثبت به الطهارة المؤقتة على صفة المطهر، كالماء لما صار مطهرا حقيقةً على معنى أنه لا تزول مطهريته بدون شيء تتصل به الطهارة على التأبيد، على أن ما كان ضعيفًا شرط لبقائه ما يشترط الابتدائية، وعدم الماء شرط لابتداء التيمم فكذا لبقائه، وفيه تأمل؛ لأن كون التراب مطهرا مؤقتًا مُسلَّم، لكن الطهارة الحاصلة به مؤقت غير مسلم وهو أول المسألة.
وفي الزيادات: القدرة على الماء تمنع الطهارة بالتيمم ابتداءً وبقاء؛ لأن القدرة على الأصل قبل حصول المقصود بالخلف يبطل حكم الخلف.
وفي المستصفى: التمسك بالحديث مشكل لأنه لم يتعرض لانتقاض التيمم السابق، بل فيه بيان أن التيمم لا يجوز بعد رؤية الماء، وجاز أن تكون رؤية الماء منافية للابتداء لا للبقاء كعدم الشهود في النكاح فإنه يمنع ابتداء النكاح لا البقاء، بل الجواب أن نقول: الطهورية صفة راجعة إلى المحل، وقد عرف أن كل صفة راجعة إليه فإن الابتداء والبقاء فيه سواء كالمحرمية في باب النكاح [مع] (^١) أن هذا بعض الحديث، وتمامه: «فإِذَا وَجَدت الماء فأَمسِسْهُ بَشرتك» (^٢)، كذا في
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٩١، رقم ٣٣٢، ٣٣٣)، والترمذي (١/ ١٨٤، رقم ١٢٤)، والنسائي (١/ ١٧١، رقم ٣٢٢)، وأحمد (٥/ ١٤٦، رقم ٢١٣٤٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٧٦، رقم ٦٢٧) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه.
[ ١ / ٢٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المصَابِيح، والمبسوط (^١).
قيل: قوله «فَلْتُمْسِسْهُ بشَرَتَكَ»، وهكذا لفظ المصابيح لا يدل على انتقاض الوضوء لأن هذا بطريق الاستحباب، بدليل أنه ﵇ قال في آخره: «فإنّ ذلك خير».
ثم لو رأى المتيمم في صلاته الماء بطلت صلاته مطلقا، مسافرًا كان أو حاضرًا يتيمم لإعواز الماء، وعند الشافعي إن كل في الحضر بطلت صلاته، وإن كان في السفر لا تبطل (^٢)، وبه قال مالك (^٣)، وداود (^٤)، وهو رواية عن أحمد (^٥)، وهل يجوز الخروج منها؟ فيه وجهان أظهرهما أنه أفضل، والثاني: أنه لا يجوز.
وعن بعض أصحابنا: الخروج منها مكروه، وعندنا يبطل تيممه وصلاته، وهو رواية عن أحمد، واختاره المزني، وقال الأوزاعي: تصير صلاته نفلا.
ولو تيمم لشدة البرد في الحضر وجبت عليه الإعادة عند وجود الماء، وإن كان في السفر ففي وجوبها له قولان، كذا في الحلية (^٦).
وفي شرح المجمع: صلى بالتيمم في الحضر لإعواز الماء ففي بطلان صلاته عند الشافعي قولان أحدهما: أنه لا تبطل صلاته، والثاني: تبطل؛ لأنه مأمور بالإعادة عند وجود الماء، فلا معنى للاشتغال بها مع وجدان الماء، وإن كانت الصلاة مغنية عن القضاء فالمنصوص عليه لا يبطل تيممه ولا صلاته، ولو وجد الماء في النافلة فوجهان أيضًا: أحدهما: البطلان، والآخر عدمه كالفريضة.
_________________
(١) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٣٢٠).
(٢) قال الشافعي: وإذا تيمم فدخل في المكتوبة، ثم رأى الماء لم يكن عليه أن يقطع الصلاة، وكان له أن يتمها، فإذا أتمها توضأ لصلاة غيرها، ولم يكن له أن يتنفّل بتيممه للمكتوبة إذا كان واجدا للماء بعد خروجه منها. الأم (١/ ٦٤).
(٣) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر (١/ ١٨٤).
(٤) انظر: المحلى لابن حزم (١/ ٣٥١).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (١٩٧١)، والمبدع لابن مفلح (١/ ١٩٧).
(٦) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢١١).
[ ١ / ٣٠٠ ]
عَاجِزٌ حُكْمًا، وَالنَّائِمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (*)
للشافعي أنه تلبس مقصود الطهارة، ووجدان الأصل بعد التلبس بالمقصود لا يبطل حكم البدل، كما لو شرع المكفر في الصوم ثم وجد الرقبة، ولأن حرمة الصلاة باقية ما لم يسلم فكانت مانعة عن الإبطال فكان عاجزا عن الاستعمال حكمًا.
ولنا أنها صلاة بالتيمم مع القدرة على استعمال الماء فلم تكن لها حرمة مانعة فبطلت.
وفي الْمُجْتَبى: رأى في صلاته سؤر الحمار لا تبطل صلاته فيتمها، ثم يتوضأ به فيعيدها، ولو رأى فيها شرابًا فظنه ماء فمشى إليه بطلت صلاته جاز مكان الصلاة أولا. ولو رأى ماءً فظنه شرابًا فصلى ثم علم يعيدها، ولو رأى فيها رجلا في يده ماء فأتم صلاته ثم سأله فأعطاه لا يعيدها.
وفي جامع أبي الحسن: رأى فيها رجلًا معه ماء كثير لا يدري أيعطيه أم لا، أتم صلاته ثم يسأله، فإن أعطاه أعادها، وإلا فلا، وإن أبي ثم أعطاه لا يعيد، وكذا العاري لو رأى فيها ثوبا (^١).
قوله: (عاجزًا حكمًا)، لأن صيانة النفس أوجب من صيانة الطهارة بالماء فإن لها بدلا، ولا بدل للنفس، ولأن هذا في معنى المريض بجامع أنه يفضي إلى الهلاك، وتيمم المريض منصوص عليه فألحق هذا به.
قال صاحب النهاية: جاز أن تجب إعادة الصلاة على الخائف من العدو بعد زوال العذر لما أنه من قبل العباد (^٢).
وفي تجنيس المصنف وفتاوى الولوالجي: رجل أراد أن يتوضأ فمنعه إنسان عنه بوعيد، قيل: ينبغي أن يتيمم ويصلي، ثم يعيد الصلاة بعد زوال ذلك عنه؛ لأن هذا عذر جاء من قبل العباد فلا يسقط الفرض عنه، كالمحبوس إذا صلى بالتراب في السجن، فإذا خرج يعيد فكذا هذا.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصالحين.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٤٧).
(٣) انظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (١/¬٣٧).
[ ١ / ٣٠١ ]
قَادِرٌ تَقْدِيرًا، حَتَّى لَوْ مَرَّ النَّائِمُ المُتَيَمَّمُ عَلَى المَاءِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ عِنْدَهُ، وَالمُرَادُ مَاءٌ
وفي شرح الطحاوي: يخاف على نفسه أو ماله يجوز له التيمم، وذكر الولوالجي متيمم مر على الماء في موضع لا يستطيع النزول إليه لخوف على نفسه أو ماله لا ينتقض تيممه؛ لأنه غير قادر (^١).
وفي شرح الوجيز: لو خاف على نفسه أو ماله من سبع أو سارق فله التيمم، ولو احتاج إلى الماء لعطش في الحال، أو بوقوعه في المال، أو لعطش رفيقه، أو لعطش حيوان محترم جاز له التيمم.
(قادر تقديرًا)، أي حكمًا، وفي فتاوى قاضي خان: متيمم نائم مر على الماء في رواية عن أبي حنيفة لا ينتقض تيممه.
وقيل: ينبغي أن لا ينتقض عند الكل؛ لأنه لم تيمم وبقربه ماء لا يعلم به يجوز تيممه عند الكل (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: والأصح أنه لا ينتقض تيممه عند الكل (^٣).
وذكر التمرتاشي في انتقاض تيمم النائم المار على الماء روايتين من غير ذكر خلاف.
وفي الخبازية: والمسألة مصورة فيما إذا لم يكن مضطجعًا، ولا مستندًا في المجمل، إذ لو كان كذلك ينتقض تيممه بالنوم، فلا تنافي هذه المسألة.
والفرق بين النائم وخائف السبع والعدو أن النوم في حالة السفر على وجه لا يشعر بالماء في غاية الندرة فلم يعتبر وجعل يقظانا حكمًا.
بيانه: أن المسألة مصورة فيما إذا مر نائم على الماء ماشيًا، أو راكبًا والدابة تسير، والنوم حالة المشي وسير الدابة نادر خصوصًا على وجه لا يتخلله اليقظان المشعر بالماء، وكذا الغالب أن يكون مع الرفقة ويشعرون بوجود الماء إذ لما كان الماء أعز شيء في السفر يتكلمون به، ويبادرون إلى أخذه ويجيء
_________________
(١) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٢٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٥٤٧).
(٢) فتاو قاضي خان (١/¬٢٦).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٥٣).
[ ١ / ٣٠٢ ]
يَكْفِي لِلْوُضُوءِ، …
منهم أفعال تنبه لا محالة.
قيل: في سبعة وعشرين موضعا للنوم حكم اليقظة، أولها: هذا، والثاني: صائم نام على قفاه فوقع المطر في فمه أو أقطر ما في فمه فوصل إلى جوفه يفسد صومه.
و[الثالث] (^١): الصائمة جامعها زوجها وهي نائمة فسد صومها، والرابع: المحرمة النائمة جامعها زوجها، والخامس: المحرم النائم حلق إنسان رأسه فعليه الجزاء، السادس: انقلب النائم على صيد فقتله يلزمه الجزاء.
السابع: مر نائم بعرفات أجزأه الثامن: صيد وقع عند نائم كما لو وقع عند يقظان وهو قادر على ذكاته، التاسع: انقلب على مال وأتلفه يجب ضمانه، العاشر: لو وقع على مورثه فقتله على قول البعض، الحادي عشر: رفع نائما فوضعه تحت جدار واه فسقط عليه فمات لا ضمان.
الثاني عشر: مكثت امرأة النائم عنده في بيت ساعة صحت خلوته، الثالث عشر: خلا بها عند نائم لا تصح خلوته، الرابع عشر: مكث الزوج عندها ساعة وهي في بيت خلوة صحت خلوته، الخامس عشر: رضع صغير من ثدي نائمة ثبت الحرمة، السادس عشر: تكلم في صلاته فسدت صلاته، السابع عشر: قرأ في صلاته تعتبر قراءته، الثامن عشر: تلا آية السجدة يلزم السامع، التاسع عشر: أخبر النائم بالتلاوة عنده يجب عليه السجدة في قول، قال شمس الأئمة: يعني بعدم الوجوب.
العشرون: حلف لا يكلمه فكلمه وهو نائم ولم يستيقظ، الأصح حنثه، الحادي والعشرون: مس مطلقته وهي نائمة صار مراجعا، الثاني والعشرون: قبلته بشهوة وهو نائم يصير مراجعًا عند أبي يوسف، الثالث والعشرون: أدخلت ذكر رجل في فرجها وهو نائم ثبتت حرمة المصاهرة إذا علم بفعلها، الرابع والعشرون: نام يومين وليلتين يجب القضاء الخامس والعشرون: نام في صلاته
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ٣٠٣ ]
لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِمَا دُونَهُ ابْتِدَاءً فَكَذَا انْتِهَاءً (وَلَا يُتَيَمَّمُ إِلَّا بِصَعِيدٍ طَاهِرٍ) لِأَنَّ الطَّيِّبَ أُرِيدَ بِهِ الطَّاهِرَ فِي النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَلَا بُدَّ مِنْ طَهَارَتِهِ فِي نَفْسِهِ كَالمَاءِ.
فاحتلم وجب الغسل ولا يمكن البناء، السادس والعشرون: عقد العقد بين نائمين ينعقد على قول، السابع والعشرون: لو أخبر نائم أنك تلوت في النوم آية سجدة ووجب على السامع يجب عليه السجدة في قول، والأصح أنه لا يجب.
قوله: (لا يعتبر بما دونه)، وذلك أن المقصود من استعمال الماء استباحة الصلاة ولم يحصل بهذا القدر، فإذا عري عن المقصود جرى مجرى العدم بخلاف ستر العورة فإن القدر الذي يستر به بعضه مقصود عقلا وشرعًا، فإذا وجد ما يستر به بعض عورته يلزمه الستر، كذا في الخبازية.
وقد بينا الأقوال في هذه المسألة.
(أريد به)، أي بالطيب الطاهر، يعني بالآية بالإجماع إذ طهارة التراب شرط عند الأئمة الأربعة.
وقيل: لا يلزم من شرطيتها أن يكون المراد من الطيب الطاهر في الآية لجواز أن تثبت شرطية الطهارة بدليل آخر.
قيل في جوابه: لو لم يرد بالآية لاقتضى مطلق الآية جواز التيمم بدون طهارته فكان الدليل الآخر معارضًا لمطلق النص، وذا لا يجوز، وفيه تأمل كما ذكرنا.
وعن داود التراب لو تغير بالنجاسة لا يجوز التيمم به، وإن لم يتغير جاز.
ويجوز التيمم بالتراب المستعمل عندنا، وفي قول الشافعي، وفي ظاهر مذهبه لا يجوز (^١).
والمستعمل ما تناثر من العضو، وقال بعض أصحابنا: ما بقي في العضو مستعمل دون ما تناثر عنه، كذا في الحلية (^٢).
ولو نجست الأرض ثم جفت لا يجوز التيمم بها، وستجيء هذه المسألة
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٢٤١)، والمجموع للنووي (٢/ ٢١٨).
(٢) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ١٨٣).
[ ١ / ٣٠٤ ]
(وَيُسْتَحَبُّ لِعَادِمِ المَاءِ وَهُوَ يَرْجُوهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إِلَى آخَرِ الوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ المَاءَ تَوَضَّأَ وَإِلَّا تَيَمَّمَ وَصَلَّى) لِيَقَعَ الأَدَاءُ بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ فَصَارَ كَالطَّامِعِ فِي الجَمَاعَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ: أَنَّ التَّأْخِيرَ حَتْمٌ لِأَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ كَالمُتَحَقِّقِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ: … …
مع أبحاثها في باب الأنجاس.
وفي الْمُجْتَبى: لو تيمم جماعة بحجر واحد، أو لبنة واحدة، أو أرض جاز كبقية ماء الوضوء (^١).
وقوله: (ويستحب لعادم الماء)، إلى آخره، ويستحب مسند إلى قوله: (أن يؤخر)، أي يستحب التأخير للراجي، والمراد بالرجاء غلبة الظن، أي يغلب على ظنه أنه يجد الماء في آخر الوقت، كذا في الإيضاح.
وهذا الاستحباب إذا كان بينه وبين موضع يرجوه ميل أو أكثر، فإن كان أقل منه لا يجزئه التيمم، وإن خاف فوت وقت الصلاة وإن كان لا يرجوه لا يؤخر الصلاة عن أول الوقت المستحب؛ لأن فائدة الانتظار احتمال وجدان الماء فيؤديها بأكمل الطهارتين، وإذا لم يكن له رجاء وطمع فلا فائدة فيه.
وأداء الصلاة في أول الوقت المستحب أفضل لما فيه من المسارعة، إلا إذا تضمن التأخير فضيلة لا تحصل بدونه كتكثير الجماعة، ولا يتأتى هذا في حق من في المفازة فكان التعجيل أولى، ولهذا كان أولى للنساء أن يصلين في أول الوقت لأنهن لا يخرجن إلى الجماعة، كذا في مبسوط شمس الأئمة، وفخر الإسلام (^٢).
قوله: (أن التأخير حتم)، أي واجب، يعني فيما إذا كان الموضع بعيدًا، نص عليه في المحيط (^٣)، والذخيرة؛ لأن شرع التيمم لدفع الحرج وصيانة الوقتية عن الفوات، فإذا تيقن أو غلب على ظنه وجود الماء آخر الوقت فقد أمن
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٥٣).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٠٦).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٤٢).
[ ١ / ٣٠٥ ]
أَنَّ العَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةٌ فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ: إِلَّا بِيَقِينِ مِثْلِهِ.
من الفوات حقيقةً أو ظاهرًا فلا يجزئه التيمم، ويجب التأخير.
وفي ظاهر الرواية لا يجب التأخير عند بعد المسافة، ويجزئه التيمم مع غلبة الظن بوجدان الماء في آخر الوقت أو التيقن به؛ لأن المعتبر في جوازه بعدها دون خوف الفوت.
قال شيخي: التعليل المذكور في الكتاب بأن غالب الرأي كالمتحقق مشكل؛ لأنه يقتضي أن يجب التأخير عند التحقق في آخر الوقت مع بعد المسافة في الروايات الظاهرة ليصح مقيسًا عليه، وليس كذلك فإنه ذكر في أول الباب أن من كان خارج المصر يجوز له التيمم إذا كان بينه وبين الماء ميل أو أكثر.
وفي الخلاصة وعامة النسخ: المسافر إذا كان على تيقن من وجود الماء في آخر الوقت أو غالب ظنه ذلك جاز له التيمم إذا كان بينه وبين الماء ميل، وإن كان أقل لا يجوز وإن خاف فوت الصلاة، ولو حمل هذا على أن المراد أن التيمم لا يجوز في المتحقق في غير رواية الأصول، فألحق به غالب الظن في هذه الرواية لا يستقيم أيضًا؛ لأنه علل وجه ظاهر الرواية بأن العجز ثابت حقيقةً فلا يزول إلا بيقين مثله، وذلك يقتضي أن حكم العجز - وهو جواز التيمم - يزول عند التيقن بوجود الماء في ظاهر الرواية، وليس كذلك على ما بينا.
وإن حمل على أن هذا فيما إذا كان بينه وبين ذلك الموضع أقل من ميل لا يستقيم أيضًا؛ لأنه فرَّق في تعليل ظاهر الرواية بين غالب الرأي وبين اليقين بقوله: (لأن العجز ثابت حقيقة) إلى آخره، ولا فرق في ظاهر الرواية فيه بين غلبة الظن واليقين فيما إذا كانت المسافة أقل من ميل في عدم جواز التيمم، كما لا فرق فيما إذا كانت المسافة أكثر في ميل في جواز التيمم.
وقد صرح في آخر هذا الباب أنه إذا غلب على ظنه أن بقربه ماء لا يجزيه التيمم كما لو تيقن بذلك فعلم أنه مشكل.
بقي وجه آخر وهو أن يحمل هذا فيما إذا لم يعلم أن المسافة قريبة أو بعيدة، فلو ثبت أنه تيقن بوجود الماء في آخر الوقت في هذه الحالة يجب
[ ١ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التأخير في ظاهر الرواية لأنه لما تيقن به في آخر الوقت فقد أمن من الفوات، ولما لم يثبت بعد المسافة التشكيك فيه لم يثبت جواز التيمم فيجب التأخير.
أما لو غلب على ظنه ذلك فكذلك عندهما في غير رواية الأصول؛ لأن الغالب كالمتحقق، وفي ظاهر الرواية لا يجب التأخير لأن العجز ثابت لعدم الحقيقة.
وحكم هذا العجز - وهو جواز التيمم - لا يزول إلا بيقين مثله - وهو التيقن بوجود الماء في آخر الوقت - ولم يوجد فلا يجب التأخير، ولكن هذا الوجه لائح عن محل، ويلزم عليه أنه فرق هاهنا بين غلبة الظن واليقين فيه، ولم يفرق بينهما فيما إذا غلب على ظنه أن بقربه ماء في عدم جواز التيمم، ولا فيما إذا كانت المسافة بعيدة في جواز التيمم كما بينا، فالأظهر بقاء الإشكال.
وفي الْمُجْتَبى: في هذه المسألة إن لم يرج لا يؤخر، كذا عن علي، وفي الأصل: أحب إليَّ أن يؤخر، ولم يفصل، ولا يؤخر العصر إلى تغير الشمس والمغرب عن أول وقته.
وقيل: يؤخره إلى ما قبل غيبوبة الشفق، وعن حماد والشافعي لا يؤخر، روي أن هذا أول واقعة خالف أبو حنيفة أستاذه حمادًا فصلى حماد بالتيمم في أول الوقت، ووجد أبو حنيفة الماء في آخر الوقت وصلاها، وكان ذلك عن اجتهاده فقبلها الله تعالى منه وصوبه فيه (^١).
وفي الحلية: فإن لم يكن على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت ولا على إياس من وجوده فالأفضل أن يصلي بالتيمم في أول الوقت في أصح القولين، وهو اختيار المزني، والثاني أن التأخير أفضل، وعن أبي حنيفة روايتان كالقولين، وقال النواوي (^٢): التأخير أفضل بكل حال، وبه قال أحمد (^٣)، وقال
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٤٨).
(٢) هكذا في الأصول، وفي مطبوع حلية العلماء: (الثوري)، وهو الأشبه.
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٧٨)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٠٠).
[ ١ / ٣٠٧ ]
(وَيُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ مَا شَاءَ مِنْ الفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَهُ: يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ فَرْضٍ، لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ. وَلَنَا: أَنَّهُ طَهُورٌ حَالَ عَدَمِ المَاءِ، فَيَعْمَلُ عَمَلَهُ مَا بَقِيَ شَرْطُهُ.
مالك: يتيمم المريض والمسافر في وسط الوقت لا يؤخره جدا، ولا يعجله (^١).
وعن علي ﵁ أنه قال في جُنُب لا يجد الماء: يتلوم - أي يتربص - ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا يتيمم، وهذا حكم تأخير الصلاة عن أول الوقت لأجل الجماعة على ما ذكرنا، وقال بعض الأصحاب (^٢): إذا كان على علم بوجود الماء في آخر الوقت ففي جواز التيمم في أوله قولان، وليس بصحيح (^٣).
وقال صاحب الْمُجْتَبى: ويتخالج في قلبي فيما إذا كان يعلم أنه إن أخر الصلاة إلى آخر الوقت يقرب من الماء بمسافة أقل من ميل، لكن لا يتمكن من الصلاة بالوضوء في الوقت أن الأولى أن يصلي في أول الوقت مراعاة لحق الوقت وتجنبا من كل الخلاف (^٤).
قوله: (ما شاء من الفرائض والنوافل)، وبقولنا قال الثوري، وداود، وأحمد في الأشهر، واختاره المزني، وعند الشافعي: يتيمم لفرض واحد مع ما شاء من النوافل (^٥)، وبه قال مالك (^٦)، واختلف أصحاب الشافعي في الجمع بين الفوائت بتيمم واحد، وعند أحمد وأبي ثور يتيمم لكل فريضة، كذا في الحلية (^٧).
(لأنه): أي التيمم طهارة ضرورية، يعني مبيحة للصلاة ضرورة التقضي عن عهدة التكليف لا رافع الحدث، ولهذا لا يُجوِّزُ الشافعي التيمم قبل الوقت لعدم
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٤٥)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٤٨٨).
(٢) هو القاضي حسين كما في حلية العلماء.
(٣) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢٤٨).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٤٩).
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٢٧٤)، والمجموع للنووي (٢/ ٢٤٢).
(٦) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ١٨٣)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ١٨٢).
(٧) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢٠٥).
[ ١ / ٣٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الضرورة قبله (^١)، وبقوله قال مالك (^٢)، وأحمد (^٣)، وداود (^٤)، وعندنا يجوز قبل الوقت، وبه قال المزني، وبعض المالكية والليث، والظاهرية ليتمكن من أداء الفرض في أول الوقت، ولهذا لا يجوز إلا عند العجز عن استعمال الماء، وما شرع للضرورة لا يبقى بعد ارتفاعها لطهارة المستحاضة.
والدليل على أنه مبيح للصلاة لا رافع للحدث بطلانه عند وجود الماء بدون حدوث حدث آخر، وعن هذا قال أحمد: تيمم لكل فريضة كالمستحاضة (^٥).
وقلنا: إنه طهارة مطلقا حال عدم الماء رافعة للحدث خلفًا عن الماء، والخلف لا يخالف الأصل فيما أفاده من الحكم المختص به، ألا ترى أن الشرع جعل التراب والماء مطهرًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وبقوله ﵇: «التراب طهور المسلم» (^٦)، وقال ﵇: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسجدًا وطهورًا» (^٧)، فلما جعله طهورا كالماء يفيد ما أفاده، وإنما ينتقض بوجود الماء لأن الخلف لا يبقى له حكم مع القدرة على الأصل، بخلاف المستحاضة لأن طهارتها قدرت طهارة مع وجود الحدث ضرورة تمكن المكلف من أداء التكليف فافترقا، ولهذا لا ينتقض التيمم بالفراغ عن المكتوبة بدليل جواز النافلة، وهذا إلزام على الشافعي، ولأن الشرع قدر طهارة التيمم لعدم الماء فلا يجوز تقديره بالأداء قياسًا؛ لأنه حينئذ يكون تركا
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٢٦٢)، والمجموع للنووي (٢/ ٢٤٠).
(٢) انظر: عيون الأدلة لابن القصار (١/¬٤٠)، والذخيرة للقرافي (١/ ٣٦٠).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٧٤)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٢٦٣).
(٤) انظر: المُحَلَّى لابن حزم (١/ ٩٢).
(٥) انظر: الفروع لابن مفلح (١/ ٢١١)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٣٨٢).
(٦) أخرجه أبو داود (١/ ٩١، رقم ٣٣٢، ٣٣٣)، والترمذي (١/ ١٨٤، رقم ١٢٤)، والنسائي (١/ ١٧١، رقم ٣٢٢)، وأحمد (٥/ ١٤٦، رقم ٢١٣٤٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٧٦، رقم ٦٢٧) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه.
(٧) أخرجه البخاري (١/ ٧٤، رقم ٣٣٥)، ومسلم (١/ ٣٧٠، رقم ٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁.
[ ١ / ٣٠٩ ]
(وَيَتَيَمَّمُ الصَّحِيحُ فِي المِصْرِ
لتقدير ثبت نصًا، بخلاف المستحاضة فإنه قدَّر طهارتها بالوقت، قال ﵇: «المُستحاضة تتوضّأُ لِوَقتِ كُلِّ صَلاة» (^١)، فيقدر به كذا في المبسوطين (^٢).
ولنا أنه أي التراب طهور بالنص حال عدم الماء ما بقي شرطه وهو عدم الماء.
قوله: (ويتيمم الصحيح في المصر)، إلى آخره قيد بالصحيح ليخرج المريض فإنه مرخص بلا حضور جنازة، وقيد بالمصر لأن الظاهر في المفازة عدم الماء، وقيد بحضور الجنازة إذ الوجوب به، والأصل في هذه المسائل أن في كل موضع يفوت الأداء لا إلى خلف يجوز له التيمم، وفي كل موضع يفوت الأداء إلى خلف لا يجوز.
ثم اعلم بأن الصلوات ثلاثة أنواع: نوع لا يخشى فواتها أصلا لعدم وقتها كالنوافل، ونوع يخشى فواتها أصلا كصلاة الجنازة، والعيد عندنا، ونوع يخشى فواتها ويقضى بعد وقتها أصلها أو بدلها كالجمعة، والمكتوبات.
أما الأول: فلا يتيمم لها عند وجود الماء لعدم القدرة، وأما الثاني: فإنها يتيمم لها عند وجود الماء في المصر عندنا، وأحمد في رواية خلافًا للشافعي ومالك، فإن عنده يجوز قضاؤها فلا تفوت لا إلى بدل فلا يتحقق العجز.
ولنا: حديث ابن عباس أنه قال: إذا فَجَأَتْكَ جنازة فخشيت فوتها فصل عليها بالتيمم، وعن ابن عمر في صلاة العيد مثله، كذا في المبسوط (^٣).
قال الطحاوي. لما تيمم النبي ﵇ لرد السلام خشية الفوات مع أن الطهارة ليست بشرط في الرد دل على جواز التيمم للصلاة التي يخشى فواتها كصلاة الجنازة والعيدين.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٥٥ رقم ٢٢٨) من حديث عائشة ﵂، بنحوه. وانظر كلام ابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٢٩٥).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١١٠، ١١٣).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١١٨).
[ ١ / ٣١٠ ]
إِذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَالوَلِيُّ غَيْرُهُ، فَخَافَ إِنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ) لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى فَيَتَحَقَّقُ العَجْزُ (وَكَذَا مَنْ حَضَرَ العِيدَ فَخَافَ إِنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ يَفُوتَهُ العِيدُ يَتَيَمَّمُ) لِأَنَّهَا لَا تُعَادُ.
وَقَوْلُهُ: «وَالوَلِيُّ غَيْرُهُ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةُ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ لِلْوَلِيِّ حَقَّ الإِعَادَةِ فَلَا فَوَاتَ فِي حَقِّهِ (وَإِنْ أَحْدَثَ
وفي الْمُجْتَبى: صلاة العيد في معنى صلاة الجنازة؛ لأنهما يفوتان لا إلى بدل لاشتراط الجماعة والولي فيهما، فكان عادمًا للماء حكما في حقهما؛ لأنه لا يتمكن أحد من أدائهما بالوضوء بعده (^١).
وقيل: بقوله (والولي غيره) لأنه لم يجز للولي؛ لأنه ينتظر وله حق الإعادة. وفي الْمُجْتَبى، وكذا الوالي والإمام لأنه ينتظر لهما (^٢).
وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عن جواب ظاهر الرواية، وفي الذخيرة: إن كان إمامًا أو كان حق الصلاة له جاز له التيمم أيضًا.
وفي المبسوط: وجهه حديث ابن عباس، وابن عمر، ولأن الإمام قد يحتاج إلى ذلك كما يحتاج القوم؛ فإن عند كثرة الزحام ربما يلحقه الحرج، ولأنه قد لا ينتظره الناس، ولأن صلاة الجنازة دعاء حقيقةً فحقها أن لا يشترط لها الطهارة كما قال الشعبي، لكن لما سميت باسم الصلاة شرطنا فيها الطهارة (^٣).
وفي هذا لا فرق بين الإمام والقوم والولي، وعلى هذا لو كان في المصر جنب تيمم وصلى عليها، والصحيح رواية الحسن عن أبي حنيفة.
وفي المحيط: لا يجوز التيمم للسلطان لأنه ينتظر له (^٤)، وذكر الحلواني والسَّرَخْسِي أن التيمم لا يجوز في بلادنا للجنازة؛ لأن الماء حول مصلى
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٥٠).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٥٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١١٩).
(٤) المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازة (١/ ١٥٠).
[ ١ / ٣١١ ]
الإِمَامُ أَوْ المُقْتَدِي فِي صَلَاةِ العِيدِ تَيَمَّمَ وَبَنَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَتَيَمَّمُ (*) لِأَنَّ اللَّاحِقَ يُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِ الإِمَامِ فَلَا يَخَافُ الفَوْتَ. وَلَهُ: أَنَّ الخَوْفَ بَاقٍ لِأَنَّهُ يَوْمُ زَحْمَةٍ فَيَعْتَرِيهِ عَارِضٌ يُفْسِدُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ، وَالخِلَافُ فِيمَا إِذَا شَرَعَ بِالوُضُوءِ، وَلَوْ شَرَعَ بِالتَّيَمُّمِ تَيَمَّمَ وَبَنَى بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا الوُضُوءَ يَكُونُ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فِي صَلَاتِهِ فَيَفْسُدُ.
الجنازة (^١).
وأما رواية القدوري فمطلقة فيتحقق العجز أي العجز الحكمي فيكون عادمًا للماء حكمًا، والمراد بالوجود القدرة، وهو غير قادر فصار كخائف العطش والعدو.
فإن قيل: النص ورد في صلاة مطلقة، وصلاة الجنازة ليست في معناها.
قلنا: لما جاز أداء أقوى الصلاتين بأضعف الطاهرتين فلأن يجوز أداء أضعف الصلاتين بأضعف الطاهرتين بالطريق الأولى، ولأن التيمم شرع لصيانة الصلاة عن الفوات لأنه ربما تمتد هذه الحالة فتجتمع الصلوات في حقه فيحرج في الأداء وجاز أن يقصر فيه، فلما جوز الشرع التيمم لتوهم الفوات لأن يجوز عند تحقق الفوات أولى.
وفي المبسوط: تيمم وصلى ثم جيء بأخرى، فإن وجد بينهما وقت يمكنه الوضوء أعاد تيممه للثانية، وإن لم يوجد فله أن يصلي على الثانية بذلك التيمم عند أبي يوسف خلافًا لمحمد (^٢).
قوله: (وبنى بالاتفاق)، وفي الفوائد الظهيرية: فإن كان الشروع بالتيمم فالبناء به جائز عند أبي حنيفة بلا إشكال، وأما على قولهما فقد اختلف المتأخرون فقيل يجوز البناء بالتيمم عندهما كما قاله؛ لأنه لا يمكنه البناء بالتوضئ لما فيه من بناء القوي على الضعيف.
وقيل: يجوز النيابة لوجود الماء، ويجوز أن يكون ابتداؤها بالتيمم والبناء
_________________
(١) (*) هذا اختلاف عصر وزمان.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١١٩).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٢٧).
[ ١ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالوضوء كما قلنا في جُنُب معه ماء يكفي قدر ما يكفي للوضوء فإنه يتيمم ويصلي ولو سبقه حدث في خلال صلاته فله أن يتوضأ بذلك الماء ويبني.
قال ظهير الدين: لكن هذا لا يقوى لأنه ليس فيه بناء القوي على الضعيف إذ التيمم هاهنا أقوى من الوضوء؛ لأنه يزيل الجنابة والوضوء لا يزيلها، بل لابد من معنى آخر، فنقول: التيمم مثل الوضوء بدليل جواز اقتداء المتوضئ بالمتيمم.
يؤيد هذا ما ذكره قاضي خان في فصل المسح في فتاواه أن ماسح الخف إذا أحدث في خلال الصلاة فانصرف ثم انقضت مدة مسحه قبل أن يتوضأ كان له أن يتوضأ ويغسل رجليه ويبني كالمتيمم إذا سبقه حدث في خلال صلاته فانصرف ثم وجد ما يتوضأ به ويبني.
والفرق بين هذا وبين المتيمم الذي وجد الماء في خلال صلاته حيث يستأنف وهاهنا لا يلزم الاستئناف هو أن التيمم ينتقض بصفة الاستناد، إلى وجود الحدث عند إصابة الماء لأنه يصير محدثًا بالحدث السابق؛ لأن الإصابة ليست بحدث، ولأن القدرة على الأصل حال قيام الخلف قبل حصول المقصود بالخلف يبطل حكمه، وفي هذه الصلاة لم ينتقض التيمم عند إصابة الماء بصفة للاستناد لانتقاضه بالحدث الطارئ على التيمم.
وذكر التمرتاشي: لا يجوز للإمام قبل الشروع في صلاة العيد التيمم لأن القوم ينتظرون، وأما في المقتدي نظر، إن كان الماء قريبًا بحيث لو توضأ لا يخاف الفوت لا يجوز، وإلا فيجوز، فلو أحدث أحدهما بعده بالتيمم تيمم وبنى؛ لأن خوف الوقت في البناء أكثر.
وفي المحيط: لو سبق الحدث للمؤتم في الجبانة قبل الشروع إن كان يرجو إدراك شيء من الصلاة لو توضأ لا يجوز له التيمم، وإن كان لا يرجو يجوز، وإن سبقه الحدث بعده فإن كان شروعه بالتيمم تيمم وبنى بلا خلاف، وإن كان شروعه بالوضوء إن كان يخاف زوال الشمس لو توضأ يجوز له التيمم
[ ١ / ٣١٣ ]
(وَلَا يَتَيَمَّمُ لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ خَافَ الفَوْتَ لَوْ تَوَضَّأَ، فَإِنْ أَدْرَكَ الجُمُعَةَ صَلَّاهَا، وَإِلَّا صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا)
بالإجماع، وإن كان لا يرجو إدراك شيء قبل الفراغ تيمم وبنى عند أبي حنيفة، وعندهما يتوضأ.
من مشايخنا من قال: هذا اختلاف عصر وزمان لا حجة وبرهان؛ فإن في زمنه يصلى العيد في جبانة بعيدة من الكوفة فكان خوف الفوت قائما فأفتى على وقت زمانه، وفي زمنهما يصلي في جبانة قريبة فلم يكن خوف الوقت قائما.
قال الحلواني والسرخسي: لا يجوز التيمم للعيد ابتداء وبناء في ديارنا؛ لأن الماء محيط بمصلى العيد، حتى لو خيف الفوت يجوز له التيمم (^١).
ومن مشايخنا من قال: هذا اختلاف حجة وبرهان، ثم اختلفوا فيما بينهم، قال أبو بكر الإسكاف: هذه المسألة بناء على أن الشروع في صلاة العيد موجب القضاء إذا أفسدها عندهما، وعنده لا يوجب القضاء، فكان على أصله يفوت لا إلى بدل فجاز له التيمم، وعندهما يفوته إلى بدل فلا يجوز له التيمم.
وأما قبله إذا فاته لا يجب القضاء بالإجماع فيجوز له التيمم قبله بالإجماع.
وغيره من المشايخ جعل هذا اختلافا مبتدأ (^٢).
وفي المبسوط: هما يقولان أنه أمن من خوف الفوت؛ لأنه لو ذهب إلى الوضوء ثم عاد وإن عاد بعد فراغ الإمام يجوز له البناء لأنه لاحق، وأبو حنيفة يقول البقاء أسهل من الابتداء، والافتتاح يجوز بالتيمم، فالبناء أجوز، وخوف الفوت قائم؛ فإنه ربما يبتلى بالمعالجة مع الناس فتفوته لكثرة الزحام فتفسد صلاته، أو لا يصل إلى الماء حتى تزول الشمس فتفوته بمضي الوقت (^٣).
قوله: (وإلا صلى الظهر)، وفي بعض النسخ: (يصلي الظهر أربعا)، وإنما قال: (أربعا) لكيلا يظن أنه تكفيه ركعتان قضاء للجمعة، كذا في البدرية.
وفي الكافي: وإنما قال (أربعا) لأن الجمعة تسمى ظهرا باعتبار أنه خلف عن الظهر عندنا فقال (أربعا) قطعا لذلك المجاز.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١١٩).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٥٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١١٩).
[ ١ / ٣١٤ ]
لِأَنَّهَا تَفُوتُ إِلَى خَلَفٍ وَهُوَ الظَّهْرُ بِخِلَافِ العِيدِ (وَكَذَا إِذَا خَافَ فَوْتَ الوَقْتِ لَوْ تَوَضَّأَ لَمْ يَتَيَمَّمْ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ) لِأَنَّ الفَوَاتَ إِلَى خَلَفٍ وَهُوَ القَضَاءُ.
(وَالمُسَافِرُ إِذَا نَسِيَ المَاءَ فِي رَحْلِهِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ المَاءَ لَمْ يُعِدْهَا عِنْدَ
فإن قيل: قوله: (فإن أدرك الجمعة صلاها) ينفي هذا الاحتمال.
قلنا: قوله: (إن أدرك الجمعة) أي الجمعة التي مع الإمام لا ينفي أن يصليها بدون الإمام إن لم يدرك الجمعة فيكون احتمال إطلاق اسم الظهر باقيا، ولكن على وجه الانفراد، وفيه تأمل.
(لأنها) أي الجمعة، (تفوت إلى خلف)، وهو الظهر.
وفي المستصفى: في فرض الوقت اختلف المشايخ:
قيل: فرض الوقت الجمعة، والظهر خلف عنها، وهو المروي عن زفر، وقيل: فرض الوقت أحدهما، وهو رواية عن محمد، وأبي حنيفة، وأبي يوسف فرض الوقت الظهر لكنه مأمور بإسقاطه بالجمعة، فكان قوله: (وهو الظهر) إشارة إلى القول الأول، وعلى المذهب المختار الظهر أصل لا خلف، ولكن تصور بصور الخلف باعتبار أن المأمور في هذا اليوم الجمعة، ولهذا تسقط بالأعذار وهو يقوم مقامها عند فوتها (^١).
قوله: (فوت الوقت لو توضأ)، وهذا لما عرف أن التيمم شرع رخصة لدفع حرج كثرة الفوائت لا لخوف فوت الوقت.
قوله: (إِذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ)، الرحل لغةً: المنزل، سواء كان من حجر، أو مدر، أو شعر، أو وبر، قالوا: ويقع أيضًا على متاعه وآدابه، وفي المغرب: هو المنزل والماء (^٢).
وجمعه: أرحل، وأرحال، ومنه يسمى: الماء في رحله.
ثم قيد بالنسيان؛ لأن في الظن لا يجوز التيمم بالإجماع ويعيد الصلاة.
_________________
(١) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٣٢٥).
(٢) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ١٨٦).
[ ١ / ٣١٥ ]
أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُعِيدُهَا) (*) وَالخِلَافُ فِيمَا إِذَا وَضَعَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَضَعَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ، وَذِكْرُهُ فِي الوَقْتِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ. لَهُ: أَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، فَصَارَ كَمَا
وقيد بقوله: (أو وضعه بأمره)، فإنه لو وضعه غيره وهو لا يعلم به يجزئه بالإجماع؛ لأن المرء لا يخاطب بفعل الغير، وذكر الخيز اخزي أن المسألة على ثلاثة أوجه: إما أن وضعه بنفسه ولم يطلبه، أو وضعه غلامه أو جيرانه وهو يعلم، أو وضعه بنفسه لكن نسي، ففي الأول لا يجوز له التيمم بالإجماع؛ لأن التقصير جاء من قبله والثاني يجوز بالإجماع، وفي الثالث اختلاف.
وعن محمد في غير رواية الأصول أن الفصول الثلاثة على الاختلاف، ولو كان الماء في إناء على ظهره أو معلقا في عنقه أو موضوعًا بين يديه فنسيه لا يجزئه بالإجماع؛ لأنه نسي ما لا ينسى فلا يعتبر، وإن كان الماء معلقا على إكاف، فإن كان راكبًا والماء في مؤخرة الرحل يجزيه عندهما؛ لأنه نسي ما ينسى، وإن كان سابقًا فإن كان الماء في مقدمة الرحل يجزيه عندهما، وإن كان في مؤخرته لا يجزيه بالإجماع، وإن كان قائدًا جاز كيف ما كان؛ لأنه لا يعاينه فجاز نسيانه، كذا في جامع المحبوبي (^١).
(وقال أبو يوسف يعيدها)، أي الصلاة، وهو قول الشافعي في الجديد (^٢)، وأحمد توقف فيه (^٣)،، وروى أبو ثور عن الشافعي أنه لا إعادة عليه في قوله القديم، ولمالك فيها روايتان كالقولين (^٤).
وجه قول أبي يوسف أنه شرع التيمم حال عدم الماء، وهذا واجد للماء، والنسيان يضاد الذكر لا الوجود، وعدم وجدانه بسبب تقصيره فيجب الإعادة كما لو نسي ستر العورة، أو غسل بعض أجزاء الوضوء.
وقلنا: المراد من قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ [النساء: ٤٣] فلم تقدروا بدليل
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٢٥)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٦٨).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٢٨٦)، والمجموع للنووي (٢/ ٢٦٤).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٧٨)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٢٧٨).
(٥) انظر: التهذيب في اختصار المدونة لابن البرذعي (١/ ٢١٢)، والذخيرة للقرافي (١/ ٣٦١).
[ ١ / ٣١٦ ]
إِذَا كَانَ فِي رَحْلِهِ ثَوْبٌ فَنَسِيَهُ، وَلِأَنَّ رَحْلَ المُسَافِرِ مُعَدٌّ لِلْمَاءِ عَادَةً، فَيُفْتَرَضُ الطَّلَبُ عَلَيْهِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ بِدُونِ العِلْمِ، وَهُوَ المُرَادُ بِالوُجُودِ، وَمَاءُ الرَّحْلِ مُعَدٌّ لِلشَّرْبِ لَا لِلاسْتِعْمَالِ، وَمَسْأَلَةُ الثَّوْبِ عَلَى الاخْتِلَافِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الاتِّفَاقِ
جواز التيمم للمريض وخائف العدو والسبع والعطش بالإجماع مع وجود الماء حقيقةً، وهذا غير قادر على استعمال الماء لعدم العلم به، والعلم شرط القدرة، بل عجزه فوق عجز المريض؛ فإنه لو تكلف الاستعمال لأمكنه، وهذا لا يمكنه فثبت أنه أعجز من المريض بعذر سماوي.
وأما قول: النسيان يضاد الذكر لا الوجود، قلنا: نعم كذلك، إلا أن بدون الذكر لا تثبت القدرة على الاستعمال، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وأما قوله: (بسبب تقصيره) غير مُسلَّم؛ لأن العذر سماوي لا من جهته.
وأما مسألة الستر فجوابه مذكور في المتن، وكذلك غسل بعض أعضاء الوضوء بفوت لا إلى خلف والطهارة هاهنا تفوت إلى خلف وهو التيمم، ولا يلزم علينا أن المكفر للصوم إذا نسي الرقبة في ملكه لا يجزئه الصوم بالاتفاق؛ لأن المعتبر في التكفير الملك لا القدرة، حتى لو عرض عليه شخص الرقبة له أن لا يقبله ويكفر بالصوم، وبالنسيان لم ينعدم الملك، وبالملك يتمكن من الاعتاق بأن يقول: مملوكي حر عن كفارتي، مع أن نسيان الرقبة في غاية الندرة فلا يعتبر بخلاف ما نحن فيه؛ لأن المعتبر فيه القدرة على الاستعمال، وبالنسيان زالت القدرة.
على أن الكرخي روى عن أبي حنيفة أن فصل التيمم والتكفير سواء، كذا في الْمُجْتَبى (^١).
وفي الخبازية: العلم كالآلة يتوسل به إلى استعمال الماء فكان بمنزلة الدلو والرشا فانعدامه بمنزلة انعدامهما، ولو كان على الاتفاق، وفي الْمُجْتَبى: والأصح الاتفاق.
قوله: وليس على المتيمم إلى آخره، في الْمُجْتَبى: هذا في الفلوات أما في
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٥١).
[ ١ / ٣١٧ ]
فَفَرَضَ السِّتْرَ يَفُوتُ لَا إِلَى خَلَفٍ، وَالطَّهَارَةُ بِالمَاءِ تَفُوتُ إِلَى خَلَفٍ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ.
(وَلَيْسَ عَلَى المُتَيَمِّمِ طَلَبُ المَاءِ إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنَّهُ أَنَّ بِقُرْبِهِ مَاءً) لِأَنَّ الغَالِبَ عَدَمُ المَاءِ فِي الفَلَوَاتِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى الوُجُودِ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِدًا لِلْمَاءِ (وَإِنْ
العمران يجب الطلب بالإجماع، قال الشافعي للمسافر حالات أحدها أن يتحقق عدم الماء حواليه ففي تقديم الطلب فيها وجهان:
أحدهما: أنه يجب كما في غيرها لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] ويقال: لم يجد، إذا فقد بعد الطلب، وأظهرها أنه لا يجب؛ لأن الطلب مع يقين العدم عبث، وما ذكر من الاستدلال بالآية ممنوع.
وأما في غيرها من الحالات وجب تقديم الطلب؛ لأن التيمم طهارة ضرورية، ولا ضرورة مع إمكان الطهارة بالماء، وبالقياس على ما إذا كان بين العمران، وعلى ما كان مع رفيقه الماء فإن الطلب فيهما واجب بالإجماع، ويشترط أن يكون الطلب بعد دخول الوقت لتحصل الضرورة.
وهل يجب أن يطلب بنفسه؟ فيه وجهان أظهرهما أنه يجوز أن ينيب غيره فيه حتى لو بعث النازلون أحدًا لطلب الماء أجزأ طلبه عن الكل، ويطلب إلى حيث لو استغاث بالرفقة الأغاثوه، كذا في شرح الوجيز.
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ [النساء: ٤٣] وهذا يقتضي عدم الوجود ولا يقتضي الطلب، يقال: فلان وجد ماله وإن لم يطلبه، فمن شرط فقد زاد على النص، ولأنه تيمم حال عدم الماء حقيقة وحكمًا فيجزئه كما بعد الطلب، أما عدم الماء حقيقة فظاهر، وكذا حكمًا لعدم الدليل على وجوده، بخلاف ما لو غلب على ظنه وجوده فإن غلبة الظن دليل وجوده وبخلاف ما إذا كان في العمران ومع رفيقه ماء فإنه دليل وجوده، وكونه مع رفيقه كذلك إذ الظاهر عدم المنع فيكون العلم ثابتًا من وجه فلا يجزئه التيمم كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وأما قول: أن التيمم طهارة، فجوابه ما مر.
وقال أبو يوسف في الإملاء: سألت أبا حنيفة عن مسافر لا يجد ماء يطلب عن يمينه ويساره قال: إن طمع فليفعل، ولا يبعد فيضر بأصحابه إن
[ ١ / ٣١٨ ]
غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ هُنَاكَ مَاءً لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ حَتَّى يَطْلُبَهُ) لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ نَظَرًا إِلَى الدَّلِيلِ، ثُمَّ يَطْلُبُ مِقْدَارَ الغَلْوَةِ وَلَا يَبْلُغُ مِيلًا كَيْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْ رُفْقَتِهِ (وَإِنْ كَانَ
انتظروه وبنفسه إن انقطع عنهم، كذا في المبسوط (^١).
(نظرا إلى الدليل)، وهو غلبة الظن فإنها دليل موجب للعمل، كما في المتحري في القبلة، وكما في دفع الزكاة؛ فإنه لو غلب على ظنه فقر شخص يجوز دفعها إليه، وكذا لو غلب على ظنه نجاسة الماء أو طهارته يجب العمل بها، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتِ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية.
وفي الْمُجْتَبى: وكذا إذا أخبر عنه (^٢).
(الغلوة) مقدار رمية سهم، وبالفارسية: (يك تيربزتاو)، وفي فتاوى العتابي: هي ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع، وفي المستصفى: يشترط الطلب مقدار ما يسمع صوت أصحابه ويسمع صوته (^٣).
وقيل: يطلب دون الميل وإن طلعت الشمس، وفي شرح الوجيز: ولو لم تكن الأرض ولو لم تكن مستوية واحتاج إلى الطلب نظر، فإن كان يخاف على نفسه أو ماله لا يجب الطلب؛ لأن الخوف يبيح الإعراض عنه عند يقين الماء فعند التوهم أولى، وإن لم يخف يطلب إلى حيث لو استغاث لأغاثوه لعدم المنع غالبًا.
وفي الْمُجْتَبى: الغالب عدم الظنة بالماء حتى لو كان في موضع تجري الظنة عليه لا يجب الطلب منه (^٤).
وفي بحر المحيط: لو غلب على ظنه الإعطاء وجب السؤال، وإلا فلا، وفي الإيضاح: ولو كان مع رفيقه ماء لم يجب الطلب في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يجب؛ لأن البدل هو الأصل لقلة الخطر نصّا، وبمنزلة غلبة الظن فيما تقدم.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١١٥).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٥١).
(٣) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٣٣١).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٥٢).
[ ١ / ٣١٩ ]
مَعَ رَفِيقِهِ مَاءً طَلَبَ مِنهُ قَبْلَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ المَنْعِ غَالِبًا، (فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ تَيَمَّمَ) لَتَحَقُّقِ العَجْزِ (وَلَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ مِنْ مِلْكِ
ولأبي حنيفة أن الملك معدوم، والإطلاق لا يأتي إلا بتمليك أو إباحة، فصار الحرف أن الملك الحاصر عن التصرف فيه قائم فأعجزه عن الاستعمال، بخلاف ما إذا غلب على ظنه وجوده؛ لأن الدليل المانع لم يوجد.
وفي المبسوط: وإن كان مع رفيقه ماء فعليه أن يسأله، إلا على قول الحسن ابن زياد حيث يقول: لا يسأله لأن في السؤال ذلا، وفيه بعض الحرج، والتيمم شرع لدفع الحرج (^١).
وجه ظاهر الرواية أن ماء الطهارة مبذول عادة، وليس في سؤال ما يحتاج إليه مذلة؛ فإنه ﵇ سأل بعض حوائجه من غيره، وعند الشافعي: لا يجب الاستيهاب من صاحبه في قول لصعوبة السؤال على أهل المروءة (^٢)، والأظهر أنه يجب لأنه ليس في هبة الماء كثير مِنَّةٍ.
قوله: (أجزأه عند أبي حنيفة)، لم يذكر في عامة النسخ قول أبي حنيفة في هذا الموضع، بل قيل يجوز التيمم قبل الطلب مطلقًا من غير ذكر خلاف إلا في الإيضاح كما ذكرنا.
وفي الزيادات: ولو كان عنده أنه لو سأله أعطاه لا يجوز التيمم، ولو كان عنده لا يعطيه يتيمم لأنه لم يقدر عليه، ولو شك في الإعطاء وتيمم وصلى ثم سأله فأعطاه يعيد الصلاة؛ لأنه ظهر أنه كان قادرًا، ولو سأله ولم يعطه فتيمم وصلى، ثم سأله فأعطاه لا يعيدها؛ لأنه لا يتبين القدرة.
وفي الْمُجْتَبَى: رأى في صلاته ماءً في يد غيره، ثم ذهب منه قبل الفراغ فسأله، فقال: لو سألتني لأعطيتك، فلا إعادة عليه، وإن كان العدة قبل الشروع يعيد لوقوع الشك في صحة الشروع، والأصح أنه لا يعيد؛ لأن العِدَة بعد الذهاب لا تدل على الإعطاء قبله.
وما يحمله الحاج من ماء زمزم للعطية يمنع جواز التيمم، وما ذكر من
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١١٥).
(٢) انظر: المجموع للنووي (٢/ ٢٥١).
[ ١ / ٣٢٠ ]
الغَيْرِ، وَقَالَا: لَا يُجْزِئُه لِأَنَّ المَاءَ مَبْذُولٌ عَادَةً (*) (وَلَوْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ إِلَّا بِثَمَنِ المِثْلِ وَعِنْدَهُ ثَمَنُهُ لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ) لَتَحَقُّقِ القُدْرَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ تَحَمُّلُ الغَبَنِ الفَاحِشِ لِأَنَّ الضَّرَرَ مُسْقِطٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الحلية أنه يهبه لرفيقه، ثم يستودعه إياه ليس بشيء؛ لأنه قادر على استعماله بالرجوع في الهبة، ولو كان مع رفيقه دلو يجب أن يسأله بخلاف الماء، ولو سأله فقال: انتظر حتى أستقي فالمستحب عند أبي حنيفة أن ينتظر بقدر ما لا يُفوّت الوقت فإن خاف ذلك تيمم خلافًا لهما.
- وجه قولهما أن الوعد إذا وجد صار قادرًا باعتباره؛ لأن الظاهر أنه نفي به -، وعلى هذا الخلاف العاري إذا وعد له رفيقه الثوب.
الماء الموضوع في الفلوات للشرب لا يمنع التيمم؛ لأنه للشرب.
خمسة نفر وجدوا ماء يكفي لأحدهم انتقض تيممهم، وكذا لو قال رجل: هذا الماء يتوضأ به أيكم شاء، ولو قال: هذا الماء لكم، لا ينتقض عند أبي حنيفة لفساد الهبة، وعندهما لقلة النصيب، حتى لو أذنوا لواحد منهم في الوضوء انتقض تيممه عندهما، ولو كانوا في الصلاة فقال: من يريد منكم الماء، فسدت صلاتهم، ولو كان بعضهم تيمم للجنابة وبعضهم للحدث، فإن كفى الماء للغسل انتقض تيممهم، وإلا فللمحدث، ويعتبر الكفاية لفرض الوضوء، وقيل: على وجه السنة.
جُنُب وميتُ ووُجِدَ ما يكفي لأحدهما فالجنب أولى لثبوته بنص الكتاب، ولو كان حائض، وجنب فالجنب أولى لصلاحيته لإمامتها، ولو كان أب وابن فالأب أولى لجواز تملكه مال ابنه (^١).
قوله: (وعنده ثمنه لا يجزئه التيمم)، هذا على ثلاثة أوجه: إما أن أعطاه بثمن المثل في ذلك الموضع، أو بالغبن اليسير، أو بالفاحش، ففي الأول: لا يجوز التيمم ويجب الشراء على المذهبين إن لم يحتج إليه لشيء محترم، وفي
_________________
(١) (*) الراجح: هو ظاهر الرواية، وجوب السؤال من الرفيق.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٥٢).
[ ١ / ٣٢١ ]