(وَمَنْ سَبَقَهُ الحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ انْصَرَفَ فَإِنْ كَانَ إِمَامًا اسْتَخْلَفَ وَتَوَضَّأَ وَبَنَى)
والثاني: إذا لم يثن، أثنى المقتدي إن كان الإمام في الفاتحة، وإن كان في السورة فكذلك عند أبي يوسف، خلافا لمحمد.
والثالث: ما لو ركع ولم يُكَبِّر، يكبر المقتدي.
والرابع: إذا لم يسبح في الركوع والسجود، يسبح المقتدي.
والخامس: إذا لم يقل (سمع الله لمن حمده).
والسادس: إذا لم يكبر عند الانحطاط.
والسابع: إذا لم يقرأ التشهد.
والثامن: إذا لم يسلّم، سلم المقتدي.
والتاسع: لو نسي الإمام تكبير التشريق وذهب، كبر المقتدي.
[بَابُ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ]
لما ذكر أحكام السلامة من العوارض في الصلاة انفرادا وجماعة؛ لأنها هي الأصل؛ ذكر في هذا الباب ما يعرض لها من العوارض، ويمنع المصلي من المضي؛ فإن المرشد كما يرشد السالك إلى الطريق الجادة، يرشده إلى التخلص من مضايق العبادة.
قوله: (انصرف)؛ أي: بلا توقف بعد سبق الحدث، حتى لو مكث ساعة يصير مؤديًا جزءًا من الصلاة مع الحدث، وأداؤها معه لا يجوز، فيفسد ما أدى، وإذا فسد ما أدى فسد الكل؛ لأن الصلاة الواحدة لا تتجزأ صحة وفسادًا. نص على هذا في مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط (^١).
(استخلف): وتفسير الاستخلاف: أن يجذب ثوبه ويجره إلى المحراب، سواء كان المقتدي مدركًا أو مسبوقًا أو لاحقا، ولو ترك ركوعًا يضع يده على ركبته مشيرًا إليه، وفي السجود على الجبهة، وفي القراءة على الفم، وفي سجدة
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٨٢).
[ ١ / ٨٣٦ ]
وَالقِيَاسُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيّ ﵀، لِأَنَّ الحَدَثَ يُنَافِيهَا وَالمَشْيَ وَالانْحِرَافَ يُفْسِدَانِهَا فَأَشْبَهَ الحَدَثُ العَمْدَ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمَذَى فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأَ وَلِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»
التلاوة يضع أصبعه على أنفه، وفي جواز الاستخلاف في الجنازة اختلاف المشايخ، وإنما خص الإمام بالبناء مع أن جوازه شامل للمقتدي والمنفرد؛ لأنه أعلم بشرائط البناء غالبا من غيره.
ومعنى الاستئناف: أن يعمل عملًا يقطع الصلاة ثم يشرع بعد الوضوء.
وقيد بقوله: (سبقه الحدث)؛ أي: لم يكن بفعله، حتى إذا كان بفعله يستقبل، عمدًا كان أو سهوًا.
وفي المبسوط (^١): سبقه حدث من بول أو غائط، أو ريح أو رعاف بغير قصد؛ انصرف.
(وهو)؛ أي: القياس.
(قول الشافعي) للشافعي قولان (^٢): قال في الجديد: يستقبل، وهو قول مالك آخر ا (^٣)، وأحمد (^٤)؛ لأن الطهارة شرط بقاء الصلاة كما هو شرط ابتدائها، فلا يبقى مع وجود الحدث المنافي لشرطها، كما في الحدث العمد، وبقوله ﵇: «إذا فسا أحدُكُم في صَلاتِهِ فَلْيَنصَرِفْ وَلْيَتَوضَّأُ وَلْيُعِدْ صلاته» (^٥).
وقال في القديم: يجوز له البناء، وهو قول مالك أولًا، وقولنا، وهو استحسان للحديث المذكور في الكتاب. وقوله: (أمذى)؛ أي: صار ذا مذي.
وقيل: في المسألة إجماع الصحابة؛ فإنه روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والعبادلة الثلاثة وأنس وسلمان ﵃ أجمعين؛ جواز البناء،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٩).
(٢) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٦٤)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٥١).
(٣) انظر: التاج والإكليل للمواق (٢/ ٤٨٤)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ٢٤٦).
(٤) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٨٤)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٧٦).
(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٥٣، رقم ٢٠٥) والترمذي (٢/ ٤٦٠، رقم ١١٦٦) من حديث علي بن طلق رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ،، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٣٤١).
[ ١ / ٨٣٧ ]
وَقَالَ ﵊: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَقَاءَ أَوْ رَعَفَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ وَلْيُقَدِّمْ مَنْ لَمْ يُسْبَقْ بِشَيْءٍ»
والمراد: إجماع فقهائهم، وقولهم: يترك القياس؛ لأن قولهم: فيما لا يدرك بالقياس كالنص في كونه راجحًا على القياس، مع أنه مؤيد بالحديث.
وجه الاستدلال بالحديث: أن قوله (وَلْيَبْنِ) أمر، وأدنى درجاته الإباحة، فثبت شرعية البناء، ولا يقال: قوله (فليتوضأ) للوجوب، فينبغي أن تكون (وليبن) للوجوب أيضًا.
قلنا: لا يضرنا؛ لأنه لو كان للوجوب يكون الدعاء أثبت، لكن البناء غير واجب بالإجماع، وما رواه الشافعي محمول على ما إذا تعمد الفساد، وقياسه بالحدث العمد فاسد؛ لأنا جوزنا البناء بالخبر والأثر على خلاف القياس، وهما وردا في الحدث السماوي، فلا يقاس الحدث العمد عليه. كذا في المحيط (^١)، والمبسوط (^٢).
وعن مولانا فخر الدين المَايْمَرْغِي: البناء في الأحداث الخارجة من بدنه موجبة للوضوء دون الغسل، بلا قصده للحدث أو سببه أو من غيره، ولم يأت بعده ما ينافي الصلاة من توقف، أو فعل ينافي الصلاة مما له بد منه، والمشي والانحراف لا ينافيانها، كما في صلاة الخوف.
وقوله ﵇: «تقدم من لم يسبق» (^٣) يعني: غير المسبوق، بيان الأفضلية في الحديث «مَنْ قَلَّدَ إنسانًا عملًا، وفي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى منه؛ فقد خان الله ورسولَهُ وجماعة المؤمنين» (^٤)، والمقتدين بمنزلة الرعايا، فغير المسبوق أولى؛ لأنه أقدر على إتمام الصلاة. كذا في الكاثي (^٥).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٨٢).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٩).
(٣) تقدم تخريجه قريبا عند تخريج حديث: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَقَاءَ أَوْ رَعَفَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ، وَلْيُقَدِّمْ مَنْ لَمْ يُسْبَقْ بِشَيْءٍ».
(٤) بلفظ قريب أخرجه الحاكم (٤/ ١٠٤، رقم ٧٠٢٣) من حديث ابن عباس ﵁ وصححه قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٦٢): تعقبه الذهبي في مختصره، وقال: حسين بن قيس ضعيف. والحديث صححه الشيخ الألباني في الصحيحة (٣/¬١٧، رقم ١٠٢٠).
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٢٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٣٥).
[ ١ / ٨٣٨ ]
وَالبَلْوَى فِيمَا يَسْبِقُ … … .
وقوله: (والبلوى فيما يسبق): جواب عن قياس الشافعي، يعني: البلوى في الحدث السماوي، فلا يلحق به العمد؛ لأنه في التعمد جان، والجاني لا يستحق التخفيف، تحرزًا عن شبهة الخلاف؛ لأنه أقرب إلى الاحتياط، وذلك أن البناء عمل بخبر الواحد، والاستئناف عمل بالإجماع، وهو أقوى من خبر الواحد.
وفي فتاوى قاضي خان (^١): انصرف للتوضؤ فانكشفت عورته في الوضوء، أو كشفها هو، قال أبو علي النسفي: إن لم يجد بدا من ذلك؛ فلم تفسد صلاته، وإن وجد منه بدا؛ بأن يمكنه أن يستنجي ويغسل موضع النجاسة تحت القميص، فأبدى عورته؛ تفسد، وكذا إذا أتى الحوض فوجد موضعًا يقدر على الوضوء، فجاوز عنه وتوضأ في مكان آخر تفسد؛ لأنه شيء بلا حاجة. كذا في شرح الطحاوي (^٢).
وفي الذخيرة (^٣): المرأة كالرجل في الوضوء والبناء؛ لأن كلمة (من) في الحديث تتناول الرجل والمرأة.
وعن أبي يوسف في غير رواية الأصول: إن أمكنها الوضوء من غير كشف عورتها؛ بأن غسلت ذراعيها في الكمين، ومسح رأسها مع الخمار؛ بأن كان ذلك رقيقا يصل الماء إلى ما تحته، فكشفتهما لا تبني ولو لم يمكنها؛ بأن كان عليها جبة وخمار ثخين، لا يصل الماء إلى ما تحته؛ جاز كالرجل إذا كشف عورته في الاستنجاء عند مجاوزة النجاسة المخرج أكثر من الدرهم، إلا أن محمدا أطلق الجواب؛ لأن في إلزامها الغسل في الكمين حرجًا.
وعن ابن رستم: لا يجوز لها البناء؛ لأنها عورة (^٤)، والحديث حجة عليه.
_________________
(١) فتاو قاضي خان (١/ ٦٥).
(٢) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٧٨)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ٩٨).
(٣) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١٤٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٨٠).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٨٣)، وحاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٤٦).
[ ١ / ٨٣٩ ]
دُونَ مَا يَتَعَمَّدُه فَلَا يُلْحَقُ بِهِ (وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ) تَحَرُّزًا عَنْ شُبْهَةِ الخِلَافِ، وَقِيلَ: إِنَّ المُنْفَرِدَ يَسْتَقْبِلُ وَالإِمَامَ وَالمُقْتَدِيَ يَبْنِي صِيَانَةٌ لِفَضِيلَةِ الجَمَاعَةِ (وَالمُنْفَرِدَ إِنْ شَاءَ أَتَمَّ فِي مَنْزِلِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ)،
وفي فتاوى العتابي، والمجتبى (^١): نزح الماء من البئر لا يفسد، ولو كان الدلو منخرقا فخرزه تفسد. وفي خزانة الأكمل (^٢): النزح يقطع البناء.
وقيل: الماء بعيد وبقربه بئر، فإن كان مؤنة النزح أقل ينزح، وإلا فليذهب إلى الماء، ولو نسي ثوبا في متوضئه فأخذه تفسد، ولو سقط كرسفها تبني، ولو أحدث نائمًا ثم انتبه بعد ساعة يبني، وإن مكث اليقظان ساعة تفسد، ولو عطس فسبقه الحدث يبنى.
(والمنفرد إن شاء أتم في منزله): هذا اختيار بعض المشايخ؛ لما فيه من تقليل المشي.
(عاد إلى مكانه)؛ أي: مُصلّاه؛ ليكون مؤديا جميع الصلاة في مكان واحد.
وفي المبسوطين (^٣): وهو أفضل، والمقتدي يعود، حتى لو أتم في بيته قبل فراغ الإمام لا يجزيه، إلا أن يكون بينهما حائل.
وفي نوادر ابن سماعة (^٤): لو عاد المقتدي إلى المسجد بعد ما فرغ الإمام تفسد صلاته؛ لأنه مشى بلا حاجة.
وقيل: لا تفسد كما المنفرد؛ ليكون مؤديًا جميع الصلاة في مكان واحد، والمشي إن وجد حقيقية لم يوجد حكمًا؛ لأن حرمة الصلاة تجعل الأماكن المختلفة كمكان واحد. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٥)، وكذا الإمام يعود أيضًا.
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٩٦).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٩٦).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٩).
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٤٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٨٥).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٨١).
[ ١ / ٨٤٠ ]
وَالمُقْتَدِيَ يَعُودُ إِلَى مَكَانِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامُهُ قَدْ فَرَغَ أَوْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ (وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ فَخَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثُ اسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ يُصَلِّي مَا بَقِيَ) وَالقِيَاسُ فِيهِمَا الِاسْتِقْبَالُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ اللهُ لِوُجُودِ الِانْصِرَافِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
قوله: (إلا أن يكون الإمام قد فرغ):
فإن قيل: اللاحق في حكم المقتدي فيما يتم من صلاته، فإذا كان بينه وبين الإمام ما يمنع صحة الاقتداء من طريق أو نهر، فينبغي أن لا تجوز في بيته.
قلنا: نعم بمنزلة المقتدي، ولكن الإمام قد خرج من حرمة الصلاة، فلا يراعى ترتيب المقام بينه وبين إمامه، وربما خرج أو أحدث أو نام. كذا في المبسوط (^١).
(أو لا يكون بينهما حائل)؛ يعني: يجوز له أن يصلي في بيته على وجه الاقتداء بالخليفة وإن لم يفرغ الإمام؛ إذ لم يكن مانع يمنعه من الاقتداء، من البعد والحيطان والنهر.
(وهو)؛ أي: القياس (رواية عن محمد) وخلافه فيما إذا كان باب المسجد على غير حائط القبلة؛ ليتحقق الانصراف، أما لو مشى في المسجد ووجهه إلى القبلة؛ بأن كان باب المسجد على حائط القبلة؛ لا تفسد صلاته بالاتفاق.
وجه القياس: أن الانصراف عن القبلة بلا عذر مفسد، فيلزم الاستقبال؛ كالمتيمم رأى سرابًا فظنه ماء، والماسح ظن أنه لم يمسح، فانصرف ثم علم أنه قد مسح، وصلى الظهر وظن أنه لم يُصَلِّ الفجر، فانصرف ثم علم أنه قد صلى الفجر، أو ظن الماسح أن مدة المسح انقضت، فانصرف ثم علم أنه لم ينقض؛ فإنه يستقبل.
وفي ظاهر الرواية: لم يفصل بين ما إذا مشى مستقبل القبلة أو انصرف عن القبلة؛ لأن المشي بلا ضرورة مفسد.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١١٨).
[ ١ / ٨٤١ ]
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ انْصَرَفَ عَلَى قَصْدِ الإِصْلَاحِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ فَأُلْحِقَ قَصْدُ الإِصْلَاحِ بِحَقِيقَتِهِ … …
(بحقيقته)؛ أي: تحقيق الإصلاح، فإن القصد إلى الشيء يجعل كأنه يفعل ذلك الشيء في الشرع، نظيره: ما لو تترس الكفار بأسارى المسلمين؛ فإنه يباح الرمي إليهم، بشرط إن كان قصدهم الرمي إلى الكفار، وكما ألحقنا البغاة بتأويلهم الفاسد بأهل العدل في الأحكام، وإن فارقوهم في الآثام، وبحقيقة الإصلاح لم تفسد صلاته؛ فكذا إذا انصرف على قصده.
فإن قيل: لو كان قصد الإصلاح ملحقًا بحقيقته، ينبغي أن يجوز البناء بعد الخروج من المسجد، كما في حقيقة الإصلاح، وكما في صورة الاستخلاف.
قلنا: الحكم يثبت على حسب دليله، ثم في حقيقته وجد شيئان في الانصراف: قصد الإصلاح، وقيام العذر، فيقوى أحدهما بالآخر، فيثبت لحقيقة الإصلاح من القوة ما لم تكن لغيرها، فلا تفسد به خرج من المسجد أو لا، وفي تلك المسائل - وهي المتيمم أو الماسح، ومصلي الظهر - لم يوجد واحد منهما، فيبقى مجرد الانصراف فتبطل، وفي مسألتنا وجد أحدهما وهو قصد الإصلاح، ولم يوجد الآخر وهو قيام العذر، فقلنا بأنه لا يفسد ما دام في المسجد؛ عملًا بقصد الإصلاح؛ لما أن المسجد لمكان واحد، بدليل صحة الاقتداء، وعدم تكرر وجوب سجدة التلاوة، وبالخروج تفسد؛ لعدم قيام العذر، ولاختلاف المكان حقيقة وحكمًا، وفي صورة الاستخلاف لا يجوز البناء؛ لكثرة الأفعال المنافية للصلاة؛ ألا ترى لو انصرف بعد سبق الحدث، واستقى ماءً لوضوئه؛ تفسد. كذا في الخبازية (^١)، وفيه تأمل.
وقيل: في الاستخلاف لا يكون ضرورة ما دام في المسجد، فلا يكون فيه الإصلاح.
وفي جامع التمرتاشي، وحمل النوازل: وكذا الغازي لو ظن حضور العدو فانصرف، والأمر بخلافه؛ لم تفسد ما لم يخرج من المسجد، وفي الصحراء ما
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٨٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٨٦).
[ ١ / ٨٤٢ ]
مَا لَمْ يَخْتَلِف المَكَانُ بِالخُرُوجِ، وَإِنْ كَانَ اسْتَخْلَفَ فَسَدَتْ، لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَانْصَرَفَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى وُضُوءٍ، حَيْثُ تَفْسُدُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ، لِأَنَّ الإِنْصِرَافَ عَلَى سَبِيلِ الرَّفْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ يَسْتَقْبِلُهُ فَهَذَا هُوَ الحَرْفُ، … …
لم يجاوز مكان الصفوف لم تفسد، وإلا تفسد والبيت كالمسجد، والمرأة إن نزلت من مصلاها فسدت؛ لأنه بمنزلة المسجد في حق الرجل، ولو ذهب قدامه في الصحراء، فبمقدار الصفوف حده إن لم تكن سترة، وإن كانت فحده السترة (^١).
وفي الْمُجْتَبى (^٢): أحدث في قيامه، فسبح ذاهبًا أو جائيًا؛ لم تفسد، ولو قرأ فسدت.
وقيل: إنما تفسد إذا قرأ ذاهبًا. وقيل: على العكس، والمختار: ما قلنا.
ولو أحدث في ركوعه وسجوده؛ لا تفسد بالقراءة.
قال مجد الأئمة: أحدث فيهما لا يرتفع مستويًا، بل يتأخر محدودبًا ثم ينصرف (^٣).
(فهذا)؛ أي: ما ذكرنا أن في الانصراف على قصد الإصلاح لا يستقبل ما لم يخرج عن المسجد، وإن كان على سبيل الرفض والترك؛ يستقبل بمجرد الانصراف وإن لم يخرج من المسجد.
(هو الحرف)؛ أي: الأصل.
وفي المبسوط (^٤): أحدث الإمام ولم يُقدِّم أحدًا حتى خرج منه؛ فصلاة القوم فاسدة؛ لأنهم مقتدون، ولم يبق إمام مكانه، وهو في المسجد.
ولم يبين في الكتاب ما حال الإمام، قال الطحاوي (^٥): تفسد صلاته أيضًا؛
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٨٧)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ٩٨).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٩٦).
(٣) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٤٥)، وومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١١٤).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ١٧٦).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٧٦).
[ ١ / ٨٤٣ ]
وَمَكَانُ الصُّفُوفِ فِي الصَّحْرَاءِ لَهُ حُكْمُ المَسْجِدِ، وَلَوْ تَقَدَّمَ قُدَّامَهُ فَالحَدُّ هُوَ السُّتْرَةُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَمِقْدَارُ الصُّفُوفِ خَلْفَهُ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَمَوْضِعُ سُجُودِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ (وَإِنَّ جُنَّ أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، اسْتَقْبَلَ)
لأنه بعد سبق الحدث كان عليه الاستخلاف؛ ليصير هو في حكم المقتدين كغيره، فيتركه لما فسدت صلاتهم، فلأن تفسد صلاته كان أولى.
وقال أبو عصمة: لا تفسد؛ لأنه في حق نفسه كالمنفرد، وهو الأصح، فلو قدم القوم رجلًا قبل خروجه؛ فصلاته وصلاتهم تامة؛ لأن تقديمهم كتقديمه، فالحد هو السترة؛ لأن موضعها صار منتهى قدامه شرعًا؛ ألا ترى أن المرور بين يدي المصلي مكروه، ولا يكره من وراء السترة، فإذا تباين المكانان في حكم من أحكام الصلاة؛ صار بمنزلة خارج المسجد بالنسبة إليه، وإن لم تكن سترة؛ فمقدار الصفوف التي خلفه، سواء كان صفا واحدًا أو أكثر؛ لأنه أحد جانبيه، فيقاس بالثاني.
(فموضع سجوده)؛ أي: مقدار موضع السجود من كل جانب.
قوله: (أو نام فاحتلم): وإنما قال: احتلم؛ لأن مجرد النوم في الصلاة لا يفسدها.
وقيل: إنما قال (نام فاحتلم) ولم يقل (فاحتلم) مع أن الاحتلام لا يكون إلا في النوم؛ لأن (احتلم) يستعمل في البلوغ، يقال: احتلم الغلام؛ أي: بلغ أو عقل، وهذا موضع الاحتمال؛ لأنه قال (جن)، ولو قال (فاحتلم) يوهم أنه بمعنى (عقل) بقرينة (جُنَّ)، وفيه بعد. هذا إذا وجدت هذه الأشياء قبل أن تقعد مقدار التشهد فأما لو وجدت بعده؛ فصلاته وصلاة القوم تامة؛ لأنه يصير خارجًا عنها بهذه الأشياء.
فإن قيل: الخروج بفعله فرض عند أبي حنيفة ولم يوجد.
قلنا: وجد؛ لأنه بعد ما صار محدثًا بها لا بد من اضطراب أو مكث بعد الحدث، فإن المكث أداء جزء من الصلاة مع الحدث، وهو صنع كيف ما كان، فحينئذ وجد الصنع إما من حيث الاضطراب أو من حيث المكث. وكذا في
[ ١ / ٨٤٤ ]
لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُ هَذِهِ العَوَارِضِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَهْقَه، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الكَلَامِ وَهُوَ قَاطِعٌ.
مبسوط شيخ الإسلام (^١).
(يندر وجود هذه العوارض): وفي الخبازية (^٢): وفيه معنى آخر؛ وهو أن يبقى بعد الجنون والإغماء على حاله، فيصير كمن سبقه الحدث، فقام في مكانه ولم ينتقل؛ تبطل صلاته؛ لأنه يصير مؤديًا جزءا منها مع الحدث، والنص ورد في الوضوء وهو عمل يسير، والاغتسال عمل كثير، ولأنه يحتاج فيه إلى كشف العورة، وأنه ممن يقطع ما ورد به النص، وهو حدث غالب الوجود، وهو الدم والقيء، والرعاف والريح، والمذي وغيرها، فإن الحدث ورد فيه، وهذه الأحداث نادرة، فلا يلحق بها قياسًا؛ لأنه ثبت على خلاف القياس.
(وكذا إذا قهقه)؛ أي: لا يبني (لأنه)؛ أي: فعل القهقهة (بمنزل الكلام)؛ من حيث إن كلا منهما ينقل المعنى من ضميره إلى فهم السامع.
وفي المبسوط (^٣): القهقهة أفحش من الكلام عند المناجاة، ولهذا جعلت ناقضة للوضوء، ثم سوى بين النسيان والعمد، ففي القهقهة أولى، والبناء للبلوى، وذا لا يتحقق فيها، ولو قهقه بعد ما قعد قدر التشهد لا تفسد صلاته، كما لو تكلم بعده، ولكن يلزمه الوضوء لصلاة أخرى عندنا، وعند زفر لا يلزمه؛ لأنه قال: كل قهقهة توجب إعادة الصلاة توجب الوضوء، ومالا فلا؛ لأنه ليس في معنى المنصوص من كل وجه.
وقلنا: هذه قهقهة صادفت حرمة الصلاة لبقائها، فكانت الجناية أفحش، فيلزمه الوضوء لهذا، أما الإعادة؛ فلبقاء البناء، وقد عجز عنه بالقهقهة لفساد ذلك الجزء، ولم يبق عليه البناء هاهنا، فلم تلزمه الإعادة. كذا في المبسوط (^٤).
وفي مبسوط شيخ الإسلام ما يوجب فساد الصلاة من الأفعال؛ لا يقع
_________________
(١) انظر: حاشية الشِّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١٤٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٨٩).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٢٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٧١).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ١٧٢).
[ ١ / ٨٤٥ ]
(وَإِنْ حَصِرَ الإِمَامُ عَنْ القِرَاءَةِ فَقَدَّمَ غَيْرَهُ أَجْزَأَهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُجْزِئُهُمْ) (*) لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُهُ فَأَشْبَهَ الجَنَابَةَ فِي الصَّلَاةِ. وَلَهُ: أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لِعِلَّةِ العَجْزِ وَهُوَ هَاهُنَا أَلْزَمُ، … …
الفرق بين كونه عمدًا أو ناسيًا كالكلام (^١).
وهذا الذي ذكرنا قولنا، فأما على قول الشافعي (^٢): تفسد صلاة الإمام لا صلاة القوم؛ لأن الاقتداء عنده أدل على سبيل الموافقة، ولهذا لو ظهر الإمام محدثا أو جنبًا والمقتدي لا يعلم به؛ لا تفسد صلاة المقتدي عنده.
قوله: (وإن حَصَرَ): الْحَصَرُ - بِفَتْحَتَيْنِ -: الْعِيُّ وَضِيقُ الصَّدْرِ، وَالْفِعْلُ منه: حَصْرَ، من باب (ليس)، وضم الحاء فيه خطأ. كذا في المغرب (^٣).
وفي الصحاح: كل من امتنع عن شيء ولم يقدر عليه؛ فقد حصر عنه (^٤).
(يندر وجود)؛ يعني: جواز الاستخلاف ثبت بخلاف القياس، والنص ورد في الحدث الغالب، وهذا ليس في معناه؛ لأنه مما تعم به البلوى ولا يندر، أما نسيان جميع ما حفظه أمر نادر، فأشبه الجنابة، فلا يلحق.
وفي الفوائد الظهيرية (^٥): ليس الحصر في معنى الحدث من وجوه: أحدها: أن الطهارة شرط لجميع الصلاة والقراءة شرط لبعضها.
والثاني: أنه لا جواز لها بدون الطهارة، ولها جواز بدون القراءة، كما في الأُمِّي.
والثالث: أن القراءة يجري لها النيابة، بخلاف الطهارة.
(وهو)؛ أي العجز (هاهنا ألزم)؛ أي: أثبت بالنسبة إلى العجز في الحدث؛ لأنه لا يمكنه الخلاص عن الحصر بنفسه؛ إذ لا بد له من يعلم، وأنه
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٩٧).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٣٨)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٢٨٩).
(٤) المغرب في ترتيب المُعرَب للخوارزمي (ص ١١٨).
(٥) الصحاج تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٢/ ٦٣١).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٨٩).
[ ١ / ٨٤٦ ]
وَالعَجْزُ عَنِ القِرَاءَةِ غَيْرُ نَادِرٍ فَلَا يَلْحَقُ بِالجَنَابَةِ. (وَلَوْ قَرَأَ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ لَا يَجُوزُ الاسْتِخْلَافُ بِالإِجْمَاعِ) لِعَدَمِ الحَاجَةِ إِلَيْهِ (وَإِنْ سَبَقَهُ الحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُدِ تَوَضَّأَ وَسَلَّمَ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَضُّةِ لِيَأْتِيَ بِهِ (وَإِنْ تَعَمَّدَ الحَدَثَ فِي
مناف للصلاة، أو تذكر والتذكر نادر، بخلاف سبق الحدث؛ لأنه يمكنه الخلاص بإعادة الطهارة بنفسه؛ لأنه ربما يجد ماء في المسجد فيتوضأ ويبني من غير استخلاف. كذا ذكره قاضي خان (^١).
وذكر التمرتاشي: قال أبو بكر الرازي: إنما يستخلف إذا لم يمكنه أن يقرأ شيئًا، فإن أمكنه قراءة آية فلا يستخلف، وإن استخلف فسدت صلاته (^٢).
وذكر أبو اليسر: إنما يجوز الاستخلاف إذا كان حافظا للقرآن، لكن لحقه خجل أو خوف فحصر، فأما لو نسي فصار أميا؛ فلم يجز الاستخلاف إجماعًا؛ لأن إتمام القارئ صلاة الأمي غير جائز (^٣).
وفي الخبازية: قال بعض مشايخنا - منهم الفقيه أبو جعفر -: هذا فرع مسألة أخرى؛ وهو أن الإمام إذا حصر عن القراءة؛ صار أميا يجوز له المضي عندهما من غير أن يقتدي بالقارئ، كما في مسألة إقامة الأمي، فلم يحتج إلى الاستخلاف وعند أبي حنيفة: لا يجوز له المضي؛ لإمكانية أن يقتدي بالقارئ فيحتاج إليه (^٤)، وهذا ليس بسديد؛ لأن الاستخلاف لم يشرع في حق الإمام، بل شرع نظرا للقوم؛ ألا ترى أن أصله الحدث، والإمام إذا لم يستخلف وخرج من المسجد جازت صلاته، وإنما فسدت صلاة القوم؛ علم أنه شرع للقوم، ولا يمكن لهم المضي؛ لأن الإمام صار أميًا، فاحتجنا إلى الاستخلاف، ولهذا لو قدم القوم رجلًا قبل خروج الإمام من المسجد يجوز؛ لأن التسليم واجب، فلا بد من التوضي له، ولحديث عائشة كما مر.
وعند الشافعي ﵁: إصابة لفظ السلام فرض (^٥)، فلا يجوز له البناء على
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٨٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩٠).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩٠).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٨٤).
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٤٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٨٤).
(٥) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٤٦)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٤٣).
[ ١ / ٨٤٧ ]
هَذِهِ الحَالَةِ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا يُنَافِي الصَّلَاةَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ البِنَاءُ لِوُجُودِ القَاطِعِ، لَكِنْ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ.
(فَإِنَّ رَأَى المُتَيَمِّمُ المَاءَ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ) وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ (وَإِنْ رَآهُ بَعْدَمَا فَعَدَ
قول فيستأنف تمت صلاته؛ لحديث ابن مسعود، فلا يتوضأ ولا يسلم؛ لتعذر البناء لوجود القاطع.
وفي مختصر شرح الكرخي: بوجود القاطع يفسد ما بقي من صلاته ولا إعادة عليه؛ لأنه لم يبق عليه فرض بعد وفساد ما بقي لا يؤثر في فساد ما مضى (^١).
وعند الشافعي (^٢)، ومالك (^٣)، وأحمد (^٤): فسد صلاته؛ لأن السلام من الأركان أو الفرائض عندهم.
(وقد مر من قبل)؛ أي: في باب التيمم.
فإن قيل: يشكل على هذا؛ بالمتيمم إذا أحدث في صلاته فانصرف، ثم وجد ماء؛ له أن يتوضأ ويبني على صلاته، فلم تبطل صلاته هناك برؤية الماء، والمسألة في مسح الخف في فتاوى قاضي خان (^٥).
قلنا: الفرق بينهما حيث يلزمه الاستئناف هنا ولا يلزمه في تلك المسألة؛ هو أن التيمم ينتقض بصفة الاستناد إلى ابتداء وجوده عند وجود الماء، فيصير محدثًا بالحدث السابق، وفي مسألتنا لم ينتقض التيمم بصفة الاستناد؛ لانتقاضه بالحدث الطارئ على التيمم، فلم توجد القدرة على الأصل حال قيام الخلف، قبل حصول المقصود بالخلف فلا يلزم الانتقاض بصفة الاستناد. كذا في الفوائد الظهيرية (^٦).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩١).
(٢) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٥١)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٠٩).
(٣) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١٧/ ٦٠٧)، وشرح التلقين للمازري (١/ ٥٣١).
(٤) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٥)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٨).
(٥) فتاو قاضي خان (١/¬٢٣).
(٦) انظر: حاشية الشَّلْبِيِّ على تبيين الحقائق (١/ ١٤٨).
[ ١ / ٨٤٨ ]
قَدْرَ التَّشَهُدِ أَوْ كَانَ مَاسِحًا فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ أَوْ كَانَ أُمِّيًّا فَتَعَلَّمَ سُورَةً أَوْ عُرْيَانًا فَوَجَدَ ثَوْبًا، أَوْ مُومِيًا فَقَدَر عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً عَلَيْهِ قَبْلَ هَذِهِ أَوْ أَحْدَثَ الإِمَامُ القَارِئُ فَاسْتَخْلَفَ أُمِّيَّا أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الفَجْرِ أَوْ دَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ فِي الجُمُعَةِ، أَوْ كَانَ مَاسِحًا عَلَى الجَبِيرَةِ فَسَقَطَتْ عَنْ
قوله: (بعمل يسير)؛ بأن كان الخف واسع الساق، لا يحتاج في نزعه إلى المعالجة؛ لأنه إن كان ضيقًا فعالج في نزعه؛ تتم صلاته بالاتفاق؛ لوجود الصنع منه. كذا في المبسوط (^١).
(فتعلم سورة)؛ أي: تذكرها بعد النسيان، أما إذا تلقنها ابتداء، فذلك صنع منه؛ فيخرج به عنها. كذا ذكره الحلواني (^٢).
وقيل: سمعها بلا اختيار وحفظها بلا صنع، وهذه المسائل تسمى باثني عشرية؛ لأنها بذلك العدد في الروايات المشهورة.
قيل: هي خطأ من حيث العربية؛ لأنه لا تجوز النسبة إلى اثني عشر، ولا إلى غيره من العدد المركب، إلا إذا كان علمًا؛ فحينئذ ينسب إلى صدره، يقال:
خَمْسِيٌّ في خمسة عشر، وبَعْلِيٌّ في بعلبك. ذكره في المفصل وغيره (^٣).
وقد يزيد عليها مسائل، منها: إذا كان يصلي بثوب وفيه نجاسة مانعة، ثم وجد من الماء ما يغسل به النجاسة في هذه الحالة.
ومنها: أنه يقضي صلاة الفجر وقد فاتته، فدخل وقت الزوال في هذه الحالة.
ومنها: أنه يقضي صلاة الظهر في وقت العصر، فتغرب الشمس في هذه الحالة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٤).
قوله: (أو دخل وقت العصر في الجمعة):
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٦).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٨٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩٢).
(٣) المفصل في صنعة الإعراب للزمخشري (ص ٢٦٣).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩٣).
[ ١ / ٨٤٩ ]
بُرْءٍ، أَوْ كَانَ صَاحِبَ عُذْرٍ فَانْقَطَعَ عُذْرُهُ كَالمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِمَعْنَاهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَمَّتْ صَلَاتُهُ) (*) وَقِيلَ: الأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الخُرُوجَ عَنِ الصَّلَاةِ بِصُنْعِ المُصَلِّي فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَظُهُ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُمَا، فَاعْتِرَاضُ هَذِهِ
فإن قيل: كيف يتحقق الخلاف فيه، فإن دخول العصر عنده إذا صار ظل كل شيء مثليه، وعندهما إذا صار مثله؟.
قلنا: هذا على قول الحسن بن زياد؛ فإن عنده وقت مهمل بين خروج الظهر ودخول العصر، فإذا صار الظل مثله تحقق الخروج عندهما الصلاة تامة وعنده باطلة. كذا في الكاثي (^١).
وقيل: يمكن أن يقعد فيها بعد ما قعد قدر التشهد مقدار ما صار الظل مثليه، فحينئذ يتحقق الخلاف.
وفي المستصفى (^٢): هذا على اختلاف القولين، فعندهما: إذا صار الظل مثله، وعنده: إذا صار مثليه.
وقيل: تخصيص الجمعة اتفاقي؛ لأن الحكم في الظهر كذلك.
قوله: (كالمستحاضة) لانقطاع الاستحاضة لا بد من استيعاب وقت كامل، فلو انقطع الدم بعد التشهد فلو سال الدم في وقت صلاة أخرى؛ فالصلاة الأولى جائزة، وإن لم يَسِلْ؛ فالصلاة الأولى عند أبي حنيفة باطلة؛ لأنه تحقق الانقطاع بعد التشهد، وأنه كالانقطاع في وسط الصلاة، وعندهما: جائز؛ لأنه كالانقطاع بعد تمام الصلاة.
قوله: (أن الخروج عن الصلاة بفعل المصلي فرض):
فإن قيل: يشكل بمسألة المحاذاة؛ فإنها لو حاذت في هذه الحالة تتم صلاته بالاتفاق، ولا صنع من الرجل والمسألة في المبسوط (^٣).
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٥٠)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٨٦).
(٣) المستصفى للنسفي (ص ٥٢٢).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٥).
[ ١ / ٨٥٠ ]
العَوَارِضِ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ كَاعْتِرَاضِهَا فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَهُمَا كَاعْتِرَاضِهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ. لَهُمَا: مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁. وَلَهُ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ صَلَاةٍ أُخْرَى إِلَّا بِالخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ.
وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى الفَرْضِ إِلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا.
قلنا: المحاذاة يستلزم الصنع من الجانبين، وإن لم يكن للرجل فيه اختيار.
قيل: يشكل بما لو تعلم سورة بلا اختيار. أجيب: أنه لا صنع فيه، وهو غير قوي.
(ولهما: ما روينا من حديث ابن مسعود)؛ وهو قوله ﵇: «إذا قلت هذا … الحديث» (^١)، ولأن الخروج لو كان ركنا أو فرضًا؛ لكان إذا وجد في وسط الصلاة ينبغي أن لا تفسد به الصلاة؛ وإن كان في غير محله كالقعدة والركوع والسجود، ولأن الخروج لو كان فرضًا؛ لاختص بما هو قربة في نفسه، كالخروج من الحج، فحينئذ لما كان الحدث العمد مخرجًا.
(وله)؛ أي: لأبي حنيفة: أن إتمام الصلاة وإنهاءها فرض بالإجماع؛ ألا ترى أنه ممنوع عن البقاء على هذه الحالة إلى وقت صلاة أخرى بالاتفاق بعد قدر التشهد، ولو لم يبق عليه شيء من الصلاة لم يمنع. كذا في المبسوطين (^٢).
وهو معنى قوله: (لا يمكنه أداء صلاة أخرى إلا بالخروج من هذه)؛ يعني: لو يُحْرِمُ للظهر، فلم يخرج منها حتى دخل وقت العصر؛ لزمه أداء العصر مثلا، ولا يمكنه أداؤها إلا بعد الخروج عن تحريمة الظهر؛ لأن العصر لا يتأدى بهذه التحريمة، فيكون الخروج عنها سببًا يتوصل به إلى أداء العصر، وأداء العصر فرض.
(وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به يكون فرضًا)؛ كالانتقال من ركن إلى
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٥٤، رقم ٩٧٠)، وابن حبان (٥/ ٢٩٣، رقم ١٩٦٢)، وأحمد (١/ ٤٢٢) رقم (٤٠٠٦)، والدارقطني (٢/ ١٦٤، رقم ١٣٣٣) بلفظ: قال عبد الله بن مسعود: فإذا فرغت من هذا فقد فرغت من صلاتك فإن شئت فاثبت وإن شئت فانصرف. وتقدم تخريجه أكثر من مرة.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٥).
[ ١ / ٨٥١ ]
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «تَمَّتْ قَارَبَتِ التَّمَامَ»، … …
ركن في باب الصلاة عد من الأركان، وإن لم يكن ركنًا في نفسه، كذا هذا؛ لأنه ما لم يبق الأولى على الصحة لا يمكنه أداء الثانية؛ لأن الترتيب فرض عندنا، ولا يخرج عن الأولى على وجه يبقى صحيحًا إلا بصنع يوجد منه، فكان فرضًا. كذا نقل عن الشيخ أبي منصور (^١).
فإن قيل: لو كان لخروج فرضًا لغيره لا لعينه، لأن يجب أن يتم صلاته في صورة انقضاء مدة المسح، وإصابة المتيمم الماء ونحوهما؛ لحصول المقصود من الصنيع وهو الخروج، كالسعي يسقط إذا أمكن أداء الجمعة بدونه.
قلنا: الفساد هاهنا عنده لا بسبب أنه فات الصنع، بل الفساد عنه في هذه المسائل أنه أدى ما أدى مع الحدث، كان المتيمم والماسح بإصابة الماء وانقضاء المدة صارا محدثين بالحدث السابق، فأسندت صيرورتهما محدثين إلى ذلك الوقت، فحصلت الصلاة مؤداة مع الحدث؛ لأن الاستناد يظهر في حقهما؛ لأن حرمتها قائمة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٢).
وقوله: (ومعنى قوله ﵇؛ جواب عن تمسكهما بالحديث؛ يعني: معنى قوله: (تمت قاربت التمام)، كما في قوله ﵇: «مَنْ وقف بعرفة فقد تَمَّ حَجُّهُ»؛ أي: قارب التمام بالاتفاق؛ لبقاء فرض بعده وهو الطواف بالاتفاق، وقال ﵇: «لقنوا أمواتَكُم …» الحديث (^٣)، وإنما حمل على هذا بدلالة الإجماع كما بينا. كذا في المستصفى (^٤).
وهذا الأصل قول أبي سعيد البردعي من أصحابنا، وقال الكرخي: ليس أصل أبي حنيفة في هذه المسائل ما ذكره أبو سعيد (^٥)، وليس الخلاف بين أصحابنا أن الخروج بفعل المصلي ليس بفرض؛ فإنه لو كان فرضًا
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٨٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩٥).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٨٧).
(٣) أخرجه مسلم (٢/ ٦٣١، رقم ٩١٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) المستصفى للنسفي (ص ٥٢٠).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩٥).
[ ١ / ٨٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لاختص بما هو قربة في نفسه، ولما كان الحدث العمد مخرجًا، بل الأصل فيها عنده؛ أن أول الصلاة ووسطها وآخرها سواء في وجود المُغَيّر عنده، كنية الإقامة أو الاقتداء بالمقيم؛ فإنهما إذا وجدتا في أولها أو آخرها غيرنا الفرض، ولولا الاستواء لما استوى، وهذه العوارض مُغيّرة أيضًا؛ فإن الصلاة تجب عليه بعد وجودها، بصفة لم تكن واجبة عليه بتلك الصفة قبل وجودها، فإنما تجب بعد رؤية الماء وانقضاء مدة المسح، ووجدان الثوب وتعلم السورة بطهارة الوضوء والغسل، وبصفة اللبس وبالقراءة بعد أن كانت واجبة بطهارة التيمم والمسح، وبصفة العُرْيِ وبدون القراءة، فكان اعتراضها في هذه الحالة كاعتراضها في أثناء الصلاة، أو في أولها، فتفسد بها الصلاة، بخلاف الكلام والسلام؛ فإنه قاطع، والقهقهة والحدث العمد والمحاذاة مفسدة لا مُغيّرة؛ ألا ترى أنه لا تتغير بها الصلاة من صفة إلى صفة.
وقيل: المراد بكون هذه العوارض مُغيِّرَة؛ أن الصلاة يجتمع معها وأضدادها؛ فإنها تصح بالتيمم وبالمسح والغسل والوضوء، أما الكلام والقهقهة والحدث العمد والمحاذاة؛ لا يجتمع معها بحال، وقالا: ليس وجود هذه العوارض في آخر الصلاة كوجودها في أولها أو أثنائها؛ لأن وجودها في أولها أو أثنائها يستلزم صحة بناء ما بقي منها على ما مضى منها، وذلك غير ممكن، فيلزم بطلان ما مضى، فكان في أثنائها كوجودها قبل الشروع، وهذا المعنى مفقود في آخرها؛ فإنه لم يبق عليه فرض، فكان وجودها بعد التشهد كوجودها بعد السلام.
والجواب عنه لأبي حنيفة ﵁: أن بناء البطلان على تعذر بناء الباقي مُسلم، لكن تعذر بناء الباقي مبني على وجود تحصيل صفة الكمال، فإن الصلاة بسبب حدوث هذه العوارض وجبت أكمل ما كانت واجبة قبلها، ولا يمكن تحصيلها إلا ببطلان التحريمة؛ لتعذر بناء الكامل على الناقص، فأخر الصلاة في وجوب تحصيل صفة الكمال كأولها، فيلزم البطلان أيضًا، وذلك لأن الأركان وإن تمت بعد التشهد فقد بقيت التحريمة، فبالنظر إلى تمامها لا يجب
[ ١ / ٨٥٣ ]
وَالِاسْتِخْلَافُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ حَتَّى يَجُوزُ فِي حَقِّ القَارِئِ، وَإِنَّمَا الفَسَادُ ضَرُورَةُ حُكْمِ شَرْعِيٌّ وَهُوَ عَدَمُ صَلَاحِيَّةِ الإِمَامَةِ.
التكميل؛ لحصول الفراغ، فلا يؤثر المُغَيِّرُ كما بعد التسليم، وبالنظر إلى بقاء التحريمة كأنه بقي عليه جزء من الصلاة، فيجب التكميل، فيؤثر المغير في إبطالها تحصيلًا للكمال؛ ألا ترى أن نية الإقامة لما غُيّرت قبل تمام الأركان تحصيلا للكمال؛ غُيّرت بعد تمامها قبل الفراغ تحصيلا لصفة الكمال.
فالحاصل: أنهما نظرا إلى ظاهر وجوب البناء، وبنيا البطلان عليه، ففرقا بين أثناء الصلاة وآخرها، وأبو حنيفة نظر إلى مقصود البطلان؛ وهو وجوب التكميل، فجمع بين الحالتين في وجوب التكميل، وجعل كأنه محتاج إلى البناء تقديرًا؛ بالنظر إلى بقاء التحريمة، فحكم بالبطلان احتياطًا، وهذا بخلاف الكلام؛ فإنه قاطع لا مُغَيّر، وبخلاف القهقهة والحدث العمد والمحاذاة؛ فإنها مبطلة لا مغيّرة؛ إذ لا تتغيّر بها صفة الواجب أصلًا، فلا يمكن اعتبار اعتراضها في آخرها باعتبار اعتراضها في وسطها.
قال شمس الأئمة: والصحيح ما قاله الكرخي (^١).
وقال صاحب التأسيس (^٢): ما قاله أبو الحسن أحسن؛ لأن الأول ليس بمنصوص عن أبي حنيفة.
وفي الْمُجْتَبى: وعليه المحققون من أصحابنا (^٣)، وكان المصنف أورد قول أبي سعيد اتباعًا للعامة، وأشار بقوله: (وقيل) (^٤) إلى أن المختار قول الكرخي عنده، كما هو مختار بعض المحققين.
وهذه المسائل كلها بناء على قولنا، أما عند الشافعي: تفسد بهذه العوارض في هذه الحالة؛ لأن الخروج بالسلام فرض عنده كما ذكرنا.
قوله: (والاستخلاف …) إلى آخره جواب سؤال يرد على قوله: (أو أحدث الإمام القارئ واستخلف أميًا) بأن يقال: ينبغي أن لا تفسد عنده في هذه
_________________
(١) انظر: حاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ٩٨)، والنهر الفائق السراج الدين بن نجيم (١/ ٢٦٣).
(٢) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١٥١)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٩٩).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٤٠٣).
(٤) انظر المتن ص ٨٥٠.
[ ١ / ٨٥٤ ]
(وَمَنِ اقْتَدَى بِإِمَامٍ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً فَأَحْدَثَ الإِمَامُ فَقَدَّمَهُ أَجْزَاهُ) لِوُجُودِ المُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ، وَالأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَدِّمَ مُدْرِكًا، لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى إِثْمَامِ صَلَاتِهِ، وَيَنْبَغِي لِهَذَا المَسْبُوقِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ لِعَجْزِهِ عَنِ التَّسْلِيمِ (فَلَوْ تَقَدَّمَ يَبْتَدِئُ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى إِلَيْهِ الإِمَامُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَإِذَا انْتَهَى إِلَى السَّلَامِ يُقَدِّمُ مُدْرِكًا يُسَلِّمُ بِهِمْ، فَلَوْ أَنَّهُ حِينَ أَتَمَّ صَلَاةَ الإِمَامِ قَهْقَهَ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ خَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ القَوْمِ تَامَّةٌ) لِأَنَّ المُفْسِدَ فِي حَقِّهِ وُجِدَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ وَفِي حَقِّهِمْ بَعْدَ تَمَامِ أَرْكَانِهَا، (وَالإِمَامُ الأَوَّلُ إِنْ كَانَ فَرَغَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ
الصورة؛ لما أن الاستخلاف صنع منه. ذكره في المبسوط (^١).
فقال في جوابه: نعم، ولكن صنع غير مفسد، بدليل أنه لو استخلف القارئ في صلاته لم يضره، ولكن الفساد هاهنا ضرورة حكم شرعي؛ وهو عدم صلاحية الأمي لإمامه القارئ.
قلت: وقد قال التمرتاشي، والهندواني، والكسائي: تجوز صلاته بالاتفاق؛ لوجود الصنع المفسد وهو استخلاف من لا يصح استخلافه، وقد مر قبل باب الحدث، فكان ما ذكر هاهنا اختيار ما ذكر في المبسوط، فكانت مسألة الاستخلاف على الخلاف (^٢).
(لأنه)؛ أي: المدرك؛ وهو الذي أدرك أول الصلاة إلى آخرها (أقدر)؛ أي من المسبوق على إتمام صلاته؛ أي: صلاة الإمام، إليه أشار قوله: «من قلد إنسانًا عملا …». الحديث.
(وإذا انتهي إلى السلام)؛ أي: موضع السلام تأخر وتقدم مدركًا.
(فلو أنه)؛ أي: هذا المسبوق.
(وفي حقهم بعد تمام)؛ أي: الصلاة فلم يبق عليهم البناء.
فإن قيل: ينبغي أن لا يجوز استخلاف المسبوق؛ لأن الاستخلاف عمل
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩٦).
[ ١ / ٨٥٥ ]
تَفْسُدُ)، وَهُوَ الْأَصَحُ (فَإِنْ لَمْ يُحْدِث الإِمَامُ الأَوَّلُ وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُدِ ثُمَّ قَهْقَهَ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا فَسَدَتْ صَلَاةُ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ أَوَّلَ صَلَاتِهِ عند الإِمَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا تَفْسُدُ (*)، وَإِنْ تَكَلَّمَ أَوْ خَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ لَمْ تَفْسُدْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)
كثير ثبت على خلاف القياس في حق المدرك، والمسبوق ليس في معناه، فلا يلحق به.
قلنا: لا نسلم أنه كان في المدرك. كذا في الكاثي (^١).
قوله: (وهو الأصح): وفي المبسوط (^٢): فأما الإمام الأول إن كان قد فرغ من صلاته خلف الثاني مع القوم؛ فصلاته تامة كغيره، وإن كان في بيته ولم يدخل مع الإمام الثاني في الصلاة؛ تفسد صلاته.
وفي رواية أبي حفص قال: صلاته تامة أيضًا؛ لأنه مدرك أول الصلاة، فيكون كالفارغ بقعدة الإمام قدر التشهد والأصح هو الأول؛ لأنه قد بقي عليه البناء، وضحك الإمام في المنع عن البناء كضحك نفسه في هذه الحالة، فتفسد صلاته بضحك الإمام كما في ضحكه (^٣).
ورواية أبي حفص كأنها غلط وقع من الكاتب؛ لأنه اشتغل بالتقسيم ثم أجاب في الفصلين: بأن صلاته تامة، وظاهر هذا التقسيم يستدعي المخالفة في الجواب.
واحترز المصنف بقوله: (وهو الأصح) عن رواية عن أبي حفص.
وفي الخبازية (^٤): وجه الأصح: أنه لما استخلف صار مقتديًا به، فتفسد صلاته بفساد صلاة إمامه؛ ألا ترى أنه لو صلى ما بقي من صلاته في منزله، إن كان بعد فراغ الإمام الثاني جاز، وقبل فراغه لا يجوز؛ لأن له إمامًا يلزمه الاقتداء به، فإذا انفرد بصلاته في حال وجوب الاقتداء فسدت صلاته.
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩٧).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٧٣).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٧٣).
(٥) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٥٢)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ٩٦).
[ ١ / ٨٥٦ ]
لَهُمَا: أَنَّ صَلَاةَ المُقْتَدِي بِنَاءً عَلَى صَلَاةِ الإِمَامِ جَوَازًا وَفَسَادًا، وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الإِمَامِ فَكَذَا صَلَاتُهُ وَصَارَ كَالسَّلَامِ وَالكَلَامِ. وَلَهُ: أَنَّ القَهْقَهَةَ مُفْسِدَةٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي تُلاقِيهِ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ فَتُفْسِدُ مِثْلَهُ مِنْ صَلَاةِ المُقْتَدِي، غَيْرَ أَنَّ الإِمَامَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى البِنَاءِ وَالمَسْبُوقَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَالبِنَاءُ عَلَى الفَاسِدِ فَاسِدٌ بِخِلَافِ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ مِنْهُ
(أول صلاته)؛ أي: صلاة الإمام.
وفي المحيط (^١): وهذا إذا لم يقيد المسبوق بالسجدة، فأما لو قيد لا تفسد صلاته بضحك الإمام أو بحدثه؛ لأنه لما قيد بها يتحقق كونه منفردًا، ولهذا لو سجد الإمام للسهو والمسبوق يتابعه بعد قيده بالسجدة؛ تفسد صلاة المسبوق، أما إذا لم يقيده لو تابعه في سجدة السهو؛ لا تفسد صلاته؛ لأنه لم يتحقق انفراده. كذا في الكاثي والخبازية (^٢).
(وصار كالسلام والكلام)؛ حيث لم تفسد صلاته بهما بالاتفاق.
قوله: (لأنه منه): المراد من المنهي: ما يكون مستحقا بالتحريمة، إما بصفة الاتصال كالسلام أو الانفصال كالخروج. كذا في الْمُجْتَبى (^٣).
وأما الحدث العمد والقهقهة؛ فليستا من موجبات التحريمة، بل هما من محظوراتها، بخلاف السلام والخروج؛ فإنهما من موجبات التحريمة، أما السلام؛ فلقوله ﵇: «وَتَحْلِيلُها التسليم» (^٤)، وأما الخروج؛ فلقوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠].
يوضح الفرق؛ ما ذكره شمس الأئمة قالوا: أن المقتدي بعد سلام الإمام وكلامه بعد ما قعد قدر التشهد يُسلّم، وبعدما قهقه أو أحدث عمدا لا يسلم، فعلم أن المنهي لا يتعدّى والمفسد يتعدّى. كذا في الفوائد الظهيرية (^٥).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٠٠).
(٢) انظر: حاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ٩٦).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩٩).
(٤) تقدم تخريجه كثيرا.
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٣٧).
[ ١ / ٨٥٧ ]
وَالكَلَامَ فِي مَعْنَاهُ، وَيَنْتَقِضُ وُضُوءُ الإِمَامِ لِوُجُودِ القَهْقَهَةِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ.
(وَمَنْ أَحْدَثَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَلَا يُعْتَدُّ بِالَّتِي أَحْدَثَ فِيهَا)، لِأَنَّ إِثْمَامَ الرُّكْنِ بِالِانْتِقَالِ …
وفي مبسوط شيخ الإسلام (^١): السلام منه لا يفسد؛ لأنه قاطع، والقاطع في أوانه منه وفي غير أوانه مبطل، وهاهنا في أوانه، فيكون منهيا لا مفسدًا، فلا تفسد صلاة المقتدي لأنها بناء عليها.
وذكر التمرتاشي في صلاة اللاحق روايتين (^٢).
(والكلام في معناه)؛ أي: في معنى السلام؛ لأن السلام كلام مع القوم عن يمينه ويساره؛ لوجود كاف الخطاب، ولهذا لو حلف لا يكلم فلانا فسلمه يحنث، ولو سلم الإمام أو تكلم؛ كان على القوم أن يسلموا، ولو ضحك أو أحدث متعمدًا؛ ذهب القوم من غير سلام. كذا في جامع قاضي خان (^٣).
وفي فتاواه (^٤): لو تكلم الإمام قبل فراغ المقتدي من التشهد فإنه يتم التشهد؛ لأنه بمنزلة السلام، ولو أحدث متعمدًا لا يتم وينتقض وضوء الإمام، وقال زفر: لا ينتقض؛ لأن كل قهقهة لا توجب فساد الصلاة؛ لا توجب انتقاض الوضوء عنده؛ لأنها ناقض بالنص على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص، ومورده القهقهة المفسدة للصلاة، وهذه غير مفسدة فلا ينتقض الوضوء.
وقلنا: أنها حصلت في حرمة الصلاة، وهي في الصلاة ناقضة بالنص.
قوله: (لأن تمام الركن بالانتقال): تمام السجدة بالرفع عند محمد ولم يوجد، وعند أبي يوسف: وإن تمت بالوضع، لكن الجلسة بين السجدتين فرض عنده، ولا تتحقق هي بغير طهارة، والانتقال من ركن إلى ركن فرض بالإجماع، فلا يعتد ركوعه ولا سجوده؛ لعدم تحقق الانتقال بالطهارة.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩٩).
(٢) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٥٢)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٨٩).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٩٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٩٩).
(٤) فتاو قاضي خان (١/¬٤٦).
[ ١ / ٨٥٨ ]
وَمَعَ الحَدَثِ لَا يَتَحَقَّقُ فَلَا بُدَّ مِنْ الإِعَادَةِ، وَلَوْ كَانَ إِمَامًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ، دَامَ المُقَدَّمُ عَلَى الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الإِثْمَامُ بِالاسْتِدَامَةِ.
(وَلَوْ تَذَكَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَانْحَطَ مِنْ رُكُوعِهِ أَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ فَسَجَدَهَا يُعِيدُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَهَذَا بَيَانُ الأَوْلَى لِتَقَعَ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ مُرَتَّبَةٌ بِالقَدْرِ المُمْكِنِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مَعَ الطَّهَارَةِ شَرْطٌ وَقَدْ وُجِدَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ تَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الرُّكُوعِ لِأَنَّ الْقَوْمَةَ فَرْضٌ عِنْدَهُ.
(أن عليه سجدة)؛ أي: سجدة صلبية أو سجدة تلاوة.
(ودام المقدم)؛ أي: يمكث الغير راكعًا كما هو، ولا يحتاج إلى رفع رأسه ثم إنشاء الركوع.
(لأنه يمكنه الإتمام بالاستدامة): فلا يحتاج إلى إنشاء الركوع؛ لأن للدوام حكم الابتداء في الفعل الممتد، والركوع والسجود له امتداد، فلما دام المقدم صار كأنه ركع، أصله: حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابسه، أو لا يركب وهو راكبه؛ يحنث بالاستدامة؛ لوجود اللبس أو الركوب تاما بالاستدامة، ولأن الخليفة قائم مقام الأول، فكان الأول في مكانه، ولو كان في مكانه يمكث في ركوعه، فكذا هذا.
فإن قيل: لو قال: إذا جامعتك فأنت طالق، فجامع ولبث في الجماع؛ لا تثبت الرجعة عند محمد، فعلم أن الدوام ليس له حكم الابتداء.
قلنا: لا تثبت الرجعة عنده احتياطا؛ لأن الجماع هو الإيلاج والإخراج، وهما ليسا ممتدين فلا تثبت الرجعة بالشك.
قوله: (بالقدر الممكن)؛ يعني: إعادة الركوع والسجود؛ لتحقق الترتيب على اعتبار أن لا يكون الأول محسوبًا، ويجوز أن يكون المراد تقريب الركوع والسجود إلى محله بقدر الإمكان.
قوله: (وإن لم يُعد أجزأه) فرق بين هذا وبين ما تقدم، والفرق من وجهين:
أحدهما: إن تذكر السجود في الركوع لا ينتقض الركوع؛ لأن الترتيب في
[ ١ / ٨٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أفعال الصلاة الواحدة ليست بشرط، وإذا لم ينتقض لا يلزمه الإعادة، أما سبق الحدث فناقض للركن؛ لأنه تنعدم به الطهارة، وهو شرط جواز الصلاة.
والثاني: أن تمام الركوع برفع الرأس؛ لأن الركن إنما يتم بالانتقال، وبعد الحدث لا يمكن أن يجعل ذلك انتقالا؛ كي لا يصير مؤديا أشياء من الصلاة مع الحدث، فيلزمه إتمام الركوع بعد الطهارة، وذلك لا يمكن إلا بالإعادة، أما تذكر السجدة لا يمنع من الانتقال وقد رفع رأسه، فيمكن أن يجعل إتماما لركوعه بعد تذكرها؛ لأن أداء شيء من الصلاة مع تذكرها جائز، فإنه لو أخر تلك السجدة إلى آخر الصلاة تجوز صلاته، إلا أنه يقصد بهذا الرفع إتمام ذلك الركوع، فتستحب له الإعادة، وإن لم يُعِدْ أجزأه. كذا في جامع قاضي خان، والمبسوط (^١).
وفي المبسوط (^٢): قال زفر: عليه إعادة القيام والركوع؛ لأن من أصله أن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة واجبة، فبطل ما أدى، وعندنا المراعاة غير واجبة؛ ألا ترى أن المسبوق لو بدأ بما أدرك مع الإمام يجوز، ولو كان الترتيب ركنًا لما جاز له تركها بعذر الجماعة، كالترتيب بين الصلوات، وإن كان واجبًا فقد سقط بعذر النسيان.
فإن قيل: الانتقال حصل لأداء ركن قبله، فهلا جعل الانتقال رفضًا ونقصًا لذلك الركن الذي تذكر فيه، كما لو قعد قدر التشهد ثم عاد إلى السجدة الصلبية، أو تذكر في الركوع أنه لم يقرأ فعاد للقراءة، يرفض ما كان فيه، وما الفرق بينهما؟.
قلنا: المشروع في الصلاة ركنًا أو فرضًا أنواع، منها ما يتخذ في كل صلاة أو يتخذ في كل ركعة، ومنها ما يتعدد في ركعة أو في كل الصلاة، والترتيب شرط بين المتحد والمتحد، وبين المتعدد في كل الصلاة، أو كل الركعات وبين المتحد في كل الصلاة؛ لأن ما اتخذت شرعيته في كل الصلاة يراعى وجوده
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٨).
[ ١ / ٨٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صورة ومعنى، تحرّزًا عن تفويت ما تعلق به جزءًا أو كلا؛ إذ لا يمكن استيفاء ما تعلق به جزءا أو كلًا من جنسه ضرورة اتحاده في الشرعية، والإفراد بها دليل توقف ذلك عليه، وهكذا يقول فيما اتحدت شرعيته في كل ركعة، بشرط الترتيب بين المتحد والمتحد، وكذلك ما تعددت شرعيته في كل ركعة. كذا في الفوائد الظهيرية (^١).
أو نقول: إنما لا يجوز تأخير السجدة عن القعدة، ونرفض القعدة بإتيان السجدة؛ لما أنه ﵇ علق تمام الصلاة بها في قوله: «إذا قلت هذا أو فَعَلْتَ هذا …» الحديث (^٢)، فلو قلنا بجواز تأخير غيرها عنها؛ لكان تمام الصلاة بذلك الغير، وهو خلاف ما شرعه الشارع فلا يجوز، وكذا لا يجوز تأخير القيام أو الركوع عن السجود؛ لما أن القيام وسيلة الركوع والركوع وسيلة السجود، حتى أن من لم يقدر على الركوع والسجود لا يجب عليه القيام؛ لأن نهاية التواضع فيه، والوسائل مقدمة على المقاصد، وكذلك القراءة؛ فإنها زينة القيام، فلما كان القيام مقدمًا؛ كانت زينته أيضًا مقدمة على الركوع.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: هذا إذا لم يقرأ أصلا، فإن المعتبر هو الركوع الثاني على اتفاق الروايات، أما إذا أتم القراءة وركع ثم عاد إلى القراءة ثانيًا؛ ففيه روايتان في ارتفاض الركوع.
قال شمس الأئمة (^٣) بعد قوله: ولو ترك سجدة من الركعة الأولى فَخَرَّ ساجدًا ثم رفع رأسه، فإن احتسب بذلك الركوع يجاز، وإن أعاد فهو أحب إليَّ، وقال زفر: عليه أن يعيد القيام والقراءة والركوع؛ لأن من أصله أن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة شرط، فالتحقت هذه السجدة بمحلها، وبطل ما أدى
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٠٦)، ومنحة الخالق لابن عابدين (١/ ٣١٤).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢٥٤، رقم ٩٧٠)، وابن حبان (٥/ ٢٩٣، رقم ١٩٦٢)، وأحمد (١/ ٤٢٢، رقم ٤٠٠٦)، والدارقطني (٢/ ١٦٤، رقم ١٣٣٣) بلفظ: قال عبد الله بن مسعود: فإذا فرغت من هذا فقد فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف.
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٨).
[ ١ / ٨٦١ ]
قَالَ: (وَمَنْ أَمَّ رَجُلًا وَاحِدًا فَأَحْدَثَ وَخَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ فَالْمَأْمُومُ إِمَامٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الصَّلَاةِ، وَتَعْيِينُ الأَوَّلِ لِقَطْعِ المُزَاحَمَةِ وَلَا مُزَاحَمَةَ هَاهُنَا، وَيُتِمُّ الأَوَّلُ صَلَاتَهُ مُقْتَدِيًا بِالثَّانِي كَمَا إِذَا اسْتَخْلَفَهُ حَقِيقَةٌ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ إِلَّا صَبِيٌّ أَوِ امْرَأَةٌ قِيلَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ) لِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَقِيلَ: لَا تَفْسُدُ)، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَد الاسْتِخْلَافُ قَصْدًا وَهُوَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لترك الترتيب فأعيد وعندنا مراعاة الترتيب ليس بركن؛ ألا ترى أن المسبوق يبدأ بما أدرك مع الإمام، ولو كان الترتيب ركنا لما جاز، إلى آخر ما ذكرناه.
قوله: (نوى): الضمير في (نوى) يحتمل الإمام، يعني نوى الإمام استخلافه أولا لتعينه، كما لو قال لعبديه: أحدكما حر، ثم مات أحدهما قبل البيان، فتعين الحي للحرية لتعينه، فكذا هذا.
ويحتمل المقتدي يعني نوى هو للإمامة أولا، لتعينه للاستخلاف الصلاحيته للإمامة، أما لو كان خلفه صبي أو امرأة ولم يقدمها؛ حيث لا تصير إمامًا لعدم صلاحيتها لها، وصلاة الرجل تامة كالمنفرد، وصلاتها فاسدة؛ لأنها مقتدية ولم يبق لها إمام، والمقتدي متى لم يبق له إمام تفسد صلاته؛ لفوات شرط الاقتداء. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
وفي جامع قاضي خان (^٢): أحدث وخلفه من لا يصلح للإمامة، نحو الصبي والمرأة والأمي؛ اختلف فيه:
قيل: تفسد صلاة الإمام لا غير.
وقيل: تفسد صلاة المقتدي لا غير، وهو الصحيح؛ لأنه إنما يتعين للإمامة إذا كان أهلا لها؛ صيانة للصلاة عن الفساد، أما إذا لم يكن أهلًا؛ كان في تعينه إفساد صلاة الكل، فلا يتعين، فحينئذ بقي الإمام منفردًا، فلا تفسد صلاته وتفسد صلاة المقتدي؛ لخلو مكان إمامه عن الإمام.
قال التمرتاشي (^٣): الأصح: أن صلاة الإمام لا تفسد؛ لأن الإمامة انتقلت
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٠١).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٧٩).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٠٢).
[ ١ / ٨٦٢ ]