بمنزلة انتساخ النص، والنسخ يظهر في القائم دون الفائت كما في قصة أهل قباء حيث استداروا في الصلاة.
(بَابُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ)
لما ذكر الأحداث التي يكثر وقوعها لما أن الأهم مقدم رتب عليها الأحداث التي يقل وقوعها بالنسبة إليها وهي الحيض والنفاس، ولهذا المعنى قدم الحيض.
وفي البدرية: المناسبة الخاصة له مع المسح أن الخف مسقط لركن الوضوء إذ هو رخصة إسقاط، والحيض مسقط لجميع أركانه، والجزء مقدم فمسقطه كذلك، ولأنه في بيان الطهارة أصلا وخلفًا.
والتيمم خَلَفُ الكلِّ، والمسح خَلَفُ البعض، فأخر الحيض لأنه مسقط.
ولقب الباب بالحيض دون النفاس - وإن كان مشتملا عليهما -؛ لأنه حالة معهودة في بنات آدم دون النفاس إذ أصله الحيض.
ثم الكلام فيه عشرة مواضع في تفسيره لغةً وشرعًا، وسببه، وركنه، وشرطه، وقدره وألوانه وأوانه، ووقت ثبوته، وحكمه.
أما تفسيره لغةً: الدم الخارج، يقال: حاضت السمرة، وهي شجرة يسيل منها شيء كالدم، ويقال: حاضت الأرنب إذا خرج منها شيء كالدم (^١).
وأما شرعًا: فهو دم ممتد خارج عن موضع مخصوص وهو القبل.
وقال الفضلي: هو دم ينفضه رحم المرأة السليمة عن الداء والصغر (^٢).
واحترز بقوله: (السليمة) عن الداء عن النفاس فإنها كالمريضة حتى تعتبر تصرفاتها من الثلث، وبقوله: (عن الصغر) عما تراه الصغيرة.
وقال الكرخي: هو دم تصير المرأة به بالغة بابتداء خروجه (^٣).
وأما سببه في الابتداء: قيل: أن أمنا حواء حين تناولت من شجرة الخلد
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٥/ ١٠٣)، ولسان العرب لابن منظور (٧/ ١٤٢).
(٢) انظر: الاختيار لتعليل المختار لابن مودود (١/¬٢٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/¬٢٦).
(٣) انظر: الاختيار لتعليل المختار لابن مودود (١/¬٢٦).
[ ١ / ٣٦١ ]
(أَقَلُّ الحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَقَلُّ الحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ البِكْرِ وَالثَّيِّبِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي التَّقْدِيرِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يَوْمَانِ وَالأَكْثَرُ مِنْ اليَوْمِ الثَّالِثِ إِقَامَةٌ لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الكُلِّ (*). قُلْنَا هَذَا نَقْصُ عَنْ تَقْدِيرِ الشَّرْعِ (وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ) لِمَا رَوَيْنَا، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي التَّقْدِيرِ بِخَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا، ثُمَّ الزَّائِدُ وَالنَّاقِصُ اسْتِحَاضَةٌ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْعِ يَمْنَعُ إِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ (وَمَا تَرَاهُ المَرْأَةُ مِنْ الحُمْرَةِ
فابتلاها الله تعالى بذلك، وبقي في بناتها إلى يوم التناد.
وأما ركنه: فامتداد درور الدم؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء، والحيض يقوم به.
وأما شرطه: فيقدم نصاب الطهر حقيقةً أو حكمًا، وفراغ الرحم عن الحبل الذي يتنفس بوضعه.
وقيد بقوله: (تنفس بوضعه) احترازًا عما لو سَقَط منها سقط لم يستبن خلقه، فإن ما رأت قبل ذلك يكون حيضًا؛ لأنه لا يعلم أنه حبل، أو لحم فلا تسقط الصلاة بالشك.
أما قدره: فنوعان: الأقل، والأكثر، كما ذكر في المتن.
وأما بيان ألوانه فيجيء بقوله: (وما تراه المرأة من الحمرة) إلى آخره، وقدم الكمية على الكيفية؛ لأن الكمية عبارة عن المقدار في الذات، والكيفية راجعة إلى الصفة، والذات مقدمة على الصفة.
وأما بيان أوانه: فقد اختلف في مدة الحكم ببلوغها.
فقال نصر بن سلام ست سنين، وقيل: سبع سنين، وقال محمد بن مقاتل: تسع سنين، وبه أخذ أكثر المشايخ، وهو قول الشافعي (^١)، وأحمد (^٢)؛ لأنه ذكر في المحيط: أنه ﵇ بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين، والظاهر
_________________
(١) (*) الراجح: هو ظاهر الرواية.
(٢) انظر: الأم للشافعي (٥/ ١٧٩، ٢٢٩)، والمجموع للنووي (٢/ ٣٧٣).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٦٣)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٥٥).
[ ١ / ٣٦٢ ]
وَالصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ حَيْضُ حَتَّى تَرَى البَيَاضَ خَالِصًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَكُونُ الكُدْرَةُ حَيْضًا إِلَّا بَعْدَ الدَّمِ) (*) لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الرَّحِمِ لَتَأَخَّرَ خُرُوجُ الكَدِرِ عَنْ الصَّافِي.
أنه بنى بها بعد البلوغ، وقال أبو علي الدقاق ثنتي عشرة سنة اعتبارًا للعادة في زماننا كذا في المحيط (^١).
واختلف في زمان الإياس، قيل: ستون سنة، وعن محمد في المولدات: ستون سنة، وفي الروميات خمس وخمسون سنة.
وقيل: يعتبر أترابها من قرابتها، وقيل: يعتبر تركيبها لاختلاف الطبائع باختلاف البلدان.
وعن أحمد: خمسون في العجمية، وستون في العربية (^٢)، وقال الصفار: سبعون سنة.
وقيل: لم يقدر بشيء، فإذا غلب على ظنها الإياس فاعتدت بالشهور.
ولو رأت دمًا في أثناء الشهور انتقض ما مضى من عدتها، وبعد تمامها لا يبطل، وهو المختار، وعن الأكثر خمس وخمسون سنة، والفتوى في زماننا عليه، وهو قول عائشة، وسفيان الثوري وابن المبارك، ومحمد بن مقاتل الرازي، وبه أخذ نصير بن يحيى، وأبو الليث، وعز الدين الكندي السمرقندي.
والمصنف لم يذكر الوقت وابتدأ الباب ببيان المقدار، ثم باللون، ثم بالحكم.
وفي البدرية: يجوز رفع ثلاثة أيام ونصبها، أما الرفع فلكونها خبر المبتدأ، وعلى هذا لابد من الإضمار لاستحالة كون الدم ثلاثة أيام، فالتقدير: أقل مدة الحيض ثلاثة أيام، وأما النصب فعلى الظرف.
ثم اعلم أن كون الدم ممتدًا إلى ثلاثة أيام بحيث لا ينقطع ساعة حتى يكون حيضًا غير شرط؛ لأن ذلك لا يكون إلا نادرًا بلا انقطاع ساعة أو ساعتين فصاعدًا غير مبطل بالحيض، وهو قوله ﵇ في التقدير بيوم وليلة.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢١١).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١٩٨٣)، والإقناع للحجاوي (٤/ ١١٢).
[ ١ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الحلية: أقل الحيض يوم، وقال في موضع آخر: يوم وليلة، فمن أصحابنا من قال فيه قولان، ومنهم من قال قولًا واحدًا: يوم وليلة، وهو قول أحمد، وهو الأظهر عليه نص الشافعي في تفريع أحكام الحيض، ومنهم من قال يوم قولًا واحدًا، وهو قول داود، وقال مالك: لا حد لأقله في العبادات (^١).
وروى ابن وهب عنه أن أقله في العدة والاستبراء ثلاثة أيام بلياليها، وروى عبد الرحمن بن عبد الملك الماجشون عنه - وهو مذهبه - أن أقله في العدة والاستبراء خمسة أيام بلياليها (^٢).
وجه قول مالك أن الكتاب مطلق عن التقييد بالزمان وهو قوله ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والتقييد ينافي الإطلاق.
وجه قول الشافعي أن الحيض حدث فينبغي أن لا يقدر أدناه بشيء كأقل النفاس، وكسائر الأحداث، إلا أنه لما احتمل أن يكون الدم خارجا من الرحم أو من عرق شرطنا استيعاب يوم وليلة ليترجح جانب الخروج من الرحم، إذ الظاهر أن الخارج من العرق لا يستمر هذه المدة بخلاف النفاس؛ لأنه يخرج عقيب الولد، فالظاهر أنه يخرج من محل الولد.
وعن أبي عبد الله الزبيري وعطاء: في نسائنا من تحيض يوما وليلة، وفيهن من تحيض خمسة عشر يوما، فثبت أقله، وأكثره.
ولنا: ما روى أبو إمامة الباهلي (^٣)، وعائشة (^٤)، وواثلة (^٥)، وأنس (^٦)، وابن
_________________
(١) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢٢٠).
(٢) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (١/ ٣٤٨)، والبيان والتحصيل لابن رشد (٥/ ٣٨٣).
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٤٠٥، رقم ٨٤٦، ٨٤٧) وضعفه.
(٤) قال ابن الجوزي: وأما حديث عائشة فيرويه الحسين بن علوان، قال أبو حاتم بن حبان: كان يضع الحديث، لا يحل كتب حديثه، كذبه أحمد ويحيى. "التحقيق في أحاديث الخلاف" (١/ ٢٦٢).
(٥) أخرجه الدارقطني (١/ ٤٠٥، رقم ٨٤٦، ٨٤٧). وضعفها الدارقطني، وضعفه أيضًا النووي في "خلاصة الأحكام" (٦١٧)، وابن حجر في " الدراية " (١/ ٨٤).
(٦) أخرجه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء " (٢/ ٤٣٦) و(٣/ ١٢٧) وضعفه لضعف راويه. وضعفه أيضًا ابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٢٦٢).
[ ١ / ٣٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عمر أنه ﵇ قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام»، وما زاد فهو استحاضة، وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وعثمان بن أبي العاص، وأنس ابن مالك ﵃، والمقادير لا تعرف قياسًا فما نقل عنهم كالمروي عنه ﵇.
والأكثر من اليوم الثالث، وهو سبع وستون ساعة، هكذا ذكره في النوادر، وهو رواية ابن سماعة عنه، وإنما قدر هكذا لكي لا يكون الباقي من ثلاثة أيام ولياليها ربع يوم وليلة وذلك ست ساعات (^١).
قال: إن قدرناه بسبع وستين ساعة يكون الباقي خمس ساعات، وذلك أقل من ربع يوم وليلة بساعة. وإنما احترزنا لأن للربع حكم الكل في بعض الأحكام، كذا ذكره في حيض، عماد الدين النسفي.
وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁: ثلاثة أيام بما يتخللها من الليالي؛ لأن في الآثار جاء التقدير باليوم، وما يتخللها منها يتبعها ضرورة.
وفي المجتبى: قيل: أكثر اليوم الثلث وليلته، والكثير بالثلث عنده (^٢).
وقلنا: لو جاز إقامة أكثر اليوم الثالث مقامه لجاز إقامة اليومين مقام الثلاثة لأنهما أكثرها، ولأن العدد بعد النص عليه يعتبر كماله، كأعداد الركعات، وأيام الصيام وغيره لمراعاة نص العدد.
قوله: (وأكثره)، أي أكثر الحيض عشرة أيام. وقال الشافعي: خمسة عشر يوما (^٣)، وبه قال مالك (^٤)، وأحمد في رواية (^٥)، وأبو يوسف أيضًا في رواية، وأبو حنيفة أولا، وداود، وأظهر الرواية
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٦١)، البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٢٠١).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٦٩).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ٨٢)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ٣٨٩).
(٤) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٣/ ٤٣٠)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٨٥).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٢٤)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٥٨).
[ ١ / ٣٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن أحمد أنه سبعة عشر يومًا، وهو رواية عن مالك، وعنه: لا حد لقليله ولا لكثيره، وهو قول داود.
للشافعي ما روينا من قول الزبيري، وعطاء، وما روي عن علي أنه قال: ما زاد على خمسة عشر يومًا استحاضة، وقوله ﵇: «تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي» (^١)، فإن كان الشهر ثلاثين يومًا فظاهر، وإن كان تسعة وعشرين يوما فالنصف أربعة عشر يوما ونصف يوم وليلة فكملنا بيوم تحرزا عن الكسر لما فيه من الحرج.
لنا: ما روينا من حديث أبي إمامة، وما روي عن الصحابة، ثم ما استدل به مالك مجمل لحقه البيان، وليس المراد من الشطر حقيقة نصف العمر قطعا؛ فإنه إذا أضيف زمان الصغر، ومدة الحمل، وزمان الإياس، وأنصاف الطهر إلى أنصاف الحيض يفضل من النصف، فإذا خرج النصف عن الإرادة يحمل على البعض، مع أنه إنما يمكن حمله عليه حقيقةً على ما ذكرناه في شرح المنار، وبيان الوصول في شرح الأصول.
مع أن البيهقي قال في كتاب المعرفة: لم أجد هذا الحديث في كتب الحديث، ولم أجد له إسنادًا، وقال غيره من الثقات: غير ثابت، وإنما الثابت ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: أنه ﵇ قال: «ما رأيتُ مِنْ ناقصات عقل ودين أغلبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ»، قالت: فما نقصان العقل والدين؟ قال: «شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد»، إلى [أن] قال: وتمكثُ اللّيالي ما تُصَلِّي، وتُفطِرُ في رمضانَ فهذا نقصان الدين (^٢)، ولا يجوز
_________________
(١) قال البيهقي: وأما الذي يذكره بعض فقهائنا في هذه الرواية: من قعودها شطر عمرها، وشطر دهرها لا تصلي، فقد طلبته كثيرًا فلم أجده في شيء من كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسنادا بحال، والله أعلم. معرفة السنن والآثار (٢/ ١٤٣). وقال ابن الملقن: هذا الحديث بهذا اللفظ غريب جدا، وقد نص غير واحد من الحفاظ على أنه لا يعرف له أصل. البدر المنير (٣/ ٥٥)، وقال ابن رجب: لا يصح، وقد طعن فيه ابن منده، والبيهقي وغيرهما من الأئمة. فتح الباري (٢/ ١٥١).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٦٨، رقم ٣٠٤)، ومسلم (١/ ٨٦، رقم ٧٩).
[ ١ / ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يراد بالليالي الاستغراق فتعين أقل الجمع وهو الثلاثة فيكون حدًا لأقل الحيض.
وما رواه من حديث عليّ غريب، ولئن ثبت يدل على أن الزائد على خمسة عشر يومًا استحاضة، ولا يدل على أن الزائد على العشرة لا يكون استحاضة إلا بطريق المفهوم، وهو ليس بحجة عندنا وعندكم إذا عارضه نص آخر، وقد عارضه ما روينا.
وفي الْمُجْتَبى: ذكر الأيام تستتبع الليالي كمن استأجر دارًا ثلاثة أيام، أو نذر اعتكاف ثلاثة أيام، أو حلف بعد الغروب لا يكلمه ثلاثة أيام [يدخل فيها الليالي] (^١)، ويقرره قصة زكريا ﵇.
ثم هذه الأيام والليالي معتبر بالساعات، حتى لو رأت وقد طلع نصف قرص الشمس، وانقطع في الرابع وقد طلع دون نصفه فليس بحيض، فتتوضأ وتقضي الصلوات، ولو طلع تمام القرص تغتسل ولا تقضي.
وكذا لو رأت معتادة بخمسة وقد طلع نصف الشمس، وانقطع في الحادي عشر وقد طلع أكثرها اغتسلت وقضت صلوات خمسة أيام، وإلا فلا.
وقال: أبو إسحاق الحافظ يقول: هذا في أقل الحيض وأقل الطهر، وفيما سواهما إذا كانت أخبرته المرأة أنها طهرت في الحادي عشرة أخذها بعشرة، وفي العاشر بتسعة، وفي الطهر مثله، وما كان يتعرض للساعات، وعليه الفتوى (^٢).
قوله: (وما تراه المرأة) (^٣)، هذا بيان ألوانه.
وفي المحيط: وأما ألوانه فستة: السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والخضرة، والتربية (^٤).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة من المجتبى.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٦٩).
(٣) انظر المتن ٣٦٢.
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢١٣).
[ ١ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما السواد: فحيض بلا شك، لقوله ﵇: «دم الحيض أسود عبيط مُحتدِمٌ (^١)»، والعبيط والمحتدم شديد الحمرة يضرب إلى السواد، والحمرة كذلك لأنه لون أصل الدم، والصفرة كذلك فإنها من ألوان الدم إذا رق.
وقيل: كصفرة السن، أو كصفرة القز.
وفي الْمُجْتَبى: هذه الثلاثة حيض بالاتفاق.
وعن الصحابة أنهم قالوا: السواد، والحمرة، والصفرة حيض (^٢).
وفي مبسوط بكر: عن أبي منصور الماتريدي: لو اعتادت أن ترى أيام طهرها صفرة وأيام حيضها حمرة فحكم صفرتها حكم الطهر بدلالة الحال (^٣).
وقيل: إنما اعتبر ذلك في صفرة عليها البياض، ولها حكم الطهر على قول أكثر المشايخ، وعن أبي بكر الإسكاف إن كانت الصفرة على لون البقم فهي حيض، وإلا فلا.
والكدرة كلون الماء الكدر، وهي حيض عند أبي يوسف إذا تأخر عن الدم؛ لأن الكدرة من كل شيء تتبع صافيه فإذا تقدمها دم أمكن جعلها حيضًا تبعا، وإلا لا، ولأنها مشتبهة اللون فيكون حكمها مشتبها، فإن كانت في حالة الطهر فهو طهر، وفي حالة الحيض حيض.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٨٢، رقم ٣٠٤)، والنسائي (١/ ١٢٣، رقم ٢١٦)، وابن حبان (٤/ ١٨٠، رقم ١٣٤٨) من حديث عائشة ﵂. قال ابن رجب: خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الدارقطني: رواته كلهم ثقات. وقد تكلم فيه آخرون: قال النسائي: روى هذا الحديث غير واحد فلم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن عدي، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث؟ فقال: لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر. وأيضًا فقد اختلف علي ابن أبي عدي في إسناده، فقيل: عنه كما ذكرنا. وقيل عنه في إسناده: عن عروة، عن عائشة، وقيل: إن روايته عن عروة، عن فاطمة أصح؛ لأنها في كتابه كذلك. وقد اختلف في سماع عروة من فاطمة. فتح الباري (٢/ ٥٦).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٦٩).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢١٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٦٣٣).
[ ١ / ٣٦٨ ]
وَلَهُمَا: مَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ مَا سِوَى البَيَاضِ الخَالِصِ حَيْضًا وَهَذَا
وقال الإِصْطخري من أصحاب الشافعي: الصفرة والكدرة في وقت العادة لا تكون حيضًا، وقال أبو ثور: إن تقدمهما دم أسود كانتا حيضًا تبعًا، وقال داود: لا تكون الكدرة والصفرة حيضًا بحال لقول أم عطية: كنا لا نعتد بهما بعد الغسل حيضًا (^١).
وقال الشافعي: الصفرة والكدرة في أيام إمكان الحيض بأن لا يكون أقل من يوم وليلة حيض كما في أيام العادة (^٢)؛ لقول عائشة: كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا (^٣)، ورواية عائشة راجحة على رواية أم عطية لملازمتها حضرة النبي ﵇، وكونها أعلم بأحوال الوقائع، كذا في شرح الغاية.
(ولهما)، أي لأبي حنيفة ومحمد.
(جعلت)، أي عائشة [بقولها] (^٤): لا حتى ترين القصة البيضاء (^٥).
وفي المبسوط: النساء يبعثن الكرسف إلى عائشة، فكانت إذا رأت كدرة قالت: لا حتى ترين القصة البيضاء، يعني البياض الخالص، وهو أن لا يتخذ الكرسف اللون (^٦).
وفي حيض العمادية: ويعتبر اللون حين ترفع الخرقة وهي تتغير بالأسباب،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٧٢، رقم ٣٢٦).
(٢) انظر: الأم للشافعي (٥/ ٢٢٥).
(٣) قال النووي: أما حديث عائشة ﵂ المذكور في الكتاب فلا أعلم من رواه بهذا اللفظ. المجموع (٢/ ٣٨٩)، وقال ابن الملقن: هذا الحديث غريب بهذا اللفظ البدر المنير (٣/ ١٣١). وأخرج الدارمي في السنن (١/ ٦٣١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٣٦، رقم ١٦٥٢) عن عمرة قالت: كانت عائشة ﵂ تنهى النساء أن ينظرن ليلا في المحيض، وتقول: إنه قد يكون الصفرة والكدرة. وصححه النووي في المجموع (٢/ ٣٨٩).
(٤) في النسخ الخطية: (بقوله)، وما أثبتناه أشبه لأن النص من قول عائشة ﵂.
(٥) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٥٩، رقم ٩٧)، وعبد الرزاق في المصنف (١/ ٣٠١، رقم ١١٥٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٣٥، رقم ١٦٥٠). وأخرجه البخاري (١) (٧٢) باب إقبال المحيض وإدباره، معلقا.
(٦) انظر: المبسوط للسرخسي (٣/ ١٥١).
[ ١ / ٣٦٩ ]
لَا يُعْرَفُ إِلَّا سَمَاعًا، وَفَمُ الرَّحِمِ مَنْكُوسٌ فَيَخْرُجُ الكَدِرُ أَوَّلًا كَالجَرَّةِ إِذَا ثُقِبَ أَسْفَلُهَا، وَأَمَّا الخُضْرَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الأَقْرَاءِ تَكُونُ
والقصة الطين الذي يغسل به الرأس وهو أبيض يضرب لونه إلى الصفرة.
وفي المستصفى: الكرسف خرقة توضع في الفرج، والقصة شيء يشبه الجص، وذكر فخر الإسلام هو شيء يشبه الخيط الأبيض يخرج من أقبال النساء عند انتهاء الحيض (^١).
وقيل: القَصَّة - بفتح القاف وتشديد الصاد - الحصة، شبهت الرطوبة الصافية بعد الحيض بالجص، ومنه الحديث: نهى النبي ﷺ عن تجصيص القبور (^٢)، ويروى: تقصيص القبور (^٣).
وقيل: هو ماء أبيض يخرج في آخر الحيض، ولأن ما يكون حيضًا في آخر المدة ففي أولها كذلك كالحمرة والسواد؛ لأن جميع المدة في حكم واحد، ولأن المتكدر يختلط بأجزاء الدم، وأجزاؤه إذا خرجت بانفرادها تكون حيضًا فكذا إذا خرجت مع شيء آخر.
وما قاله أبو يوسف فيما إذا كان الثقب في أعلى الظرف، أما إذا كان الثقب في أسفله فالكدرة يسبق خروجها الصافي، وهاهنا كذلك، ولأن من خاصية الطبيعة أنها تدفع الكدر أولا كما في الفصد، والبول، والغائط.
وفي المحيط: (سرخي باسيدي انحت ديزد) أيام حيض والبياض غالب فليس بحيض كمسألة البزاق (^٤).
قوله: (وأما الخضرة)، أنكر بعض مشايخنا وجوده حتى استبعد أبو نصر ابن سلام حين سئل عنها فقال: كأنها أكلت فصيلا، وذكر أبو علي الدقاق أنها نوع من الكدرة، والجواب فيها على الاختلاف الذي بينا في الكدرة.
وأما التربية: فما يكون لونه كلون التراب فهو نوع من الكدرة، وروي عن
_________________
(١) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٣٥٩).
(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٦٦٧، رقم ٩٧٠) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٣) أخرجه مسلم (٢/ ٦٦٧، رقم ٩٧٠).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢١٣).
[ ١ / ٣٧٠ ]
حَيْضًا، وَيُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الغِذَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَا تَرَى غَيْرَ الخُضْرَةِ تُحْمَلُ عَلَى
أم عطية أنها قالت: كنا نعد التربية حيضًا، وروي: (التريبة) بوزن التريقة، والتربية بوزن الترعبة، وهي لون خفي يسير أقل من الصفرة والكدرة.
وقيل: من الرية لأنها على لونها، وفيها لغات مكسورة الراء، مخففة، ومشددة، ومهموزة، وغير مهموزة، وبسكون الراء مهموزة، وبكسر الراء ممدودة، كذا ذكره قاضي خان.
وكل ذلك من الحيض لقوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية، والمجموع في حكم الأذى سواء، ولقول عائشة: لا حتى ترين القصة البيضاء.
وفي المجتبى: قيل: التربية كلون التربة، والخضرة عند الأكثر فإنها حيض عندنا إلا إذا تقدمت الدم، والمتأخرة دم عنده ما لم يكن بينها وبين الحمرة خمسة عشر يوما بياض خالص.
وأما الصفرة الضعيفة فالكدرة، وهي كصفرة التبن، وقيل: كصفرة السن، وقيل: ما ينطلق عليه اسم الصفرة.
وقيل: كالبُقْمِ (^١) وهو العندم ذكره في الصحاح، قال فخر الأئمة البديعي: لو أفتى مفت بشيء من هذه الأقوال في مواضع الضرورة طلبا للتيسير كان حقًا (^٢).
وأما وقت ثبوته، فقالوا: حكم الحيض والنفاس يثبت بالبروز، وعن محمد: لو أحست بالبروز ثبت حكمها، أما حكم الاستحاضة لا يثبت إلا بالبروز، وفي ظاهر الرواية لا يثبت حكم الثلاثة إلا به (^٣).
وثمرة الاختلاف فيما لو توضأت ووضعت الكرسف، ثم أحست أن الدم
_________________
(١) البَقَمُ: خَشَبٌ شَجَرُهُ عِظَامٌ، ووَرَقُهُ كَوَرَقِ اللَّوْزِ، وساقُهُ أَحْمَرُ، يَصْبِغُ بطبينِهِ، وَيُلْحِمُ الجراحاتِ، ويَقْطَعُ الدَّمَ المُنْبَعِثَ من أي عُضْوِ كان، ويُجَفَّفُ القُروحَ، وأَصْلُه سَمَّ سَاعَةٍ.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٧١).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٣/ ١٥١)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٧٤).
[ ١ / ٣٧١ ]
فَسَادُ المَنْبَتِ فَلَا تَكُونُ حَيْضًا (وَالحَيْضُ يُسْقِطُ عَنْ الحَائِضِ الصَّلَاةَ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهَا
ينزل من الرحم إلى الكرسف قبل غروب الشمس، ثم رفعت الكرسف بعده، الصوم تام عندهما، وعند محمد تقضي الصوم.
ثم البروز إنما يعلم بمجاوزة الدم موضع البكارة اعتبارًا بنواقض الوضوء، والاحتشاء يسن للثيب، ويستحب للبكر حالة الحيض، أما في حالة الطهر فيستحب للثيب دون البكر، ولو صلتا بغير كرسف جاز.
وفي المبسوط، والمحيط: للمرأة فرجان داخل وخارج، فالداخل بمنزلة الدبر، والخارج بمنزلة الإليتين، فلو وضعت الكرسف في الفرج الخارج فابتل الجانب الداخل منه كان حدثًا، وحيضًا، ونفاسًا وإن لم ينفذ إلى الخارج لوجود الظهور، ولو وضعته في الفرج الداخل فابتل منه الجانب الداخل إن كان غالبًا على حرف الفرج أو محاذيًا له فهو حدث، وحيض ونفاس، وإن كان متسفلًا فلا حتى تنفذ البلة إلى الخارج لعدم الظهور.
ولو سقط الكرسف فهو حيض، وحدث، ونفاس.
وضعت الكرسف في الليل ونامت فلما أصبحت نظرت فيه فرأت البياض الخالص تقضي العشاء؛ لأنها طاهرة من حين وضعته، ولو كانت طاهرة فوضعت الكرسف، ثم أصبحت فوجدت البلة عليه تجعل حائضا بعد الصبح فتقضي العشاء إن لم تكن صلت أخذا باليقين (^١).
وفي البدرية: لم يبين ماهية الحيض لغةً وشرعًا وشرع في أحكامه؛ لأن هذا الكتاب لبيان الأحكام، وإنما لم يذكر الثلاثة من ألوانه لأن الثلاثة متداخلة في الثلاثة المذكورة؛ لأن الحمرة إذا اشتدت صارت سوادًا، والخضرة قريبة إلى الصفرة والتربية تكون داخلة في الحمرة؛ لأن الحمرة إذا رقت تضرب إلى التربة.
قوله: (وَالْحَيْضُ يُسْقِطُ)، إلى آخره، هذا بيان أحكامه وهي اثنى عشر،
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٣/ ١٥١)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢١٤).
[ ١ / ٣٧٢ ]
الصَّوْمَ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: «كَانَتْ إِحْدَانَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ»، وَلِأَنَّ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ حَرَجًا لِتَضَاعُفِهَا، وَلَا حَرَجَ فِي قَضَاءِ الصَّوْمِ (وَلَا تَدْخُلُ المَسْجِدَ)
ثمانية يشترك فيها الحيض والنفاس وأربعة مختصة بالحيض.
وأما المشتركة: فترك الصلاة لا إلى قضاء، وترك الصوم إلى قضاء، وحرمة الدخول في المسجد، وحرمة الطواف، وحرمة القراءة، وحرمة مس المصحف، وحرمة جماعها، والثامن: وجوب الغسل.
وأما المختصة: فانقضاء العدة، والاستبراء، والحكم ببلوغها، والفصل بين طلاق السنة والبدعة.
فالسبعة الأولى تتعلق ببروز الدم عندهما، وعند محمد بالإحساس كما مر، والحكم ببلوغها يتعلق بنصاب الحيض، لكن يستند إلى ابتدائه، والباقي يتعلق بانقضائه.
وقوله: (والحيض يُسْقِط)، وقع على قول القاضي أبي زيد فإن عنده نفس الوجوب ثابت على الصبي والمجنون والحائض لقيام الذمة الصالحة للإيجاب، لكن يسقط بالعذر والسقوط يقتضي سابقة الوجوب.
أما على قول عامة المشايخ لا يجب لما عرف في الأصول، فيكون المراد بقوله (يُسقط) يمنع.
ونظيره الترك في قوله تعالى: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] فإن الترك لا يقتضي سابقة الوجود، ونظيره أيضًا ما ذكر في كتاب الإجارات أن الأجرة لا تجب إلا بإحدى معان ثلاث فإنها لا تقتضي وجود الأجرة، ومع هذا لو أبرأ المستأجر عنها قبل المعاني الثلاث يصح نظر إلى صورة السبب وهو العقد، فكذا هاهنا صورة السبب موجودة وهو الوقت فيصح قوله (يسقط).
وإنما قال: (يحرم الصوم)، ولم يقل: (يسقط) ليكون إشارة إلى أن الصوم يقضى.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وَكَذَا الجُنُبُ، لِقَوْلِهِ ﵊: «فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضِ وَلَا جُنُبِ» وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي إِبَاحَةِ الدُّخُولِ عَلَى وَجْهِ العُبُورِ وَالْمُرُورِ
وفي الكاثي: قيل سبب قضاء الصوم أن حواء حاضت في يوم عاشوراء، فسألت آدم ﵇ عن الصلاة؟ فقال: اتركي الصلاة، ثم حاضت في القابل فلم تسأل عن الصوم وقاسته على الصلاة، فما صامت فجازاها الله تعالى بسبب ترك السؤال فقال: اقضي الصوم ولا تقضي الصلاة.
وفي فتاوى الظهيرية، والغنية: يستحب للحائض أن تتوضأ لوقت كل صلاة وتجلس عند مسجد بيتها وتسبح وتهلل لكيلا تنسى العادة الأصلية، وفي رواية: يكتب لها ثواب أحسن صلاة كانت تصلي (^١).
وفي الْمُجْتَبى: الأصح عند أكثر المشايخ أن قضاء الصوم يجب على التراخي، وعند أبي بكر الرازي على الفور.
والمبتدأة إذا رأت دما تركت الصلاة والصوم عند أكثر مشايخ بخارى، وعن أبي حنيفة لا تترك حتى يستمر الدم ثلاثة أيام (^٢).
قوله: (في إباحة الدخول على وجه العبور والمرور)، وفي شرح الوجيز: في العبور وجهان لو خافت تلويث المسجد إما بغلبة الدم، أو لأنها لم تستوثق، فليس لها العبور صيانة له، وكذا المستحاضة، ومن به سلس البول.
وإن أمنت التلوث فيه وجهان، أحدهما: لا يجوز لإطلاق الحديث، وأصحهما الجواز كالجنب، ومن على بدنه نجاسة.
احتج الشافعي في الجنب بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣].
وقلنا: ﴿إِلَّا﴾ [النساء: ٤٣] هاهنا بمعنى لا، قاله أهل التفسير، وهذا محتمل
_________________
(١) انظر: الفتاوى الهندية (١/¬٣٨).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٧٢).
[ ١ / ٣٧٤ ]
(وَلَا تَطُوفُ بِالبَيْتِ) لِأَنَّ الطَّوَافَ فِي المَسْجِدِ
فنفى القرب بقوله ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾ [النساء: ٤٣]، والجنب عاجز عن الماء قبل الدخول فتيمم لدخول المسجد إذا كان فيه عين ماء ولا يجد غيره، كذا في المبسوط (^١).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: وعلماؤنا أثبتوا الحرمة بالسنة، والسنة لم تفصل بين الدخول للمرور وغيره؛ فإنه ﵇ قال: «سدوا الأبواب فأني لا أحلها» (^٢)، الحديث، ولأن الحرمة الدخول للمقام بسبب الجنابة وهي موجودة حالة المرور أيضًا.
وأما تعلق الشافعي بالآية فقلنا: المراد حقيقة الصلاة لا مكانها، وإرادة المكان منها مجاز، والكلام الحقيقته، وقوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلِ﴾ [النساء: ٤٣] أي: إلا مسافرين، والمسافر يسمى عابرًا، ويباح للمسافرين الصلاة قبل الاغتسال، بالتيمم، يعنى أريد بالجنب الذين لم يغتسلوا، كأنه قال: لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين حتى تغتسلوا إلا أن تكونوا مسافرين.
قوله: (ولا تطوف بالبيت)، وبه قال الشافعي.
فإن قيل: قد استفيد هذا من قوله (ولا تدخل المسجد)؛ لأن الطواف فيه.
قلنا: إنما قال ذلك لزيادة البيان، يعني لو قُدّر أن الطواف لم يكن في المسجد لا يجوز، مع أنه عارض لم يكن في زمن إبراهيم ﵇، أو ليعلم أنها لو حاضت فيه لا تطوف، أو لأنه علم ضمنا، وهاهنا قصدًا، أو لئلا يتوهم أنه لما كان لها الوقوف مع أنه أقوى أركان الحج لأن يجوز الطواف كان أولى، كذا في البدرية.
وفي الْمُجْتَبى: وما علل به بعض الشارحين أنها إنما تمنع للحاجة إلى الدخول في المسجد فضعيف، فإنها وإن طافت خارج المسجد لا يجوز مع جوازه للطاهر لما أن الطواف بالبيت كالصلاة، قال ﵇: «الطواف
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١١٨).
(٢) تقدم تخريجه في المتن.
[ ١ / ٣٧٥ ]
(وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (وَلَيْسَ
بالبيت صلاة» (^١) (^٢).
قوله: (ولا يأتيها زوجها)، راعى الأدب وذكر بلفظ الكناية كما قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالأمر بالاعتزال والنهي عن القربان دليل على الحرمة، والمحيض يحتمل موضع الحيض وهو الفرج، ويحتمل المصدر، يقال: حاضت محيضا، كقولك: جاء مجيئا، كذا في الكشاف (^٣).
وفي المجتبى: لو قالت: حضت، وكذبها الزوج حرم وطئها بالإجماع، ولو وطئها لا شيء عليه سوى التوبة، وبه قال مالك (^٤)، والشافعي في الجديد، وقال في القديم: ولو وطئها مع العلم بالتحريم في إقبال الدم وجب عليه أن يتصدق بدينار، وفي إدباره بنصف دينار (^٥)، وهو مستحب عندنا (^٦).
وقال في الجديد، وأحمد (^٧): هو مخير من دينار ونصف دينار، وعن سعيد بن جبير: عليه عتق رقبة، وحكي هذا عن بعض الخراسانيين من أصحاب الشافعي، وعن الحسن البصري، وعطاء: عليه كفارة الفطر في رمضان، والدم ما لم ينقطع فهو مقبل، وإدباره أن ينقطع ولم تغتسل.
وجه قولنا حرمة الوطء لا لحرمة العباد فلا تجب كفارة، كوطء الأمة
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٢٨٥، رقم ٩٦٠)، والدارمي (٢/ ١١٦٥، رقم ١٨٨٩)، والحاكم (١/ ٤٥٩، رقم ١٦٨٦) من حديث ابن عباس ﵄. قال الترمذي: وقد روي هذا الحديث، عن ابن طاووس وغيره، عن طاووس، عن ابن عباس موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن السائب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد أوقفه جماعة.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٧٣).
(٣) تفسير الزمخشري الكشاف (١/ ٢٦٥).
(٤) انظر: عقد الجواهر الثمينة لابن شاس (١/ ٧٠)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٢٠٨).
(٥) انظر: حلية العلماء للشاشي (١/ ٢١٤)، والمجموع للنووي (٢/ ٣٥٩).
(٦) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٧٣).
(٧) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٤٣)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٥١).
[ ١ / ٣٧٦ ]
لِلْحَائِضِ وَالجُنُبِ وَالنَّفَسَاءِ قِرَاءَةُ القُرْآنِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تَقْرَأُ الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنْ القُرْآنِ»
المجوسية، والإتيان في الموضع المكروه، لكن يستحب أن يتصدق بدينار أو بنصفه لورود الخبر بذلك.
وجه قول القديم للشافعي ما روي عن ابن عباس أنه ﵇ قال: «مَنْ أتى امرأته وقد أقبلَ الدَّمُ فليتصدَّق بدينارٍ، ومَن أتاها وقد أدبر الدم فليتصدَّقْ بنصف دينار» (^١)، ومطلق الأمر للوجوب، وفي بعض الروايات: «فَلْيَتَصدّق بدينار، أو نصف دينار»، وهذه الرواية تدل على أن الأمر للاستحباب؛ لأن التخيير بين القدر المعين أو بعضه في الإيجاب لا معنى له.
مع أن الثقات قالوا: في الحديث اضطراب، وهذا إذا وطئ عامدًا عالما بالتحريم، فإن وطئها ناسيًا، أو جاهلا به، أو بأنها حائض لا شيء عليه.
وقال بعض أصحاب الحديث: يجيء على قوله القديم أنه يجب عليها الكفارة، كذا في شرح الوجيز (^٢).
والاستمتاع بما بين السرة والركبة وهو المراد بما تحت الإزار حرام عند أبي حنيفة، وأبي يوسف (^٣)، ومالك (^٤)، والشافعي نص عليه في الأم (^٥) لظاهر قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وعن معاذ قال: سألت
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٦٩، رقم ٢٦٤)، والترمذي (١/ ٢٠٠، رقم ١٣٧)، والنسائي (١/ ١٥٣، رقم ٢٨٩)، وابن ماجه (١/ ٢١٠، رقم ٦٤٠)، وأحمد (١/ ٣٦٧) رقم (٣٤٧٣). قال الترمذي: روي عن ابن عباس موقوفا، ومرفوعًا، وقال البيهقي: وهذا [الموقوف] أشبه بالصواب، وعبد الكريم غير محتج به. السنن الكبرى (١/ ٣١٧)، وقال ابن حجر: مدارها على عبد الكريم أبي أمية وهو مجمع على تركه، إلا أنه توبع في بعضها من جهة خصيف، ومن جهة علي بن بذيمة وفيهما مقال، وأعلت الطرق كلها بالاضطراب … والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جدا. تلخيص الحبير (١/ ٤٢٩).
(٢) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٢/ ٤٢٤).
(٣) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (٣/ ٧٠)، والبحر الرائق لابن نجم (١/ ٢٠٧).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٥٣)، والمقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ١٢٣).
(٥) انظر: الأم (١/ ٧٦).
[ ١ / ٣٧٧ ]
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكِ ﵀ فِي الحَائِضِ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ مَا دُونَ الْآيَةِ فَيَكُونُ حُجَّةٌ عَلَى الطَّحَاوِي فِي إِبَاحَتِهِ …
رسول الله ﷺ عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: «مَا فَوْقَ الإزار» (^١)، ولقول أم سلمة: نال النبي ﵇ مني ما نال الرجل من امرأته إلا ما تحت الإزار، ولأن الاستمتاع بما تحته يدعو إلى الاستمتاع بالفرج لقوله ﵇: «من رَتعَ حول الحمى يوشك أن يقع فيه» (^٢).
وقال محمد، وأحمد، وداود (^٣)، وأبو إسحاق، وعلي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي، وبعض أصحاب مالك: لا يحرم ما تحت الإزار، ويجتنب شعار الدم، لما روي أنه ﵇ قال: «افعَلُوا كلَّ شَيْءٍ إلا الجِماع» (^٤)، ولأنه إنما حرم بالنص بسبب الأذى، وأنه مخصوص بشعار الدم.
(وهو) أي الحديث (حجة على مالك) حيث أجاز لها القراءة دون الجنب؛ لأنها معذورة محتاجة إلى القراءة، عاجزة عن تحصيل الطهارة، بخلاف الجنب فإنه قادر على تحصيلها بالغسل، أو بالتيمم عند [عدم] (^٥) الماء.
(وهو) أي قوله ﵇، (بإطلاقه) أي بعمومه يتناول ما دون الآية؛ لأن شيئًا نكرة في موضع النفي فتعمّ، وما دون الآية قرآن فيمنع عن قراءته كالآية.
راوي الحديث ابن عمر أخرجه الترمذي وابن ماجه، والبيهقي (^٦).
(في إباحته)، أي إباحة ما دون الآية، جوز الطحاوي للحائض والنفساء قراءة ما دون الآية؛ لأن المتعلق بالقرآن حكمًا جواز الصلاة ومنعهما عن
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٥٥، رقم ٢١٣). قال أبو داود: وليس هو، يعني: الحديث بالقوي، وضعفه ابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٢٩٣).
(٢) أخرجه البخاري (١/¬٢٠، رقم ٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢٢٠، رقم ١٥٩٩) واللفظ له.
(٣) انظر: المُحلّى لابن حزم (٩/ ٢٣١).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٢٤٦، رقم ٣٠٢) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٥) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٦) تقدم تخريجه في المتن.
[ ١ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قراءته، ثم في أحد الحكمين يفصل بين الآية وما دونها، فكذا في الحكم الآخر.
وقلنا: هذا تعليل في مقابلة النص فَرُدَّ، وقال الكرخي: تمنع عما دون الآية على قصد قراءة القرآن كما تمنع عن الآية؛ لأن الكل قرآن، كذا في المبسوط (^١).
وفي حيض الزاهدي (^٢): ما قاله الطحاوي رواية ابن سماعة عن أبي حنيفة، وعليه الأكثر.
ولكن ذكر المصنف في التجنيس: ويستوي في القراءة الآية فما دونها هو الصحيح، ولكن هذا إذا قصد قراءة القرآن، فإن لم يقصد يجوز أن يقرأ: (الحمد لله رب العالمين) شكرًا، و(بسم الله الرحمن الرحيم) تبركا (^٣).
وفي العيون: لو قرأ الجنب الفاتحة على سبيل الدعاء لا بأس به، وكذا شيئًا من الآيات التي فيها معنى الدعاء.
وفي المحيط: لو حاضت المعلمة ينبغي أن تعلم الصبيات كلمة كلمة، وتقطع بين الكلمتين على قول الكرخي، وعلى قول الطحاوي تعلم نصف آية وتقطع، ثم تعلّم، ولا يكره لها التهجي للقرآن، وكذا دعاء القنوت (^٤).
وفي فتاوى الظهيرية: يكره للجنب والحائض قراءة دعاء القنوت؛ لأن أُبَيّ ابن كعب جعله من القرآن، ويسميه سورتين، سورة إلى قوله: ﴿نترك من يفجرك﴾، وسورة من قوله: ﴿اللهم إياك نعبد﴾، وفي ظاهر المذهب لا يكره، وعليه الفتوى، وذكر الحلواني عن أبي حنيفة: لا بأس للجنب أن يقرأ الفاتحة على وجه الدعاء، قال الهندواني: لا أفتي بهذا، كذا ذكر التمرتاشي (^٥).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٣/ ١٥٢).
(٢) الإمام نجم الدين الزاهد.
(٣) انظر: تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/¬٣٢)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢١٧).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢١٧).
(٥) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٥٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٦٨).
[ ١ / ٣٧٩ ]
(وَلَيْسَ لَهُمْ مَسُّ المُصْحَفِ إِلَّا بِغِلَافِهِ، وَلَا أَخْذُ دِرْهَمٍ فِيهِ سُورَةٌ مِنْ القُرْآنِ إِلَّا بِصُرَّتِهِ، وَكَذَا المُحْدِثُ لَا يَمَسُّ المُصْحَفَ إِلَّا بِغِلَافِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ: «لَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرُ»، ثُمَّ الحَدَثُ وَالجَنَابَةُ حَلَّا اليَدَ فَيَسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِ المَسِّ، وَالجَنَابَةُ حَلَّتِ الفَمَ … … .
قوله: (وليس لهم)، أي للحائض والنفساء، والجنب، وبه قال الشافعي (^١)، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣)، والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور (^٤).
وقال ابن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وحماد بن أبي (^٥) سليمان، والظاهرية (^٦): رخص للجنب والحائض حمل المصحف، وحملوا الآية على الكرام البررة، وتعلقوا بكتابه ﵇ إلى هرقل، وفيه كتب: ﴿يَتَأَهَّلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ودفع سعيد بن جبير المصحف إلى غلامه وهو مجوسي، وكذا مس اللوح المكتوب عليه آية.
لنا: قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وهذا وإن قيل في تأويله لا ينزله إلا السفرة الكرام البررة، وظاهره يفيد منع غير الطاهر، كذا في المبسوطين (^٧). مع أن حمل الآية على مس الملائكة بعيد لأنهم كلهم مطهرون، وتخصيص بعض الملائكة من بين سائر المطهرين على خلاف الأصل، مع أنه ﵇ قال لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن: «لا يَمَسُّ المصحف إلا طاهر»، رواه في الموطأ، والدارقطني، وأبو بكر الأثرم (^٨).
قوله: (وَالْجَنَابَةُ حَلَّتِ الْفَمَ)، فإن قيل: الحدث حل الفم أيضًا؛ لأن المرء إذا صار محدثًا يحل الحدث جميع البدن لعدم تجزي وصف الحدث، لكن
_________________
(١) انظر: الوسيط للغزالي (١/ ٣٣٠)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ١٤٣).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٣٧)، والذخيرة للقرافي (١/ ٣١٥).
(٣) انظر: مختصر الخرقي (ص ١٣)، والمغني لابن قدامة (١/ ١٠٨).
(٤) انظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف لابن القصار (١/ ٢٢٧)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٠١).
(٥) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٦) انظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف لابن القصار (١/ ٢٢٧)، والمحلى لابن حزم (١/ ٩٧).
(٧) المبسوط للسرخسي (٣/ ١٥٢).
(٨) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٣٨٠ ]
دُونَ الحَدَثِ فَيَفْتَرِقَانِ فِي حُكْمِ القِرَاءَةِ. وَغِلَافُهُ مَا يَكُونُ مُتَجَافِيًا عَنْهُ دُونَ مَا هُوَ مُتَّصِلُ بِهِ كَالجِلْدِ المُشَرَّز، هُوَ الصَّحِيحُ، وَيُكْرَهُ مَسُّهُ بِالكُمْ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ تَابِعُ
الاقتصار على غسل الأعضاء الأربعة ثبت تعبدا كما قلنا.
قلنا: هذا حدث ضعيف، ولهذا يسقط في ضمن غسلها فلا يحل الفم؛ لأنه باطن من وجه، بخلاف الجنابة فإنها قوي يحل الفم ولهذا وجب غسله فيها لأنه ظاهر من وجه.
(متجافيًا)، أي متباعدًا بأن يكون بين الماس والممسوس شيء ثالث، ولهذا قيل لا بأس بأن يُحمل خرج فيه مصحف، وقال بعضهم: يكره، وزاد بعضهم فيه حتى قال: يكره أخذ زمام الإبل الذي عليه المصحف، ولكن ما قالوا بعيد، كذا ذكره المحبوبي.
قوله: (هو الصحيح)، اختلفوا فيما إذا كان المصحف مجلدا.
قيل: لا بأس بالمس لأنه يلاقي جلده، وفي المحيط: الغلاف الجلد الذي عليه في الأصح، وقيل: هو المنفصل كالخريطة ونحوها (^١).
وقال شمس الأئمة: الأصح أنه يمنع عنه إذا كان ملصقا تبعًا له، كذا ذكره المحبوبي (^٢).
وفي التحفة: المكروه مس المكتوب لا موضع البياض (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: عن أبي حنيفة: لو تمضمض الجنب أو غسل يديه لا بأس بقراءة القرآن وبمسه، وبه أفتى نجم الأئمة البخاري، والمنع أصح قبل إكمال الوضوء (^٤).
قوله: (هو الصحيح)، في المحيط كره بعض مشايخنا مس المصحف بالكم للحائض، وقال عامتهم: لا يكره؛ لأن المس محرم، وهو اسم للمباشرة
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٧٧).
(٢) انظر: المبسوط لشمس الأئمة للسرخسي (١/¬٣٣).
(٣) تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/¬٣٢).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٧٤).
[ ١ / ٣٨١ ]
لَهُ، بِخِلَافِ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ لِأَهْلِهَا، حَيْثُ يُرَخَّصُ فِي مَسِّهَا بِالكُمْ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةٌ، وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِ المُصْحَفِ إِلَى الصِّبْيَانِ، لِأَنَّ فِي المَنْعِ تَضْيِيعَ حِفْظِ القُرْآنِ، وَفِي الْأَمْرِ بِالتَّطْهِيرِ حَرَجًا بِهِمْ، …
باليد بلا حائل، ولهذا لا تثبت حرمة المصاهرة بالمس بالكم (^١). وفي جامع التمرتاشي: وقيل لو مسه به جاز، وعن محمد روايتان. وفي شرح عتاب: الكُم تبع للحائل، ألا ترى أنه لو بسط كمه وسجد عليه لا يجوز، وكذا لو قام منخفضًا أو متنعلا على النجاسة لا يجوز، أما لو فرش نعليه فقام عليه جازت صلاته كذا في فتاوى الظهيرية. وفي التحفة: لا يباح للمحدث مس المصحف وكتب التفسير، أما كتب الفقه فلا بأس، ويستحب أن لا يفعل (^٢). وفي الإيضاح: يمنع الكافر عن مسه وإن اغتسل، وفي الفوائد الظهيرية: النظر إلى المصحف لا يكره للجنب والحائض، وأما مس ما فيه ذكر الله غير القرآن فقد أطلقه عامة مشايخنا، وكره بعضهم.
قوله: (ولا بأس بدفع المصحف إلى الصبيان)، إنما ذكر هذه المسألة مع أن الصبي غير مخاطب لشبهة ترد [وهي] (^٣) أن الدافع البالغ إلى الصبي المحدث يجب أن لا يدفع إليه، كما يجب عليه أن لا يُلبس الذكر من الصبي الحرير، وأن لا يسقى الخمر، وأن لا يوجهه إلى جهة القبلة عند قضاء حاجته.
وذكر المحبوبي في مس الصبي المصحف والألواح في المكتب وغيره لا بأس به لأنه غير مخاطب بالوضوء، وإن أمر به تخلقا واعتيادًا.
وأما الجواب عن الشبهة وهي أن الدافع البالغ إلى آخره: أن حكم المس مع الحدث من قبيل حكم شرب الخمر، ولبس الحرير، لكن تعلق به أمر ديني وهو حفظ القرآن والحفظ في الصغر كالنقش في الحجر.
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٧٧).
(٢) تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/¬٣١).
(٣) في الأصول الخطية: (وهو)، ولا يستقيم معها الكلام، وسيأتي تكراره لها على الصواب.
[ ١ / ٣٨٢ ]
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ: (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الحَيْضِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَحِلَّ
واحترز بقوله: (هو الصحيح) عن قول بعض المشايخ حيث كره تعليم الصبي بأن يدفع إليه مصحف أو لوح عليه كلام الله تعالى، ذكره في جامع فخر الإسلام.
وفي الإيضاح: لا بأس للجنب أن يكتب القرآن إذا كانت الصحيفة، أو اللوح، أو الوسادة على الأرض عند أبي يوسف؛ لأنه ليس بحامل، والكتبة وجدت حرفًا حرفًا وأنه ليس بقرآن، وقال محمد: أحبُّ إليَّ أن لا يكتب؛ لأن كتبه الحروف يجري مجرى القراءة.
قوله: (وإذا انقطع الدم)، يعني إذا انقطع لأقل من عشرة وعادتها أقل منها، أما لو انقطع أقل منها وعادتها عشرة لا يحل وطئها بعد الغسل أيضًا إلى تمام العشرة، كذا في الكافي.
وفي البدرية: إذا كانت المرأة مبتدأة أو ذات عادة فانقطع دمها على العادة أو فوقها، أما لو انقطع إلى ما دونها يكره وطئها إلى تمام العادة وإن اغتسلت.
وفي المحيط: لو انقطع فيما دون العادة ولكن بعد مضي ثلاثة أيام فاغتسلت، أو مضى عليها الوقت كره قربانها، والتزوج لها بزوج آخر حتى تأتي عادتها وتغتسل، أما لو انقطع على رأس عادتها أخرت الاغتسال إلى آخر الوقت (^١).
قال الهندواني: تأخيره في هذه الحالة بطريق الاستحباب وفيما دون عادتها بطريق الوجوب، ومضى عليها أدنى وقت صلاة وهو قدر ما يمكن أن تقول فيه: (الله) بعد الاغتسال عندهما، وعند أبي يوسف يمكن أن تقول فيه: (الله أكبر) على الاختلاف، وفي بعض النسخ: (أو يمضي عيها وقت صلاة كامل).
فإن قيل: لو كان (كامل) صفة للوقت ينبغي أن يعرب بالرفع، ولو كان صفة للصلاة ينبغي أن يقال: (كاملة).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢١٧).
[ ١ / ٣٨٣ ]
وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ) لِأَنَّ الدَّمَ يَدُرُّ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، فَلَا بُدَّ مِنْ الاغْتِسَالِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الانْقِطَاعِ (وَلَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ وَمَضَى عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، بِقَدْرِ أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةِ حَلَّ وَطْؤُهَا) لِأَنَّ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا فَطَهُرَتْ حُكْمًا. (وَلَوْ كَانَ انْقَطَعَ الدَّمُ دُونَ عَادَتِهَا فَوْقَ الثَّلَاثِ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ) لِأَنَّ العَوْدَ فِي العَادَةِ غَالِبٌ، فَكَانَ الاحْتِيَاطُ فِي الاجْتِنَابِ (وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ حَلَّ وَطْؤُهَا قَبْلَ الغُسْلِ) لِأَنَّ الحَيْضَ لَا مَزِيدَ لَهُ عَلَى
قلنا: يحتمل الوجهين، ولو كان صفة للوقت معناه كامل في السببية، ألا ترى أنها لو طهرت في آخر الوقت ولم يبق منه إلا مقدار ما يمكن الاغتسال والتحريمة يحل وطئها، وانجراره بالجواز كما في: جُحْر ضب خَرِب.
ولو كان صفة للصلاة يقع الاحتراز عن صلاة العيد، وإنما لم يذكره بلفظ التأنيث على تأويل الصلاة بالفرض، أو لأن الصلاة مصدر وتأنيثه غير حقيقي فجاز في صفته التذكير كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبُ﴾ [الأعراف: ٥٦]، كذا في البدرية.
(لأن الصلاة صارت دينا)، وإن لم يقدر على الأداء؛ لأن نفس الوجوب لا يفتقر إلى القدرة على الأداء كما في النائم حتى وجب عليه القضاء.
(وطهرت حكمًا)؛ لأن وجوب الصلاة من أحكام الطاهرات، ثم إنهاء النهي عن القربان وإن كان بالاغتسال في النص، لكنه إنما يكون غاية لأنه حل لها به أداؤها، وأنه من أحكام الطاهرات فترجح جانب الانقطاع على جانب الاستمرار، وهذا المعنى موجود فيما إذا مضى وقت الصلاة فيثبت الحكم فيه دلالة، كذا في الخبازية.
قوله: (وإن انقطع الدم لعشرة)، اعلم أن حل الوطء هاهنا غير متوقف على انقطاع الدم، ولكن ذكره بمقابلة قوله (وإذا انقطع لأقل من عشرة ثم حل القربان (^١) قبل الاغتسال لتمام العشرة مذهبنا، وقال زفر، والشافعي (^٢)،
_________________
(١) كذا في الأصول الخطية، وفي المتن المشروح: (لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٧٦)، والمجموع للنووي (٢/ ٣٦٦).
[ ١ / ٣٨٤ ]
العَشَرَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ، لِلنَّهْيِ فِي القِرَاءَةِ بِالتَّشْدِيدِ. قَالَ: …
ومالك (^١)، وأحمد (^٢)، وأبو ثور: لا يحل قبله وإن انقطع دمها لأكثر الحيض لقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (^٣) بالتشديد أي يغتسلن.
وأما على قراءة التخفيف فقد قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي يغتسلن، فلم يجوز الإتيان إلا بعد الاغتسال.
وقال داود: ولو غسلت فرجها من الدم بعد الانقطاع حل وطئها (^٤).
وعن طاووس، ومجاهد لو توضأت حل وطئها (^٥).
ولنا: أن القراءة بالتخفيف الموجبة للحل بنفس الانقطاع حملت على العشرة لأنه أكثر المدة انقطاع بيقين، والحرمة لعلة الأذى لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فبعد الانقطاع بيقين لا يجوز تأخير الحرمة إلى الاغتسال لما فيه من جعل الطهر الذي هو ضد الحيض حيضًا، وإبطال التقدير الشرعي، ومنع الزوج عن حقه بدون العلة المنصوصة وهي الأذى، والكل فاسد، فلهذا حملنا القراءة بالتخفيف على هذه الحالة.
(إلا أنه)، أي الوطء لا يستحب.
(قبل الاغتسال للنهي في القراءة بالتشديد)، يعني ظاهر النهي فيها يوجب حرمة القربان قبله في الحالتين بإطلاقه كما قال زفر، والشافعي، ولأن حملها على ما دون العشرة بالاجتهاد لم ينقطع احتمال إرادة ما دل عليه الظاهر فيورث
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ١٢٢)، والمدخل لابن الحاج (٢/ ٦٣).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٤٥)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٢٨٨).
(٣) قال أبو بكر بن مجاهد: وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْفِيفِ الطَّاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ، وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، فَقَرَأَ ابْنُ كثير، وَنَافِع، وَأَبُو عَمْرو، وَابْنُ عامر: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ خَفِيفَة. وَقَرَأَ عَاصِم - فِي رِوَايَةِ أبي بكر -، والمفضل، وَحَمْزَة، وَالْكَسَائِيِّ: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ مُشَدَّدَة. وَقَرَأَ حَفْصٍ، عَنْ عَاصِمٍ: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ خَفِيفَة. "السبعة في القراءات" (ص ١٨٢).
(٤) انظر: المحلى لابن حزم (١/ ٣٩١)، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد (١/ ٦٤) وعزاه للأوزاعي أيضا.
(٥) انظر: الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢١٣)، وذكر أن هذا القول روى عنهما من طريق ضعيف، وقد روى عنهما وجوب الغسل قبل الوطئ.
[ ١ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك نوع شبهة فيستحب التأخير إلى الاغتسال.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] في القراءتين يوجب الاغتسال في الحالين.
قلنا: لما ثبت أن تأخير حق الزوج إليه في الانقطاع لا يجوز، وحمل الطهر على الحيض وإبطال التقدير الشرعي لا يجوز كما قلنا يحمل قوله ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] في القراءة بالتخفيف على طهرن، فإن يفعل قد يجيء بمعنى فعل من غير أن يدل على صنع كتبيَّن بمعنى: بان أي ظهر، وكما يقال في صفات الله تعالى تكبَّر وتعظم، ولا يراد به صفة تكون بإحداث الفعل، إليه أشار شيخ الإسلام خواهر زاده.
وقد نقل عن طاووس ومجاهد أن معناه توضأن، ولهذا قالا: لو توضأن حل الوطء، وقد جاء (تطهر) بمعنى تنزه وتباعد عن الأقذار، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، أي يتباعدون عن الأقذار، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي المتنزهين عن الأذى، فعلى هذا جاز أن توصف المرأة بالتطهير بمجرد الانقطاع من غير اغتسال كأنها تباعدت عن الأذى بانقطاعه وتنزهت عنه.
وذكر بعض الشارحين أن الطهر دخل في التطهر بطريق المشاكلة فذكر بلفظه، كما دخل غسل الرجلين في المسح على قراءة الجر بطريق المشاكلة، وهو أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] الآية، ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وكقول الشاعر (^١):
اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ فَقُلْتُ … اطبخوا لِي جُبَّةٌ وَقَمِيصَا
قال شيخي ﵀: ليس هذا من باب المشاكلة؛ لأن التطهير في القراءة بالتخفيف لم يذكر أصلا فكيف وقع في صحبته ليذكر بلفظه، وفيه تأمل.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١ / ٣٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قيل: يلزم مما ذكرتم الجمع بين المعنيين المختلفين في لفظ واحد، فإن الاغتسال وانقطاع الدم قد أريد من قوله ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] على ما قلتم إذ هو ثابت في كل قراءة، والتطهير حقيقة في الاغتسال، وحمله على الانقطاع إن كان بطريق الحقيقة فهو إثبات العموم للمشترك، وإن كان بطريق المجاز فهو جمع بين الحقيقة والمجاز، وكلاهما لا يجوز.
ولا يقال معنى التطهر الاغتسال لا غير عند من اختار التشديد، وانقطاع الدم لا غير عند من اختار التخفيف، فلا يكون فيه جمع بين المعنيين المختلفين لأنا نقول جميع القراءات المشهورة حق عند جميع القراء وأهل السنة، فمن اختار التخفيف فالتشديد عنده حق وبالعكس، فيلزم الجمع عند الجميع في كل قراءة.
قلنا: لا يلزم الجمع؛ لأن إرادة الانقطاع في حال اختيار التخفيف وفي هذه الحالة ليس له معنى غيره، وإرادة الاغتسال في حال اختيار التشديد، وليس له معنى آخر في هذه الحالة، والحالتان لا يجتمعان إذ لا يقرأ بهما في حالة واحدة، فلا يلزم الجمع بينهما إذ من شرطه اتحاد الحال ولم يوجد.
وهو نظير قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ [الروم: ٣] فإن الغلب مصدر بمعنى اللازم على قراءة ﴿غُلِبَتْ﴾ [الروم: ٢] على المجهول، ويُقرأ ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، وبمعنى المتعدي على قراء ﴿غُلِبَتْ﴾ [الروم: ٢] على المعروف، ويُقرأ ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] فالمعنيان مختلفان، ولكنه جاز إرادتهما لاختلاف الحالتين، كذا قرره شيخي ﵀.
ثم بالتشديد قراءة حمزة والكسائي، وخلف، وحماد، والمفضل، وبالتخفيف قراءة الباقين.
وفي الْمُجْتَبى: لما تقرر من الفقه في أصل المسألة قال مشايخنا بأن الغسل من الطهر في حق صاحبة العشرة، ومن المحيض فما دونها، ولكن ما قالوه في حق القربان وانقطاع الرجعة، وجواز التزوج بزوج آخر، لا في حق جميع
[ ١ / ٣٨٧ ]
(وَالطَّهْرُ إِذَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي مُدَّةِ الحَيْضِ فَهُوَ كَالدَّمِ المُتَوَالِي) قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَهَذِهِ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَوَجْهُهُ: أَنَّ اسْتِيعَابَ الدَّمِ مُدَّةَ الحَيْضِ لَيْسَ بِشَرْطَ بِالإِجْمَاعِ، فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ كَالنِّصَابِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀
الأحكام، فإنها إذا طهرت بعد غيبوبة الشفق ثم اغتسلت عند الفجر الكاذب، ثم رأت الدم في الليلة السادسة عشر بعد زوال الشفق فهو طهر تام بالإجماع، وإن لم يتم خمسة عشر من وقت الاغتسال. وحكي أن خلفًا أرسل ابنه إلى بغداد من بلخ للتعلم، وأنفق عليه خمسين ألف درهم، فلما رجع قال: ما تعلمت؟ قال: هذه المسألة، أن زمان الغسل من الطهر في حق صاحبة العشرة، ومن الحيض فما دونها، فقال: ما ضيعت سفرك (^١).
قوله: (والطهر إذا تخلل)، روى محمد عن أبي حنيفة: أن الشرط أن يكون الدم محيطًا بطرفي العشرة؛ لأن الطهر ضد الحيض، ولا يبدأ الشيء لما يضاده، ولا يختم به، وبيان هذا من المسائل مبتدأة رأت دما يوما وثمانية أيام طهرا ويوما دما، فالعشرة كلها دم لإحاطة الدم الطهر فيها، ولو رأت يوما دما وتسعة طهرا، ويوما دما لم يكن شيء منه حيضًا، كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (وعن أبي يوسف)، احتج أبو يوسف في ذلك بأن الطهر الذي هو دون خمسة عشر يوما لا يصلح فاصلا بين الحيضتين، فكذلك بين الدمين؛ لأن أقل مدة الطهر الصحيح خمسة عشر يوما، فما دونه فاسد، وبين الصحة والفساد منافاة، فلا تتعلق به أحكام الصحيح شرعًا، وهاهنا الطهر أقل فكان كالدم المتوالي ولو كان خمسة عشر فصاعدًا يفصل، فإن كان في أحد طرفيه ما يمكن أن يكون حيضًا فهو حيض، وإلا فهو استحاضة.
وفي الْمُجْتَبى: كثير من الشارحين لهذا الكتاب زعموا أن هذا الذي ذكره في الرواية قول أبي يوسف، وأبي حنيفة آخرًا، وليس كذلك؛ لأنه لا يسع في مدة الحيض إلا ما دون عشرة أيام، لكن المراد به رواية محمد، عن أبي حنيفة
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٧٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (٣/ ١٥٥).
[ ١ / ٣٨٨ ]
وَهُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (*)، وَقِيلَ: هُوَ آخِرُ أَقْوَالِهِ، أَنَّ الطُّهْرَ إِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يُفْصَلُ، وَهُوَ كُلُّهُ كَالدَّمِ المُتَوَالِي، لِأَنَّهُ طُهْرٌ فَاسِدٌ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ، … ..
أنها لو رأت في طرفي مدة الحيض دما لا يجعل الطهر فاصلا، كثيرا كان الدم أو قليلا، أو يكون كدم مستمر.
والمذهب عند محمد - وهو رواية عن أبي حنيفة أيضًا - أن الطهر المتخلل إذا كان أقل من ثلاثة أيام لم يفصل بكل حال، فإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام أو أكثر فإن استوى الدم بالطهر في أيام الحيض، أو كان الدم غالبًا لا يصير فاصلا أيضًا، وإن كان الطهر غالبا يكون فاصلا؛ لأن المغلوب لا يظهر في مقابلة الغالب، فحينئذ ينظر إن لم يمكن أن يجعل واحد من الدمين بانفراده حيضًا لا يكون شيء منه حيضًا، وإن أمكن يجعل واحد منهما بانفراده حيضًا يجعل الحيض أسرعهما إمكانًا، ولا يكون كلاهما حيضًا إذا لم يتخللهما طهر تام (^١).
وقوله: (أقرب إلى التحقيق) (^٢)، وهو الأصح وعليه الفتوى، بيان هذا من المسائل، مبتدأة رأت يوما دما ويومين طهرا، ويوما دما فالأربعة حيض؛ لأن الطهر دون الثلاث، ولو رأت يوما دما، وثلاثة طهرًا ويوما دما لم يكن شيء منها حيضًا؛ لأن الطهر غالب على الدمين، ولو رأت يوما دما وثلاثة طهرا، ويومين دما فالستة كلها حيض لاستواء الطهر والدم فغلب الدم؛ لأن الحرمة غالبة على الحل. ولو رأت ثلاثة دما وخمسة طهرا، ويوما دما فحيضها الثلاثة الأولى؛ لأن الطهر غالب، والمتقدم بانفراده يمكن أن يجعل حيضًا فجعلناه حيضًا، ولو رأت يوما دما وخمسة طهرا، وثلاثة دما فحيضها الثلاثة الأخيرة لما بينا، ولو رأت ثلاثة دمًا وستة طهرا، وثلاثة دما فحيضها الثلاثة الأولى؛ لأنه أسرعهما إمكانًا.
فإن قيل: استوى الدم والطهر هاهنا فلم يجعل كالدم المتوالي ترجيحا للدم.
_________________
(١) (*) الراجح: هو رواية أبي يوسف.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٧٧).
(٣) أي قول الغزميني في المجتبى.
[ ١ / ٣٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا: استواء الدم بالطهر إنما يعتبر في مدة الحيض، وأكثره عشرة، والمرئي في العشرة ثلاثة دم وستة طهر، ويوم دم، فكان الطهر غالبا.
وبيان رواية أبي يوسف عنه من المسائل: مبتدأة رأت يوما دما، وأربعة عشر طهرا، ويوما دما فالعشرة من أول ما رأت عنده حيض، يحكم ببلوغها به عنده، وكذلك لو رأت يوما دما، وتسعة طهرا، ويوما دما، وعند محمد لا يكون شيء منه حيضا؛ لأن الدم المرئي في الحادي عشر لما كان استحاضة كان بمنزلة الرعاف، فلو جاز أن يجعل أيام الطهر حيضا بالدم الذي ليس هو بحيض لجاز أن يجعل الرعاف أيضا، ولأن ذلك الدم ليس بحيض بنفسه فكيف يجعل باعتباره زمان الطهر حيضا.
وقال أبو يوسف: إنه خارج من الفرج فلا يكون كالرعاف، ثم شرط أبو يوسف أن يكون قبله وبعده دم ليكون الدم محيطا بالطهر.
وبيان هذا في امرأة عادتها في أول كل شهر خمسة فرأت قبل أيامها بيوم يوما دما ثم ظهرت خمستها، ثم رأت يوما دما فعنده خمستها حيض إذا جاوز المرئي عشرة لإحاطة الدمين بزمان عادتها، وإن لم تر فيها شيئا، وأما إذا لم تجاوزها فيكون جميع ذلك حيضا.
وكذلك لو رأت قبل خمستها يوما دما ثم طهرت أول يوم من خمستها، ثم رأت فيها دما، ثم طهرت آخر يوم منها، ثم استمر بها الدم فحيضها خمستها عنده وإن كان ابتداء الخمسة وختمها بالطهر لوجود الدم قبله وبعده، وهذه الجملة ما ذكر في كتاب الحيض.
وللشافعي في الطهر المتخلل قولان إذا كان أقل من خمسة عشر يوما، ففي أحدهما يجعل الكل حيضا كما هو مذهبنا، وفي قول يضم الطهر إلى الطهر، والحيض إلى الحيض (^١)، وهو قول مالك (^٢).
_________________
(١) اُنظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٤٢٥)، والمجموع للنووي (٢/ ٤١٣).
(٢) اُنظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٣٧٩)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٣١).
[ ١ / ٣٩٠ ]
وَالأَخْذُ بِهَذَا القَوْلِ أَيْسَرُ، وَتَمَامُهُ يُعْرَفُ فِي كِتَابِ الحَيْضِ (وَأَقَلُّ الظُّهْرِ خَمْسَةَ عَشْرَ
وفي الخبازية: عند زفر - وهو رواية عن أبي حنيفة -: تجمع الدماء في العشرة، فإن بلغت أقل دم الحيض وهو ثلاثة أيام، فالأطهار المتخللة لا تفصل، ويصير الكل كالدم المستمر، حتى لو رأت يوما دما وأربعة طهرا، ويوما دما، وثلاثة طهرًا ويوما دما فالكل عشرة، وثلاثة منها دم فيكون الكل حيضًا، يجعله تابعًا للدم، فلابد وأن يكون الدم صالحًا أن يكون أصلا بنفسه، والثلاثة أدنى عدد اعتبر في الشرع لتعلق الأحكام كما في أقل الحيض، ومدة السفر، ومدة إمهال المرتد، وما دونها لا يصلح أن يكون أصلا.
وكثير من المشايخ يفتون بقول أبي يوسف؛ لأنه أقيس وأسهل على المفتي وعليهن، وإليه أشار في الكتاب بقوله: (والأخذ بهذا)، أي بقول أبي يوسف أيسر على المفتي والمستفتي؛ لأن في مذهب محمد وغيره تفاصيل تحرج المفتي والمستفتي في ضبطها، واليسر هو اللائق في شريعتنا، ولهذا وضع عنا الإصر والأغلال.
يؤيده قوله ﵇: «يَسِّروا ولا تُعَسروا، وسَكِّنوا وَلَا تُنَفِّروا» (^١)، وقال عائشة: ما خير النبي ﵇ بين أمرين إلا اختار أيسرهما (^٢)، والحديثان في معاني الأخبار، وفي المصابيح أيضًا، وهذا معنى قوله ﵇: «بُعِثْتُ بالحَنيفِيَّةِ» (^٣)، أي بالملة الحنيفية السمحة السهلة، وما بعث بالرهبانية الصعبة.
قوله: (وأقل الطهر)، أي: الطهر بين الحيضتين لا مطلق الطهر، وفي هذا القدر لا خلاف بيننا وبين الشافعي (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/¬٣٠، رقم ٦١٢٥)، ومسلم (٣/ ١٣٥٩، رقم ١٧٣٤) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٨/ ١٦٠، رقم ٦٧٨٦)، ومسلم (٤/ ١٨١٣، رقم ٢٣٢٧).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٦، رقم ٢٢٣٤٥) من حديث أبي أمامة ﵁. قال الهيثمي: رواه أحمد، والطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٩).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٨٥)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ٣٨٩).
[ ١ / ٣٩١ ]
يَوْمًا) هَكَذَا نُقِلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا تَوْقِيفًا، … … …
وعن يحيى بن أكثم أنه تسعه عشر يوما، وكذا عن عطاء؛ لأن أكثر الحيض عنده عشرة أيام، واعتبر أقل من عددي تمام الشهر لمناسبة أقل الطهر.
وفي المنظومة: لا حد لأقله عند مالك، والمشهور من مذهبه أن أقله خمسة عشر يوما - كما هو مذهبنا - في رواية محمد بن مسلمة عنه، وحكى عبد الملك بن حبيب من أصحاب مالك عنه أن أقله عشرة أيام، وروى ابن القاسم عنه أنه قال: ما تعلمه النساء أن مثله يكون طهرا، وأن الخمسة والسبعة لا تكون طهرا، فأولوا ذلك بعشرة أيام.
حكى عن مالك ابن ماجشون أنه خمسة أيام، واستضعف هذا القول، والصحيح هو رواية محمد بن مسلمة عنه (^١)، وعن أحمد في رواية: ثلاثة عشر يوما، وعنه: خمسة عشر يوما (^٢).
(لا يعرف إلا توقيفًا)، أي سماعًا ونقلا، وقد روي عن أبي سعيد الخدري، وجعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ أنه قال: «أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشرة، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يَوْمًا»، وفيه كلام، ومثله عن ابن المسيب، عن النبي ﵇ من رواية أبي داود (^٣).
وفي المحيط: أنه تعالى أقام الشهر في حق الآيسة والصغيرة مقام الطهر والحيض، وما أضيف إلى شيئين ينقسم عليهما نصفين، فينبغي أن يكون نصف الشهر حيضًا، ونصفه طهرا، إلا أنه قام الدليل على نقصان الحيض عن النصف يبقى الطهر على ظاهر القسمة، وهذا الاستدلال منقول عن الشيخ أبي منصور الماتريدي (^٤).
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٣٦٨)، والاستذكار لابن عبد البر (١/ ٣٥١).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٢٥)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٥٨).
(٣) أخرجه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٦٢). وأبو داود هذا هو سليمان بن عمرو، النخعي الكذاب، كان يضع الحديث. انظر ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (٤/¬٢٨)، وميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٢١٦)
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢١٠).
[ ١ / ٣٩٢ ]
(وَلَا غَايَةَ لِأَكْثَرِهِ) لِأَنَّهُ يَمْتَدُّ إِلَى سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِتَقْدِيرِ، إِلَّا إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَاحْتِيجَ إِلَى نَصْبِ العَادَةِ،
وفي المبسوط: مدة الطهر نظير مدة الإقامة من حيث إنها تعيد ما كان ساقطا من الصوم والصلاة، وقد ثبت بالأخبار أن مدة الإقامة خمسة عشر يوما، فكذا مدة أقل الطهر، ولهذا قدرنا أقل مدة الحيض بثلاثة أيام اعتبارًا بأقل مدة السفر إذ كل منهما يؤثر في الصوم والصلاة (^١).
(ولا غاية لأكثره)، أي لأكثر الطهر معناه ما دامت ترى الطهر تصوم وتصلي وإن استغرق عمرها، كذا ذكره فخر الإسلام والحلواني، وعليه إجماع المسلمين من غير خلاف بين العلماء.
(إلا إذا استمر بها الدم)، يعني حينئذ يكن لأكثره غاية عند نصب العادة في زمان الاستمرار، وعليه عامة العلماء، إلا عند أبي عصمة سعيد بن معاذ المروزي، والقاضي أبي حازم فإنه لا غاية لأكثره عندهما على الإطلاق.
تشريحه: امرأة بلغت فرأت ثلاثة دما وسنة أو سنتين طهرا، ثم استمر بها الدم، قال أبو عصمة: طهرها ما ترى، وحيضها ثلاثة أيام، تدع الصلاة من أول زمان الاستمرار ثلاثة أيام وتصلي سنة أو سنتين وهكذا دأبها إذ لا غاية لأكثر الطهر عنده ونصب المقادير بالسماع، ولا سماع هاهنا، وعند العامة له الغاية لنصب العادة في زمان الاستمرار للضرورة، ففي الصالح لنصب العادة اختلف المشايخ، فقال محمد بن شجاع: طهرها تسعة عشر يوما، إذا كثر الحيض عشرة في كل شهر، والباقي طهر، وتسعة عشر بيقين.
وقال محمد بن سلمة وابن سلام: طهرها سبعة وعشرون يوما فما دونها؛ لأن أقل الحيض ثلاثة أيام فيرفع عن كل شهر فبقي سبعة وعشرين يوما.
وقال أبو علي الدقاق: تسعة وخمسون فما دونها؛ لأن تقدم الرؤية مرتين يتغير الحكم وتنتقل العادة مكانًا وذلك بالزيادة على تسعة وخمسين.
قال صاحب الْمُجْتَبى: وهو الأظهر عندي، وكان أستاذنا يميل إلى قول ابن
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٣/ ١٤٨).
[ ١ / ٣٩٣ ]
وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الحَيْضِ (وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ كَالرُّعَافِ الدَّائِمِ، لَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ وَلَا الوَطْءَ) لِقَوْلِهِ ﵊: تَوَضَّئِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الحَصِيرِ، وَإِذَا عُرِفَ حُكْمُ الصَّلَاةِ ثَبَتَ حُكْمُ الصَّوْمِ وَالوَطْءِ بِنَتِيجَةِ الإِجْمَاعِ،
سلام وهذا حسن أيضًا؛ لأنه الغالب في النساء (^١).
وقال محمد بن إبراهيم الميداني: طهرها ستة أشهر إلا ساعة، وعليه الأكثر؛ لأن أقل المدة التي يرتفع الحيض ستة أشهر، وهو أقل مدة الحبل، إلا أن ما عليه الأصل أن مدة الطهر أقل من مدة الحيض فنقصنا منه شيئًا يسيرا وهو ساعة، كذا في المحيط (^٢).
وقيل: طهرها أربعة أشهر إلا ساعة لأنها أقل مدة استبانة الخلق، فنقصنا عنها ساعة لما قلنا، وقال الحاكم الشهيد: شهرين، وهو رواية ابن سماعة عن محمد؛ لأن العادة مأخوذة من المعاودة، والحيض والطهر مما يتكرر في الشهرين عادة، إذا الغالب أن النساء يحضن في كل شهر مرة، فإذا طهرت شهرين فقد ظهرت في أيام حيضها، والعادة تنتقل بمرتين فصار ذلك الطهر عادة لها فوجب التقدير به.
والفتوى على قول الحاكم؛ لأنه أيسر على المفتي والنساء، وهو قول أبي علي الدقاق أيضًا كما مر (^٣).
وهذا ما أشار إليه المصنف بقوله: (ويعرف في كتاب الحيض).
وفي المستصفى: عند العامة (^٤) تدع من أول زمان الاستمرار عشرة وتصلي عشرين كما لو ابتدأت مع البلوغ مستحاضة؛ لأن لأكثر الطهر الصالح لنصب العادة غاية، وسنة وسنتان لا يصلحان له (^٥).
(بنتيجة الإجماع)، أي بدلالته فإن الإجماع انعقد على أن دم العرق لا يمنع
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٧٨).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢١٠).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٧٥)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٢٢٣).
(٤) في المستصفى: (عند عامة العلماء).
(٥) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٣٧٦).
[ ١ / ٣٩٤ ]
(وَلَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ دُونَهَا رُدَّتْ إِلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا، وَالَّذِي زَادَ اسْتِحَاضَةٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا»،
الصلاة والصوم والوطء بخلاف دم الرحم فإنها تمنع منها، فلما لم يمنع هذا الدم الصلاة على أنه دم عرق لا يمنع الصوم ولا الوطء بدلالة الإجماع.
وفي الكافي: تفسير (بنتيجة الإجماع) بدلالته غير صحيح لفظا لا معنى، والتفسير بالحكم أشد طباقًا.
قال شيخي ﵀: قد يجوز أن تسمى نتيجته من حيث إن دلالة النص أو الإجماع لا يكون إلا به، ويستحيل أن يثبت قبله، فكأنها نتيجة، والنص والإجماع أصل، ولو فسرت بالحكم لأوهم أنه منعقد عليه قصدًا وليس كذلك، فلذلك فسرت بالدلالة.
قوله: (وَالَّذِي زَادَ)، أي زاد على أيام عادتها، هذا إذا زاد على العادة، والعشرة أيضًا، حتى لو زاد على عادتها ولم تتجاوز العشرة فالكل حيض، وإنما يرد على العادة لقوله ﵇: «دَعِي الصّلاةَ أَيام أقرائك ثم اغتسلي وصلي» (^١)، وروي: «المُستحاضةُ تُردُّ إلى أيام عادتها المعروفة» (^٢)، وإنما رددناها إذا تجاوز العشرة، أما إذا لم يتجاوز فهو دم في أيام الحيض، وأيامه تزيد وتنقص، فلم يتحقق أن الزائد استحاضة.
وفي الكافي: لو زاد على عادتها، وعادتها أقل من عشرة تغتسل وتصلي عند مشايخ بلخ، وعند مشايخ بخارى لا تصلي.
وفي الْمُجْتَبى: وهو الأصح (^٣)، فإذا زاد على العشرة تقتضي تلك الصلوات وترجع إلى عادتها، فإذا لم تزد عليها ورأت بعد ذلك خمسة عشر طهرا يكون حيضها عشرة يجانس الزائد على العشرة يعني من حيث أن كل واحد منهما خلاف الظاهر؛ لأن دم الاستحاضة دم جاء بسبب الداء في الباطن، والأصل السلامة، فكذلك الطاهر أن لا يزيد الدم على عادتها.
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٧٩).
[ ١ / ٣٩٥ ]
وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى العَادَةِ يُجَانِسُ مَا زَادَ عَلَى العَشَرَةِ فَيُلْحَقُ بِهِ، … … … … … .
فإن قيل: الزائد على العشرة لا يمكن أن يكون حيضا، والزائد على العادة يمكن أن يكون حيضا فكيف يتجانسان؟
قلنا: في مسألتنا لا يمكن أن يكون الزائد عليها حيضا؛ لأن ما زاد على العشرة استحاضة يقينا، وما في أيام حيضها حيض يقينا، ففيما زاد إلى تمام العشرة إن ألحقناه بما بعده كان استحاضة، وإن ألحقناه بما قبله كان حيضا، وقع الشك في كونه حيضا فلا تترك الصلاة بالشك؛ لأن وجوب الصلاة كان ثابتا بيقين فلا يترك إلا بيقين مثله، كذا في المبسوط (^١).
فحينئذ يتجانسان من حيث عدم منع الصلاة.
فإن قيل: كيف يكون وجوب الصلاة عليها بيقين فإنها لا تجب عليها في الأصح في أيام حيضها؟ فقيل: هذا الدم عدم وجوب الصلاة بيقين لا الوجوب.
قلنا: وجوبها عليها بيقين نظرا إلى انقضاء العادة، وفي كون ما زاد على العادة حيضا شك فلا يزول ذلك اليقين.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: إذا استحيضت ولها أيام معلومة فإنها تميز باللون فيما زاد على أيامها، فإن كان أسود عبيطا، أو أحمر خالصا تجعلها حيضا، وإن لم يكن كذلك كان دم استحاضة، وإن لم يمكن التمييز به فحينئذ تعتبر الأيام.
وفي الحلية: معتادة مميزة وهي التي ترى في بعض الأيام دما أسود، وفي بعضها أحمر، وجاوز الدم الأكثر فحيضها الأسود؛ لقوله ﵇: «دم الحيض أسود» (^٢)، فهذا يبقى بظاهره لون غيره حيضا.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬١٦).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٨٢، رقم ٣٠٤)، والنسائي (١/ ١٢٣، رقم ٢١٦)، وابن حبان (٤/ ١٨٠، رقم ١٣٤٨) من حديث عائشة ﵂. قال ابن رجب: خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الدارقطني: رواته كلهم ثقات. وقد تكلم فيه آخرون: قال النسائي: روى هذا الحديث غير واحد فلم يذكر أحد منهم ما ذكره
[ ١ / ٣٩٦ ]
وَإِنْ ابْتَدَأَتْ مَعَ البُلُوغ …
وقال ابن خيران، والإِصْطَخْرِي: تقدم العادة على التمييز لقوله ﵇: «المُستحاضةُ تنتظِرُ عدد الأيـ الأيام والليالي التي كانَتْ تَحِيضُهُنّ» (^١)، ولأن العادات استقرت وصفة الدم يعرض البطلان، وقال مالك: الاعتبار بالتمييز لا العادة، فإن لم يكن لها تمييز استطهرت بقدر زمان العادة بثلاثة أيام (^٢) إلى أن تجاوز خمسة عشر، وإن كانت غير مميزة فحيضها أيام عادتها، وبه قال أبو حنيفة (^٣).
قوله: (وإن ابتدأت)، في المستصفى: بفتح التاء وضمها، ومستحاضة حال مقدرة، وفي الصحاح: استحيضت المرأة إذا استمر بها الدم بعد أيامها (^٤)، واستعمل مجهولا لأنه لا اختيار لها في ذلك، كـ: جُنَّ، وأُغمي (^٥).
وفي النهاية: قال الشيخ: بضم التاء بدلالة قوله (وهي مبتدأة) ولم يقل مبتداه (^٦)، وفي المغرب: بضم التاء لا غير (^٧).
_________________
(١) = ابن عدي، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث؟ فقال: لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر. وأيضًا فقد اختلف على ابن أبي عدي في إسناده، فقيل: عنه كما ذكرنا. وقيل عنه في إسناده: عن عروة، عن عائشة، وقيل: إن روايته عن عروة، عن فاطمة أصح؛ لأنها في كتابه كذلك. وقد اختلف في سماع عروة من فاطمة. فتح الباري (٢/ ٥٦).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٧١، رقم ٢٧٤)، والنسائي (١/ ١١٩، رقم ٢٠٨)، وابن ماجه (١/ ٢٠٤، رقم ٦٢٣)، ومالك (١/ ٦٢، رقم ١٠٥)، وأحمد (٦/ ٢٩٣) رقم (٢٦٥٥٣) من حديث أم سلمة. قال البيهقي: هذا حديث مشهور أودعه مالك بن أنس الموطأ، وأخرجه أبو داود في كتاب السنن، إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة ﵂. السنن الكبرى (١/ ٣٣٢)، وكذا قال ابن رجب في فتح الباري (٢/ ٥٨). وقال النووي: صحيح على شرط البخاري ومسلم. المجموع (٢/ ٤١٥)، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ١٢١).
(٣) في مطبوع: الحلية: (فإن لم يكن لها تمييز استنظرت بعد زمان العادة بثلاثة أيام).
(٤) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢٢٥).
(٥) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٣/ ١٠٧٣).
(٦) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٣٧٨).
(٧) النهاية شرح الهداية للسغناقي (١/ ٤٥١).
(٨) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ١٣٥).
[ ١ / ٣٩٧ ]
مُسْتَحَاضَةٌ فَحَيْضُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ لِأَنَّا عَرَفْنَاهُ حَيْضًا
و(مستحاضة) حال مقدرة لقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، لأن الاستحاضة لم تثبت حال ابتداء رؤيتها الدم، ولكن بعلم عند الزيادة على العشرة، فكأنه مقدرة الاستحاضة عند ابتداء رؤيتها، وفي بعض النسخ: استحاضة.
للشافعي فيه أقوال إن كانت مبتدأة غير مميزة وهي التي بدأ بها الدم واستمر على صفة واحدة حتى جاوز الأكثر:
أحدها: حيضها الأقل وهو يوم وليلة، وطهرها خمسة عشر، وما بين ذلك استحاضة، وهو رواية عن أحمد (^١)، وهو قول زفر؛ لأن الأقل هو المتيقن (^٢).
والثاني: الاعتبار بالوسط، وهو ست أو سبع؛ لقوله ﵇ لحمنة بنت جحش حين استفتت: «تَحَيَّضِي سِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي عِلْمِ اللهِ» (^٣)، ولأنه الغالب في عادتهن، وبه قال الثوري، وأحمد في رواية.
ثم أي عادة نعتبر فيه وجهان:
أحدهما: غالب عادة النساء.
والثاني: غالب عادة نساء بلدها، وهو رواية عن مالك (^٤).
والقول الثالث: الاعتبار بحيض نساء عشيرتها من الأبوين جميعًا؛ لأن طبعها إلى طباعهن أقرب، ولو لم يكن لها عشيرة فالاعتبار بنساء بلدتها.
وقال مالك: تقعد عادة أترابها، وتستظهر بعد ذلك بثلاثة أيام ما لم يجاوز مجموع ذلك خمسة عشر يومًا، وعن مالك رواية أخرى: أنها تجلس ما دام الدم إلى أن يبلغ خمسة عشر يوما (^٥)، وهو رواية عن أحمد.
ولو كانت مبتدأة مميزة، وهي التي بدأ بها الدم وغير الأكثر وهو في بعض
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٣٨)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٧٠).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٣٩١)، واللباب للمحاملي (ص ٨٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٧)، وأحمد (٤٥/ ١٢١) رقم (٢٧١٤٤).
(٤) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ١٣١)، والذخيرة للقرافي (١/ ٣٨٢، ٣٨٤).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٥٢، ١٥٣).
[ ١ / ٣٩٨ ]
فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِالشَّلِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.