(الشَّهِيدُ: مَنْ قَتَلَهُ المُشْرِكُونَ، أَوْ وُجِدَ فِي المَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرٌ، أَوْ قَتَلَهُ المُسْلِمُونَ ظُلْمًا وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِه دِيَةٌ
باب الشهيد
لما كان المقتول ميتًا بأجله؛ أوردنا باب الشهيد عقيب الجنائز.
وقدمها؛ لكثرة وقوعها، أو لأن الشهيد ميت مركب؛ لأنه ميت مركب فكيف؟
أو نسبة الشهيد إلى الميت كنسبة صلاة الجنازة إلى سائر الصلوات؛ من حيث إنه حي حكما؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وفي مبسوط شيخ الإسلام: سمي الشهيد شهيدًا؛ لأن الملائكة يشهدون موته إكراما، فيكون مشهودًا فعيلا بمعنى مفعول كالقتيل (^١).
وقيل: سمي به؛ لأنه مشهود له بالجنة؛ قال ﵇ يوم أحد: «أنا أشهد على هؤلاء يوم القيامة» (^٢) حين جمع رجلين في قبر واحد. وقيل: سمي به لأنه حي حاضر عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (^٣)
قال [العلامة] (^٤) الكردري: الشهيد حاضرًا [آينده] (^٥).
ثم الأصل في سقوط الغسل فيه: أن يكون القتل ظلمًا من كل وجه، ولم يرتب ولم يقبض من دمه عوض دنياوي؛ لأنه حينئذ يصير بمعنى شهداء أحد؛ لأنهم بهذه الصفة.
وقتيل أهل الحرب شهيد سواء قتل مباشرة، أو مسا بحديدة أو بغيرها بعد أن يكون قتله منسوبًا إليهم، والنسبة قد يكون معاينة، وقد يكون دلالة بطريق التسبيب، وقد جمع في الكتاب النوعين؛ وقال: (من قتله المشركون أو وجد في المعركة وبه أثر).
(ولم يجب بقتله دية)؛ أي: عند وجوب القتل، حتى لو سقط القصاص.
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٤٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٩١، رقم ١٣٤٣) من حديث جابر ﵁.
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٤٢)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١١٠).
[ ٢ / ٥٢٠ ]
فَيُكَفِّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُغَسَّلُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ.
وَقَالَ ﵊ فِيهِمْ: «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَلَا تُغَسِّلُوهُمْ» فَكُلُّ مَنْ قُتِلَ بِالحَدِيدَةِ ظُلْمًا وَهُوَ طَاهِرٌ بَالِغُ وَلَمْ يَجِبْ بِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُمْ فَيُلْحَقُ بِهِمْ، وَالمُرَادُ بِالأَثَرِ الجِرَاحَةُ، لِأَنَّهَا دَلَالَةُ القَتْلِ، وَكَذَا خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ مَوْضِعِ غَيْرِ مُعْتَادٍ كَالعَيْنِ وَنَحْوِهَا،
بعارض الأبوة، ووجبت بالدية؛ كان شهيدًا.
والقصاص ليس بعوض على المحل؛ بل عقوبة يوحيها الله تعالى جزاء للقتل، ولهذا يجري بين القليل والكثير، والحر والعبد، والذكر والأنثى.
والدية: عوض مالي، بدليل العكس، وإذا كانت عوضا عن المحل؛ صار كأن النفس باقية من وجه لبقاء بدله (زمل لف).
والكلوم: جمع الكلم بالسكون - وهو الجرح، وأريد هاهنا الحاصل بالمصدر. وكذا في المغرب والصحاح (^١).
(غير معتاد كالعين) والأذن، ولو خرج من الأنف والدبر والذكر غسل؛ لأنه قد يبتلى بالرعاف، ويبول دما من شدة الفزع، فيكون معتادا.
ولو كان الدم يخرج من فمه؛ إن كان نزل من الرأس؛ غسل، سواء خرج من جانب الأنف أو الفم، وإن كان يعلو من جوفه لم يغسل؛ لأن الدم لا يعلو من الجوف، وإلا يخرج من الباطن، وإنما يعرف ذلك بلون الدم. كذا في المبسوط (^٢).
وعند الشافعي: من مات في قتال أهل الحرب فهو شهيد، سواء به أثر أو لا، ومن قتل ظلمًا في غير قتال الكفار، أو خرج في قتالهم ومات بعد انقضاء القتال، وكان بحيث يقطع بموته؛ ففيه قولان في قول: لم يكن شهيدًا (^٣)، وبه قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥)؛ لما روى أن عمر قتل بالمحدد، فغسلوه وصلوا عليه.
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٥/ ٢٠٢٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥٢).
(٣) انظر: البيان للعمراني (٨٢٣)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٥٤).
(٤) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٧٦)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٤١٨).
(٥) انظر: المبدع لابن مفلح (٢/ ٢٣٩)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٥٠٣).
[ ٢ / ٥٢١ ]
وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ فَأَغْنَى عَنِ الشَّفَاعَةِ،
وعندنا: الشهيد: كل مسلم قتل في قتال ثلاث طوائف: أهل الحرب، والبغي، وقطاع الطريق، بأي آلة كانت، ولم يمض عليه وقت صلاة بعد تضرم القتال، ولا يوم وليلة حالة القتال، ولم ينتفع به وبآلة جارحة ظلما في غيره، ولم يجب بقتله دية سوى وجوبه لأجل الأبوة، وعند أبي حنيفة هذه، وكونه بالغا طاهرا فهذا شهيد كامل لا يغسّل، أما المرتث (^١) والمبطون، والمطعون والغريق والحريق وصاحب الهدم والمرأة تموت بجمع، والغريب؛ كلهم شهيد في حق الثواب، ولكن يغسلون ذكره في المحيط، والمبسوط (^٢).
قوله: (والشافعي يخالفنا): قال الشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، وأحمد (^٥): الشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه.
وقال الحسن البصري: يغسل ويصلى عليه؛ لأن الشهيد ميت بأجله.
والغسل سنة الموتى على ما روي من قصة آدم ﵇، وإنما لم يغسل شهداء أحد؛ لأن الجراحات فشت بينهم، وتعذر حمل الماء من المدينة، فعذرهم النبي ﵇ لذلك.
وقال علماؤنا، والثوري، وأحمد في رواية: لا يغسل ولكن يصلّى عليه، واختاره المزني (^٦).
له: ما روى جابر أنه ﵇ ما صلى على شهداء أحد، ولأنه ﵇ قال: «السيف محاء الذنوب» (^٧) والصلاة شفاعة، فاستغني عنها كما استغني عن الغسل.
_________________
(١) المرتث: هو الذي يثخن في الحرب، ويحمل حيا، ثم يموت. تاج العروس (٥/ ٢٥٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥١).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣٠٤)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٣٣).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٥٨)، والبيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٢٧٢).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٥٧)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٩٣).
(٦) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٣١).
(٧) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٥، رقم ١٧٦٩٣) من حديث عتبة بن عبد وصححه ابن حبان (١٠/ ٥١٩، رقم ٤٦٦٣) وأقره ابن حجر في الفتح (١٠/ ١٩٣)، قال الهيثمي (٥/ ٢٩١، رقم ٩٥١١): ورجال أحمد رجال الصحيح خلا المثنى الأملوكي وهو ثقة.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
وَنَحْنُ نَقُولُ: الصَّلَاةُ عَلَى المَيِّتِ لِإِظْهَارِ كَرَامَتِهِ، وَالشَّهِيدُ أَوْلَى بِهَا، وَالطَّاهِرُ عَنِ الذُّنُوبِ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الدُّعَاءِ كَالنَّبِيِّ وَالصَّبِيِّ (وَمَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الحَرْبِ أَوْ أَهْلُ البَغْيِ أَوْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ
ولأنه تعالى وصف الشهداء بكونهم أحياء؛ حيث قال: ﴿بَلْ أَحْيَاءُ﴾، والصلاة على الميت لا على الحي. ولأنها ما شرعت إلا بعد الغسل، وسقوط الغسل يدل على سقوطها كالحائض والنفساء.
وما روى أنه ﵇ [صلى على شهداء أحد، معناه: دعاء؛ لأن الصلاة في اللغة: دعاء.
لنا: ما روي أنه ﵊] (^١) قال: «زملوهم …» الحديث (^٢).
وما قاله الحسن من التأويل غير صحيح؛ لأنه لو كان ترك الغسل لأجل التعذر لأمرهم بالتيمم، كما لو تعذر الغسل في زماننا، ولأنه ﵇ لم يعذرهم في ترك الدفن، مع أنه مشقة في الحفر أظهر فيه.
وأيضًا: روى عقبة بن عامر أن شهداء بدر لم تغسل، وكذا شهداء خندق وحني مع عدم الضرورة، وصلى على شهداء أحد.
وروى البخاري (^٣) أنه ﵇ صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات.
وقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فالمراد: صلاة الجنازة. ذكره بعض أئمة التفسير.
وحديث جابر ليس بقوي؛ قيل: [على] أنه [كان] (^٤) يومئذ مشغولا؛ فقد قتل أبوه وأخوه وخاله، فرجع إلى المدينة ليدبر كيف يحملهم، فلم يكن حاضرًا حين صلى النبي ﵇، فلهذا روى ما روى.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) أخرجه البخاري (٥/ ٩٤، رقم ٤٠٤٢) ومسلم (٤/ ١٧٩٦، رقم ٢٢٩٦) من حديث عقبة بن عامر ﵁.
(٤) ما بين المعقوفات: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد روى عبد الله بن ثعلبة أنه ﵇ صلى على شهداء أحد، وقال ﵇: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^١)، فكان الأخذ بقول من شاهد أولى؛ لأنه مثبت وغيره ناف.
أو يحتج بما روى ابن عباس أنه ﵇ صلى على شهداء بدر، ولم تتعارض الرواية في حق شهداء بدر؛ لأنه ميت مسلم طاهر، فيصلى عليه قياسًا على المرتث وعلى سائر الأموات.
والعبد وإن تطهر من الذنوب لم يبلغ درجة الاستغناء عن الدعاء؛ ألا ترى أنه صلى عليه النبي ﷺ مع أن درجته فوق درجتهم، بخلاف الغسل؛ لأنه يطهر، وقد بلغ الغسل حدًّا يستغنى عن التطهير، ويجوز أن يريد تطهير الشهادة على تطهير الغسل، فلما وجد الأعلى سقط الأدنى، أما لا يجوز حرمان طلب رحمة زائدة بسبب رحمة قائمة.
وأما قوله: سقوط الغسل بدل.
قلنا: الغسل الذي هو شرط جواز الصلاة إنما يخاطب به المصلي، وهو باق في حق المصلي، فلم يدل ذلك على سقوط الصلاة عنه. كذا في المبسوط، والأسرار.
و[ما] قال: إن معنى صلى: دعاء؛ غير قوي؛ لأنه روى أنه ﵇ صلى عليهم كالصلاة على الأموات وبدليل رواية أخرى: أنه ﵇ صلى على شهداء قتلى بدر وحنين.
وفي المستصفى: الأصل في الأموات الغسل والصلاة بقصة آدم ﵇، إلا أنه ترك الغسل في حق الشهيد كرامة له، وتبقيه لأثر الظلم عليه، فيحاج خصمه غدا (^٢).
وعن [العلامة] (^٣) مولانا حافظ الدين ﵀: أن لفظ «السيف محاء
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) المستصفى للنسفي (١/ ٦٦٥).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
فَبِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلُوهُ لَمْ يُغَسَّلْ) لِأَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ مَا كَانَ كُلُّهُمْ قَتِيلَ السَّيْفِ وَالسِّلَاحِ (وَإِذَا اسْتُشْهِدَ الجُنُبُ غُسْلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)
للذنوب» (^١) لفظ المشايخ، أما لفظ الحديث: «القتل في سبيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كلَّ شيء» (^٢)، ولكن ذكره في المبسوط من لفظ الحديث.
وله: (فبأي شيء قتلوه لم يغسل)؛ أي: عندنا، خلافا للشافعي، ومالك، وأحمد، في غير أهل الحرب كما ذكرنا.
فإن قيل: أهل البغي وقطاع الطريق إذا كانوا مسلمين؛ ينبغي أن يشترط الحديدة كما إذا كان القاتل مسلما.
قلنا: لما كان القتال بأهلهما مأمورًا به؛ ألحق بقتال أهل الحرب، أما في حق أهل البغي؛ قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] الآية، فكان المقتول في هذه الحالة باذلا نفسه ابتغاء مرضات الله تعالى كما في محاربة أهل الحرب.
وأما قطاع الطريق: فقد قال ﵇: «قاتل دون مالِكَ» (^٣)، وقال أيضًا: «من قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شهيدٌ» (^٤)، وروي أن عليا ﵁ لما قاتل أهل النهروان لم يغسل من استشهد من أصحابه، فإذا كان القتل فيهما مأمورًا؛ صار كالمأمور بقتال أهل الحرب، فعمت الآية كما عمت هناك. كذا في المبسوط (^٥).
قوله: (عند أبي حنيفة): وبه قال مالك (^٦)، وأكثر أصحاب الشافعي (^٧).
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٠٢، رقم ١٨٨٦) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، ورواه الترمذي (٣/ ٢٢٧ رقم: ١٦٤٠) من حديث أنس وقال: غريب.
(٣) أخرجه النسائي (٧/ ١١٣، رقم ٤٠٨١) من حديث مخارق بن عبد الله ﵁، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير (٢/ ٧٩١، رقم ٤٢٩٣).
(٤) أخرجه البخاري (٣/ ١٣٦، رقم ٢٤٨٠) ومسلم (١/ ١٢٤، رقم ١٤١) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥٣).
(٦) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٢٥٠)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ١٤٠).
(٧) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٣٦)، والبيان للعمراني (٣/ ٨٣).
[ ٢ / ٥٢٥ ]
وَقَالَا: لَا يُغَسَّلُ (*)، لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالجَنَابَةِ سَقَطَ بِالمَوْتِ، وَالثَّانِي لَمْ يَجِبْ لِلشَّهَادَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عُرِفَتْ مَانِعَةٌ غَيْرَ رَافِعَةٍ فَلَا تَرْفَعُ الجَنَابَةَ. وَقَدْ
(وقالا)؛ أي: أبي يوسف ومحمد.
وقال أحمد (^١)، وابن سريج، وابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي: يغسل ولا يصلى عليه.
وغسل الملائكة الحنظلة إكراما له؛ بدليل أنه لو كان واجبًا لوجب على بني آدم، ولما اكتفى رسول الله بغسلهم؛ فدل أنه لم يكن واجبًا. كذا في الفوائد الظهيرية (^٢).
(لأن ما وجب بالجنابة سقط بالموت)؛ لأن وجوب الغسل لإمكان الصلاة، وقد بطلت الصلاة عنه.
(والثاني)؛ أي: الغسل الذي على الأحياء للميت.
(لم يجب لأجل الشهادة): كالمحدث إذا استشهد.
(وله: أن الشهادة عرفت مانعة لا رافعة): لا مانعة.
(فلا ترفع الجنابة)؛ ألا ترى أنه لو كان في ثوب الشهيد نجاسة تغسل، ولا يغسل دمه لما ذكرنا.
فإن قيل: ينبغي أن الشهادة لا ترفع الحدث، ويجب غسل أعضاء الوضوء لو كان محدثًا، ولم يجب بالاتفاق.
قلنا: سقوط غسل أعضاء الوضوء لمعنى ضروري؛ وهو أن الشرع جعل الشهادة مانعة من نجاسة تثبت بالأعضاء كلها، فحينئذ لا يتصور أن يكون مانعا من ثبوتها في أعضاء الوضوء إذا لم يعتبر رافعا للحدث فيها؛ لأن الموت لا يخلو من حدث قبله؛ لأنه لا يخلو عن زوال عقل في آخر الحياة، وبذلك يصير محدثًا، فلو لم يكن رافعا للحدث الأصغر؛ وجب غسل هذه الأعضاء، فلهذه
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٩٥)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٩٩).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٥٨)، وحاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٤٩).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
صَحَّ أَنَّ حَنْظَلَةَ لَمَّا اسْتُشْهِدَ جُنَّبًا غَسَّلَتْهُ المَلَائِكَةُ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الحَائِضُ
الضرورة اعتبر رافعا للحدث، ولا ضرورة في الجنابة؛ لأن الموت يخلو عنها، فلا يعتبر في الجنابة، وفيه تأمل.
ولأن الحدث أدنى من الجنابة؛ فلا تقاس عليه الأعضاء، خصوصا إذا كان المانع موجودًا، ولأن النص مقدم على القياس.
وأما قولهما: (أنه شهيد لا يغسل).
قلنا: لا يغسل من حيث أنه شهيد، فإنما يغسل من حيث إنه جنب. وأما قولهما: (الغسل لأجل الصلاة).
قلنا (^١): جاز أن يكون الغسل لها ولدخول المسجد، وقراءة القرآن ومس المصحف، فجاز أن يبقى مشروعًا لإدخاله القبر والعرض على الله تعالى. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والأسرار (^٢).
وقد صح أن الحنظلة لما استشهد سأل النبي ﵇ أهله عن حاله، فقالت: أصاب مني، فسمع الهيعة: «يا خيلَ اللهِ ارْكبي»، فأعجله ذلك عن الاغتسال، فقال ﵇: «هو ذاك» (^٣).
والهيعة: صوت يفزع منه، من هاع إذا جبن، وكان ذلك على سبيل التعليم، حتى لو علم ﵇ حالة غسله، وإنما لم يعد النبي ﵇ غسله؛ لأن الواجب تأدى، بدليل قصة آدم ﵇، ولم يعد أولاده غسله.
وهو الجواب عن قولهما: (لو كان واجبًا لوجب على بني آدم، ولما اكتفى …)، إذ الواجب نفس الغسل، فأما الغاسل يجوز كائنا من كان كما في قصة آدم ﵇ (^٤).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) انظر: حاشية الشَّلْبِيِّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٤٩).
(٣) ذكره ابن حجر في الإصابة (٢/ ١١٩، رقم ١٨٦٨) وعزاه للسراج، وبمعناه أخرجه أبو داود (٣/¬٢٥، رقم ٢٥٦٠) من حديث سمرة بن جندب ﵁، قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٢٧٥): فيه نظر.
(٤) انظر: البناية شرح الهداية (٣/ ٢٧٣)، والعناية شرح الهداية (٢/ ١٤٧).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وَالنُّفَسَاءُ إِذَا طَهُرَنَا، وَكَذَا قَبْلَ الانْقِطَاعِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الصَّبِيُّ. لَهُمَا: أَنَّ الصَّبِيَّ أَحَقُّ بِهَذِهِ الكَرَامَةِ.
وَلَهُ: أَنَّ السَّيْفَ كَفَى عَنْ الغُسْلِ فِي حَقِّ شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِوَصْفِ كَوْنِهِ طُهْرَةٌ،
وأما قولهما: (غسلهم كان إكراما).
قلنا: معنى الإكرام في مبادرتهم بغسله؛ لما روي أنه ﵇ تبادر إلى جنازة سعد بن معاذ، وقال: «خشيت إن تسبقنا الملائكة إليه كما سبقتنا بغسل حنظلة» (^١)، فعلم أن الملائكة لو لم تغسله لغسله النبي ﵇، ومبادرتهم ما كانت واجبة. كذا في المبسوط (^٢)، والأسرار، وجامع المحبوبي.
وقوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة: أنهما لا يغسلان قبل الانقطاع؛ لعدم وجوب الاغتسال قبل الانقطاع، والصحيح أنه يجب عنده؛ لأن الدم السائل يوجب الاغتسال عنده، وقد حصل الانقطاع بالموت فيجب الغسل. كذا في المحيط (^٣).
وفي الخبازية: هذا الجواب في النفساء يجري على إطلاقه؛ لأن أقل النفاس لا حد له، أما في الحائض مصورة فيما إذا استمر بها الدم ثلاثة أيام، ثم قتلت قبل الانقطاع وبعده، أما لو رأت يوما أو يومين دما وقتلت؛ لا تغسل بالإجماع. ذكره التمرتاشي؛ لعدم كونها حائضًا (^٤).
(وعلى هذا الخلاف الصبي): وكذا المجنون.
أحق بهذه الكرامة؛ وهو إبقاء أثر مظلوميته في القتل، وكان عدم الغسل إكراما للشهيد فيها.
والمظلومية في حق الصبي أشد فكان أولى بهذه الكرامة، مع أن قوله ﵇: «زَمِّلُوهُم» (^٥)؛ عام.
بوصف كونه طهرة؛ لأن السيف محاء للذنوب.
_________________
(١) أخرجه ابن سعد (٣/ ٤٢٨) وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (٣/ ١٤٨، رقم ١١٥٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥٨).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٦٣).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٧٣)، والبحر الرائق لابن نجم (٢/ ٢١٣).
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وَلَا ذَنْبَ عَلَى الصَّبِيِّ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُمْ وَلَا يُغْسَلُ عَنِ الشَّهِيدِ دَمُهُ، وَلَا يُنْزَعُ
(ولا ذنب للصبي)؛ لكونه مرفوع القلم، فيكون الموت والقتل حتف أنفه سواء في حقه.
(فلم يكن في معنى شهداء أحد) فيغسل، ولأن ترك الغسل لإبقاء أثر الشهادة عليه ليكون حجة على خصمه يوم القيامة، والصبي لا يخاصم بنفسه في حقوق الدنيا، فكذلك في حقوق الآخرة، وإنما الخصم عنه فيها الله تعالى، وهو غني عن الشهود.
ولأن عدم الغسل في الشهيد البالغ بخلاف القياس؛ لما أنه يتنجس بالموت، فيقتصر على مورد النص فلا يقاس عليه غيره، والصبي ليس في معنى شهداء أحد - كما بينا - حتى يلحق بالدلالة.
وأما تعلقهم بعموم الحديث؛ قلنا: ذاك محمول على البالغين؛ لما أن ظاهر الحال أن الصبيان لم يحضروا حرب أحد، وكان الحديث في شهداء أحد.
وما قيل: أن حارثة بن النعمان، وعمير بن أبي وقاص، أخا سعد كانا من شهداء أحد وهما صغيران؛ غلط؛ لأن عمير بن أبي وقاص قتل يوم بدر قبل أحد، ذكره في الطبقات، وهو ابن ست عشر (^١).
وأما حارثة بن النعمان: فتوفّي في خلافة معاوية. ذكره في الصحيحين (^٢).
وفي شرح الإرشاد البالغ إنما لم يغسل؛ لأنه باع نفسه من ربها وسلمها بحكم ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١]، فاحتيج إلى بقاء أثر التسليم عليه؛ ليتميز به عن غيره [في الآخرة] (^٣)، كما في حق شهداء أحد، وهذا المعنى معدوم في حق الصبي؛ لأنه ليس من أهل البيع والتسليم (^٤)؛ لأنه غير مأمور بالجهاد بالنفس والمال؛ لما روينا؛ وهو قوله ﵇: «زَمِّلوهم …» الحديث (^٥).
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ١١١).
(٢) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٣٧٢)، والطبقات لخليفة بن خياط (ص ١٥٩).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٤٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٧٦).
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
عَنْهُ ثِيَابُهُ) لِمَا رَوَيْنَا (وَيُنْزَعُ عَنْهُ الفَرْوُ وَالحَشْوُ وَالقَلَنْسُوَةُ وَالسِّلَاحُ وَالخُفُّ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الكَفَنِ (وَيَزِيدُونَ وَيُنْقِصُونَ مَا شَاؤُوا) إِثْمَامًا لِلْكَفَنِ، قَالَ:
قوله: (وينزع عنه الحشو …) إلى آخره وبه قال الشافعي (^١)، وأحمد (^٢)؛ فإنه قال: ينزع عنه ما لم يكن عامة الناس من جلود وحديد، ومحشو وفرو.
ولأنه ﵇ أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود والفرو، ولأن هذه الأشياء لدفع بأس العدو، وقد استغنى عن ذلك.
ولأن هذه عادة أهل الجاهلية؛ فأنهم يدفنون أمواتهم وأبطالهم بما عليهم من الأسلحة، وقد نهينا عن التشبه بهم. كذا في المبسوط (^٣).
قوله: (ويزيدون) في المبسوط: استدل المشايخ بهذا اللفظ أن عدد الثلاث في الكفن ليس بلازم (^٤).
وقيل: يزيدون بذلك إذا كان ناقصا عن العدد المسنون.
(وينقصون ما شاؤوا): وإذا زاد عليه، وهذا أوفق لتعليل الكتاب.
ويخيطوه إن شاؤوا كما يفعل ذلك بغيره من الموتى. كذا في المبسوط (^٥).
وقال مالك: لا ينزع عنه شيء أصلا (^٦).
ثم قال الشافعي: فالولي بالخيار، إن شاء كفنه فيما بقي من ثيابه، وإن شاء كفنه في غيرها، وبه قال أحمد (^٧)؛ لما روي أن صفيه أرسلت إلى النبي ﵇ ثوبين لتكفين حمزة ﵁، فكفنه في أحدهما وفي الآخر رجلا آخر (^٨). ولأن الثوب الذي ترك عليه من جملة التركة، وقد صار ملكا لهم؛ فلا
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣٠٤)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٣٣).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٩٦)، والفروع لابن مفلح (٣/ ٣٠٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/¬٥٠).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥١).
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥١).
(٦) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٥٨)، والبيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٢٧٢).
(٧) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٩٦)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٥٠٠).
(٨) أخرجه أحمد (١/ ١٦٥، رقم ١٤١٨) من حديث الزبير ﵁، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ١٦٥، رقم ٧١١).
[ ٢ / ٥٣٠ ]
(وَمَنِ ارْتُثَّ غُسِّلَ) وَهُوَ: مَنْ صَارَ خَلِقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ لِنَيْلِ مَرَافِقِ الحَيَاةِ، لِأَنَّ بِذَلِكَ يَخُفُّ أَثَرُ الظُّلْمِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ (وَالِارْتِثَاثُ: أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَنَامَ أَوْ يُدَاوَى أَوْ يُنْقَلَ مِنْ المَعْرَكَةِ حَيَّا) لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ مَرَافِقِ الحَيَاةِ.
يجب عليهم تكفينه فيه. كذا في تتمتهم (^١).
وقال علماؤنا، ومالك: لا ينزع عنه بقية ثيابه لما روينا، ولما روي أن زيد بن صوحان لما استشهد يوم الجمل وقال: لا تنزعوا عني ثوبي، فإني رجل محاج أحاجّ من قتلني يوم القيامة، ولما استشهد عمار بن ياسر بصفين قال: لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثيابًا، فأتى النعي ومعاوية بالحجاز، وهكذا نقل عن حجر بن عدي. كذا في المبسوط (^٢)، والقياس لا يعتبر في مقابلة النص، وما روي شاذ.
قوله: (وَمَنْ ارْتُثَّ): الرَّثُ: الشيء البالي، وجمعه رثاث، وأرَثَ الثوب؛ أي: خلق، وأُرِثَ فلان على بناء المجهول؛ أي: حمل من المعركة رثيًا، أي: جريحا وبه رمق. كذا في الصحاح (^٣).
وفي الإيضاح: معنى الارتثاث: هو أن خَلُق شهادته، من قولك: ثوب رث؛ أي: خَلِق (^٤).
قال الشافعي: من جرح في معترك الكفار ثم بعد ذلك مات، سواء أكل شيئًا أو لا، أو أوصى أو لا، قرب الزمان أو بعد؛ فيه قولان:
أحدهما: يغسل ويصلي عليه، وبه قال أحمد، وهو مذهبنا؛ لما روي أن عبيدة بن الحارث حُمِلَ إلى النبي ﷺ، وتكلم معه النبي ﵇ ثم مات، فغسله النبي ﵇ (^٥).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣٠٤)، ونهاية المطلب للجويني (٣/¬٣٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/¬٥٠).
(٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (١/ ٢٨٣).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣٢١)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١٦٩).
(٥) أخرجه أبو داود (٥٢٣، رقم ٢٦٦٥) وصححه الألباني في صحيح أبي داود - الأم - (٧/ ٤١٧، رقم ٢٣٩٢).
[ ٢ / ٥٣١ ]
وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ مَاتُوا عُطاشًا وَالكَأْسُ تُدَارُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا خَوْفًا مِنْ نُقْصَانِ الشَّهَادَةِ، إِلَّا إِذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ كَيْ لَا تَطَأَهُ الخُيُولُ، لِأَنَّهُ مَا نَالَ شَيْئًا مِنْ الرَّاحَةِ، وَلَوْ آوَاهُ فُسْطَاطٌ أَوْ خَيْمَةٌ كَانَ مُرْتَثًا لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ بَقِيَ حَيَّا حَتَّى مَضَى
وفي القول الآخر: لا يغسل؛ لأنه في سبيل الله، كالذي مات في حال القتال. كذا في تتمتهم (^١).
وقال مالك: لو أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة حيًا يغسل؛ لأن نفاقه بحياة الدنيا (^٢).
وعندنا: بما ذكر في الكتاب يصير مرتنا.
والأصل فيه: ما روي أن عمر لما طُعِن حُمِلَ حيًّا إلى بيته، فعاش يومين، ثم غسل وكان شهيدًا على لسان النبي ﵇، وكذا علي حمل حيًّا إلى بيته ثم غسل، وكان شهيدا. كذا في المبسوط (^٣).
وفي الإيضاح: الأصل: ما روي أنه ﵇ غسل سعد بن معاذ، وكان ارتَثَّ، ولم يغسل سعد بن الربيع؛ لأنه لم يرتث، وهو معنى قول المشايخ لحديث السعدين والخليفتين (^٤).
وعن العلامة الكردري ﵀ في قوله: (خوفًا عن نقصان الشهادة): قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، فلو أخذ الشهيد بعض مرافق الحياة لكان هذا تصرفًا في المبيع قبل التسليم؛ فيتحقق النقصان في تسليمه، كما لو تصرف البائع في المبيع قبل التسليم؛ فإنه يسقط بعض الثمن أو ثبت للمشتري الخيار، ولهذا لو استشهد الصبي يُغسل؛ لعدم أهلية البيع منه كما ذكرنا (^٥).
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/ ٥٣)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ١٥١).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٥٨)، والتاج والإكليل للمواق (٣/ ٦٩).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥١).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣٢١)، والاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٩٨).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٧٦).
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ فَهُوَ مُرْتَثٌ لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الأَحْيَاءِ. قَالَ: وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الآخِرَةِ كَانَ ارْتِثَاثًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَكُونُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الأَمْوَاتِ (*)
قوله: (وهو يعقل): قيد به، حتى لو كان مغمى عليه لم يكن مرتنا. (لأنه لا تصير الصلاة دينا في ذمته)؛ يعني: لو بقي حيا في المعركة.
وفي الْمُجْتَبى: والمراد بوقت الصلاة قدر ما تجب عليه الصلاة، ويصير دينا في ذمته (١)، وهو رواية عن أبي يوسف، وعنه: يوم وليلة، ولو كان مغما عليه يوم وليلة لم يكن مرتنا.
وعن محمد: لو بقي في المعركة حيا يوما وليلة فهو مرتث وإن لم يعقل (^٢).
وفي النهاية: لو تكلم ثم مات ثم حمل؛ لم يغسل (^٣).
قيل: هذا كان قليلا وليس من أمور الدنيا، أما إذا كان كثيرا ومن أمور الدنيا كالبيع والشراء؛ غسل.
قوله: (ولو أوصى) إلى آخره: اختلف المتأخرون في ذلك؛
قيل: هذا الاختلاف في شيء من أمور الأخرة كما ذكر في الكتاب، فأما في أمور الدنيا يغسل بالاتفاق.
وقيل: لا خلاف بينهما في الحقيقة؛ لأن ما قال أبو يوسف محمول على أمر الدنيا، أما في أمر الآخرة يغسل بالاتفاق. (لأنه ارتفاق)؛ فإن الوصية شطر في مصالحة، سواء كان من مصالح الدنيا أو الآخرة، فيكون من مرافق الحياة، كما لو صارت الصلاة دينا عليه.
(وعند محمد: لا يكون)؛ أي: لا يكون ارتفاقا.
(لأنه)؛ أي: الإيضاح.
(من أحكام الأموات): فلا يكون من أحكام الأحياء.
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد. (١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٣٠).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١١٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٧٦).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٦٤)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٤٩).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
(وَمَنْ وُجِدَ قَتِيلًا فِي المِصْرِ غُسْلَ) لِأَنَّ الوَاجِبَ فِيهِ القَسَامَةُ وَالدِّيَةُ، فَخَفَّ أَثَرُ الظُّلْمِ (إِلَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا) لِأَنَّ الوَاجِبَ فِيهِ القِصَاصُ،
وقال في الزيادات: لو أوصى بمثل وصية سعد بن الربيع فليس بارتفاق (^١).
روي أنه ﵇ قال يوم أحد: «من يأتيني بخبر سعد»، فقال رجل: أنا، فجعل يتفحص القتلى حتى وجده وبه رمق، فقال: إن رسول الله ﷺ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، ففتح سعد عينية، وقال: رسول الله في الأحياء، قال: نعم، هو بعثني إليك، فقال: الحمد [لله] (^٢) على سلامته، الآن طابت نفسي للموت، ثم قال: أقرئ رسول الله مني السلام، وأقرئ الأنصار مني السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله تعالى إن قتل محمد وفيكم عين تطرف، ثم قال: أخبر النبي ﵇ أن لي كذا وكذا طعنه كلها أصابت مقتلي ثم مات (^٣)، وكان من جملة قتلى أحد. كذا في المحيط (^٤).
قال محمد: وأي وصية أحسن من هذا، وهو من مغنم أمور الآخرة.
قوله: (في المصر): قيد به؛ لأنه لو وجد في مفازة ليس بقربها عمران؛ لا يجب فيها قسامة ولا دية، فلا يُغَسّل لو وجد به أثر القتل.
قوله: (إلا إذا علم أنه قتل بحديدة)؛ يعني: علم قاتله، وعلم أنه قتله بحديدة.
(لأنه حينئذ يجب القصاص) وعند الشافعي يغسل (^٥)، وبه قال مالك (^٦)، وأحمد (^٧)؛ لما ذكرنا أنه قتل في غير صف القتال.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣٢٢).
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها النص.
(٣) رواه محمد بن إسحاق في المغازي (ص: ٣٣٤)، وأخرجه الحاكم (٣/ ٢٢١، رقم ٤٩٠٦) من حديث زيد بن ثابت ﵁ وصححه وأقره الذهبي.
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٦٥).
(٥) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٨٥)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٦٧).
(٦) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٦٤)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ٢٤٨).
(٧) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٩٩)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٢٤٠).
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وَهُوَ عُقُوبَةٌ وَالقَاتِلُ لَا يَتَخَلَّصُ عَنْهَا ظَاهِرًا، إِمَّا فِي الدُّنْيَا أَوْ العُقْبَى. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: مَا لَا يَلْبَثُ بِمَنْزِلَةِ السَّيْفِ وَيُعْرَفُ فِي الجِنَايَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصِ غُسْلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ بَاذِلٌ نَفْسَهُ
وفي المبسوط، والأسرار: وهذا بناء على أن القتل العمد يوجب الدية عنده كالخطا، فحينئذ يجب بدل ما هو مال، فغسل (^١).
وعندنا: العمد غير موجب للمال؛ بل موجب للقصاص، فلم يجب بدل ما هو مال فلا يغسل.
واعتمادنا فيه على حديث عثمان ﵁؛ فقد قتل في المصر، وكان شهيدًا لم يُغسل، ولو قتل بغير سلاح غُسل؛ لأن هذا في معنى الخطأ.
أما لو وجد قتيل ولم يعلم قاتله، فإن فيه الدية والقسامة، فيغسل، وإن قتل بحديدة ظلما. كذا في المحيط (^٢).
(وهو)؛ أي: القصاص.
(عقوبة): وليس بعوض حتى يخف أثر الظلم، ولئن كان عوضًا لكن نفعه يعود إلى الورثة لا إليه؛ لأن المقصود منه التشفي ودرك الثأر، وهذا يحصل للورثة لا له، فلم ينتفع الميت به، بخلاف الدية؛ لأن نفعها يعود إليه، حتى يقضي منها ديونه وتنفذ وصاياه. كذا في مبسوط فخر الإسلام (^٣).
(إما في الدنيا)؛ أي: على تقدير الاستبقاء.
(أو في الْعُقْبَى)؛ على تقدير عدمه.
قوله: (غُسل وصلي عليه): وهذا بالإجماع، إلا أن مالكا يقول: لم يصل الإمام على المرجوم والمقتول قصاصا، وصلى عليه غيره؛ لأنه ﵇ لم يصل على ماعز، وصلى على غيره (^٤).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥٢).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٦٦).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٧٨).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٥٩)، ومنح الجليل لعليش (١/ ٥١٣).
[ ٢ / ٥٣٥ ]
لإِيفَاءِ حَقٌّ مُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَلْحَقُ بِهِمْ (وَمَنْ قُتِلَ مِنْ البُغَاةِ أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُصَلِّ عَلَى البُغَاةِ.
وقال الزهري: لا يصلى على المرجوم أصلا.
ولنا: ما روى أن ما عزا لما رجم جاء عمه إلى النبي ﵇، فقال: يا رسول الله، إن ماعزا قتل كما يقتل الكلاب، فما تأمرني أن أصنع به؟، فقال ﵇: «لا تقل هذا؛ فقد تاب توبة لو قسمت على أهل السموات والأرض لوسعتهم - يعني: لو كانوا عصاة - اذهب فاغسله وكفنه وصل عليه» (^١). كذا في المبسوط (^٢).
وروى البخاري (^٣) أنه ﵇ صلى عليه، وفي ذلك لا فرق بين الإمام وغيره.
قوله: (لم يصل عليه): وفي المحيط: وفي غسل المقتولين بالبغي وقطع الطريق روايتان، ولا يصلى عليهم باتفاق الروايتين (^٤)، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
وفي النوازل: إن قُتِلا في الحرب لا يصلى عليهما، وبعده: روايتان؛
فقيل: يصلى عليهما إذا قتلهما الإمام، بعد وضع الحرب أوزارها (^٥).
وقال الشافعي: يصلّى عليه (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٩، رقم ١١٠١٤) من حديث بريدة ﵁. قال ابن حجر في الدراية (٢/ ٩٧): في إسناده أبو حنيفة والباقون من رجال الصحيح. وبنحوه عند البزار (١٠/ ١٩٦، رقم ٤٢٨٣) من حديث جابر بن سمرة ﵁، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٦٨ رقم ١٠٦١٠): رواه البزار عن شيخه صفوان بن المغلس ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥٢).
(٣) أخرجه البخاري (٨/ ١٦٦، رقم ٦٨٢٠) من حديث جابر ﵁.
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٨٥).
(٥) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٨٥)، وفتاوى قاضي خان (١/ ٩٤).
(٦) انظر: الأم للشافعي (٤/ ٢٣٥)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٣٧).
[ ٢ / ٥٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال مالك: لا يصلي عليهم الإمام وأهل الفضل (^١)، وروايتان عن أحمد (^٢).
له: أنه مؤمن؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، ولأنه مقتول بحق؛ فكان كالمقتول برجم أو قصاص.
ولنا: أن عليا لم يغسل قتلى نهروان والصفين والجمل من البغاة، ولم يصل عليهم، فقيل له: هم كفار؟، قال: لا؛ ولكنهم إخواننا بغوا علينا؛ أشار إلى ترك الغسل والصلاة عقوبة لهم وزجرًا لغيرهم، وهم نظير المصلوبون يترك على خشبتهم عقوبة لهم وزجرا لغيرهم كذا في المحيط (^٣).