(الطَّهَارَةُ مِنْ الأَحْدَاثِ … ..
الكنائس، وقال بعض مشايخنا: غسله بعد الإسلام مستحب، هذا إذا لم يجنب قبله، فإن أجنب ينبغي أن [يجب] (^١) بعد إسلامه؛ لأن وجوب الغسل بإرادة الصلاة وهو جنب إذ صفة الجنابة مستدامة بعد إسلامه، ولهذا لو انقطع دم حيض الكافرة ثم أسلمت لا يلزمها الغسل؛ لأن الانقطاع لا دوام له فلم يوجد سبب الغسل لا حقيقةً ولا حكمًا في حقها بعد الإسلام.
بَابُ الْمَاءِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ
لما بين الطهارة من الوضوء والغسل فاحتاج إلى بيان ما تحصل به الطهارة وهو الماء المطلق.
ثم تقييده بقوله: (والطهارة من الأحداث) ليس للاختصاص؛ فإن الأخباث تشاركه في هذا المعنى.
واللام للعهد أي (الطهارة من الأحداث) التي سبق ذكرها، بل باعتبار سبق الوضوء والغسل، أو كون الماء مطهرا للحدث، مستلزم كونه مطهرا للنجس، ولا ينعكس، ثم الخبث يطلق على النجاسة الحقيقية، والحدث على الحكمي، والنجس يشملهما، والماء المطلق إذا لم يخالط نجاسة ولم يغلب عليه شيء كماء السماء، والأودية، والعيون، والآبار، وماء البحار يزيل الكل لقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال ﵇: «المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، الحديث، وقال ﵇ في البحر: «هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ، اَلْحِلُّ مَيْتَتُهُ»، رواه مالك في الموطأ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال البخاري في غير صحيحه: حديث صحيح، وهكذا قال الترمذي.
ثم وجه التمسك بالآية في حق ماء السماء والأودية ظاهر، وأما في حق ماء العين والبئر فإما أن يقال: أصل المياه كلها من السماء لقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنبِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزُّمَر: ٢١].
_________________
(١) في الأصل: (يجنب)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ١٦٧ ]
جَائِزَةٌ بِمَاءِ السَّمَاءِ، وَالأَوْدِيَةِ، وَالعُيُونِ، وَالآبَارِ، وَالبِحَارِ)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وَقَوْلُهُ ﵊: «وَالمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ»، وَقَوْلُهُ ﵊ فِي البَحْرِ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالحِلُّ مَيْتَتُهُ وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَنْطَلِقُ عَلَى هَذِهِ المِيَاهِ.
قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]، أو يصرف وجه التمسك بها إلى ماء السماء، ووجه التمسك بالحديث إلى الكل.
وقيل: الطهور لغة البليغ في الطهارة، وذلك بكونه مطهرا لغيره، يعلم ذلك بسبب العدول عن صيغة الطاهر إلى صيغة الطهور التي هي للمبالغة؛ كالشكور، والصبور، ويجيء هذا البحث بتمامه.
ثم المطلق في الأصول هو المتعرض للذات دون الصفات، والمراد هاهنا ما يسبق إلى الأفهام بمطلق قولنا: الماء.
وقال مولانا حميد الدين: المطلق ما لا يحتاج في تعريف ذاته إلى شيء آخر، والمقيد ما لا تعرف ذاته إلا بالقيد، وفي شرح الوجيز: المطلق هو الباقي على أوصاف خلقته (^١).
وقيل: هو العاري عن القيود والإضافات في كل ما يسمى ماء، وهذا لا ينافي وقوع اسم الماء عليه مضافًا كماء العين والبئر، والنهر؛ فإن إضافته إليها إضافة تعريف لا إضافة تقييد لأنه يتعرف ماهيته بدون هذه الإضافة، ويفهم بمطلق قولنا: الماء، وهو معنى قوله: (ومطلق الاسم) أي اسم الماء ينطلق على هذه المياه.
قوله: (لا ينجسه شيء)، أي: شيء نجس؛ لأن الطاهر لا ينجس الطاهر، لكن يخرجه عن طبع الماء إذا غلب إلا ما غير طعمه.
قيل: معناه إلا ما غير المغير النجس فيكون معناه: لا ينجسه شيء إلا مغير نجس؛ لأن النص عندنا ورد في الماء الجاري، والحكم فيه أنه لا يجوز
_________________
(١) انظر: تحفة الملوك (ص ٢٠).
[ ١ / ١٦٨ ]
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بِمَا اعْتُصِرَ مِنْ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ)، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُعْلَقٍ، وَالحُكْمُ عِنْدَ فَقْدِهِ … … … ..
استعماله حيث ترى فيه النجاسة، أو يوجد طعمها، أو ريحها، فإن هذه المعاني تدل على قيام النجاسة وإن لم يتنجس الماء بالنجاسة فالنجاسة بعينها لا تطهر بالماء إلا أن يتلاشى فيسقط حكمها دفعًا للحرج، إليه أشير في الأسرار، كذا في المستصفى (^١).
وفي النهاية: هذا إذا كان الماء كثيرًا، أو جاريًا، أما إذا كان قليلًا ينجسه بدون التغير.
قوله: (بما اعتصر)، وفي المستصفى: بالقصر، وكذا سمعت عن شيخي ﵀، والتقييد بالاعتصار يدل على أنه لو انعصر بنفسه يجوز التوضؤ به، وفي النهاية: بالقصر لأنها موصولة، وإن كان يصح معنى الممدود، ولأن فيه وهم جواز التوضي بما انعصر هو بنفسه وليس الأمر كذلك.
ثم الأصل في هذا أن التوضؤ بالماء المطلق جائز ما دامت صفة الإطلاق باقية ولم تخالطه نجاسة، فإذا زالت صفة الإطلاق لا يجوز التوضؤ به؛ لأن الحكم عند فقده منقول إلى التيمم وزوالها بغلبة الممتزج، أو بكمال الامتزاج، وغلبة الممتزج بكثرة الأجزاء، وكمال الامتزاج بطبخ الماء بالمخلوط الطاهر، أو بتشرب النبات الماء حتى يبلغ الامتزاج مبلغًا يمتنع خروج الماء منه إلا بعلاج. والامتزاج بالطبخ إنما يمنع التوضؤ إذا لم يكن ذلك الامتزاج مقصودًا للغرض المطلوب وهو التنظيف، أما إذا كان كالأشنان إذا طبخ بالماء فإنه يجوز التوضؤ به.
والامتزاج الاختلاط بين الشيئين بحيث يشبع أحدهما في الآخر حتى يمتنع التمييز، فإذا عرف هذا لا يجوز التوضؤ بما اعتصر؛ لأنه ليس بماء مطلق إذ لا يفهم بمطلق قولنا الماء.
و(عند فقده) أي: فقد الماء المطلق، الحكم منقول إلى التيمم بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣].
_________________
(١) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٥٨).
[ ١ / ١٦٩ ]
مَنْقُولُ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَالوَظِيفَةُ فِي هَذِهِ الأَعْضَاءِ تَعَبُّدِيَّةٌ، فَلَا تَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا المَاءُ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ الكَرْمِ، فَيَجُوزُ التَّوَضُأُ بِهِ، لِأَنَّهُ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ عِلَاجِ، ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
وقوله: (والوظيفة في هذه الأعضاء تعبدية) جواب سؤال يرد على قوله: (والحكم عند فقده منقول إلى التيمم) بأن يقال: ما اعتصر من النبات ليس بماء مطلق، ولكن هو في معناه من حيث إزالة النجاسة الحكمية فيلحق به كما ألحقه أبو حنيفة، وأبو يوسف بالمطلق في إزالة النجاسة الحقيقية، فيجب أن يكون في الحكمية كذلك.
فأجاب بقوله: (والوظيفة في هذه الأعضاء تعبدية) يعني شرط صحة القياس أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن القياس وأنه معدول؛ فإن النص جعل الماء مطهرا للحدث غير معقول المعنى لأنه لا توجد عين النجاسة حقيقةً في الأعضاء لتزال، وشرعًا لأن المحدث إذا أدخل يده في الإناء لا يتنجس، وكذا لو صلى حامل محدث أو جنب تصح صلاته، ولو كان نجسًا لما جاز كما لو كان معه دم.
وتطهير الطاهر محال؛ لأن التطهير إثبات الطهارة وإزالة النجاسة وهي حاصلة فلا يمكن إثباتها، والنجاسة زائلة فلا يمكن إزالتها؛ لأن إزالة المزال محال.
وإذا كان كذلك فيقتصر على مورد النص ولا يلحق به غيره، إلا إذا كان في معناه من كل وجه، وليس في معناه لأن الماء المطلق لا يعزّ وجوده ويوجد مجانا.
والمقيد يعزُّ وجوده ويبالي بخبثه ولا يوجد مجانا فلا يلحق به في إزالة الحدث بخلاف النجاسة الحقيقية فإن جواز استعمال المطلق فيها بسبب الإزالة لا غير، وتوجد الإزالة بسائر المائعات الطاهرة فيجوز بها.
فإن قيل: لو كان الغسل في هذه الأعضاء تعبدية يلزم أن تكون النية شرطًا في الوضوء، وقد قلتم: إن الماء مزيل للحدث بالطبع فيلزم أن يكون كل مائع كذلك لأنه مزيل بالطبع.
[ ١ / ١٧٠ ]
وَفِي الكِتَابِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ حَيْثُ شَرَطَ الاعْتِصَارَ.
قَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ (بِمَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ طَبْعِ المَاءِ، كَالأَشْرِبَةِ وَالخَلِّ وَمَاءِ البَاقِلَاء وَالمَرَقِ وَمَاءِ الوَرْدِ وَمَاءِ الزَّرْدَحِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا،
قلنا: إنما كان مزيلًا بالطبع إذا كان المزال نجاسة حقيقية، فأما لو كانت نجاسة حكمية فلا يكون كذلك، ولكن يلزم عليه الوضوء فإن المزال فيه حكمي فينبغي أن يشترط النية فيه، وهكذا البحث مذكور في شرح المنار، وشرح البزودي (^١).
(وفي الكتاب): أي مختصر القدوري؛ فإنه ماء خرج بلا علاج فأشبه ماء العين. والفاء في (فأخرجه) لتفسير قوله: غلب عليه غيره، وطبع الماء كونه مشروبًا، وقيل قوة نفوذه وغوصه وكونه غير ملوث.
وقيل: هو ما يبقى له أثر بالغليان.
والإخراج عن طبعه أن لا يبقى له أثر بالغليان (كالأشربة) إلى آخره، ذكر أصلين وذكر بعدهما أمثلة بعضها للأصل الأول وهو ما اعتصر كالأشربة والخل وماء الورد.
والثاني الذي غلب عليه غيره، وهو اللف والنشر إذا كان المراد من الأشربة والخل ما يتخذ من الشجر كشراب الديباس، والإجاص، ومن الثمر كالرمان والعنب، ومن الخل الخالص.
أما لو كان المراد منهما الحلو المخلوط بالماء كالدبس، والشهد المخلوط به، ومن الخل الخل المخلوط بالماء كان الكل نظير الماء الذي غلب عليه غيره.
(الباقلاء): إذا اشتدت اللام قصرت، وإذا خففت مددت، الواحدة باقلاة، كذا في الصحاح (^٢).
وفي المغرب: ماء الزردج ما يخرج من العصفر المنقوع فيطرح ولا يصبغ
_________________
(١) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٥٦)، ودرر الحكام لابن فرامرز (١/¬٢٣).
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للفارابي (٤/ ١٦٣٧).
[ ١ / ١٧١ ]
وَالمُرَادُ بِمَاءِ البَاقِلَاء وَغَيْرِهِ مَا تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِدُونِ الطَّبْخِ يَجُوزُ التَّوَضُّو بِهِ.
قَالَ: (وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، كَمَاءِ المَدِّ
به (^١)، لأنه: أي لأن كل واحد لا يسمى ماءً مطلقا؛ لأن مطلق الشيء ما يتبادر إليه الفهم عند ذكره، والفهم لا يتبادر إلى هذه المياه عند ذكر الماء.
(ما تغير بالطبخ) عنى بالتغير بالطبخ الثخونة والغلظ، حتى إذا طبخ ولم يثخن بعد ورِقَةُ الماء فيه باقية جاز الوضوء به، ذكره الناطفي، وفي فتاوى قاضي خان (^٢).
قوله: (فغير أحد أوصافه)، وهي اللون والطعم والريح، وفيه إشارة إلى أنه إذا غير اثنين أو الثلاثة لا يجوز التوضؤ وإن كان المغير شيئًا طاهرا، لكن صحت الرواية بخلافه كذا عن الكردي (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: لا يفيد التقييد به حتى لو غير الأوصاف الثلاثة بالأشنان أو الصابون أو الزعفران أو الأوراق أو المكث ولم يسلب اسم الماء عنه ولا معناه فإنه يجوز التوضؤ به (^٤).
وفي القنية: وقع الزعفران في الماء، إن أمكن الصبغ فيه فليس بماء مطلق، وفي الزاد: الماء المغلوب بالخلط الطاهر ملحق بالماء المقيد غير أنه تعتبر الغلبة أولا من حيث اللون، ثم من حيث الطعم، ثم من حيث الأجزاء، فإن كان لونه يخالف لون الماء كاللبن والعصير، والخل، وماء الزعفران فالعبرة للون، فإن غلب لون الماء يجوز، وإلا فلا.
وإن توافقا لونا لكن تفاوتا طعما كماء البطيخ، والأشجار، والثمار، والأنبذة فالعبرة للطعم، إن غلب طعم الماء يجوز، وإلا فلا، وإن توافقا لونا وطعما كماء الكرم فالعبرة للأجزاء؛ فيجوز التوضؤ بما يتقاطر بقطع الكرم منه.
وفي النهاية: سمعت الأساتذة أنه يجوز التوضي بماء تغير بكثرة أوراق
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٢٠٧).
(٢) فتاو قاضي خان (١/¬٨).
(٣) في الأصل: (الكدري)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٥).
[ ١ / ١٧٢ ]
وَالمَاءِ الَّذِي اخْتَلَطَ بِهِ اللَّبَنُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ أَوْ الصَّابُونُ أَوْ الأَشْنَانُ)، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ: أَجْرَى فِي المُخْتَصَرِ مَاءَ الزَّرْدَجِ مَجْرَى المَرَقِ، وَالمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَاءِ الزَّعْفَرَانِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا اخْتَارَهُ النَّاطِفِيُّ وَالإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ ﵀.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ التَّوَضُّو بِمَاءِ الزَّعْفَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْ
الشجر وقت الخريف، وقد يتغير طعمه ولونه وريحه، وفي التتمة ما يوافق الأشياء المذكورة.
فقيل: سئل الميداني (^١) عن الماء الذي يتغير لونه بكثرة الأوراق حتى يظهر لون الأوراق في الكف إذا رفع منه هل يجوز التوضي به؟ قال: لا، ولكن يجوز شربه وغسل الأشياء به؛ لأنه لما غلب عليه لونها صار كالماء المقيد (^٢).
وفي فتاوى قاضي خان: إذا طبخ بالماء ما يقصد به المبالغة في التنظيف كالسدرِ والحَرَضِ؛ فإن تغير لونه ولكن لم تذهب رقته يجوز التوضي به، ولو صار ثخينا مثل السويق لا يجوز، ويجوز بماء السيل وإن خالطه التراب إذا كان غالبا رقيقا فراتا وأجاجا، أما إذا كان ثخينا كالطين لا يجوز (^٣).
(وهو الصحيح): أي المروي عن أبي يوسف؛ لأنه ماء خالطه طاهر فغير أحد أوصافه كماء الزعفران (^٤).
(وقال الشافعي) إلى آخره (^٥)، وفي شرح الوجيز: ما تفاحش تغيره بمخالطة ما يستغني الماء عنه حتى زايله اسم الماء المطلق وإن لم يستجد اسما آخر كالمتغير بالصابون والزعفران الكثير وأجناسهما إذا بلغ تغير الماء حدا يسلب به اسم الماء عنه لم تجز الطهارة به.
_________________
(١) وهو الفقيه أحمد بن إبراهيم كما في المحيط البرهاني (١/ ١١٩).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١١٩)، ورد المحتار لابن عابدن (١/ ١٨٧).
(٣) فتاو قاضي خان (١/¬٨).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١١٨)، العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٧١).
(٥) انظر: التنبيه للشيرازي (ص) (١٣)، والإقناع للخطيب الشربيني (١/¬٢٥).
[ ١ / ١٧٣ ]
جِنْسِ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ مَاءٌ مُقَيَّدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ، «مَاءُ الزَّعْفَرَانِ»، بِخِلَافِ أَجْزَاءِ الأَرْضِ، لِأَنَّ المَاءَ لَا يَخْلُو عَنْهَا عَادَةً، وَلَنَا: أَنَّ اسْمَ المَاءِ بَاقِ عَلَى الإِطْلَاقِ،
وفي الحلية: وبه قال مالك (^١)، وأحمد (^٢).
(عنها): أي عن أجزاء الأرض ذكره بالنظر إلى اللفظ، وعند الشافعي طرح فيه التراب فتغير به جاز الوضوء على الأظهر، وحكى فيه قولان، ولو طرح فيه الملح فتغير به جاز، وعن بعض أصحابه لا يجوز.
ولو تغير بعود أو دهن طيب، فقال المزني: يجوز الوضوء به، وقال البويطي: لا يجوز، ولو وقع فيه الكافور فتغير به ريحه فيه وجهان.
ولو وقع فيه قطران فغيره قال الشافعي في "الأم": لا يجوز الوضوء به، وقال بعده بأسطر: يجوز (^٣)، ولو تغيَّر بطول المكث يجوز الوضوء به (^٤)، وعن ابن سيرين، لا يجوز (^٥).
ولا يكره الاغتسال والوضوء بماء زمزم، وقال أحمد يكره في رواية (^٦)، كذا عنه في الحلية (^٧)، وفي شرح الوجيز: لو تغير بكثرة الأوراق فيه ثلاثة أوجه، أظهرها أنه لا يسلب عنه الطهوريه كالمتغير بالطين والطحلب.
والثاني: يسلب كسائر المائعات، وقال المروزي: لا يسلب في
_________________
(١) انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٢٥)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٦٩).
(٢) انظر: الكافي لابن قدامة (١/¬٢٢)، والمبدع في شرح المقنع لابن مفلح (١/¬٢٥).
(٣) قال الشافعي في الأم (١) (٢٠): وإذا وقع في الماء شيء حلال فغير له ريحا أو طعما، ولم يكن الماء مستهلكا فيه فلا بأس أن يتوضأ به، وذلك أن يقع فيه البان أو القطران فيظهر ريحه، أو ما أشبهه … ثم قال بعدها: ولو صب على الماء ماء ورد فظهر ريح ماء الورد عليه لم يتوضأ به؛ لأن الماء مستهلك فيه والماء الظاهر لا ماء الورد. قال: وكذلك لو صب عليه قطران فظهر ريح القطران في الماء لم يتوضأ به، وإن لم يظهر توضأ به؛ لأن القطران وماء الورد يختلطان بالماء فلا يتميزان منه.
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/¬٤٧)، والمجموع للنووي (١/ ٩٠).
(٥) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء لِلشَّاشِي (١/ ٩٧).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (١/¬١٦)، والإنصاف للمرداوي (١/¬٢٧).
(٧) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٦٨).
[ ١ / ١٧٤ ]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى الزَّعْفَرَانِ كَإِضَافَتِهِ إِلَى البِئْرِ
الخريف لغلبة التناثر فيه بخلاف الربيع؛ فإن فيها رطوبة ولزوجة تقتضي الامتزاج فيسلب هذه الوجوه فيما تناثرت بنفسها، فلو طرحت فيه قصدًا ففيه وجهان: أحدهما: القطع بالسلب والثاني: طرد الوجوه الثلاثة.
وفي القنية: وتكره الطهارة بالماء المشمس، لقوله ﵇ لعائشة حين سخنت الماء بها: «لا تَفْعَلِي يَا حُميراء فإِنَّهُ يورِثُ البرَصَ» (^١)، وعن عمر ﵁ مثله (^٢)، وفي رواية: لا يكره، وبه قال مالك (^٣)، وأحمد (^٤)، وعند الشافعي يكره إن قصد تشميسه (^٥).
وفي الغاية: وكره بالمشمس في قطر حار في أواني منطبقة، واعتبار القصد ضعيف لأنه ﵇ لما أشار إلى العلة الطبية كان اعتبار القصد وعدمه غير مؤثر، وقال مجاهد: يكره بالماء المسخن بالنار (^٦)، وكره أحمد الماء المسخن بالنجاسة (^٧).
قوله: (وإضافته إلى زعفران) يعني إضافة تعريف لا إضافة تقييد، وعلامة إضافة التقييد قصور الماهية في المضاف كأن قصورها قيده كي لا يدخل تحت المطلق.
تشريحه: حلف لا يصلي فصلى الظهر يحنث لأنها صلاة مطلقة، وإضافتها إلى الظهر للتعريف، ولا يحنث بصلاة الجنازة؛ لأنها ليست بصلاة مطلقا،
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/¬٥٠، رقم ٨٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/¬٦، رقم ١٤). وضعفه الدارقطني، والبيهقي.
(٢) أخرجه الدارقطني (١/ ٥٢، رقم ٨٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/¬٦، رقم ١٣) موقوفًا. وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٤٣٥)، وابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ١٤٦).
(٣) انظر: عيون الأدلة لابن القصار (٢/ ١٠٩)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٧٨).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/¬١٤)، والمحرر في الفقه لأبي البكات ابن تيمية (١/¬٢).
(٥) قال الشافعي: " ولا أكره الماء المشمس إلّا من جهة الطب. الأم (١/¬١٦). وانظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/¬٤٢)، والمجموع للنووي (١/ ٨٧).
(٦) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٥٩).
(٧) انظر: الإنصاف للمرداوي (١/¬٢٩)، والإقناع للحجاوي (١/¬٣).
[ ١ / ١٧٥ ]
وَالعَيْنِ، وَلِأَنَّ الخَلْطَ القَلِيلَ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، كَمَا فِي أَجْزَاءِ الأَرْضِ، فَيُعْتَبَرُ الغَالِبُ، وَالغَلَبَةُ بِالأَجْزَاءِ لَا بِتَغَيَّرِ اللَّوْنِ هُوَ الصَّحِيحُ، (فَإِنْ تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ بَعْدَمَا خُلِطَ بِهِ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ)، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مَعْنَى الْمُنَزَّلِ مِنْ السَّمَاءِ، إذ النَّارُ غَيَّرَتْهُ، إِلَّا إِذَا طُبِخَ فِيهِ مَا يُقْصَدُ بِهِ المُبَالَغَةُ فِي النَّظَافَةِ كَالأَشْنَانِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ المَيِّتَ قَدْ يُغْسَّلُ بِالمَاءِ الَّذِي أُغْلِيَ بِالسِّدْرِ، بِذَلِكَ وَرَدَت السُّنَّةُ، إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ ذَلِكَ عَلَى المَاءِ، فَيَصِيرَ كَالسَّوِيقِ المَخْلُوطِ، لِزَوَالِ اسْمِ المَاءِ عَنْهُ.
(وَكُلُّ مَاءٍ دَائِمٍ وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَمْ يَجُز الوُضُوءُ بِهِ، قَلِيلًا كَانَتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثِيرًا) وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: يَجُوزُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ.
وإضافتها إليها للتقييد. ثم قصور الماهية في الماء بجعله مقيدا يكون بطريقين: إما بغلبة الممتزج، أو بكمال الامتزاج كما بيَّنا، وقد عدم كماله في ماء الزعفران حتى لو غلب أجزاء الزعفران لا يجوز الوضوء به لغلبة الممتزج، ولأن السنة قد وردت في غسل الميت بالماء الذي أغلي بالسدر والحرض.
وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عن قول محمد فإنه يعتبر الغلبة بتغير اللون، والطعم، والريح لأن به يستدل على غلبة غيره عليه (^١).
وقال أبو يوسف: الغلبة بالأجزاء غلبة حقيقية إذ وجود الشيء بالمركب بأجزائه فكان اعتباره أولى من اعتبار اللون، ولأن بتغير اللون قد لا تتغير الصفة الأصلية وهي الرقة، كذا في المحيط (^٢)، فعلم من ذلك أن المراد بغلبة الأجزاء أن يخرجه عن صفته الأصلية بأن يثخن لا أن يكون من حيث الوزن أكثر.
قوله: (بعدما خلط به غيره)، قد به فإنه لو طبخ الماء وحده وتغير يجوز التوضي به.
قوله: (قليلا كانت النجاسة أو كثيرًا) وفي بعض النسخ: (قليلا كان أو كثيرًا).
وفي البدرية: إن كان لفظ القليل صفة للماء كان الخلاف مع الشافعي، وإن
_________________
(١) انظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١/¬٣٨).
(٢) المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازة (١/ ١١٨).
[ ١ / ١٧٦ ]
لِمَا رَوَيْنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجُوزُ إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ، لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَلَنَا: حَدِيثُ المُسْتَيْقِظُ مِنْ مَنَامِهِ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ
كان صفته النجاسة كان الخلاف مالك فإن عنده لا ينجس الماء القليل بوقوعها إذا لم ير لها أثر. وعن بعض أصحاب مالك: القليل ينجس بالنجاسة وإن لم يتغير (^١)، والقليل الكافي للوضوء والغسل، ويجوز أن يكون القليل والكثير صفة للنجاسة الواقعة مع ترك علامة المؤنث؛ لأن الفعيل إذا كان بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، والفعيل بمعنى الفاعل يشبه الفعيل بمعنى المفعول، كقولهم: ملحفة جديد، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦].
(لما روينا)، وهو قوله ﵇: " الماء طهور … " (^٢)، الحديث.
وروي أنه ﵇ توضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الجيف ومحايض النساء، فلما ذكر له ﵇ قال: «الماء طهور …»، الحديث.
القُلَّة: الجرة تُحمَل من اليمن، تسع فيها قربتان وشيء.
والقُلتان: خمس قُرَبِ، كل قربة خمسون مَنَّا.
وقيل: جَرَّةٌ يسع فيها مائة وخمس وعشرون منا.
وفي الحلية: القلتان خمسمائة رطل بالبغدادي، وقيل القلتان: خمس مائة مَنٌ، وقال الزبيري (^٣): ثلاثمائة مَنٌ، واختاره القفال، وبقول الشافعي أخذ أحمد وأبو ثور، وبقول مالك قال داود (^٤).
ويروى عن ابن عباس، وعن عمرو بن العاص (^٥): الماء الكثير أربعون
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ١٨٧)، والذخيرة للقرافي (١/ ١٧٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١/¬١٧، رقم ٦٦)، والترمذي (١/ ١٢٢، رقم ٦٦)، والنسائي (١/ ١٧٤، رقم ٣٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٣) في الأصل: (الزهري)، والمثبت من النسخة الثانية، وهو كذلك في الحلية.
(٤) في الأصل: (أبو داود)، والمثبت من النسخة الثانية، وهو كذلك في الحلية.
(٥) كذا في الأصول: (عن ابن عباس، وعن عمرو بن العاص)، وفي الحلية: (وحكي عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ أنه قدر الماء …).
[ ١ / ١٧٧ ]
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ»
قلة، وهو قول محمد بن المنكدر، وقال ابن سيرين ووكيع الكثير مقدار الكر، والكر أربعون قفيزا عندهم وهو اثنان وثلاثون رطلا (^١).
وقوله: (كل) في الماء المراد منه غير الماء الجاري، وغير ما هو في معناه كحوض وهو عشر في عشر.
وفي الْمُجْتَبى: والظاهر أنه ﵇ أراد به القليل؛ فإن الاغتسال في الغدران والحياض الكبار والبحار يجوز بالإجماع، وأما البول فيه مكروه قليلا كان أو كثيرًا، دائمًا أوجاريًا، وسمى أبو حنيفة ﵁ من يبول في الماء الجاري جاهلا (^٢).
وفي جامع أبي اليسر، وأبي الليث: البول في الماء مباح بالإجماع.
وجه التمسك بحديث المستيقظ أنه لما ورد النهي عن الغمس لأجل احتمال النجاسة فتحقيقها أولى أن يكون نجسا.
ووجه التمسك بقوله ﵇: «لا يبولَنَّ أحدكم في الماء الدائم»، هو ما قال في الأسرار، ومبسوط شيخ الإسلام أن مطلق النهي يوجب التحريم وفساد الفعل (^٣)، خصوصا إذا كان مؤكدًا بنون الثقيلة، ولأنه لو كان باعتبار الماء والتنزيه يلزم خلو قيد الدائم على الفائدة؛ فإن الجاري يشاركه في هذا المعنى لأن البول في الجاري غير أدب أيضًا.
وفي الخبازية: فيكون مطلقه طلبًا للإعدام بأبلغ الجهات، وإنما ينعدم به إذا صار الماء نجسًا، والامتناع بتقدير تنجس الماء أكثر من الامتناع بتقدير عدم تنجسه، فثبتت نجاسته بموجب النهي على الكمال، والذي يمكن الاغتسال فيه يكون قلتين أو أكثر، ولا يتغير أيضًا لونه وطعمه بالاغتسال، أو البول فيكون الحديث حجة على الفريقين، ولا يجوز أن يحمل النهي على حرمة البول في
_________________
(١) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشَّاشِي (١/ ٦٩).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٥).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٢٢، ١١/ ٢٣٧)، وبدائع الصنائع للكاساني (٣/ ٢٣٤).
[ ١ / ١٧٨ ]
مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ، وَالَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ ﵀ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ،
الماء؛ لأن البول في الماء غير محرم بالإجماع، ذكره في جامع أبي الليث.
ولا يجوز أن يحمل على نفرة الطباع؛ لأنه ﵇ بعث لبيان الأحكام لا لبيان الحقائق، أو لأن النهي إن لم يوجب تنجس الماء بقي مأمورًا بالاغتسال في ذلك الماء، لا سيما عند تعين الاغتسال فيه طريقا لحصول الطهارة، فيلزم اجتماع الأمر والنهي في آن واحد وذلك محال.
أو نقول: البول في الماء منجس لموضع الوقوع بالإجماع، فكذا كل الماء إذا كان قليلا على حسب ما اختلفوا في حد القلة، ولولا أن الاغتسال منجس لما عطفه عليه، ولما قيده بكونه من الجنابة؛ إذ الاغتسال للتبرد لو كان طاهرا لما كان منجسًا، وفيه تأمل.
وفي المستصفى: لو كان النهي باعتبار الماء والتنزيه لم يقع الفرق بين توهم النجاسة وبين حقيقتها بأن المستيقظ إذا أدخل يده في الإناء قبل الغسل يكره ولا يتنجس الماء ولهذا كان غسله قبل الإدخال سُنة، فلو قلنا بعدم التنجس هاهنا لاستوت النجاسة الحقيقية والمتوهمة، ولأنه لما نهاه عن الاغتسال فيه مع شدة الحاجة إليه لأنه مأمور به ينبغي أن يتأثر الماء إذ لو لم يتأثر لما كان في النهي فائدة (^١)، وفيه تأمل.
قوله: (ورد) في بئر بضاعة: البضاعة بكسر الباء وضمها كذا في الصحاح (^٢)، وفي المغرب: بالكسرة لا غير (^٣).
وفي المبسوط: كان ماء بئر بضاعة جاريًا يسقى منه خمس بساتين، وعندنا الماء الجاري لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه.
وقيل: كان يلقى فيها الجيف في الجاهلية، ففي الإسلام نهوا عن ذلك، وكان النبي ﷺ يمنع من التقذر والتنزه ما يمنعه في التوضئ، والشرب من بئر
_________________
(١) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٦٢).
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للفارابي (٣/ ١١٨٧).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٥)، وفيه: وَمِنْهُ الْبِضَاعَةُ لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْمَالِ (وَبِهَا) سُمِّيَتْ بِثْرُ بِضَاعَةَ وَهِيَ بِثْرٌ قَدِيمَةٌ بِالْمَدِينَةِ، وَالضَّمُّ لُغَةٌ فِيهَا.
[ ١ / ١٧٩ ]
وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي البَسَاتِينِ، … … … …
يلقى فيها ذلك في وقته، وإنما أشكل عليهم ما كان في الجاهلية هل يسقط اعتباره بتطهير البئر في الإسلام فأزال إشكالهم (^١).
فإن قيل: هذا كلام مستقل بنفسه، وفي مثله العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فكيف اختص الحديث بسببه وهو بئر بضاعة؟
قلنا: إنما لم يخص بسببه إذا لم يرد ما يخصصه في القوة، وقد ورد هاهنا وهو حديث المستيقظ، والأمر بغسل الإناء عن ولوغ الكلب، والنهي عن البول في الماء الدائم، وما ورد من الأحاديث في تنجس البئر بوقوع الحيوان فيها فيكون خصوصه بها لدفع التناقض، فكان هذا من باب الحمل.
فإن قيل: لما تبين أنه ورد في بئر بضاعة لا يستقيم التمسك بعمومه في أول الباب حيث أثبت طهارة المياه المذكورة بهذا الحديث.
قلنا: الحديث مشتمل على قضيتين: أحدهما: الماء الطهور، والثانية: لا ينجسه شيء، إلى آخره، فالتخصيص يلحق بالقضية الثانية دون الأولى لاختصاص الدلائل المخصصة بها، فتمسك المصنف في أول الباب بالقضية الأولى التي بقيت على العموم دون الثانية؛ إذ لا حاجة إليها هناك، وبين التخصيص في الثانية إذ النزاع وقع في هذا الحكم دون الأول، فكان تمسكه صحيحًا، وكان معنى الكلام جميع ما يسمى ماءً طهورًا، قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجسه شيء إذا كان جاريًا، أو في حكمه إلا ما غير طعمه.
فإن قيل: الماء المذكور في أول الحديث عام لوجود اللام المستغرقة للجنس الموجبة للعموم، فالضمير الراجع إليه في تنجسه لو كان خاصا يلزم اختلاف المعنيين.
قلنا: ذاك جائز، فإن اللفظ إذا احتمل معنيين وأريد به أحدهما، ثم أريد بضميره محتمله الآخر جاز، ويسمى ذلك استخداما كما في قول
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٢).
[ ١ / ١٨٠ ]
وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ يَضْعُفُ عَنِ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ.
الشاعر (^١):
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمِ … رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
أريد بالسماء المطر، وبضميره النبات، ونظيره قوله ﵇: «لا يبولن أحدُكُم في الماء الدائم، ولا يغتَسِلُنَّ فِيهِ مِنَ الجَنابة»، فإن القضية الأولى على العموم حتى حرم البول في الماء القليل والكثير جميعًا، وهذا مخالف لما ذكر في جامع أبي الليث.
واختصت الثانية بالقليل بدليل يوجب تخصيصها حتى لم يحرم الاغتسال بالماء الدائم الكثير مثل الغدير العظيم ونحوه، فيثبت أن حمل الحديث هاهنا على الماء الجاري لا يمنع التمسك به في أول الباب بعمومه، كذا قرره شيخي ﵀.
قوله: (وما رواه الشافعي) إلى آخره، في المبسوط: فقد قال الشافعي في كتابه: بلغني بإسناد لا يحضرني من ذكره: «إذا بلغ الماء قلتين …» الحديث، وفي بعض النسخ: «لَمْ يَحْمِل»، وهو أصح؛ لأنه موافق للفظ الحديث، ومثل هذا دون المرسل.
والمراسيل عنده لا تكون حجة فما دونها كيف تكون حجة؟ أو نقول: معناه لا يحتمل النجاسة لضعفه وقلته فيتنجس به، كما يقال: مال فلان لا يحتمل السرف لقلتِهِ.
وقد تكلم الناس في القلة، فقيل أنها قامة الرجل.
وقيل: رأس الجبل، فيكون معناه: إذا بلغ ماء الوادي قدر القامتين، أو رأس الجبلين لا يحمل خبثا؛ لأنه يصير بحرًا، أو غديرا عظيما، وبه نقول (^٢).
وفي الخبازية: ومعنى قوله ﵇: «إذا بلغ الماءُ قُلَّتين»، يعني
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو لمعوّد الحكماء (معاوية بن مالك) في لسان العرب (١٤/ ٣٩٩) (سما)، وللفرزدق في تاج العروس (سما)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة (٣/ ٩٨)، والمخصص (٧/ ١٩٥، ١٦/¬٣٠)، وديوان الأدب (٤/¬٤٧).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٧١).
[ ١ / ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
انتقاصًا لا ازديادًا، فإن قيل: فما فوق القلتين ما لم يبلغ عشرًا في عشر فهو أيضًا ضعيف عن احتمال النجاسة، فما الفائدة في تخصيصه بالقلتين؟
قيل له: من الجائز أنه كان يوحى إليه بأن مجتهدًا سيجيء ويقول بأن الماء إذا بلغ قلتين لم يحتمل النجاسة، فقال: «إذا بلغ الماء قلتين» ردًا لذلك القول، على أنه أوّل البعضُ القلتين برأس الجبلين، وإذا بلغ رؤوس الجبال لا ينجسه شيء، وفيه تأمل.
وسمعت عن شيخي ﵀ أنه قال: ما ذكر في الأسرار من تأويل القلتين بالقامتين، وبرأس الجبلين بعيد، خصوصًا في ديار الحجاز لقلة الماء فيها.
وقيل: حديث القلتين مدني ولم يعلمه إمام أهل المدينة.
وقال الشافعي: بلغني بإسناد لم يحضرني أنه ﵇ قال ذلك (^١)، فقال أصحاب الحديث: ما حضره ولم يحضره أبدًا فيكون الحديث مطعونا، أي في كونه حديثا، فقد قيل: هو أثر أبي هريرة وابن عمر، وليس بحديث.
قال أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: مداره على مطعون عليه، أو مضطرب في الرواية، أو موقوف، حسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير، وهو إباضي منسوب إلى عبد الله بن إباض، من غلاة الروافض، واضطرابه (^٢) في الرواية أنه روى قلتين أو ثلاثة (^٣).
وروي: «أربعون قلة»، وروي: «أربعون غربًا»، أو مضطربًا فلا يصير حجة علينا، ولئن صح فهو محمول على ما ذكرنا.
وقد ترك جماعة من أصحابه مذهبه فيه لضعفه؛ كالغزالي، والروياني وغيرهما، ولأن حديثا القلتين حديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة برواية
_________________
(١) الأم (١/¬١٨).
(٢) في الأصل: (واضطره)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي (١/ ٨٤).
[ ١ / ١٨٢ ]
(وَالمَاءُ الجَارِي إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَازَ الوُضُوءُ مِنهُ إِذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ)، لَا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ المَاءِ وَالْأَثَرُ: هُوَ الرَّائِحَةُ أَوْ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ، وَالجَارِي: مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَقِيلَ: مَا يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ.
مسلم، وإسلامه متأخر وإسلام ابن عمر متقدم، والمتأخر ناسخ للمتقدم لو ثبت.
(إذا لم ير) أي: لم يعلم (لها): أي للنجاسة أثر.
وفي المستصفى: فيه إشارة إلى أنها لو كانت مرئية لا يتوضأ من جانب الوقوع (^١).
قوله: (والجاري) كذا، وقيل في حده: ما يعده الناس جاريًا.
وقيل: ما يطيق حمل شيء وإن قل، وقيل: ما لا يمتنع جريه بعرض يده.
ومعنى قوله: (لا يتكرر استعماله) أن لو غسل يده وسال من يده إلى النهر، ثم يأخذه ثانيًا لا يكون الماء الثاني عين الأول، أو فيه من الماء الأول.
وفي المحيط: وقعت نجاسته في الجاري إن كانت غير مرئية كالبول لا ينجس ما لم يتغير طعمه، أو لونه، أو ريحه، ولو كانت مرئية كالجيفة والعذرة، فإن كان النهر كبيرًا لا يتوضأ من أسفل الجانب الذي فيه الجيفة، ويتوضأ من جانب آخر، وإن كان صغيرًا فإن لاقاها أكثر الماء فهو نجس، وإن كان أقل فهو طاهر، وإن كان النصف جاز الوضوء به في الحكم، والأحوط أن لا يتوضأ.
والعذرة إن كانت على السطح عند الميزاب فإن كانت متفرقة لا ينجس الماء عن محمد، ولو مر المطر على النجاسة ولا يوجد أثرها فيه يتوضأ ولو سد فم النهر فتوضأ فيما بقى جريه تحته جاز، ولو اعترض النهر جيفة فلاقاها أكثر الماء أو نصفه فهو نجس وإلا فهو طاهر، وعلى هذا ماء المطر إذا كانت العذرات عند الميزاب أو في السطح أو في الطرقات والأقنية (^٢).
وفي الصغرى: كلب مُسَيَّب سد عرض الساقية فجرى الماء عليه
_________________
(١) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٦٤).
(٢) المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازة (١/ ٩١).
[ ١ / ١٨٣ ]
قَالَ: (وَالغَدِيرُ العَظِيمُ - الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ -
لا بأس بالتوضي تحته، وفي شرح الطحاوي خلافه.
وفي الكبرى (^١): ماء الثلج جرى على طريق فيه نجاسات إن لم ير أثرها فيه يتوضأ منه لأنه في معنى الماء الجاري، ولو توضأ في الماء الضعيف جريه ووجهه إلى مورد الماء يجوز وإلا فلا حتى يمكث بين كل غرفتين قدر ما تذهب الغسالة، كذا في الْمُجْتَبى (^٢).
وفي الخبازية: فالحاصل أن كل ما تيقنا بحصول النجاسة، أو غلب على ظننا لا يجوز الوضوء به، قليلًا كان أو كثيرًا، جاريًا أو راكدًا؛ لأن غلبة الظن تجري مجرى اليقين في وجوب العمل، كخبر الواحد بنجاسة الماء يوجب العمل وإن لم يفد اليقين.
وفي الحلية: نجاسة جارية في الجاري إن كان الماء الذي يحيط بها يبلغ قلتين ولم يتغير فهو طاهر، وإن نقص عن القلتين فهو نجس ولو اجتمع بعد ذلك في موضع وبلغ قلتين وهو غير متغير يتوضأ به، وفي القديم: الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير وإن كان قليلا، ولو كانت النجاسة راسبة في أسفل الماء والماء يجري عليها فالذي يلاقيها الطبقة السفلى من الماء وهي أقل، من قلتين فهي نجسة، وفي الطبقة العليا وجهان:
أحدهما: أنها نجسة، والثاني: أنها طاهرة، ولو كانت النجاسة طافية والذي يلاقيها أقل من قلتين فهو نجس، وما في القرار فيه وجهان.
وذكر أبو نصر: إذا تغير أحد جانبي النهر قياس المذهب أن ينجس ما يحاذيه من الجانب الآخر وإن لم يتغير حتى ينفصل عن محاذاته فيطهر، ويجيء فيه تخريج الوجه الآخر فإنه مثله (^٣).
قوله: (والغدير العظيم)، وفي البدرية: الغدير فعيل من غدر أي ترك،
_________________
(١) قال ابن نجيم: قَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى فِي الْخِزَانَةِ مَاءُ الثَّلْجِ … البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ٨٩).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٧).
(٣) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (١/ ٧٩).
[ ١ / ١٨٤ ]
إِذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي أَحَدٍ جَانِبَيْهِ
بمعنى مفعول أي متروك من ماء المد، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل، أي التارك له أو البحر.
وفي المبسوط: وقعت نجاسة فيه فإن كان صغيرًا فهو كالأواني يتنجس والأصل فيه حديث ولوغ الكلب، وإن كان كثيرًا فهو على قياس البحر لا يتنجس لقوله ﵇ في البحر: "هُوَ الطهور ماؤه الحل ميتته "، والفصل بين الصغير والكبير يعرف بالخلوص، فإذا كان بحال لو ألقى فيه صبغ فظهر أثره في الجانب الآخر فهو صغير لعلمنا أن النجاسة تخلص إلى الجانب الآخر كما يخلص اللون هكذا نقل عن أبي حفص الكبير.
وتفسير الخلوص إلى ظاهر المذهب أنه لو حُرّك جانب يتحرك الجانب الآخر فيكون صغيرًا، وإن كان لا يتحرك كان كبيرًا (^١).
والمراد من تحرك أحد طرفيه أن يتحرك بالارتفاع والانخفاض ولا يعتبر موج الماء لأن ذلك يكون وإن كثر الماء، إليه أشير في المحيط (^٢).
وفي الأسرار: يعنون تحركه بالاستعمال لا بطبعه؛ فإن الماء سيال يخلص بعضه إلى بعض بالاضطراب الذي يقع فيه وإن كان كثيرا.
وعن الحلواني: والمراد بالتحريك أن ينخفض ويرتفع من غير حده، ويتكدر الماء، أما إذا تراكمت الحباب وطال حتى تحرك الجانب الآخر فليس بشيء، وفي مختلفات قاضي عيني: وتفسير هذا الكلام أنه إذا كان كبيرا يرد الطاهر على النجس بطبعه فيطهر كما يطهر الثوب النجس، وإن كان يخلص بعضه إلى بعض فالنجس يرد عليه أوّلا لأن خلوص هذا الواقع المتحرك أسرع من الخلوص بطبعه.
وقيل: مسألة الحوض بناء على الجزء الذي لا يتجزأ، فإنه عند أهل السنة موجود في الخارج فتصل أجزاء النجاسة إلى جزء لا يمكن تجزئته فيكون باقي
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٧٠).
(٢) المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازة (١/ ٩٤).
[ ١ / ١٨٥ ]
جَازَ الوُضُوءُ مِنْ الجَانِبِ الآخَرِ)، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ إِذْ أَثَرُ التَّحْرِيكِ فِي السِّرَايَةِ فَوْقَ أَثَرِ النَّجَاسَةِ. ثُمَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، أَنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّحْرِيكَ
==
الحوض طاهرًا، وعند المعتزلة والفلاسفة هو معدوم فيكون كل الماء مجاورا للنجاسة فيكون الحوض نجسًا عندهم، قال الكاثي في هذا التقرير نظر.
قوله: (جاز الوضوء من الجانب الآخر)، وفي فتاوى الولوالجي: إلا أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه فحينئذ لا يجوز.
وفي المبسوط والمروي عن أبي حنيفة أنه اعتبر تحريك المتوضئ، وعن أبي يوسف تحريك المنغمس فيه وهو رواية عنه (^١).
وفي فتاوى قاضي خان: اختار التحريك بالاغتسال؛ لأن الاغتسال يختص بالحوض فيعتبر به، أو تغلب فيه المبالغة (^٢).
وإليه أشار بقوله: (لأن الحاجة إليه) أي إلى الاغتسال إلى آخره، وعن بعض المتأخرين من مشايخنا اعتبروه بالكدرة، وعن أبي حفص أنه اعتبره بالصبغ بأن يلقى زعفران في جانب منها.
وقيل: يعتبر التحريك برفع القلال، وبعضهم قدره بالمساحة عن أبي سليمان الجوزجاني بأن كان عشرا في عشر، وعامة المشايخ أخذوا بقوله توسعة للأمر على الناس وعليه الفتوى.
وفي المبسوط: قال أبو عصمة: كان محمد يؤقت في ذلك عشرة في عشرة، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، وقال: لا أؤقت شيئًا، والمشهور عن محمد لما سئل عن هذا قال: إذا كان مثل مسجدي هذا فهو كبير، فلما قام مسحوا مسجده فروي أنه كان ثمان في ثمان، وروي اثنا عشرة في اثنا عشرة، وكأن من روى ثمان في ثمان مسحه من داخله، ومن روى اثنا عشرة مسحه من خارجه (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٧٠).
(٢) فتاو قاضي خان (١/¬٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ٧١).
[ ١ / ١٨٦ ]
بِالِاغْتِسَالِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَعَنْهُ التَّحْرِيكُ بِاليَدِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ بِالتَّوَضُوِ (*).
وَوَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ الحَاجَةَ إِلَى الاغْتِسَالِ فِي الحِيَاضِ أَشَدُّ مِنهَا إِلَى التَّوَضُّةِ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرُوا بِالمِسَاحَةِ عَشْرًا فِي عَشْرِ بِذِرَاعِ الكِرْبَاسِ تَوْسِعَةٌ لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ،
وفي الْمُجْتَبى: عن محمد: عشر في عشر، وعن أبي يوسف: ثمان في ثمان، وعن أحمد بن حرب: سبعة في سبعة (^١).
والصحيح عن أبي حنيفة أنه لم يقدر في ذلك شيئًا، وإنما قال: هو موكول إلى غلبة الظن في خلوص النجاسة من طرف إلى طرف، وهذا أقرب إلى التحقيق وهو الأصح، وهو ظاهر الرواية عنه، وبه أخذ الكرخي؛ لأن المعتبر عدم وصول النجاسة وغلبة الظن في ذلك يجرى مجرى اليقين في وجوب العمل كما إذا أخبر واحد بنجاسة الماء وجب العمل بقوله، وذلك مختلف بحسب اجتهاد الرائي وظنه، كذا في شرح المجمع.
ثم اختلفت ألفاظ الكتب في تعيين الذراع فجعل الصحيح هنا ذراع الكرباس (^٢) وهو سبع مشتات ليس فوق كل مشت أصبع قائمة، ذكره في فتاوى الولوالجي، والمجتبى (^٣).
وجعل الصحيح في فتاوى قاضي خان ذراع المساحة لأنه أليق بالممسوحات وهو سبع مشتات، فوق كل مشت أصبع قائمة (^٤).
وفي المحيط: الأصح أن يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم ولم يتعرض ذراع الكرباس والمساحة، وإنما اعتبر عدد العشرة دون غيره من الأعداد لأن
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٧).
(٣) ذراع الكرباس = ذراع العامة: هو الوحدة القياسية الشرعية لقياس الأطوال، وقدره: ست قبضات كل قبضة أربعة أصابع، وكل أصبع طول ست شعيرات، وقدره بالقياس المتري ٢، ٤٦ س م. معجم لغة الفقهاء (ص) (٢١٣)، وانظر: الكليات للكفوي (ص ٤٦٣).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٧).
(٥) فتاو قاضي خان (١/¬٢).
[ ١ / ١٨٧ ]
وَعَلَيْهِ الفَتْوَى، وَالمُعْتَبَرُ فِي العُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالِ لَا يَنْحَسِرُ بِالاغْتِرَافِ، هُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَوْلُهُ فِي الكِتَابِ: «وَجَازَ الوُضُوءُ مِنْ الجَانِبِ الْآخَرِ»، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ مَوْضِعُ الوُقُوعِ، … … … ..
العشرة أدنى ما ينتهي إليه نوع الأعداد (^١).
وقيل: عدد خطر في الشرع ولهذا اعتبر في نصاب السرقة والمهر.
قوله: (والمعتبر في العمق)، بضم العين المهملة وفتحها، وسكون الميم، واختلفوا في مقدار العمق، قيل: بقدر ذراع، وعن البزدوي: ما يبلغ الكعب، وقيل: قدر شبر.
وقيل: بقدر ما لو ألقي فيه درهم أبيض وقام رجل يبصره لم يبصره، وقيل: بحال لا تنحسر الأرض - أي لا تنكشف - بالاغتراف حتى لو انحسر ثم اتصل بعد ذلك لا يتوضأ منه، وعليه الفتوى، كذا في الفتاوى الظهيرية (^٢).
وإليه أشار في الكتاب بقوله: (وهو الصحيح).
وفي الكاثي: وقدره البعض بأربع أصابع مفتوحة.
قوله: (إشارة إلى أنه يتنجس موضع الوقوع)، ثم مشايخ العراق لم يفرقوا بين النجاسة المرئية وغيرها، ومشايخ بلخ وبخارى فرقوا بين المرئية وغيرها، قالوا في غير المرئية: يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة بخلاف المرئية؛ لأنه بمنزلة الماء الجاري.
وينبني على هذا ما إذا غسل وجهه في حوض كبير تسقط غسالة وجهه في الماء فرفع الماء من موضع الوقوع قبل التحريك، قالوا: على قول أبي يوسف لا يجوز ما لم يحرك الماء، وعن هذا قالوا: لو استنجى لا يجزيه أن يتوضأ من ذلك الموضع قبله، وبه قال أبو جعفر الأسْتَرُوشَنِي وغيره من مشايخ بخارى
_________________
(١) المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازة (١/ ٩٩).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٩)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٩٥).
[ ١ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جوزوا ذلك لعموم البلوى، كذا في المحيط (^١). وفي الْمُجْتَبى: وعليه الفتوى (^٢). وفي المبسوط: والأصح أن الموضع الذي وقعت فيه النجاسة يتنجس (^٣)، وإليه أشار في الكتاب.
وفي الفتاوى الظهيرية: الماء إذا كان له طول ولا عرض له إن كان بحال لو جمع يصير عشرا في عشر وصار عمقه بقدر شبر جاز الوضوء فيه عند الميداني، وبه أخذ الزندويستي، وقال بكر طرخان: لا يجوز إذا كان طوله من بخارى إلى سمرقند.
فقيل: كيف الحيلة؟ فقال: يحفر حفرة، ثم يحفر نهرة إلى الحفيرة حتى يسيل الماء إليها، ثم يتوضأ فيما بين ذلك، وفي التنجيس ما له طول وعمق ولا عرض له لو قدر يصير عشرا في عشر فلا بأس بالوضوء منه تيسيرًا على المسلمين.
خندق طوله أربعون ذراعا وعرضه ذراع، قال أبو سليمان: يجوز الوضوء منه، قيل: لو وقعت فيه نجاسة؟ قال: يتنجس من كل جانب عشرة أذرع.
وفي الْمُجْتَبى: حوض كبير تنجس فدخل فيه ماء طاهر حتى كثر فهو نجس، وقيل: يطهر إذا خرج منه شيء وإن قل - وفي المحيط: وهو الأصح (^٤)، وقيل: إذا خرج مثله، وقيل: ثلاثة أمثاله، وقيل يطهر وإن لم يخرج، قال الترجماني: وبه يفتى، ولو انبسط حتى صار حكميًا، ثم اتصل بنجس فهو طاهر حال وقوع النجاسة، ولا يعتبر حكمه بالانبساط والاجتماع، وفي جمع العلوم: اغترف الماء من النهر بالكوز فدخل فيه بعرة أو بعرتان تنجس عند البعض.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٩٦).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٨).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٧٠).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٩٩).
[ ١ / ١٨٩ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِظُهُورِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَالمَاءِ الجَارِي (*)
حوض الحمام بمنزلة الماء الجاري عند أبي يوسف، قيل على الإطلاق، والأصح أنه إن كان يدخل الماء من الأنبوب والغرف متدارك فهو كالجاري - وتفسير الغرف المتدارك: أن لا يسكن وجه الماء فيما بين الغرفتين، ولو تنجس حوض الحمام فدخل فيه ماء حتى خرج مثله يطهر، وقيل: ثلاثة أمثاله.
ولو خاض في ماء الحمام يجب غسل قدميه، وقيل: لا يجب، والأصح أنه إن علم أن في الحمام خبثًا لا يجب، وإلا فالأول أحوط، كذا في المجتبى (^١).
(إلا بظهور أثر النجاسة) أي: أثرها، وفي جميع التفاريق: المروي عن أبي يوسف في المياه أنه لا ينجس شيء منها إلا بظهور أثر النجاسة فيها، وعن محمد: اجتمع رأي ورأي أبي يوسف على أن البئر لا ينجس كالماء الجاري.
حوض صغير يدخل فيه الماء من جانب، ويخرج من آخر يجوز التوضي فيه إن كان أربعًا في أربع، وإن زاد لم يجز، وفي الصغرى يفتي بالجواز مطلقا لأنه جاري، ولو توضأ في أرض فيها زرع متصل، أو حوض فيه طحلب متصل، أو قطع جمد أو خشب إن كان يتحرك الماء بتحريكه يجوز وإلا فلا، كذا في الْمُجْتَبى (^٢).
وفي المحيط: الحوض المدور يعتبر فيه ثمانية وأربعون ذراعا (^٣).
وقيل: أربعة وأربعون، وعند الحساب إذا كان دوره ستة وثلاثين، تكون مساحته مائة ذراع، قيل: والأول أحوط وأليق بالفقه.
حوض كبير فيه عصير فوقع البول فيه لا يفسده.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٨).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢١٩).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٩٩).
[ ١ / ١٩٠ ]
قَالَ: (وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فِي المَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ، كَالبَقُّ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُفْسِدُهُ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ … …
حوض له مشارع، والماء متصل بالواجهة لا يضطرب فتوضأ رجل في مشرعه لا يجوز، وإن كان الماء أسفل من الألواح قليلا جاز، هذا كله مذهبنا، والشافعي اعتبر القلتين، ومالك التغير.
وفي المبسوط: يتوضأ الرجل من حوض وخاف أن يكون فيه قذر ولا يستيقنه، قيل: إن سأل عنه جاز؛ لأن الأصل في الماء الطهارة، والتمسك به وخوفه بناء على الظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا، ولا يسأل لأن السؤال للحاجة عند عدم الدليل والأصل دليل، ألا ترى أن عمر أنكر على عمرو بن العاص سؤاله بقوله: يا صاحب الحوض لا تخبرنا (^١).
قوله: (نَفْسٌ سَائِلَةٌ): دم سائلة، وفي المستصفى: النفس بسكون الفاء الدم (^٢). وفي النهاية: إما دم، أو الدم محل النفس على حسب اختلاف الحكماء، فكان إطلاق الاسم الحال على المحل (^٣).
وذكر (الزنابير) بلفظ الجمع دون غيره لأن فيها أنواعًا شتى.
وقال الشافعي: يفسده - في قول - لأنه ميتة، وهو حرام بالنص، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، والتحريم آية النجاسة إلا السمك لقوله ﵇: «أُحِلَّتْ لَنا مِيتَتَانَ» (^٤)، الحديث.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١/¬٢٣، رقم ١٤)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٠٩، رقم ٢٣٤)، والدارقطني (١/¬٣٨، رقم ٦٢).
(٢) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٦٥).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٣٨٧).
(٤) أخرجه الشافعي في المسند (ص ٣٤٠)، وابن ماجه (٢/ ١٠٧٣، رقم ٣٣١٤)، والدارقطني (٥/ ٤٩٠، رقم ٤٧٣٢) وأحمد (٢/ ٩٧، رقم ٥٧٢٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٥٤، رقم ١٢٤١) من حديث عبد الله بن عمر ﵄. قال البيهقي: الموقوف أصح، وقال ابن حجر: ورواه الدارقطني من رواية سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم موقوفًا، قال: وهو أصح، وكذا صحح الموقوف: أبو زرعة، وأبو حاتم، وعبد الرحمن بن زيد ضعيف متروك، وقال أحمد: حديثه هذا منكر. تلخيص الحبير (١/ ١٦٠)، وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف. مصباح الزجاجة (٢٤١١).
[ ١ / ١٩١ ]
لَا بِطَريقِ الكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ دُودِ الخَلِّ وَسُوسِ الثِّمَارِ، لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةٌ، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ فِيهِ: «هَذَا هُوَ الحَلَالُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ مِنهُ»، وَلِأَنَّ المُنَجَّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ المَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، حَتَّى حَلَّ المُذَكَّى.
وفي قول: لا يفسده، وهو الأصح، كذا في شرح الوجيز (^١). وقوله: (لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ): احتراز عن الآدمي فإنه حرام لكرامته، قال القاضي أبو زيد: حرمة الشيء مع صلاحيته للغذاء دليل النجاسة كالكلب والخنزير.
(وَلَنَا قَوْلُهُ ﵇ فِيهِ): أي في مثل هذه الحالة، روى سلمان: أنه ﵇ سئل عن إناء فيه طعام أو شراب يموت فيه ما ليس له دم سائل؟ قال ﵇: «هُوَ الحلال أكلُهُ وشُربُهُ» (^٢)، الحديث، وكذا في مختصر السهيلي. روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «إذا وقع الذباب في طَعامِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ، ثُمَّ انْقُلُوهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمَّا وَفِي الآخَرِ شِفاءً، وإنه لَيُقَدِّمُ السُّمَّ على الشفاء» (^٣)، كذا في صحيح البخاري، والمبسوط.
وفي النافع: «فإنّ في أحد جناحيه داءً، وفِي الآخر دواءً»، ومعلوم أنه بالمقل في طعام حار يموت من ساعته، ولو كان موته به يوجب تنجيسًا لكان هذا أمرًا بالتضييع وقد نهينا عنه، والحديث وإن ورد في الذباب لكن يثبت الحكم في أخواتها بدلالة النص، أو بحديث آخر، أو بالإجماع. (وَلِأَنَّ الْمُنَجَّسَ هو اخْتِلَاطُ الدَّمِ)، إلى آخره، ولهذا لو صلى مع فأرة أو عصفورة حية لم تفسد صلاته.
وفي المبسوط: الحيوان إنما يتنجس بالموت لما فيه من الدم المسفوح بدليل أن المذكى طاهر، والدم حرام بالنص قال تعالى: ﴿أَوْ دَمَا مَّسْفُوحًا﴾.
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (٢/ ٢٥٦)، والمجموع للنووي (١/ ١٢٧).
(٢) تقدم تخريجه في المتن.
(٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٣٠، رقم ٣٣٢٠) بلفظ: «إذا وقع الذباب في شرابِ أَحَدِكُم فَلْيَغْمِسْهُ ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء، والأخرى شفاء». وأخرجه أبو داود (٣/ ٣٦٥، رقم ٣٨٤٤) بنحو اللفظ المذكور.
[ ١ / ١٩٢ ]
لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ، … … … …
[الأنعام: ١٤٥]، فما ليس له دم لا يتنجس بالموت؛ كالزروع، والأشجار بالقطع، فلا يتنجس ما مات فيه قياسًا على ما خلق منه (^١).
قوله: (لإنعدام الدَّمِ فِيهِ)، فإن قيل: يلزم على هذا التعليل مذبوح المجوسي والوثني ومتروك التسمية عامدًا فإن الدم زال عنه ولم يحل، ومذبوح المسلم بالتسمية الذي لا يعلم حياته يقينا، ولم يسل الدم بعارض بأن أكل ورق العناب فإنه يحل، مع أن الدم لم يسل.
قلنا: أما ذبيحة المجوسي والوثني، وتارك التسمية عمدًا طاهر على الأصح، وإن لم يؤكل لعدم أهلية الذابح شرعًا، ذكره في الْمُجْتَبى (^٢). ولأن الشرع جعل مذبوحه كالمنخنقة لعدم الأهلية، وتعلق الحكم بالسبب المُرِيق وهو الزكاة الشرعية لا نفس الإراقة فسقطت الإرادة، ودار الحكم مع سببه.
وأما فيما ذبحه مسلم ولم يسل الدم بعارض فجعل الدم كأنه سال شرعًا لقيام سببه، وربما لا يريق لعارض والعوارض لا تدخل في القواعد، كذا في النهاية (^٣).
فإن قيل: لو كان المنجس هو الدم يلزم أن يكون الدموي من الحيوان نجسا سواء كان قبل الحياة أو بعدها؛ لأنه يشمل على الدم في كلتا الحالتين.
قلنا: الدم حال الحياة في معدنه لا يكون نجسا، بخلاف الذي بعد الموت؛ لأن الدماء بعده تنصب على مجاريها فلا تبقى في معدنها فيتنجس اللحم بتنشره إياها، ولهذا لو قطعت العروق بعد الموت لا يسيل الدم منها، كذا في الفوائد الظهيرية (^٤).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٥١).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٢٠).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٩٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٣٩٠).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٤/¬٩)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٩٤).
[ ١ / ١٩٣ ]
وَلَا دَمَ فِيهَا، وَالحُرْمَةُ لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَتِهَا النَّجَاسَةُ كَالدِّينِ.
قَالَ: (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي المَاءِ فِيهِ لَا يُفْسِدُهُ، كَالسَّمَكِ وَالضِفْدِعِ وَالسَّرَطَانِ)
(وَلَا دَمَ فِيهَا)، أي: في هذه الأشياء، وهو البقُّ والذباب ونحوهما، وفي صلاة البقالي: لو مص البق الدم لم ينجس عند أبي يوسف لأنه مستعار، وعند محمد ينجسه، وفي جميع التفاريق: الخلاف على العكس، والأصح في العلق إذا مص الدم أنه يفسد الماء، قال صاحب الْمُجْتَبَى: ومن هذا يعرف حكم القراد والحلم (^١).
وقوله: (وَالحُرْمَةُ لَيْسَتْ)، إلى آخره جواب عما قال الخصم إن التحريم لا بطريق الكرامة آية النجاسة كالطين، وفي جامع الكردري: وخص من الآية السمك والجراد باعتبار عدم الدم والمتنازع فيه بمعناهما فيلحق بها، والأتان طاهر ولا تؤكل، وكذا لحوم السباع إذا ذبحت طاهرة ولا تؤكل.
وفي الحاوي: جازت الصلاة مع لحم البازي المذبوح وكذا كل شيء، لم يؤمر بإعادة الصلاة في سؤر مثل الحية والفأرة، وجميع الطيور تجوز الصلاة مع لحمها إذا كانت مذبوحة، وقال نصير: إذا ذبح شيء من السباع فجلده طاهر، ولحمه، نجس، بخلاف الطيور، والحية، والفأرة.
قوله: (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ فِيهِ) أي في الماء.
وقوله: (فِي الْمَاءِ)، ظرف لـ (يَعِيش)، وقوله: (فيه) ظرف للموت، وفي بعض النسخ لم يذكر كلمة (فيه)، وشمس الأئمة الكردري أثبتها لتكون المسألة مجمعًا عليها؛ لأنه إذا مات في غير الماء قيل: يفسده، وقيل: لا يفسده (^٢).
وفي البدرية: قدم السمك لأنه مجمع عليه، وهذا إذا مات حتف أنفه، أما إذا قتل في الماء جرحًا فعند أبي يوسف يفسده على ما روى المعلا عنه.
وفي المُجْتَبَى: عن أبي يوسف إن ماتت حية عظيمة مائية، أو سمك في الماء يفسده (^٣).
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٢٠).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١١٤)، وتحفة الفقهاء للسَّمَرْقَندي (١/ ٦٣).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٢٠).
[ ١ / ١٩٤ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُفْسِدُهُ إِلَّا السَّمَكُ، لِمَا مَرَّ. وَلَنَا: أَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ، فَلَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مُكَّهَا دَمًا، وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا، إِذِ الدَّمَوِيُّ لَا
وفي الحاوي: مات الضفدع في العصير، قال نصير: لا يُصَبُّ، وقال أبو الليث: هذا على قياس قول أبي يوسف فإنه اعتبر الدم السائل حتى إن صبَّهُ الماء لو ماتت في الماء عنده لو كانت بحال لو خرجت يسيل منها الدم فسد الماء، والضفدع لا دم له فلا يُصَبُّ، على قياس أبي حنيفة لا يفسد (^١).
وقوله: (لِمَا مَرَّ) إشارة إلى قوله: (لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ) فحينئذ كل ما حرم أكله ينجس الماء عنده، كذا في الحلية.
قال الكاثي: قوله: (لا يفسده) أقوى من قوله (لا ينجسه)؛ لأن قوله (لا يفسده) يؤذن بأنه يبقى طاهرًا وطهورًا، وقوله (لا ينجسه) يفيد طهارته لا طهوريته؛ كالتراب طاهر وليس بطهور إلا عند الضرورة حكما لا حقيقة.
(كَبَيْضَةٍ حَالَ) أي تغير مُحُها أي صفرتها دمًا، يعني لو صلى وفي كمه تلك البيضة تجوز صلاته؛ لأن النجاسة في معدنها لا تعطى له حكم النجاسة، بخلاف ما لو صلى وفي كمه قارورة دم حيث لا يجوز؛ لأنها في غير معدنها (^٢).
وعند الشافعي البيضة إذا استحالت دما فهي نجسة في أصح الوجهين، ولو صارت مذرة وهي التي اختلط بياضها بصفرتها فهي طاهرة بلا خلاف (^٣).
وعموم قوله: (مَاتَ فِي مَعْدِنِهَا) يقتضي أن لا يعطي للوحوش والطيور حكم النجاسة إذا مات في معدنها؛ لأن معدنها البر، ولهذا جعل شمس الأئمة تعليل قوله: (لا) دم فيها أصح، قال: ليس لهذه الحيوانات دم سائل فإن ما فيها يبيض بالشمس، والدم إذا شُمِّس يَسْوَدُّ، ولهذا قال في الكتاب: وهو الأصح (^٤).
وفي الخبازية: سئل محمد عن ضفدع مات في الخل؟ قال: لا ينجسه.
قيل له: من أين تقول؟ قال: أرأيت لو مات في الماء ثم صب في الخل
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٧)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١١٤).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٩٤)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٨٤).
(٣) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ١٦٠)، والمجموع للنووي (١/ ٢٤٤).
(٤) انظر: الاختيار لتعليل المختار للبلدجي (١/¬٣٤)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٣٨).
[ ١ / ١٩٥ ]
يَسْكُنُ المَاءَ، وَالدَّمُ هُوَ المُنَجِّسُ، وَفِي غَيْرِ المَاءِ، قِيلَ: غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ لِانْعِدَامِ المَعْدِنِ. وَقِيلَ: لَا يُفْسِدُهُ لِعَدَمِ الدَّمِ، وَهُوَ الأَصَحُ.
لم يتنجس الخل (^١)، وهذا يدل على أن المانع من التنجس عدم الدم لا وجود المعدن، إذ لو كان المانع وجود المعدن وجب أن يتنجس الخل بصب ما مات فيه الضفدع لاختلاط أجزائه بالماء فتحصل أجزاؤه في الخل، وهو غير معدن فوجب أن يتنجس لانعدام المانع عن التنجس بعد وجود الموجب، وحيث لم يتنجس دل على أن المانع عدم الدم.
وعن أبي يوسف: إذا تقطر لهذه الحيوانات دم في الماء يفسده، بناء على قوله (إن دمه نجس)، وهو ضعيف؛ لأنه لا دم لها لما بينا، وقال الطحاوي: الطافي من السمك يفسد الماء، وهو غلط في الطافي أكثر فسادا من أنه غير مأكول فهو كالضفدع والسرطان.
وعن محمد: الضفدع إذا تفتت في الماء كرهت شربه لا لنجاسته، بل لأن أجزاءه فيه فهو غير مأكول، كذا في المبسوط (^٢).
وفي الفتاوى الظهيرية: البحري ما يكون بين أصابعه سترة دون البري.
قوله: (ثُمَّ السَّمَكَ يُفْسِدُه)، وهو [قول] (^٣) نصير بن يحيي، ومحمد بن سلمة، وأبي معاذ البلخي، وأبي مطيع.
وقيل: لا يفسده، وهو قول أبي عبد الله البلخي، ومحمد بن مقاتل، كذا في المحيط (^٤)، وهو الأصح.
وذكر التمرتاشي: لو ماتت هذه الحيوانات في الخل، والعصير، والمرق فمن اعتبر الدم لم يفسده، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهشام عن محمد، ومن اعتبر المعدن نجسه، وهو رواية عن أبي يوسف، وفي الباقلي إشارة إلى أن أبا حنيفة اعتبر المعدن، وهما اعتبرا الدم السائل، والصحيح عنه في موت طير الماء فيه لا ينجسه.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٧)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١١٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٧).
(٣) زيادة من النسخة الثانية.
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١١٤).
[ ١ / ١٩٦ ]
والضفدع البَحْرِيُّ وَالبَرِّيُّ فِيهِ سَوَاءٌ. وَقِيلَ: البَرِّيُّ مُفْسِدٌ لِوُجُودِ الدَّمِ وَعَدَمِ المَعْدِنِ، وَمَا يَعِيشُ فِي المَاءِ مَا يَكُونُ تَوَلَّدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي المَاءِ، وَمَائِيُّ المَعَاشِ دُونَ مَائِيِّ المَوْلِدِ مُفْسِدٌ.
قَالَ: (وَالمَاءُ المُسْتَعْمَلُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ)، خِلَافًا
وقيل: إن كان يفرخ في الماء لا يفسده وإلا فيفسده ويفسد غير الماء باتفاق الروايات. وفي كلب الماء اختلاف المشايخ، كذا في الْمُجْتَبى (^١).
قوله: (والماء المستعمل لا يُطهَّر الأحداث) قيد به لما أنه يطهر الأنجاس فيما روى محمد عن أبي حنيفة، وفي جامع الاسبيجابي: الماء المستعمل ثلاثة أنواع، نوع طاهر بالإجماع؛ كالمستعمل في غسل الأعيان الطاهرة، ونوع نجس بالاتفاق؛ كالمستعمل في الأعيان النجسة، وفي الاستنجاء قبل أن يحكم بطهارة ذلك الموضع، ونوع مختلف فيه، وهو الذي توضأ به محدث أو اغتسل جنب بعد أن لم يكن على أعضائه نجاسة حقيقية.
ثم الكلام فيه في ثلاثة مواضع: أحدها: في حكمه، والثاني: في سببه، والثالث: في وقته، أي في وقت يصير مستعملا، للشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه طاهر وطهور، وهو قول مالك (^٢)، وداود (^٣).
والثاني: قول زفر، وفي الجديد: طاهر غير مطهر، وهو قول محمد (^٤)، وأحمد (^٥)، وهو المشهور عن أبي حنيفة ﵀، وهذه الرواية هي الصحيحة، نص عليه القدوري في كتاب تفريد المسائل، وفي المحيط، والزاد، وفتاوى الولوالجي، والمجتبى والكبرى، وعليه الفتوى لعموم البلوى.
وقال محمد: يكره شربه ولا يحرم ويعجن به (^٦)، وروى الحسن عن أبي
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٢١).
(٢) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٦٣)، والذخيرة للقرافي (١/ ١٧٤).
(٣) انظر: المُحلَّى لابن حزم (١/ ١٨٢)، وحلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٨٢).
(٤) انظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١/¬٤٦).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (١/¬١٦)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ١٢٠).
(٦) انظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١/¬٣٥).
[ ١ / ١٩٧ ]
لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ، هُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ الطَّهُورَ مَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالقَطُوع.
وَقَالَ زُفَرُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ ﵀: إِنْ كَانَ المُسْتَعْمِلُ مُتَوَضِّئًا فَهُوَ
حنيفة أنه نجس نجاسة غليظة. وروى عنه أنه نجس نجاسة خفيفة وبه أخذ أبو يوسف.
الطهور ما يطهر غيره مرة بعد أخرى كالقطوع، وفي الكافي: هذا غير مثبت في القوانين.
وقال صاحب الكشاف، وصاحب المغرب: الطهور مبالغة في الطاهر (^١). وما حكى عن ثعلب أنه ما كان طاهرًا في نفسه مطهرا لغيره، إن كان هذا زيادة بيان لنهايته في الطهارة كان شديدًا، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ﴾ [الأنفال: ١١]، وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء، وقياسه على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية كقطوع غير سديد.
وسمعت عن شيخي ﵀ إذا كان الطهور مبالغة في الطاهر ينبغي أن يكون مطهرًا لغيره، وإلا لا يبقى الفرق بين الطاهر والطهور، فحينئذ يصير متعديا على هذا التقدير فيكون للتكثير كالقطوع، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال في موضع آخر: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، ولم يتضح لي سر هذا الكلام.
وجه قول مالك أنه ماء طاهر لاقى محلًّا طاهرًا فكان طهورا كما كان، كماء غسل به ثوب طاهر، وجه قول محمد ما روى عن سعد بن أبي وقاص أنه مرض فتوضأ النبي ﷺ وصب عليه الغسالة فأفاق، وكذا فعل في حق جابر، ولو كان نجسا لما استشفى ﵇ به مع قوله: " إِنَّ اللهَ تَعَالَى لم يَجْعَلْ شفاءكم فيما حُرِّمَ عَلَيْكُم " (^٢)، وروى البخاري: كان ﵇ إذا توضأ
_________________
(١) انظر: تفسير الزمخشري الكشاف (٣/ ٢٨٤)، والمُغْرِب في ترتيب المُعْرَب للمطرزي (ص ٢٩٥).
(٢) أخرجه ابن حبان (٤/ ٢٣٣، رقم ١٣٩١) والبيهقي في السنن الكبرى (٥/¬١٠، رقم ٢٠١٧١) من حديث أم سلمة ﵂.
[ ١ / ١٩٨ ]
طَهُورٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، لِأَنَّ العُضْوَ طَاهِرُ حَقِيقَةٌ، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ المَاءُ طَاهِرًا، لَكِنَّهُ نَجِسٌ حُكْمًا، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ المَاءُ نَجِسًا فَقُلْنَا بِانْتِفَاءِ الطَّهُورِيَّةِ وَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ (*)، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، لِأَنَّ مُلَاقَاةَ الطَّاهِرِ لِلطَّاهِرِ لَا تُوجِبُ التَّنَبُّسَ، إِلَّا
كَادُوا يقتتلون على وضوئه (^١)، وفي حديث آخر: يتمسحون بوضوء النبي ﷺ (^٢)، فدل على طهارته، ولأن الصحابة كانوا يتوضؤون ويتقاطر على ثيابهم ولا يغسلونها، ولأنه طاهر لاقى طاهرا؛ فإن الأعضاء طاهرة حقيقية وشرعًا كما بينا، فلا ينجس الماء كما لو غُسل به ثوب طاهر، إلا أنه أقيم به قربة فزال عنه صفة الطهورية كمال الصدقة لما أقيم به القربة تغيّر صفته فزال عنه الطيب، لكن بقي طاهرا حلالا في نفسه.
وجه رواية أبي يوسف قوله ﵇: «لَا يَبولَنَّ» الحديث، [وراويه] (^٣) أبو هريرة، فالنبي ﷺ سوى بين النجاسة الحكمية والحقيقية حيث نهى عن الاغتسال في الماء القليل كما نهى عن البول فيه، ولهذا لو اغتسل الجنب يؤخر غسل رجليه كيلا يتنجسا ثانيًا بالماء المستعمل.
فإن قيل: القِران في النظم لا يوجب القران في الحكم فلا يلزم تنجس الماء به لجواز أن يكون النهي عنه باعتبار صفة طهوريته لا باعتبار نجاسته. قلنا: قد بينا أن مطلق النهي للتحريم خصوصا إذا كان مؤكدًا بنون التأكيد لا باعتبار القران ولأنهم أجمعوا على أن المسافر إذا خاف العطش حل له التيمم مع وجود الماء ولا يؤمر له بالتوضي وجمع الغسالة للشرب مع عزته في ذلك الموضع والمعنى أن الحديث في منع الصلاة فوق النجاسة الحقيقية فإن القليل من الحدث مانع ومن الحقيقية لا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
ولأنه ماء أزيلت به النجاسة الحكمية؛ لأن عضو المحدث والجنب له حكم
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ١٩٣، رقم ٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة، ومروان ﵄.
(٣) أخرجه البخاري (١/¬٤٩، رقم ١٨٧)، ومسلم (١/ ٣٦١، رقم ٥٠٣) من حديث أبي جحيفة ﵁.
(٤) في الأصل والنسخة الثانية: (ورواية).
[ ١ / ١٩٩ ]
أَنَّهُ أُقِيمَتْ بِهِ قُرْبَةٌ فَتَغَيَّرَتْ بِهِ صِفَتُهُ كَمَالِ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: هُوَ نَجِسٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ» الحَدِيث، وَلِأَنَّهُ مَاءٌ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الحُكْمِيَّةُ فَيُعْتَبَرُ بِمَاءٍ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الحَقِيقِيَّةُ، ثُمَّ فِي رِوَايَةِ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةٌ اعْتِبَارًا بِالمَاءِ المُسْتَعْمَلِ فِي النَّجَاسَةِ الحَقِيقَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ ﵀، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةٌ خَفِيفَةٌ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ.
النجاسة شرعًا، وقد أزيلت تلك النجاسة بالماء فيتنجس كما في الحقيقية بحقيقة أنه تعالى أخبر عن الحقيقي والحكمي بكلمة واحدة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية.
فإن قيل: هذا يتحقق في المحدث والجنب، أما في المتوضئ ثابتا بنية القربة فلا؛ لأنه لم يكن في أعضائه من النجاسة الحكمية.
قلنا: لما نوى القربة فقد ازداد طهارة على طهارة، ولن تكون طهارة جديدة إلا بإزالتها حكمًا، فصارت الطهارة على الطهارة وعلى الحدث سواء، كذا في الأسرار (^١).
وأما الجواب عما تمسك محمد من الحديث أن صب النبي ﷺ وتماسحهم به لا يدل على أن المصبوب والذي تمسحوا به هو المتساقط من أعضائه ﵇، بل يجوز أن يكون الماء الذي فضل عنه ﵇ من وضوئه، ولهذا جاء في بعض رواياته الصحيحة: فجعلَ الناسُ يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون (^٢)، وفي لفظ النسائي: «فأخرج بلال فضل وضوئه فابتدر الناسُ» (^٣)، وليس المراد به المتساقط من وضوئه، وكذا في حديث الصب فلا يدل على طهارة الماء المستعمل.
وأما الجواب عن عدم غسل الصحابة ثيابهم أن حكم الاستعمال يثبت له
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٩٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٠١).
(٢) أخرجه البخاري (١/¬٤٩، رقم ١٨٧)، ومسلم (١/ ٣٦١، رقم ٥٠٣) من حديث أبي جحيفة ﵁.
(٣) أخرجه النسائي (١/ ٨٧، رقم ١٣٧) من حديث أبي جحيفة ﵁.
[ ١ / ٢٠٠ ]
قال: (وَالمَاءُ المُسْتَعْمَلُ: هُوَ مَاءٌ أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ أَوْ اسْتُعْمِلَ فِي البَدَنِ عَلَى وَجْهِ القُرْبَةِ)، قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا.
بالاستقرار على الأرض عند البعض وعند آخرين، إن ثبت بالمزايلة لكن في الثياب ضرورة فعفي عن ذلك.
ثم في رواية الحسن عن أبي حنيفة نجاسة غليظة كما في العينية، ولكنه بعيد لأن للبلوى تأثيرًا في تخفيف النجاسة، وهذا في الماء المستعمل ظاهر لأن صون الثياب عنه غير ممكن وهو مختلف في نجاسته فلذلك خف حكمه، كذا في المبسوط (^١).
قوله: (الماء المستعمل)، هو كذا، وفي البدرية: هذا من حيث الشريعة، أما لغة: هو ما استعمل في أي شيء كان، ومن حق الكلام أن يقدم تعريفه على حكمه، إلا أن هذا الكتاب لبيان الأحكام قدم الحكم، هذا بيان صيرورته مستعملا.
قال أبو بكر الرازي: سببه أحد الأمرين عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو إما إزالة الحدث، أو قصد القربة، وعند محمد قصد القربة فقط.
وعند زفر والشافعي إزالة الحدث، حتى لو توضأ المحدث أو الجنب بنية القربة يصير الماء مستعملا بالإجماع، ولو توضأ المتوضئ للتبرد لا يصير مستعملا بالإجماع (^٢).
ولو توضأ المحدث المتبرد يصير مستعملا عندهما وزفر، وعند محمد لا؛ لعدم قصد القربة، وكذلك عند الشافعي لعدم إزالة الحدث عنده بلا نية (^٣).
ولو توضأ المتوضئ لقصد القربة يصير مستعملا عند الثلاثة، خلافًا لزفر والشافعي.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٦).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٢٢٨)، والمجموع للنووي (١/ ١٤٩).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٢٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٠٢).
[ ١ / ٢٠١ ]
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إِلَّا بِإِقَامَةِ القُرْبَةِ (*) لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الْآثَامِ إِلَيْهِ، وَإِنَّهَا تُزَالُ بِالقُرَبِ، وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ: إِسْقَاطُ الفَرْضِ مُؤَثُرٌ
واستدل المشايخ على هذا بمسألة الجنب إذا انغمس في البئر لطلب الدلو، فعند محمد الرجل طاهر، والماء طاهر؛ لأن زوال الجنابة لا تتوقف على النية فيطهر منها نوى أو لم ينو، والماء لا يصير مستعملا لعدم القربة، وعند أبي يوسف الماء بحاله والرجل بحاله؛ لأنا لو قلنا بطهارة الرجل يصير الماء مستعملا، ومتى قلنا بنجاسة الماء يتعذر طهارة الرجل؛ لأنه لا يتصور أن يخرج طاهرا من ماء نجس، ومتى قلنا بنجاسة الرجل لا يصير الماء مستعملا فيدور هكذا إلى ما لا يتناهى، وسهم الدور ساقط.
فقلنا: الرجل بحاله والماء بحاله، وعند أبي حنيفة ﵀ الماء والرجل نجسان كما ذكر في المتن وبعض أصحابنا أنكروا هذا الخلاف وقالوا: لا خلاف بين الثلاثة أن الماء يصير مستعملا بإزالة الحدث، وإنما لم يقل محمد في الجنب المنغمس أنه يصير مستعملا للضرورة، كما لم يقل في الجنب إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف أو المحدث للضرورة، حتى لو أدخل رأسه أو رجله يصير مستعملا لعدم الضرورة (^١).
قوله: (بانتقال نجاسة الآثام)، والإثم نجس لقوله ﵇: «من أصابَ من هذه القاذورات فَلْيَستَتِرْ بسَترِ اللهِ تَعالى» (^٢)، ولأنه شعبة من الكفر وهو أقوى من النجاسات والآثام يزال بالقرب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال ﵇: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» (^٣)، وجاء في الخبر: «من غسل وجهه تناثرت خطاياه مع آخر قطر الماء» (^٤)، إسقاط
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ٨٣)، والمبسوط للسرخسي (١/ ٥٣).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٢٥، رقم ١٢) من حديث زيد بن أسلم مرسلًا.
(٤) أخرجه الترمذي (٣/ ٤٢٣، رقم ١٩٨٧)، والدارمي (٣/ ١٨٣٧، رقم ٢٨٣٣)، وأحمد (٥/ ١٥٣) رقم (٢١٣٩٢)، والحاكم (١/ ٥٤، رقم ١٧٨) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٢١٥، رقم ٢٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٠٢ ]
أَيْضًا فَيَثْبُتُ الفَسَادُ بِالأَمْرَيْنِ، وَمَتَى يَصِيرُ المَاءُ مُسْتَعْمَلًا؟ الصَّحِيحُ. أَنَّهُ كَمَا زَايَلَ العُضْوَ صَارَ مُسْتَعْمَلا، لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ الاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا
الفرض مؤثر أيضًا؛ لأن تغير الماء عندهما لزوال نجاسة حكمية إلى الماء، وقد زالت في الحين.
قوله: (ومتى يصير الماء مستعملا)، هذا بيان وقت أخذه حكم الاستعمال، والكاف في كما زايل العضو للمفاجآت لا للتشبيه، كما تقول: كما خرجت رأيت زيدًا، أي فاجأت ساعة خروجي ساعة رؤية زيد، يعني يصير الماء مستعملا مفاجئًا وقت زواله عن العضو وقت الاستعمال من غير توقف إلى وقت الاستقرار كما زعم بعض مشايخنا.
وفي المحيط: كما زايل العضو يصير مستعملا، والاجتماع والاستقرار في مكان ليس بشرط بصيرورته مستعملا وهو مذهب أصحابنا (^١).
وسمعت عن شيخي هذا في حق ما لا ضرورة فيه كثياب غير المتوضئ.
وقيل: في حق المغتسل لأنه قليل الوقوع لا في حق المتوضئ، وما ذكر في بعض الشروح في اشتراط الاجتماع في موضع فذاك مذهب سفيان الثوري، وإبراهيم النخعي، وبعض مشايخ بلخ، وأبي حفص الكبير، وظهير الدين المرغيناني وفي فتاويه: اتفق علماؤنا أن الماء المستعمل على وجه القربة ما دام مترددا في العضو لا يعطي له حكم الاستعمال، فإذا زال ولم يصل إلى موضع يستقر فيه سواء كان أرضًا أو كف مستعمل، أو إناء وجرى على عضو إنسان لم يصر متوضئًا، وقال أصحاب العشرة ببخارى: الاستقرار شرط، وهو اختيار الصدر الشهيد (^٢).
وقال أبو الليث في فتاواه: [شرطية الاستقرار] (^٣) مذهب سفيان الثوري لا مذهب أصحابنا بدليل ما ذكر في كتاب الصلاة، مسائل، منها: أن المتوضئ لو
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/¬٣٨).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/¬٢٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٠٥).
(٣) في الأصل (شرطيته)، والمثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ٢٠٣ ]
ضَرُورَةَ بَعْدَهُ، وَالجُنُبُ إِذَا انْغَمَسَ فِي البِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ: فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: الرَّجُلُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الصَّبٌ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ لِإِسْقَاطِ الفَرْضِ، وَالمَاءُ
نسي مسح رأسه فمسح ببلل أخذه من لحيته لا يجوز.
ومنها: لو نسي مسح رأسه ثم مسح خفيه ثم تذكره، ثم مسح رأسه ببلل في كفه قبل الاستقرار لا يجوز.
ومنها: أن المتوضئ لو بقي لمعة على يده فبلها ببلة نقلها من وجهه لا يجوز إن لم يوجد الاستقرار، واستدل الثوري ومن تابعه بما ذكرنا من عدم غسيل الصحابة ثيابهم وبمسائل، منها: إذا توضأ واغتسل وبقي في يده لمعة فأخذ البلة منها في الوضوء أو من أي عضو كان في الغسل وغسل اللمعة.
ومنها: لو بقي في كفه بلة فمسح بها رأسه جاز.
ومنها: لو مسح أعضاءه بالمنديل فابتل جاز الصلاة عليه.
وأجابوا عن المسألة الأولى في العضو الواحد منع النقل يفضي إلى الحرج، وجميع البدن في الجنابة كعضو واحد.
وعن الثانية: فقد ذكر الحاكم إنما يجزيه إذا لم يكن استعمله في شيء من أعضائه وإلا لا يجوز، والصحيح أنه يجوز وإن استعمله في المغسولات؛ لأن الفرض تأدى بما جرى على العضو لا بالبلة الثانية في الكف، وحكم الاستعمال سقط في المنديل والثياب للحرج والضرورة.
قوله: (لطلب الدلو)، قيد به إذ لو انغمس للاغتسال يفسد الماء عند الكل، والمراد من الجنب الذي ليس في بدنه نجاسة من المني وغيره، وهذه مسألة خرجها أبو بكر الرازي لبيان الاختلاف كما بينا وجه التخريج.
(وهو شرط)، أي: الصب، (عنده)، أي: في الماء الذي ليس بجار، ولا هو في حكم الجاري إذ الصب فيهما لا يشترط عنده أيضًا، وروي عنه أن الصب شرط في طهارة الثوب أيضًا (^١)، وهو قول الشافعي (^٢)، فوجهه أن
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٩٤)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٢١).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/¬٤٥)، والمجموع للنووي (١/ ١٤٥).
[ ١ / ٢٠٤ ]
بحاله لعدم الأمرين، وعند محمد ﷺ كلاهما طاهران: الرجل لعدم اشتراط الصب، والماء لعدم نية القربة. وعند أبي حنيفة ﷺ كلاهما نجسان: الماء
القياس يأبى التطهير؛ لأن الماء يتنجس بأول الملاقاة فلا يحصل به التطهير، وإنما حكمنا بالطهارة ضرورة أن الشرع كلفنا بالتطهير والتكليف يعتمد القدرة وسمى الماء طهورا، وذلك يقتضي حصولها به والضرورة تندفع بطريق الصب فلا يصار إلى وجه آخر، مع أن الماء حالة الصب بمنزلة الماء الجاري، وفي غير حالة الصب الماء الراكد، والراكد أضعف منه.
ووجه رواية الفرق لأبي يوسف بين الثوب والبدن أن غسل الثوب بطريق الصب لا يحصل إلا بكلفة، وغسل البدن يتحقق بالصب بلا كلفة فيشترط فيه دونه، فعندهما وعند أبي يوسف في رواية: يطهر الثوب بالماء الثالث لأجل البلوى والضرورة؛ فإن الماء الجاري لا يوجد في كل موضع ثم الماء للطافية يتداخل في أجزاء الثوب فتخرج النجاسة أولا، ثم يخرج الماء على أثره بالعصر فيظهر الثوب لعدم الأمرين وهما إسقاط الفرض، ونية القربة.
وقدم قول أبي يوسف ولم يوسطه كما هو حقه لزيادة احتياجه إلى البيان، قال القدوري: كان شيخنا أبو عبد الله الجرجاني يقول: الصحيح عندي من مذهب أصحابنا أن إزالة الحدث يوجب استعمال الماء، ولا معنى لهذا الخلاف إذ لا نص لهم على هذا الوجه، وتسمى هذه مسألة جحط، الجيم: عبارة عن نجاسة الرجل والماء، والحاء: عبارة عن حالهما، يعني يبقى كل واحد منهما على ما كان، والطاء: عبارة عن طهارة كل منهما، فعند أبي يوسف الرجل بحاله لعدم الصب فإنه شرط لإسقاط الفرض عنده، والماء بحاله لأنه لا نجاسة عليه حقيقة، وإنما يتغير بإسقاط الفرض، أو إقامة القربة ولم يوجد.
وعند محمد: هما طاهران لعدم اشتراط الصب، وقد وصل إلى الماء وهو مطهر بلا نية، والماء بحاله لأن المغير وجه القربة ولم يوجد، كذا في الكافي، ثم قال فيه: وصاحب الهداية علل بالعدم، والصحيح قد اندرج فيما ذكرنا (^١).
_________________
(١) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٧١)، ورد المحتار لابن عابدين (١/ ٢٠١).
[ ١ / ٢٠٥ ]
لِإِسْقَاطِ الفَرْضِ عَنِ البَعْضِ بِأَوَّلِ المُلَاقَاةِ، وَالرَّجُلُ لِبَقَاءِ الحَدَثِ فِي بَقِيَّةِ الأَعْضَاءِ (*).
وَقِيلَ: عِنْدَهُ نَجَاسَةُ الرَّجُلِ بِنَجَاسَةِ المَاءِ المُسْتَعْمَلِ. وَعَنْهُ: أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرُ، لِأَنَّ المَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ، وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.
قال شيخي العلامة ﵀: التعليل بالعدم صحيح في العلة المخصوصة كما قال محمد في ولد المغصوبة لم يضمن لأنه لم يغصب على ما عرف في الأصول، والماء بعد انتفاء النجاسة الحقيقية عنه لا يتغير إلا بأحد الأمرين عنده.
وقد بين المصنف وجه الانحصار قبيل هذا بخطوط، ثم استدل بعدهما على انتفاء التغيّر فكان صحيحًا، وكذا الاستدلال بعدم الشرط على عدم المشروط صحيح لأنه هو الأصل وثبوته قبل الشرط يعارض على ما عرف.
ومعنى قوله: (الرجل طاهر) لعدم اشتراط الصب، أي الرجل طاهر لعدم المانع عن الطهارة بعد تحقق ما يوجبها وهو إصابة المطهر بدنه بالانغماس، لكن لما لم يكن فيه اشتباه ووقع الاشتباه في وجود المانع بين عدمه، ولم يبين الموجب للطهارة لوضوحه، ثم هذا لو كان تعليلا بالعدم لكان ما علل به صاحب الكافي كذلك أيضًا؛ فإنه بين المغيّر أولا بقوله: (إنما يتغير بكذا وكذا)، ثم استدل على عدم التغير بعدم المغيّر بقوله (ولم يوجد)، وهذا تعليل بالعدم، لكنه لما بناه على الانحصار المذكور صح، فكذا تعليل المصنف.
(وهو أوفق الروايات)، أي للقياس، وقال الكاثي: أي أسهل.
وفي شرح المجمع: وهذه الرواية صحيحة؛ لأن الماء ما دام مترددا على الأعضاء فالضرورة داعية إلى الحكم بطهارته، وبعض الانفصال لا ضرورة.
مسألة: وقع الماء المستعمل في البئر لا يفسده عند محمد، ويجوز التوضؤ منه إذا لم يغلب على الماء، وهو الصحيح كالماء المقيد.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
[ ١ / ٢٠٦ ]
قَالَ: (وَكُلُّ إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَجَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ وَالْوُضُوءُ مِنهُ، … … ..
وقيل: لا يجوز الوضوء وإن لم يغلب، بخلاف بول الشاة، مع أن كلا منهما طاهر عنده لأنه من جنس ماء البئر فلا يستهلك فيه، بخلاف البول فيعتبر فيه الغالب.
وفي فتاوى قاضي خان: لو صب الماء المستعمل فيها ينزح عشرون دلوا عند محمد لأنه طاهر عنده فكان دون الفأرة، وعندهما ينزح أربعون دلوا، وقيل جميع الماء (^١).
ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يكره الوضوء في المسجد إلا أن يكون فيه موضع أعد للوضوء وعند محمد لا بأس به إذا لم يكن عليه قذر (^٢).
قوله: (وكل إهاب دبغ)، تتعلق هذه المسألة بثلاثة مواضع، بمسألة الصيد لمناسبة طهارة جلد الصيد بالدباغ، وبمسألة الصلاة لمناسبة جواز الصلاة فيه، وبمسألة الوضوء المناسبة جواز الوضوء عنه فلذا ذكرها في هذه المواضع، وفي المستصفى ليس موضعه هاهنا، لكنه ذكرها هاهنا بطريق الاستطراد؛ لأن في بعض الأحكام عنه (^٣).
وفي البدرية: قال جازت الصلاة فيه بأن جعله ثوبًا، ولم يقل عليه بأن جعله مُصلَّى وإن كان الحكم فيهما واحدًا؛ لأن البيان في الثوب يصير بيانًا في المصلى لأن الاستعمال في الأول أكثر، ولأن الأول منصوص عليه، قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
والثاني ملحق به بدلالة النص، والوضوء منه بأن جعل قربة.
روي أنه ﵇ توضأ من ماء شَنَّ (^٤)، هو من جلد الحمار المدبوغ، وفائدة ذكرهما بعد قوله: (طَهُرَ) مع أن حصول الطهارة توجب جواز الصلاة فيه
_________________
(١) فتاوى قاضي خان (١/¬٤).
(٢) انظر: المحيط البرهاني (٥/ ٤٠٠).
(٣) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٧٢).
(٤) أخرجه البخاري (١/¬٣٩، رقم ١٣٨)، مسلم (١/ ٥٢٨، رقم ٧٦٣) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
[ ١ / ٢٠٧ ]
إِلَّا جِلْدَ الخِنْزِيرِ وَالآدَمِيّ)، لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»،
والوضوء منه الاحتراز عن قول مالك فإنه يقول: يطهر ظاهره دون باطنه، فيصلي عليه لا فيه، ويستعمل في اليابس دون الرطب (^١)، أو التأكيد بطهارته والرد على من لا يقول بطهارة الجلد المدبوغ.
قوله: (إلا جلد الخنزير)، قدَّمه على الآدمي وإن كان حقه التأخر لشرف الآدمي لما أن هذا الموضع موضع إهانة؛ لأنه في بيان النجاسة، كما قدمت الصوامع في قوله تعالى: ﴿هُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠] الآية.
قوله: (" أَيُّمَا إِهَاب ") الحديث رواه الخمسة غير البخاري، أي يكره يراد به جزء ما يضاف إليه، وقد وصفت بصفة عامة فيتعمم.
فإن قيل: قد خص منه جلد الخنزير والآدمي بالإجماع، فيجوز أن يخص منه جلد الميتة بالقياس عليه، أو بقوله ﵇: «لا تنتفعوا بإهاب ولا عَصَب».
قلنا: هذا لا يعارض عموم الحديث؛ لأن الإهاب اسم لغير المدبوغ، ذكره في المغرب (^٢)، وكذا قال الأصمعي.
وفي الفائق: سمّي إهابًا لأنه أهبة للحي، وبناء للحماية له على جسدها، كما يقال المسك لإمساكه ما وراءه (^٣)، فإذا دبغ يسمى أديما، وجربا أو جرابا، وحينئذ لا تعارض بين الحديثين، ولا يجوز القياس لأن الخنزير عينه نجس بالنص كما يجيء، وغلى الشافعي في جلد الكلب (^٤).
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٨٣)، والكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر (١/ ١٦٣)، وعنده: وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على اختلاف من قوله، ومرة قال: إنه لم يكرهه إلا في خاصة نفسه ويكره الصلاة عليه وبيعه، وتابعه على ذلك جماعة من أصحابه، وأما أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته.
(٢) انظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣١).
(٣) انظر: الفائق في غريب الحديث والأثر للزمخشري (١/ ٦٧).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/¬٢٢)، وفيه: فيتوضأ في جلود الميتة كلها إذا دُبِغَت، وجلود ما لا يؤكل لحمه من السباع قياسًا عليها إلا جلد الكلب والخنزير فإنه لا يطهر بالدباغ؛ لأن النجاسة فيهما وهما حيان قائمة، وإنما يطهر بالدباغ ما لم يكن نجسا حيا.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وَهُوَ بِعُمُومِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكِ ﵀ فِي جِلْدِ المَيْتَةِ، وَلَا يُعَارَضُ بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنِ الانْتِفَاعِ مِنْ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وهو قوله ﵊: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب»، لِأَنَّهُ اسْمٌ لِغَيْرِ المَدْبُوعِ، وَحُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي جِلْدِ الكَلْبِ، وَلَيْسَ الكَلْبُ بِنَجِسِ العَيْنِ،
وفي المبسوط: ظهر لباس الناس كجلد الثعلب، والفنك، والسمور ونحوها من غير نكير منكر فدل أنه يطهر بالدباغ. (^١)
وفي النهاية: وليس في تخصيص الكلب زيادة فائدة لما أن عند الشافعي كل ما لا يؤكل لحمه لا يطهر جلده بالدباغ.
ولكن ذكر في الحلية: كل بهيمة نجست بالموت يطهر جلدها بالدباغ ما عدا الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وعن أبي يوسف وداود: يطهر جلد الكلب والخنزير أيضًا به، وقال أبو حنيفة ﵁: يطهر جلد الكلب بالدباغ لا الخنزير، وقال الأوزاعي وأبو ثور: يطهر به جلد ما يؤكل دون ما لا يؤكل، وقال الزهري: لا أعرف الدباغ، ويستمتع بجلود الميتات من غير دباغ، وقال أحمد: لا يطهر شيء من جلود الميتات بالدباغ، وروى ذلك عن مالك.
وهل يجب غسله بعده؟ عند الشافعي فيه وجهان، عند بعض أصحابه يجب، وعند البعض لا (^٢).
أما لو دبغ بشيء نجس فلابد من الغسل وجهًا واحدًا، ويطهر.
قوله: (وليس الكلب إلى آخره)، اختلفت الروايات في هذه المسألة، في المبسوط: أنه يطهر جلده بالدباغ عندنا ومالك، وقال الحسن: لا يطهر، وهو قول الشافعي، وأحمد (^٣).
ثم الصحيح من المذهب عندنا أن عين الكلب نجس، إليه أشار محمد في الكتاب ثم قال وبعض مشايخنا يقولون عنه ليس بنجس ويستدلون بطهارة جلده
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٢).
(٢) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٩٣).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٢).
[ ١ / ٢٠٩ ]
أَلَا يَرَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ حِرَاسَةٌ وَاصْطِيَادًا، بِخِلَافِ الخِنْزِيرِ، لِأَنَّهُ نَجِسُ العَيْنِ، إذ الهَاءُ بالدباغ (^١).
وفي الإيضاح ذكر الاختلاف فيه، وفي مبسوط شيخ الإسلام: عن بعض أصحابنا في جلده روايتان في رواية يطهر به وفي رواية لا يطهر.
وفي فتاوى قاضي خان: عينه نجس (^٢).
وفي المحيط: لو وقع الكلب في الماء فأخرج حيًّا إن أصاب فمه الماء نزح جميع الماء وإن لم يصب فعلى قولهما كذلك، وعن أبي حنيفة لا بأس به، وهذا يشير إلى أن عينه ليس بنجس عنده (^٣).
وفي التجريد: الكلب نجس العين عندهما خلافًا لأبي حنيفة، وذكر الصدر الشهيد أنه يطهر بالزكاة ويجوز بيعه، وفي شرح أحمد: حي الكلب ليس بنجس العين، وعند الشافعي نجس العين كالخنزير؛ لاجتماعهما في النجاسة (^٤)، كذا في السهيلي.
قوله: (ألا يرى أنه ينتفع به)، فإن قيل: أشكل هذا بالسرقين فإنه نجس مع أنه نجس ينتفع به إيقادًا، وتقوية للزراعة.
قلنا: هذا انتفاع بالاستهلاك وهو جائز في نجس العين كالاقتراب من الخمر للإراقة، كذا نقل عن شمس الأئمة الكردري.
قوله: (بخلاف الخنزير)، وفي مبسوط شيخ الإسلام: من مشايخنا من قال: إنما لم يطهر جلد الخنزير بالدباغ لأنه لا يندبغ؛ لأن شعره نبت من لحمه، ولو تصور دبغه لطهر، وقال بعضهم: لا يطهر وإن اندبغ؛ لأنه محرم العين (^٥).
وفي شرح الطحاوي: يجوز الانتفاع بشعره للضرورة ولا يجوز بيعه، ولو
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٨).
(٢) فتاوى قاضي خان (١/¬٤).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٠٣).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/¬٢٢).
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٨٥)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬١٦).
[ ١ / ٢١٠ ]
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] مُنْصَرِفُ إِلَيْهِ لِقُرْبِهِ، وَحُرْمَةُ الانْتِفَاعِ بِأَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ، فَخَرَجَا عَمَّا رَوَيْنَا، ثُمَّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالفَسَادَ فَهُوَ دِبَاغٌ، وَإِنْ كَانَ تَشْمِيسًا أَوْ تَتْرِيبًا، لِأَنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ، فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ، ثُمَّ
وقع في الماء لا يفسده، وهذا قول محمد، وعند أبي يوسف شعره نجس حتى لا ينتفع به الخرازون أيضًا، وفي رواية عنه طاهر.
قوله: (منصرف إليه)، أي إلى الخنزير، فإن قيل: المضاف والمضاف إليه إذا كان كل واحد منهما صالحًا لعود الضمير يعود إلى المضاف، كما يقول: رأيت ابن زيد وكلمته، وما نحن بصدده من هذا القبيل.
قلنا: يجوز عود الضمير إلى المضاف إليه كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥]، وفي الكشاف: يجوز عود الضمير إلى العهد وإلى الله، وهذا نص على ذلك ولما جاز رجع الضمير إلى الخنزير هنا حمل عليه لكونه شاملًا للمضاف وأقرب المكني والاحتياط في العمل بخلاف ما ذكرت من النظير فلأنه لا يكون شاملًا للمضاف فلو حمل على الأقرب لا يكون محمولًا على المقصود بالذكر.
وفي قوله: (فلا معنى لاشتراط غيره) نفي قول الشافعي، فإن عنده لا يكون دباغا إلا بما يزول به الدسومات النجسة عنه وذلك باستعمال [القرظ] (^١) وهو شجر كالجوز عظما إذا قَدُمَ اسوَدَّ، ويدبغ بثمره وورقه، والعفص ونحوهما لأنه طهارة شرعية فيقتصر على مورد الشرع، والشرع ورد بالدباغ بالمتقوم كالقرظ (^٢) والعفص دون غيرهما من التراب والشمس.
وقلنا: المقصود وهو إزالة الرطوبات النجسة وإخراجه عن كونه صالحًا لمنفعة الأكل تحصل بالتشميس والتتريب، كذا في المبسوط.
وفي الحلية: قال أبو نصر سمعت بعض أصحاب أبي حنيفة يقول: إنما يطهر بالتشميس إذا عملت الشمس به عمل الدباغ (^٣)، وهذا يرفع الخلاف.
_________________
(١) في الأصل (القرض)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل (كالقرض)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٩٤).
[ ١ / ٢١١ ]
مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدَّبَّاغِ يَطْهُرُ بِالزَّكَاةِ، لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الدَّبَّاغِ فِي إِزَالَةِ الرُّطُوبَةِ النَّحِسَةِ، وَكَذَلِكَ يَطْهُرُ لَحْمُهُ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا.
وفي جواز بيع الجلد بعده قولان أصحهما وهو الجديد أنه يجوز، وهو قول أبي حنيفة، وفي قوله القديم: لا يجوز (^١)، وبه قال مالك (^٢).
قوله: (وما يطهر جلده بالدباغ) إلى آخره، وهذا اختيار بعض المشايخ، وعند بعضهم إنما يطهر جلد الحيوان بالدباغ إذا لم يكن سؤره نجسا، ذكره في فتاوى قاضي خان (^٣).
(لأنه) أي الذكاة على تأويل الذبح، وكذلك يطهر لحمه وهو قول مالك.
وفي الأسرار: من مشايخنا من قال: لا يطهر لحمه بالذكاة، وهو الصحيح عندنا، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأن الحرمة لا للكرامة فيما يعتاد أكله تدل على النجاسة، لكن بين اللحم والجلد جلدة رقيقة تمنع مماسة اللحم الجلد فلا ينجس، وبه أخذ المحققون من أصحابنا، وأبو جعفر، والناطفي، وشيخ الإسلام خواهر زاده، وقاضي خان (^٤).
وفي الخلاصة: وهو المختار.
وقال بعضهم: يطهر لحمه وإن لم يحل للأكل بدليل أن جلده يطهر بالذكاة، والجلد متصل باللحم، وبه أخذ المصنف، وبه قال مالك.
وفي القنية: قال الكرابيسي والقاضي عبد الجبار: مجوسي ذبح حمارًا، قيل: لا يطهر، والصحيح أنه يطهر، وقال الساعي: ولو ذبحه مسلم ولم يسم طهر، وقال حسام الشهيد (^٥): لا يطهر (^٦).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (٣/ ١١٣، ١١٦)، (٦/ ٢٥٨).
(٢) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ١٠١)، والذخيرة للقرافي (٥/ ٣٩٩).
(٣) انظر: فتاو قاضي خان (١/¬٩).
(٤) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬١٦)، وفتاوى قاضي خان (١/¬٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٢٢).
(٥) في النسخ الخطية: (أخو حسام الشهيد).
(٦) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٦/ ٣٤٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٢٣).
[ ١ / ٢١٢ ]
قَالَ: (وَشَعْرُ المَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: نَجِسٌ، لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ المَيْتَةِ، وَلَنَا: أَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِمَا، وَلِهَذَا لَا يَتَأَلَّمُ بِقَطْعِهِمَا فَلَا يَحُلُّهُمَا المَوْتُ، … ..
قوله: (وقال الشافعي نجس)، وفي بعض النسخ: (نجسان).
وفي الحلية: فأما الشعر والصوف والوبر فمحل الحياة، ويتنجس بالموت على المنصوص للشافعي في عامة كتبه، فعلى هذا إذا دبغ جلد ميتة وعليه شعر فيه قولان:
أحدهما: أنه لا يطهر (^١).
وفي شرح الوجيز: الشعور هل تنجس بالموت والإبانة؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه لا تنجس لأنه لا تحلها الحياة، ولهذا لا يتألم لقطعها، وهو قول أبي حنيفة (^٢)، ومالك (^٣)، وأحمد (^٤)، واختاره المزني (^٥).
وأما العظام: ففي الحلية: في الظفر، والظلف، والقرن، والعصب، والريش، والنقا فيه طريقان أحدهما: أن فيه حياة وينجس بالموت، وبه قال مالك، وأحمد، واختاره المزني.
والثاني: أن حكمه حكم الشعر، وهو قول أبي حنيفة، والثوري (^٦).
والقول الثاني: أنها نجسة لأنها أجزاء الميتة فتحلها الحياة كسائر الأجزاء ولأنها حادثة في الجملة فتكون تابعة لها في الطهارة والنجاسة، وفي السهيلي وجه القول الأول حديث أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا بأسَ بمَسْكِ الميتة إذا دُبغ، ولا بأس بشعرها وصوفها وقرنها إذا غُسل بالماء» (^٧)، وقيده ﵇ بالغسل للنجاسة بالمجاورة بالميتة غالبًا.
_________________
(١) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٩٦).
(٢) انظر: النتف في الفتاوى للسغدي (١/ ٢٣٣)، والمعتصر من المختصر للملطي (١/ ٣٦٦).
(٣) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٤٠)، والفواكه الدواني للنفراوي (٢/ ٢٨٧).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/¬٣٩)، والإنصاف للمردواي (١/ ٩٢).
(٥) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٠١).
(٦) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٩٧).
(٧) أخرجه الدارقطني (١/ ٦٨، رقم ١١٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/¬٢٤، رقم ٨٢). قال الدارقطني: يوسف بن السفر متروك، ولم يأت به غيره. وكذا ضعفه البيهقي.
[ ١ / ٢١٣ ]
إذ المَوْتُ زَوَالُ الحَيَاةِ.
وفي شرح الأقطع: روى أنس أن عامل أيلة أهدى إلى النبي ﵇ مشطًا من عاج فكان يمتشط به (^١)، ويروى أنه ﵇ اشترى لفاطمة سوارين من عاج (^٢)، وظهر استعمال الناس من غير نكير.
وجه القول الثاني قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ [يس: ٧٨]، ولأنه ينمو بنماء ذي الروح، وقال مالك: ويتألم بقطع العظم كما في السن دون الشعر (^٣).
قلنا: أنه بيان من الحي فلم يتألم العظم بالقطع، بل يتألم ما هو متصل به من اللحم، وللناس كلام في السن أنه عظم أو طرف عصب؛ فإن العظم لا يحدث في البدن بعد الولادة، وتأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ [يس: ٧٨] أي النفوس، وهي أصحاب العظام، كذا قاله شيخ الإسلام (^٤)، مع أن هذا لا يدل على سبق الحياة في العظم كقوله تعالى: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ١٩] ولا حياة فيها، ولأن ذلك في الآخرة ولعله يجعل الحياة في نفس العظم وأحوال الآخرة لا تضاهي أحوال الدنيا.
وفي العصب روايتان:
أحدهما: أنه يتنجس بالموت لما فيه من الحياة، ألا ترى أنه يتألم بقطعه بخلاف العظم فإن قطع قرن البقرة لا يؤلمها.
قوله: (إذ الموت زوال الحياة)، هذا التعريف يصح على قول الفلاسفة، قال الكردري: الموت صفة وجودية عندنا، قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ﴾ [الملك: ٢]، ولأنه ضد الحياة، والضدان صفتان وجوديتان يتعاقبان على موضوع واحد، ويستحيل اجتماعهما، ويجوز ارتفاعهما، وزوال الحياة ليس بضد
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/¬٢٦، رقم ٩٧). وقال: قال عثمان الدارمي: هذا منكر. قال البيهقي: رواية بقية عن شيوخه المجهولين ضعيفة.
(٢) أخرجه أبو داود (٤/ ٨٧، رقم ٤٢١٣)، وأحمد (٥/ ٢٧٥، رقم ٢٢٤١٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/¬٢٦، رقم ٩٦) من حديث ثوبان ﵁. وضعفه ابن عدي، والبيهقي.
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٨٣، ٣/ ١٩٩)، والبيان والتحصيل لابن رشد (٣/ ٣٧٥).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ١١٤).
[ ١ / ٢١٤ ]
(وَشَعْرُ الإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرٌ)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: نَجِسٌ، لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا
الحياة، كما أن زوال السكون ليس بضده، فكأن هذا تعريفا يلازمه (^١)، واستدل في المنافع بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ [النحل: ٨٠]، وفي شرح التأويلات: الصوف للغنم، والوبر للإبل، والشعر للمعز، والأثاث ما يتخذ من الثياب والأمتعة، فقد ذكرها مطلقا سواء كان للحي أو لغيره.
والآية خرجت مخرج الامتنان، وهو إنما يكون بالظاهر؛ لأن استعمال النجس مكروه شرعًا وطبعًا، وكذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٢).
قوله: (وشعر الإنسان)، ثم شعره وعظمه طاهران عندنا، أما الشعر فلأنه ﵇ حلق شعره وقسمه بين أصحابه (^٣)، فلو كان نجسا لما جاز التبرك لهم، والذي قيل إذا طحن من الآدمي مع الحنطة لم يؤكل فذلك لحرمة الآدمي لا لنجاسته.
والجواب عن تعلقهم بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ما قاله العلامة: الميتة ما فارقه الروح بلا زكاة، ولا روح لهذه الأشياء فلم تدخل تحت التحريم.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: قولهم ينمو بنماء ذي الروح غير مسلم، كيف والحال أنه ينمو مع نقصان الأصل، فإنه إذا مرض الأصل وأخذ في النقصان فالشعر يزداد وينمو، وذلك لا يدل على أن فيه حياة كالنباتات، ولأن فيه ضرورة وبلوى فإن الآدمي إذا حلق رأسه أو مشط لحيته لابد أن يتناثر بعض شعره، فلو منع ذلك جواز الصلاة لضاق الأمر على الناس (^٤).
وفي الحلية: شعر الإنسان طاهر إذا قلنا أنه لا يتنجس بالموت في أصح القولين، فإن قلنا أنه ينجس به، وروى المزني عن الشافعي أنه رجع عن تنجس
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ١١٥)، والدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٨٩).
(٢) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٧٥).
(٣) أخرجه البخاري (٤/¬٦، رقم ٢٧٥٢)، ومسلم (٢/ ٩٤٧، رقم ١٣٠٥) من حديث أبي طلحة ﵁.
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٢٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ١١٥).
[ ١ / ٢١٥ ]
يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَنَا: أَنَّ عَدَمَ الاِنْتِفَاعِ وَالبَيْعِ لِكَرَامَتِهِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
شعر الآدمي فمن أصحابه من جعل ذلك خاصا في حقه كرامة له ومنهم من جعله رجوعًا عن تنجس كل الشعور.
وفي شعر النبي ﷺ إن قلنا أن شعر غيره نجس ففي شعره ﵇ وجهان، قال أبو جعفر الترمذي: طاهر، وقال غيره: نجس.
وعن عطاء والحسن: أنه ينجس بالموت، ويطهر بالغسل بعده، وعند أبي حنيفة، ومالك (^١)، وأحمد (^٢): لا ينجس لما ذكرنا (^٣).
واللبن في ضرع الشاه الميتة نجس، وبه قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥)، وقال أبو حنيفة: طاهر ذائبًا كان أو جامدًا، وهو قول داود (^٦).
وعند أبي يوسف ومحمد: إن كان جامدًا يغسل ويؤكل، وإن كان ذائبًا لا يؤكل (^٧).
والجامد أن يكون بحال لو قور موضع لا يستوي من ساعته، كذا في المبسوط (^٨). والأصل فيه عندنا أن الموت ليس بِمُنَجِّس بل المنجس الدماء والرطوبات السائلة وهو لا يقبل ذلك.
وفي المحيط: عن محمد إذا أصلح مصارين الميتة أو دبغ المثانة وأصلحها طهرتا، وفي الكرش إن كان يقدر على إصلاحه يطهر كالمثانة، وقال أبو يوسف: لا يطهر الكرش كاللحم (^٩).
_________________
(١) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ١٨٤)، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد (١/ ٨٥).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٥٩)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٩٣).
(٣) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٩٦).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٨٣)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ١٠٢).
(٥) انظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه (٢٨٧٣)، والمغني لابن قدامة (١/ ٥٤).
(٦) انظر: المُحَلّى لابن حزم (٦/ ٩٥).
(٧) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١) (١٧)، وبدائع الصنائع للكاساني (٤/¬٨).
(٨) المبسوط للسرخسي (١/ ٩٥).
(٩) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٨١).
[ ١ / ٢١٦ ]