(السُّنَّةُ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الفَجْرِ،
﷽
[باب النوافل]
لُقِّبَ الباب بالنوافل وإن كان فيه السنن؛ لأن النفل أعم.
ثم لما فرغ من بيان الفرائض والواجبات شرع في النوافل وابتدأ بذكر سنة الفجر؛ لأنها أقوى السنن بالاتفاق، ولحديث عائشة ﵂ أنه ﵊ قال: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ (^١) خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (^٢)، وقال ﵊: «صَلُّوهما ولو طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ» (^٣)، وعن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِدْبَرَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] أنه ركعتا الفجر، ﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] ركعتا المغرب، كذا في المبسوط (^٤)، ولم يقل بوجوبها مع دليل الوجوب وهو مواظبته ﵊ بلا ترك، وللأمر؛ لأنه ﵊ ساقها مع سائر السنن في حديث المثابرة، وذكر المرغيناني عن أبي حنيفة أنها واجبة (^٥).
وفي جامع المحبوبي: روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: لو صلّى سنة الفجر قاعدًا بلا عذر لا يجوز (^٦)، وقالوا: العالم إذا صار مرجعًا في الفتوى
_________________
(١) أَيْ: سُنَّةِ الْفَجْر، وَهِيَ الْمَشْهُورَة بِهَذَا الاسم. حاشية السندي على سنن النسائي (٣/ ١٢٧).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٥٠١، رقم ٧٢٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٢/¬٢٠، رقم ١٢٥٨)، وأحمد (٢/ ٤٠٥، رقم ٩٢٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال النووي في خلاصة الأحكام (١/ ٥٣٣، ١٧٩١): في إسناده رجل مختلف في توثيقه.
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٧).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٦).
(٦) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٦)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬١٥).
[ ٢ / ٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يجوز له ترك سائر السنن لحاجة الناس إلا سنة الفجر.
وابتدأ في المبسوط بذكر سنة الظهر؛ لأنها أول صلاة فرضت، وذكر التمرتاشي في "اللآلئ" في ترك الأربع قبل الظهر والتي بعدها وركعتا الفجر لا تلحقه الإساءة؛ لأن محمدًا سماه تطوعًا، إلا أن يستخف به، ويقول: هذا فعل النبي وأنا لا أفعل فحينئذ يكفر (^١).
وفي النوازل والفوائد للرُّسْتُغفَنِي: لو ترك سنن الصلوات الخمس ولم يرها حقا كفر؛ لأنه ﵊ ما قال من تلقاء نفسه، ولو رآها حقا وتركها قيل: لا يأثم؛ والصحيح أنه يأثم؛ لأنه جاء الوعيد بالترك (^٢).
وعن أبي سهل الرازي من أصحاب أبي حنيفة ﵁: لو ترك الأربع قبل الظهر وواظب على الترك لا تقبل شهادته (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: لا يختلف الرجل والمرأة في الأربع قبل الظهر (^٤).
وقيل: إنها سنة لمن يصلي بالجماعة، والأربع قبل الجمعة كالأربع قبل الظهر، وبعد الجمعة أربع، وهو قول ابن مسعود، وبه أخذ أبو حنيفة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: «من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا» (^٥) وهو المشهور من فعله ﵊ والخلفاء الراشدين بعده قبل إثبات السنة قبل الجمعة مشكل؛ فإنه ﵊ كان يؤذن بين يديه وهو على المنبر فيخطب وينزل ويصلي الجمعة.
واستدل أصحابنا بما روى ابن ماجه عن ابن عباس أنه ﵊ «كان يصلي قبل الجمعة أربعا لا يفصل بينهن بسلام» (^٦)، ويمكن أنه
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٦)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬٤).
(٢) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٦).
(٣) وانظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني لبرهان الدين الحنفي (١/ ٤٤٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٦).
(٤) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(٥) أخرجه مسلم (٢/ ٦٠٠، رقم ٨٨١).
(٦) أخرجه ابن ماجه (١/ ٣٥٨، رقم ١١٢٩) وقد ضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٣٦، ٤٠٨).
[ ٢ / ٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﵊ صلاها في أول الوقت فيخرج، ويُؤَذِّن للجمعة.
واستدل أصحاب الشافعي في إثبات سنة الجمعة بقوله ﵊: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» رواه البخاري (^١)، والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة (^٢).
وعن علي ﵁: يصلي بعدها أربعًا ثم يصلي ركعتين، وبه أخذ أبو يوسف والطحاوي وأكثر المشايخ، وروي عنه على العكس.
ثم في الترتيب بين السنن؛ قال الحلواني: أقواها ركعتا الفجر، ثم سنة المغرب؛ لأنه ﵊ لم يدعهما في سفر ولا حضر، ثم التي بعد الظهر فإنها سنة متفق عليها، وفي التي قبلها اختلاف، قيل: هي للفصل بين الأذان والإقامة، ثم التي بعد العشاء، ثم التي قبل الظهر، ثم التي قبل العصر، ثم التي قبل العشاء (^٣).
وقال الحسن: اختلفت في أقواها بعد ركعتي الفجر، قيل: التي قبل الظهر والتي بعدها والتي بعد المغرب سواء (^٤).
وقيل: بل التي قبل الظهر أكد وهو الأصح (^٥).
وقال الحلواني ﵀: لا بأس بأن يقرأ الأوراد بين الفريضة والسنة، ولو قام من مصلاه إن شاء قرأ جالسًا وإن شاء قرأ قائمًا (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٢٧، رقم ٦٢٤)، ومسلم (١/ ٥٧٣، رقم ٨٣٨) من حديث عبد الله بن مغفل المزني ﵁.
(٢) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (٤/¬١٠)، وتحفة المحتاج للهيتمي (٢/ ٢٢٤)، ومغني المحتاج للشربيني (١/ ٤٥١).
(٣) وانظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬١٤) والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٧).
(٤) وانظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬١٤) والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٧).
(٥) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (٢/ ٥٢)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص ٣٨٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٧).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٠).
[ ٢ / ٥ ]
وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَانِ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ العَصْرِ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ،
وفي شرح الشهيد: القيام إلى السنة متصلا بالفرض مسنون (^١).
وفي الشافعي: كان النبي ﵊ إذا سلّم يمكث قدر ما يقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ، وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» (^٢).
ولو تكلم بعد السنة قبل الفريضة هل تسقط السنة؟
قيل: تسقط. وقيل: لا، ولكن ثوابه أنقص من ثوابه قبل التكلم (^٣).
وفي المبسوط: ويكره الكلام بعد انشقاق الفجر إلى أن يصلي الفجر (^٤)؛ لما روي أنه ﵊ في سفر مع أصحابه والحادي يحدو، فلما طلع الفجر قال: «أمسك، فإنّها ساعة ذكر» (^٥)، ولأنها ساعة تشهدها ملائكة الليل والنهار.
جاء في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] تشهده ملائكة الليل والنهار فلا ينبغي أن تشهدهم إلا على خير.
وعند الشافعي وأحمد: ركعتين قبل الظهر، فتصير عشر ركعات؛ لما روى ابن عمر وعائشة أنه ﵊ «صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ» رواه الترمذي وصححه (^٦).
وقلنا: عن عائشة أنه ﵊ «صَلَّى أربعا قبل الظهر» رواه مسلم (^٧)، وحديث المثابرة رواه الجماعة إلا البخاري (^٨)، ومالك لم يوقت سنة
_________________
(١) وانظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٥٣٠) والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٢٠).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٤١٤، رقم ٥٩١) من حديث ثوبان ﵁.
(٣) انظر: «البناية شرح الهداية» للعيني (٢/ ٥٢٠)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (٢/ ٥٣).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٧).
(٥) لم أقف عليه في كتب الحديث، وذكره السرخسي في المبسوط (١/ ١٥٧) وابن مازة في المحيط البرهاني (٨/ ٣١٦)، وذكره من قول عمر ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/¬٣٧)، وأبو البركات العامري (ص: ٥٩).
(٦) أخرجه البخاري (٢/ ١٣٢، رقم ٩٣٧)، ومسلم (١/ ٥٠٤، رقم ٧٢٩)، والترمذي (١/ ٥٥١، رقم ٤٢٥) من حديث ابن عمر ﵁. وأخرجه الترمذي (١/ ٥٦٠، رقم ٤٣٦) من حديث عائشة ﵂.
(٧) أخرجه البخاري (٢/ ٥٩، رقم ١١٨٢)، ومسلم (١/ ٥٠٤، رقم ٧٣٠).
(٨) بنحوه أخرجه مسلم (١/ ٥٠٢، رقم ٧٢٨) عن أم حبيبة ﵂ مرفوعا بلفظ قريب لحديث عائشة=
[ ٢ / ٦ ]
وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ العِشَاءِ، وَأَرْبَعُ بَعْدَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ) وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ وَفَسَّرَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَ فِي الكِتَابِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر الأَرْبَعَ قَبْلَ العَصْرِ، فَلِهَذَا سَمَّاهُ فِي الأَصْلِ حَسَنًا، وَخَيَّرَ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ،
قبل المكتوبة ولا بعدها، وزعم أنه عمل أهل المدينة وخالف الأحاديث الصحاح.
قوله: (وأربع قبل العشاء)؛ أي: مخير فيها؛ بدليل أن محمدًا سماه في الأصل حسنًا، ولم يذكرها من السنن الرواتب. ولأن حديث المثابرة إنما يستقيم على اثني عشر ركعة إذا لم يذكر في السنن ما قبل العصر وقبل العشاء؛ ولهذا لم يذكر أربعًا قبل العشاء.
قوله: (وإن شاء ركعتين)؛ أي: بعد العشاء لا غير؛ لأن في بعض النسخ ذكر الأربع قبل العشاء، وشبهها بالأربع قبل الظهر، وأثبت كونه سنة بهذه المثابة، ثم ذكر الأربع بعد العشاء، وقال عقيبه: وإن شاء ركعتين، كذا في الخبازية.
وفي المستصفى: لم يرو أنه ﵊ صلى ركعتين قبل العشاء.
والأصل فيه؛ أي: فيما ذكر محمد قوله ﵊، روت عائشة أنه ﵊ قال: «من ثابر» (^١)؛ أي: داوم وواظب، الحديث.
(وفسر)؛ أي: النبي ﵊.
(على نحو)؛ أي: مثل ما ذكر في الكتاب أي المبسوط أو القدوري.
(سماه)؛ أي: محمد بن الحسن في الأصل؛ أي: المبسوط حسنًا؛ لأن السنة ما داوم النبي ﵊، ولم ينقل المداومة في أربع قبل العصر؛ فلهذا لم يجعله محمد سنة.
(وخير)؛ أي: محمد لاختلاف الآثار، روى ابن عمرو ﵄ أنه عليه
_________________
(١) = المتقدم تخريجه قريبا، وحديث المثابرة لم يروه من الجماعة إلا الترمذي والنسائي وابن ماجه فما قاله المصنف سهو منه.
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٧ ]
وَالأَفْضَلُ هُوَ الأَرْبَعُ، وَلَمْ يَذْكُر الأَرْبَعَ قَبْلَ العِشَاءِ، فَلِهَذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لِعَدَمِ
الصلاة والسلام قال: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ العَصْرِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ» (^١) كَذَا في السُّهَيْلِي.
وفي شرح الوجيز: رُوي أنه ﵊ قال: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ العَصْرِ» (^٢)، ولهذا جعل الشافعية أتم الكمال ثماني عشر ركعة، وزادوا الأربع قبل العصر وركعتين قبل المغرب كما يجيء (^٣).
وعن علي ﵁: أنه ﵊ «كان يصلي أربعا قبل العصر يفصل بين كل ركعتين بتسليمة» (^٤).
وفي الإيضاح وأربع قبل العصر، وعن أبي حنيفة: ركعتان، وليست النافلة قبل العصر كالنافلة قبل الظهر في التأكيد؛ لأن الأخبار قد اتفقت على الأربع قبل الظهر، ومداومة النبي ﵊ على ذلك ولم يرو مثله قبل العصر.
وقد اختلفت الروايات أيضًا؛ روى بعضهم أنه ﵊ صلَّى أربعًا، وبعضهم أنه صلى ركعتين.
وعن النخعي قال: كانوا يستحبون قبل العصر ركعتين ولم يكونوا يعدونها من السنة، وهذا نقل من الصحابة.
وفي شرح الوجيز: اختلف الأصحاب في عدد الرواتب؛ قال الأكثرون: عشر ركعات ركعتان قبل الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان
_________________
(١) أخرجه الطبراني فى المعجم الأوسط (٣/ ٨٨، رقم ٢٥٨٠)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٦٣، ترجمة (٢٠٩٧) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٢٢)، (١/¬٢٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٢/¬٢٣) رقم ١٢٧١)، والترمذي (١/ ٥٥٦ رقم ٤٣٠)، وأحمد (١٠/ ١٨٨، رقم ٥٩٨٠) من حديث ابن عمر ﵁، وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان (٦/ ٢٠٦، ٢٤٥٣).
(٣) انظر: «مغني المحتاج» للشربيني (١/ ٤٥٠) و«نهاية المحتاج» للرملي (٢/ ١٠٩).
(٤) أخرجه الترمذي (١/ ٧٣٦، رقم ٥٩٨)، (١/ ٧٣٧، رقم ٥٩٩، ابن ماجه (١/ ٣٦٧ رقم ١١٦١)، والنسائي في المجتبى (٢) ١١٩، رقم ٨٧٤) وحسنه الترمذي.
[ ٢ / ٨ ]
المُوَاظَبَةِ، وَذَكَرَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَفِي غَيْرِهِ ذَكَرَ الْأَرْبَعَ فَلِهَذَا خُيْرَ، إِلَّا أَنَّ
بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: «صليت مع رسول الله ﷺ هكذا» (^١).
ومنهم من نقص ركعتي العشاء.
ومنهم من زاد على العشر ركعتين قبل الظهر مضمومتين إلى الركعتين اللتين سبق ذكرهما لحديث المثابرة.
ومنهم من زاد على هذا العدد ركعتين بعد الظهر؛ لما روي عن أم حبيبة أنه ﵊ قال: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعِ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» (^٢).
ثم ليس الخلاف على الاستحباب، وإنما الخلاف في الرواتب، وقال صاحب المهذب وجماعة: أدنى الكمال عشر ركعات، وأتم الكمال ثمانية عشر ركعة (^٣).
وفي استحباب الركعتين قبل المغرب وجهان؛ قيل: باستحبابها، وإن لم تكن من الرواتب؛ لما روي عن أنس أنه قال: صليت ركعتين قبل المغرب ورآني رسول الله ﷺ ولم يأمرني ولم ينهاني (^٤)، وروي أنه ﵊ قال: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ - ثلاثًا - وقال في الثالثة: لمن شاء» (^٥).
وقيل: لا يستحبان؛ لما روي عن ابن عمر أنه سُئِلَ عنهما فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله ﷺ يصليهما (^٦).
وعن عمر أنه كان يضرب عليهما (^٧)، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن تعجيل
_________________
(١) انظر: «نهاية المحتاج» للرملي (٢/ ١٠٩)، و«مغني المحتاج» للشربيني (١/ ٤٥٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٢/¬٢٣ رقم ١٢٦٩)، والترمذى (١/ ٥٥٤ رقم ٤٢٨)، والحاكم (١/ ٤٥٦، رقم ١١٧٥). قال الترمذي: حسن صحيح غريب. وصححه الحاكم.
(٣) انظر: «المهذب» للشيرازي (١/ ١٥٧).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٥٧٣، رقم ٨٣٦).
(٥) أخرجه البخاري (٢/ ٥٩، رقم ١١٨٣) من حديث عبد الله بن مغفل المزني ﵁.
(٦) أخرجه أبو داود (٢/¬٢٦ رقم ١٢٨٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٧٠ رقم ٤١٨٤). وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص ٢).
(٧) أخرجه مسلم (١/ ٥٧٣ رقم ٨٣٦) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٢ / ٩ ]
الأَرْبَعُ أَفْضَلُ خُصُوصًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَالأَرْبَعُ قَبْلَ
المغرب مستحب وقد بيناه.
وعن أصحاب مالك: أن ركعتا الفجر ليستا بسنة؛ بل هما من الرغائب (^١)؛ لقوله ﵊: «صَلُّوهُمَا فَإِنَّ فِيهِمَا الرَّغَائِبَ» (^٢).
وقلنا: هذا لا يدل على أنهما ليستا بسنة؛ لأن كون الرغائب فيهما غير منافٍ لسنتهما، وحاصله: أن عندنا سنن الرواتب ثنتي عشر ركعة؛ لحديث المثابرة، وروايات فعله ﵇ قد تعارضت كما بينا، فنأخذ بقوله وهو حديث المثابرة، والأفضل هو الأربع؛ لما روينا من حديث ابن عمر ﵄، ولحديث أم حبيبة أنه ﵊ قال: «من صلى قبل العصر أربعًا كانت له جُنَّةً من النَّارِ» (^٣) كذا في المبسوط (^٤).
(ولم يذكر)؛ أي: النبي ﵊ الأربع قبل العشاء عند تفسير الحديث.
(وذكر)؛ أي: النبي ﵊ فيه -أي: في المبسوط.
(ولم يذكر)؛ أي: النبي ﵇ في هذا الحديث ركعتين، وفي غيره؛ أي: غير هذا الحديث -وهو حديث المثابرة-.
(ذكر)؛ أي: النبي ﵊؛ فلهذا خير -أي محمد بن الحسن أو أبو الحسن القدوري- إلا أن الأربع أفضل.
في المبسوط: لو صلّى أربعًا بعد العشاء فهو أفضل (^٥)؛ لحديث ابن عمر ﵄.
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل للحطاب (٢/ ٧٩) وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/¬١٤).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤٠٨، رقم ١٣٥٠٢)، وفي الأوسط (٣/ ٢١٦ رقم ٢٩٥٩) من حديث ابن عمر ﵁. وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢١٧ - ٢١٨، رقم ٣٣٠٣)، وبنحوه أخرجه أحمد (٢/ ٨٢ رقم ٥٥٤٤).
(٣) أخرجه بنحوه الطبراني في الأوسط (٣/ ٨٨، رقم ٢٥٨٠) من حديث ابن عمرو مرفوعا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/¬٢٢، رقم ٣٦): فيه حجاج بن نصير ضعفه الأكثرون. وأخرجه أبو يوسف في الآثار (ص ٨٣ رقم ٤١٤)، ومحمد بن الحسن في الآثار (ص ١٤٦ رقم ١١١) من حديث ابن عمر ﵄ موقوفًا.
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٦).
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٧).
[ ٢ / ١٠ ]
الظَّهْرِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَنَا، كَذَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ،
موقوفًا ومرفوعًا أنه ﵊ قال: «من صلى بعد العشاء أربع ركعات كن كمثلهن من ليلة القدر» (^١).
وفي فوائد الرُّسْتُغفَنِي: يقرأ في الأولى الفاتحة وآية الكرسي ثلاث مرات، وفي الثانية الفاتحة و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات، وفي الثالثة الفاتحة و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ثلاث مرات. وفي الرابعة الفاتحة و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثلاث مرات (^٢).
وفي الملتقط: في الثانية والثالثة والرابعة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين مرة في كل ركعة (^٣).
لما عرف من مذهبه - أي: مذهب أبي حنيفة - أن صلاة الليل والنهار الأربع، وعندهما صلاة الليل مثنى، فقال بعض مشايخنا: ما ذكر في الكتاب أنه يصلي ركعتين قولهما أما عند أبي حنيفة ﵀: فالأفضل الأربع، وقال: هي فرع لمسألة أخرى؛ وهي: أن صلاة الليل الأربع.
وقال بعضهم: هذا لا يصح؛ لأن اختلافهم في التطوع الذي ليس من السنن.
ولكن الصحيح: ما قاله الأولون؛ لأن محمدًا جعله بمنزلة صلاة الليل، ولم يعده من السنن المؤقتة؛ لأنه قال: إن فعله فحسن. كذا في المبسوطين (^٤).
وفي مبسوط شمس الأئمة (^٥): لو تطوع بعد المغرب بست ركعات فهو أفضل؛ لحديث ابن عمر أنه ﵊ قال: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٥/ ٢٥٤ رقم ٥٢٣٩) من حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا، وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/¬٤٠، رقم ٢١٤٨). وأخرجه أبو يوسف في الآثار (ص ٨٣ رقم ٤١٤)، ومحمد بن الحسن في الآثار (ص ١٤٦ رقم ١١١) من حديث ابن عمر ﵁ موقوفًا.
(٢) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥١١).
(٣) وانظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥١١).
(٤) وانظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٤٤).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٧)، والبحر الرائق (٢/ ٥٣، ٥٤)، وفتح القدير (١/ ٣٧١).
[ ٢ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سِتُّ رَكَعَاتٍ كُتِبَ مِنَ الأَوَّابِينَ» وتلا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] (^١)، وعن أبي هريرة أنه ﵊ قال: «من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلّم فيما بينهنّ بسوءٍ عَدَلْنَ له بعبادة ثنتي عشرة سنة» رواه الترمذي وضعفه (^٢)، وعن عائشة: أنه ﵊ قال: «من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله له بيتا في الجنة» رواه الترمذي (^٣).
وعن ابن عباس أنه ﵊ قال: «من صلَّى أربع ركعات بعدَهُ قبل أن يكلم أحدا رفعت له في عليين، وكان كَمَنْ أدرك ليلة القدر في المسجد الأقصى، وهو خير له من قيام نصف ليلة» رواه أبو نعيم الحافظ (^٤).
وفي تفسير الكاشاني: روي أن الشيخ عثمان السجزي رئي في المنام فقيل له: ما حالك؟ قال: دفنتموني في مقبرة الكفرة، قيل: لا، بل في مقبرة المسلمين، فقال: هؤلاء كلهم خرجوا من الدنيا بلا إيمان.
قيل: ما المفر عنه؟ قال: أوردت حديثا في مجموعين، فاطلبوا ثم فطلبوا، فوجدوا فيها عن النبي ﵊ أنه قال: «من أراد أن يخرج من الدُّنيا بالإيمان فليصل ركعتين بعدَ سُنَّةِ المغرب، وليقرأ في الأولى الفاتحة وأوَّلَ سورة الأنعام إلى قوله: ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وفي الثانية الفاتحة، ومنه إلى قوله: ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الثاني. وفي رواية: يقرأ في كل ركعة الفاتحة و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خمس مرات، والمعوذتين مرَّةً».
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ وبنحوه رواه عبد الرزاق (٣/ ٩٦، ٤٨٣٣) عن مكحولا مرسلا.
(٢) أخرجه الترمذي (١/ ٥٥٩ رقم ٤٣٥)، وابن ماجه (١/ ٣٦٩ رقم ١١٦٧) من حديث أبي هريرة ﵁، واستغربه الترمذي، وأعله بعمر بن عبد الله بن أبي خثعم منكر الحديث، وضعفه جدًا.
(٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٣٧ رقم ١٣٧٣) من حديث عائشة، وضعفه جدا البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/¬٧، رقم ٤٨٥ بيعقوب بن الوليد فقد اتفقوا على ضعفه، ونقل فيه قول الإمام أحمد أمه من الكذابين الكبار.
(٤) ذكره الديلمي كما في كنز العمال (٧) ٣٩٣، رقم ١٩٤٥٥) وضعفه العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (ص: ٤١٩).
[ ٢ / ١٢ ]
وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ،
ويستحب الأربع بعد الظهر؛ لما روينا من حديث أم حبيبة (^١).
قوله: (وفيه خلاف الشافعي): فإنه قال: يَرَوْنَهُما بتسليمتين وهو أفضل (^٢)، وكذا في كل تطوع الليل والنهار، وبه قال مالك (^٣) وأحمد (^٤)؛ لما روى أبو هريرة أنه ﵊ «كان يصليهن بتسليمتين».
وروي أنه ﵊ قال: صلاة الليلِ والنَّهارِ مثنى مثنى (^٥). ولأنه زاد تحريمة وتسليما فكان أفضل.
ولنا: ما رُوي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال: كان يصلي النبي ﵊ بعد الزوال أربع ركعات فقلت: ما هذه الصلاة التي تداوم عليها؟ فقال ﵊: هذه ساعة تُفتح فيها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح فقلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: «نعم» فقلت: بتسليمة أو بتسليمتين؟ فقال ﵊: «بتسليمة واحدة» (^٦).
ولأن النفل تبع للفرض، والفرض بعد الزوال أربعة، فكذا النفل؛ ألا ترى
_________________
(١) رواه أبو داود (٢/¬٢٣، رقم ١٢٦٩) والترمذي (١/ ٥٥٣ - ٥٥٤، رقم ٤٢٧ - ٤٢٨)، والنسائي (٣/ ٢٦٥، رقم ١٨١٦) من حديث أم حبيبة مرفوعا: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها؛ حُرِّمَ على النار» وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
(٢) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (٤/¬٢٦).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٠٢)، والفواكه الدواني على رسالة القيرواني (١/ ١٩٦)، والقوانين الفقهية؛ لابن جزي الكلبي (ص ٦٢).
(٤) انظر: الإقناع للحجاوي (١/ ١٥٢)، والشرح الكبير لابن قدامة (١/ ٦٦٧)، والمبدع شرح المقنع لابن مفلح (٢/¬٢٧).
(٥) أخرجه أبو داود (٢/¬٢٩ رقم ١٢٩٥)، والترمذي (١/ ٧٣٤ رقم ٥٩٧)، والنسائي (٣/ ٢٢٧ رقم ١٦٦٦)، وابن ماجه (١/ ٤١٩ رقم ١٣٢٢) قال الترمذي: والصحيح ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى». وقال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ. وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٥/¬٣٩، رقم ١١٧٢)، وأخرجه البخاري (٢/¬٢٤، رقم ٩٩٠) بدون لفظ «والنهار».
(٦) أخرجه بنحوه محمد بن الحسن في "الحجة" (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣) وأحمد (٥/ ٤١٨، رقم ٢٣٥٩٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري وهو حديث ضعيف يصح بشواهده فله شاهد من حديث عند عبد الله بن السائب أخرجه الترمذي (١/ ٦٠٢، رقم ٤٧٨) وحسنه.
[ ٢ / ١٣ ]
قَالَ: (وَنَوَافِلُ النَّهَارِ إِنْ شَاءَ صَلَّى بِتَسْلِيمَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ).
أن الفرض لما كان ركعتين كان النفل ركعتين، وأما بعد الظهر شرع ركعتين تيسيرا؛ وذلك لأنه شرع للظهر مكملا على مثال الفرض أربع ركعات قبلها، فكانت الركعتان بعدها زيادة على المكمل؛ فلذلك اقتصر على الركعتين تيسيرًا.
فأما الجمعة أصلها أربع، وبسبب الخطبة عادت إلى ركعتين، فكان النفل أربعًا على أصل القياس.
والجواب عن الحديث الأول: أن معنى قوله: «بتسليمتين» بتشهدين، فيسمى التشهد تسليما؛ لما فيها من السلام، كما سمي تشهدا؛ لما فيها من الشهادة، وقد روي هذا التأويل عن ابن مسعود.
وعن الثاني: فالمشهور منها «صلاة الليل مثنى مثنى» (^١) و«النهار» غريب، حتى قال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ (^٢)، قال الترمذي: وقفه بعضهم على ابن عمر، ورواه الثقات ولم يذكروا فيه صلاة النهار (^٣)، ولئن ثبت فمعنى قوله: «مثنى»؛ أي: شفع لا واحدة حتى لا يصلي البتراء.
وعن زيادة التحريمة فقلنا: البقاء على التحريمة أفضل من القطع، كما في حق الفرض شرع أربعًا. ولأن التحريمة إنما توجد بقوله: الله أكبر، وهو يوجد عند قيامه إلى الثالثة. كذا في المبسوطين، والأسرار (^٤).
قوله: (ونوافل النهار): وفي الْمُجْتَبى عن عليٍّ ﵁ قال: إذا كانت الشمس من هنا كهيئتها من هنا عند العصر صلِّ ركعتين، وعند الظهر صل أربعًا، وقبل الظهر أربعًا، وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعًا، يفصل بين الركعتين بتسليم قبل الأربع أفضل؛ لأنها أشق على النفس.
(وتكره الزيادة على ذلك)؛ أي: على الأربع؛ لعدم ورود نص عليه.
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) انظر: سنن النسائي (٣/ ٢٢٧).
(٣) انظر: سنن الترمذي (١/ ٧٣٤).
(٤) انظر: الحجة (١/ ٢٧٢)، والعناية شرح الهداية (١/ ٤٤٥).
[ ٢ / ١٤ ]
(وَأَمَّا نَافِلَةُ اللَّيْلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةِ جَازَ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَا: لَا يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ) (*) وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ لَمْ يَذْكُر الثَّمَانِيَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَدَلِيلُ الكَرَاهَةِ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ،
وتكره الزيادة على ذلك؛ أي: على ثمان ركعات في الليل. وقال بعض أصحاب الشافعي: له أن يصلي ثلاث عشر ركعة بتسليمة واحدة، وهل له أن يزيد؟ فيه وجهان (^١).
وفي تتمتهم: ثمان ركعات جائز بتشهد واحد وبتشهدين يقعد بعد السادسة والثامنة، وكذا عشر ركعات بتسليمة واحدة جائز بتشهد واحد وبتشهدين.
وجملة الأمر له أن يزيد عدد الركعات ما أراد، ولكن لا يزيد في التشهد على تشهدين، ويكون بين التشهدين ركعات.
والأصل فيه أنه ﵊ زاد في عدد ركعات الوتر.
وقوله ﵊: «الصَّلاةُ خير موضوع فمَنْ شَاء استقل ومن شاء استكثر» (^٢)؛ ولهذا جوز ركعة واحدة بهذا الحديث، وبه قال مالك (^٣) وأحمد (^٤)؛ لكنا لا نجوز الركعة الواحدة لنهيه ﵊ عن البتراء (^٥).
(لم يزد على ذلك)؛ أي: على ثمان ركعات، فلولا الكراهة لزاد تعليما للجواز.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: روضة الطالبين للنووي (١/ ٣٣٥)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٢٧٣).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٧٨ رقم ٢١٥٨٦) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ وصححه ابن حبان (٢/ ٧٦، رقم ٣٦١)، والحاكم (٢/ ٥٩٧، رقم ٤١٦٦) وضعفه الذهبي في تلخيص المستدرك، وكذا ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٣٥٧).
(٤) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٣١٥)، والرسالة للقيرواني (ص ٣٤)، والتاج والإكليل للغرناطي (٢/ ٣٨١).
(٥) انظر: الإقناع للحجاوي (١/ ١٤٤)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ١٦٧)، والروض المربع للبهوتي (ص ١١٢).
(٦) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ٢٥٤) من حديث أبي سعيد ﵁ والذي فيهما البتيراء، وضعفه ابن حجر في الدارية (١/ ١٩٢) بعثمان بن محمد بن ربيعة؛ لأن الغالب على حديثه الوهم.
[ ٢ / ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المبسوط: روي أنه ﵊ كان يصلي في الليل خمس ركعات، سبع ركعات، تسع ركعات، إحدى عشر ركعة، والذي قال خمس ركعات؛ ثلاث وتر، وركعتان صلاة الليل، والذي قال سبع؛ أربع صلاة الليل، وثلاث الوتر، والذي قال أحد عشر؛ ثمان صلاة الليل، وثلاث وتر، والذي قال ثلاث عشرة؛ عشر صلاة الليل، وثلاث وتر. وركعتان سنة الفجر، وكان يصلي هذا كله في الابتداء، ثم فصل البعض عن البعض، هكذا ذكره حماد بن سلمة، ولم يذكر كراهة الزيادة على الثماني بتسليمة واحدة (^١).
والأصح: أنه لا يكره؛ لأن فيه وصلا بالعبادة، وهذا فضل، ثم قال: والأربع أحب إليَّ، وهذا قول أبي حنيفة، فأما عندهما: فالأفضل ركعتان، ولكن ذكر في مبسوط شيخ الإسلام وغيره ما يوافق رواية الكتاب؛ فقال: ولما ثبت من فعله ﵊ ما بينا؛ ثبت أن الرخصة انتهت إلى الثماني، فإن زاد على الثماني يكره ولكن يلزمه؛ لأن هذه الكراهة لا تكون أشد من كراهة يكون عند طلوع الشمس وغروبها، وذلك لا يمنع اللزوم بالتحريمة، فكذا هذا (^٢).
وقال الشافعي: لا يزيد على الأربع ولو زاد كره.
قال شيخي العلامة ﵀: نافلة النهار مثنى مثنى وأربع أربع، ويكره الزيادة على ذلك باتفاق الروايات عن أصحابنا؛ لعدم النفل، والأربع بتسليمة واحدة أفضل باتفاقهم؛ لحديث أبي أيوب، أما نافلة الليل فأربع بتسليمة واحدة أفضل عند أبي حنيفة؛ لحديث أبي أيوب وللزيادة مشقة وتجوز الزيادة عليها إلى ست بتسليمة واحدة عنده من غير كراهة، وفي رواية الجامع وإلى ثمان في رواية؛ لورود الخبر بكل واحد من العددين، وتكره الزيادة على ذلك وهو اختيار القدوري وفخر الإسلام (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخي (١/ ١٥٨).
(٢) وانظر: البحر الرائق؛ لابن نجيم (٢/ ٥٨).
(٣) وانظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٦٧)، والبحر الرائق؛ لابن نجيم (٢/ ٥٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥١٣).
[ ٢ / ١٦ ]
وَلَوْلَا الكَرَاهَةُ لَزَادَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ، وَالأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ
وقال شمس الأئمة: لا يكره (^١)، وعندهما الأربع بتسليمتين في الليل أفضل لما ذكرنا، ويكره الزيادة على الأربع، وهل يكره الأربع بتسليمة عندهما؟ فلفظ القدوري يوهم الكراهة؛ حيث قال: وقالا لا يزيد بالليل على ركعتين (^٢)، ومثل هذا الكلام في الرواية يوهم نفي الزيادة للحرمة أو للكراهة، ولكن ذكر في المبسوط والجامع الصغير وعامة الكتب أن الاختلاف في الأفضلية يدل على انتفاء الكراهة في الأربع بالاتفاق (^٣).
وفي فتاوى قاضي خان: لو صلى التراويح ثمان ركعات بتسليمة واحدة وقعد في كل ركعتين ينوب عن أربع تسليمات عند أبي حنيفة في رواية لعدم الكراهة إلى الثمان، وعندهما ينوب عن تسليمتين؛ لأن ما زاد على الأربع مكروه عندهما فلا تنوب الزيادة عن التراويح (^٤)، فهذا تصريح بانتفاء الكراهة عن الأربع؛ إذ الأربع جازت عن التراويح لا الزيادة، فعلى هذا معنى ما ذكر في القدوري، وقالا: لا يزيد بالليل (^٥)، إلى آخره: لا يزيد؛ لئلا يلزم ترك الأفضل في الأربع والكراهة في الزيادة عليها، وإليه أشير في النهاية.
وقال المحبوبي: فرق محمد في الكتاب بين صلاة الليل والنهار في كراهية الزيادة على الأربع باعتبار أن الأثر جاء به في صلاة الليل لا النهار، وعلينا الاتباع خصوصًا في العبادات، وليس فيه معنى معقول سوى أن النهار يحتاج إلى التكلم ساعة فساعة، فلم يستكثر الركعات بتسليمة واحدة، والليل وقت نوم وغفلة فيزداد لتحصيل زاد الآخرة فيختار الأشق (^٦).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٨).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٧٢)، و«البناية شرح الهداية» للعيني (٢/ ٥١٤)، ودرر الحكام محمد بن فرامرز (١/ ١١٦).
(٣) وانظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٧٢)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬١٦)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٤٤).
(٤) "فتاوى قاضي خان" (ص ١١٩).
(٥) انظر: «البناية شرح الهداية» (٢/ ٥١٤)، و«الجوهرة النيرة على مختصر القدوري» (١/ ٧٢).
(٦) وانظر: الحجة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن (١/ ٢٧٢)، والهداية للمرغيناني (١/ ٦٧)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٢).
[ ٢ / ١٧ ]
رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَثْنَى مَثْنَى، وَفِي النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِيهِمَا مَثْنَى مَثْنَى، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ لِلشَّافِعِيِّ: قَوْلُهُ ﵊: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَلَهُمَا: الاعْتِبَارُ بِالتَّرَاوِيحِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ تَظَلُّهُ: «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ العِشَاءِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا» رَوَتْهُ
(وعند الشافعي فيهما)؛ أي: في الليل والنهار (^١)، وبه قال مالك (^٢) وأحمد (^٣)؛ لما روينا، ولحديث عمارة بن رويبة أنه ﵊ كان يفتتح صلاة الضحى بركعتين، وإنما يبدأ بما هو الأفضل.
(ولهما)؛ أي: ولأبي يوسف ومحمد قوله ﵊: «صلاة الليل مثنى مثنى» (^٤) وفي كل ركعتين يسلم والاستدلال بالتراويح.
وفي العون وبقولهما يفتى اتباعا للحديث (^٥)، ولأبي حنيفة ما روي عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة يراقب صلاة النبي ﵊ بالليل بعثه أبوه لذلك، فلما صلى ﵊ العشاء رقد رقدة ثم انتبه فقام ونظر إلى السماء فقرأ خاتمة سورة آل عمران وتوضأ وصلى أربع ركعات بتسليمة واحدة ثم رقد رقدة ثم انتبه فقام ونظر إلى السماء وقرأ خاتمة سورة آل عمران وتوضأ وصلى أربع ركعات بتسليمة واحدة (^٦).
وحديث عائشة ﵂ حين سئلت عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: «ما كان النبي ﵊ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا كذلك ثم يصلي
_________________
(١) انظر: أسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ٢٠٧)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٨٩)، والغرر البهية لزكريا الأنصاري (١/ ٣٩٧).
(٢) انظر: المدونة لمالك بن أنس (١/ ١٨٩)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٠٢)، والقوانين الفقهية (ص ٦٢)، والكافي للقرطبي (١/ ٢٥٧).
(٣) انظر: الروض المربع للبهوتي (ص ١١٨)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٧٠)، والمبدع شرح المقنع لابن مفلح (٢/¬٢٧).
(٤) أخرجه البخاري (٢/¬٢٤ رقم ٩٩٠)، ومسلم (١/ ٥١٦ رقم ٧٤٩) من حديث ابن عمر ﵁.
(٥) وانظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٥٨)، ومراقي الفلاح للشرنبلالي (ص ١٤٨).
(٦) أخرجه البخاري (١/ ١٤٧، رقم ١٨٣)، ومسلم (١/ ٥٢٥ رقم ٧٦٣).
[ ٢ / ١٨ ]
عَائِشَةُ ﵂، وَكَانَ ﵊ يُوَاظِبُ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي الضُّحَى، وَلِأَنَّهُ أَدْوَمُ تَحْرِيمَةٌ فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةً وَأَزْيَدَ فَضِيلَةٌ، لِهَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَعَلَى القَلْبِ يَخْرُجُ، وَالتَّرَاوِيحُ تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ، فَيُرَاعَى
الوتر» (^١)، ولأن التطوع شرع مكملا للفرائض، وأكثر الفرائض في اليوم والليلة أربع إلى آخر ما ذكرنا.
وأما قوله: بين كل ركعتين تسليم؛ أي تشهد، والتشهد سُمِّي سلامًا لما ذكرنا، أو نقول: كلاهما ثبت من فعله ﵊؛ لكن الكلام في الأفضل والأربع أفضل؛ لأنه أدوم تحريمة وأكثر مشقة، وقد يبدأ النبي ﵊ بما هو غير أفضل تعليمًا للجواز بدليل ثبوت مواظبته ﵊ على الأربع في الضحى برواية ابن مسعود: أكثر مشقة؛ لأنه أشد على النفس فيكون أكثر فضيلة.
قال ﵊: «أفضل الأعمال آخرها» (^٢)؛ ولهذا ذكر في الزيادات: لو نذر أن يصلي أربعًا … إلى آخره؛ لا يخرج عنه بتسليمتين؛ لأنه شدد الأمر على نفسه، حيث قال بتسليمة، فلا يخرج عن العهدة بما فيه تخفيف، وعلى القلب يخرج؛ وهو إن نذر أن يصلي أربعًا بتسليمتين فصلى أربعًا بتسليمة يخرج؛ لأنه شدد المخفف على نفسه، فيكون أشق فكان أفضل، وأكد في استجلاب الثواب (^٣)؛ قال ﵊: «أجرُكَ على قدرِ تَعَبِكَ» (^٤).
أو نقول: لما أتم أربعًا بتسليمة مكان تسليمتين، كان إكمال الشفع الأول بالقعود وسائر الأفعال، والتسليم قطع وخروج وليس بمقصود، فلا يضره تركه.
وقوله: (والتراويح)؛ جواب عن استدلالهما بالتراويح.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٥٣، رقم ١١٤٧)، ومسلم (١/ ٥٠٩ رقم ٧٣٨).
(٢) في معناه ما أخرجه البخاري (٨/ ١٠٣ رقم ٦٤٩٣) من حديث سهل بن سعد ﵁ بلفظ: «إنما الأعمال بخواتيمها».
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/¬٥١٩/¬٥٢٠)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٧٢)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬١٣).
(٤) رواه الحاكم (١/ ٦٤٤، ١٧٣٣) من حديث عائشة وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (٣/¬٥، رقم ١٧٨٧) ومسلم (٢/ ٨٧٦، رقم ١٢١١) من حديث عائشة ﵂.
[ ٢ / ١٩ ]
فِيهَا جِهَةُ التَّيْسِيرِ، وَمَعْنَى مَا رَوَاهُ شَفْعًا: لَا وِتْرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.