قَالَ: (سُجُودُ التَّلَاوَةِ فِي القُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةَ: فِي آخِرِ الأَعْرَافِ، وَفِي
ذكرنا، ولو قضاها ورثته بأمره لا يجوز، وفي الحج يجوز، ولو تطوع به الوارث وتصدق لكل صلاة؛ جاز (^١).
(باب سجود التلاوة)
من حق هذا الباب أن يلحق بباب سجود السهو؛ كما هو وضع شروح الجامع، والتتمة، وشرح الطحاوي، وغيرها؛ لمناسبة أن كل واحدٍ منهما بيان السجدة، إلا أنه لما ذكر بيان صلاة المريض بعد السهو لما قلنا: إنهما من العوارض السماوية، ألحق هذا الباب؛ لأنه في الحقيقة إلحاق بباب سجود السهو، أو بمناسبته أن في صلاة المريض سقوط بعض الأركان رخصه للحرج.
وفي سجدة التلاوة ثبت التداخل رخصة للحرج أيضًا، أو لأن في هذا الباب والباب الذي يليه -وهو باب صلاة المسافر - بيان حكم العوارض المكتسبة، ثم إضافة السجود إلى التلاوة؛ إضافة الحكم إلى سببه، وهو الأصل في الإضافة؛ لأنها للاختصاص، وأقوى وجوهه اختصاص المسبب بالسبب؛ لأنه حادث به.
قوله: (أربع عشر)، وبه قال الشافعي في الجديد، ولكن لا يقول بالسجدة في سورة (ص)، ويقول بالسجدتين في سورة الحج؛ فتكون أربعة عشر عنده أيضًا (^٢)، وبه قال أحمد (^٣)، ومالك في رواية (^٤).
وقال الشافعي في القديم: سجود القرآن إحدى عشر سجدة، فلم يثبت
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٣٣٥)، والبحر الرائق لابن نجم (٢/ ٩٨).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٠٢)، والتنبيه للشيرازي (ص ٣٥)، والمجموع (٤/ ٥٩).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤٤١)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٧٨٤)، والإقناع للحجاوي (١/ ١٥٥).
(٤) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد القرطبي (١٨/ ١٠٧)، والمقدمات الممهدات لابن رشد القرطبي (١/ ١٩١)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤١١).
[ ٢ / ١٩٨ ]
الرَّعْدِ وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ وَالأُولَى فِي الحَجِّ، وَالفُرْقَانِ وَالنَّمْلِ، والم تَنْزِيلٌ، وَصَ، وَحَمَ السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمِ، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]
سجدات المفصل (^١)، وبه قال مالك، إلا أن مالكًا عد سجدة (ص) ولم يعد السجدة الثانية في الحج (^٢).
وقال ابن سريج -من أصحاب الشافعي (^٣) -، وأحمد في رواية (^٤): السجدة في القرآن خمسة عشر؛ لأن في الحج سجدتان، وفي (ص) سجدة؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس ﵃، أنه ﵊ قرأ خمسة عشر سجدة في القرآن (^٥).
وجه قول مالك: حديث خارجة (^٦) أنه قرأ عند النبي ﵊ والنجم، فلم يسجد أحد. وكذا روي عن زيد بن ثابت (^٧).
وعن ابن عباس، أنه ﵊ لم يسجد في المفصل حين هاجر إلى المدينة (^٨).
ولنا: حديث أبي الدرداء، وحديث الأسود، أنه ﵊ سجد بختم هذه السورة (^٩).
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٢٩٢)، والمجموع للنووي (٤/ ٦٠).
(٢) انظر: المدونة لمالك بن أنس (١/ ١٩٩)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٦١)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤١٨).
(٣) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٦٢).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤٤١)، والمبدع لابن مفلح (٢/¬٣٧)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ١٩٦).
(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٥٨، رقم ١٤٠١) من حديث عمرو بن العاص ﵁، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود (٢/ ٧٢، رقم ٢٤٨)، وحسنه النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ٦٢٠، رقم ٢١٣٢).
(٦) كذا في النسخ، والصواب كما في سنن أبي داود (٢/، رقم ١٤٠٥): خارجة بن زيد عن أبيه.
(٧) أخرجه البخاري (٢/¬٤١، رقم ١٠٧٢) من حديث زيد بن ثابت ﵁.
(٨) أخرجه أبو داود (٢/ ٥٨، رقم ١٤٠٣) وضعفه ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٥٠٥) وقال: منكر، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود (٢/ ٧٥، رقم ٢٥١).
(٩) رواه الترمذي (١/ ٧٠٧، رقم ٥٦٨) وابن ماجه (١/ ٣٥٣، رقم ١٠٥٥) قال الترمذي: غريب، وأشار إليه أبي داود (٢/ ٥٨، رقم ١٤٠١) وضعفه، وأقرهما ابن حجر في الدراية (١/ ٢١١)، والشيخ الألباني في ضعيف أبي داود (٢/ ٧٣، رقم ٢٤٩).
[ ٢ / ١٩٩ ]
وَاقْرَأْ كَذَا كُتِبَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ المُعْتَمَدُ، وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي
وحديث أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] و﴿اقْرَأْ﴾ (^١)، وكان إسلام أبي هريرة بعد الهجرة بسنتين.
واحتج الشافعي: في أن في الحج سجدتان؛ بحديث عقبة ابن عامر، أنه ﵊ قال: «في الحج سجدتان» (^٢)، وقال ﵇: «فُضْلَت الحج بسجدتين، من لم يسجُدُهما لم يقرأها» (^٣)، وفي (ص) سجدة الشكر لا التلاوة؛ لما روي أنه ﵊ تلا في خطبته (ص) فَتَشَزَّنَ (^٤) الناس للسجود، فقال ﵊: علامَ تَشَزَّنْتُمْ؛ إنها توبة نبي (^٥).
وعن ابن مسعود ﵁، أنه ﵊ كان لا يسجد في (ص) (^٦).
وقلنا: روي أن واحدًا من الصحابة قال: يا رسول الله، رأيت فيما يرى النائم كأني كتبت سورة (ص)، فلما انتهيت إلى موضع السجدة؛ سجد الدواة والقلم، فقال ﵊: «نحن أحق بها مِنَ الدواة والقلم» (^٧)، فأمر حتى تكتب في مجلسه، وسجدها مع الصحابة ﵃.
فإن قيل: في الحديث زيادة؛ وهي أنه ﵊ قال: «سجدها
_________________
(١) سجود النبي ﷺ في سورة الانشقاق رواه البخاري (١/ ١٥٣، رقم ٧٦٨) ومسلم (١/ ٤٠٦، رقم ٥٧٨)، وسجود النبي ﷺ في سورتي القلم والانشقاق معا رواه مسلم (١/ ٤٠٦، رقم ٥٧٨).
(٢) انظر تخريج الحديث التالي.
(٣) رواه أبو داود (٢/ ٥٨، رقم ١٤٠٢) والترمذي (١/ ٧١٩، رقم ٥٧٨) وضعفه الترمذي ووافقه النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ٦٢٥)، وصححه دون قوله: «ومن لم يسجدهما» الشيخ الألباني في صحيح أبي داود - الأم - (٥/ ١٤٥، رقم ١٢٦٥/ م).
(٤) أَيْ: تَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ (انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي ٢/¬١٢).
(٥) رواه أبو داود (٢/ ٥٩، رقم ١٤١٠) الحاكم (٢/ ٤٦٩، رقم ٣٦١٥) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(٦) رواه الشافعي في المسند (١/ ٣٢٥، رقم ٣٣٩) - ترتيب سنجر - والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣١٩، رقم ٣٩٠٢).
(٧) بمعناه رواه أحمد (٣/ ٧٨، رقم ١١٧٥٨) والحاكم (٢/ ٤٦٩، رقم ٣٦١٦) وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
الحَجُّ لِلصَّلَاةِ عِنْدَنَا،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
داود ﵊ توبة، ونحن نسجدها شكرا» (^١).
قلنا: هذا لا ينفي كونه سجدة تلاوة، فما من عبادة يأتي بها العبد إلا وفيها معنى الشكر.
ومراده من هذا: بيان سبب الوجوب، وإنما لم يسجدها في خطبته؛ ليبين أنه يجوز تأخيرها؛ فإنه روي أنه ﵊ قرأها في خطبته مرتين وسجد لكل مرة، وهذا دليل على وجوبها وعلى أنها سجدة تلاوة؛ لأنه قطع الخطبة لها. كذا في المبسوط (^٢).
وعن عثمان ﵁ أنه قرأ في صلاته سورة (ص)، وسجد وسجد الناس معه، وقال: سجد فيها سول الله (^٣).
(للصلاة عندنا)؛ لقول ابن عباس ﵄ في سجدتي الحج: الأولى عزيمة، والثانية تعليم (^٤)؛ ولهذا قرنها بالركوع بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، والسجدة المقرونة بالركوع سجدة الصلاة؛ لأنه يجمع بينهما في الصلاة.
وروي عن البراء بن عازب عدّ آي السجدة، وعدّ في الحج واحدة، وما روي من الفضيلة في السجدتين؛ لا يدل على أن كليهما سجدة تلاوة، وهو تأويل الحديث.
قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك (^٥)، ولهذا ذهب إليه مالك (^٦)، وسفيان الثوري.
وفي شرح المصابيح: حديث ضعيف الإسناد، لا يصح الاحتجاج به؛ فإنه
_________________
(١) رواه النسائي (٢/ ١٥٩، رقم ٩٥٧) الطبراني في المعجم الكبير (١٢/¬٣٤، رقم ١٢٣٨٦) من حديث ابن عباس، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود - الأم - (٥/ ١٥٤، رقم ١٢٧٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/¬٧).
(٣) رواه ابن مردويه كما في كنز العمال (٨/ ١٤٤، رقم ٢٢٣٠٤) من حديث عثمان بن عفان ﵁.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٣٤١، رقم ٥٨٩٢).
(٥) (١/ ٧١٩، رقم ٥٧٨).
(٦) انظر: المدونة لمالك بن أنس (١/ ١٩٩)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٦١).
[ ٢ / ٢٠١ ]
وَمَوْضِعُ السَّجْدَةِ فِي حم السَّجْدَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَا يَسْتَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] فِي قَوْلِ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ المَأْخُوذُ لِلِاحْتِيَاطِ، وَالسَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَلَى التَّالِي
مخرج عن عبد الله بن لهيعة قاضي مصر، وهو ضعيف عند النقلة (^١). فكذا في المبسوط (^٢).
(في السجدة)؛ أي: ﴿حم﴾ السجدة عند قوله: ﴿لَا يَسْتَمُونَ﴾، وبه قال الشافعي في الجديد (^٣)، وأحمد (^٤).
وقال في القديم (^٥)، ومالك (^٦) عند قوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. كذا روي عن علي ﵁.
وقولنا: مروي عن ابن مسعود، وعمر ﵄، وهو أقرب إلى الاحتياط؛ لأنه لا يجوز التعجيل قبل السبب، أما بجواز التأخير بعد السبب؛ لأن وقت أدائها موسع، فمتى أتى بها يكون مؤديا لا قاضيًا. ذكره في الفتاوى الظهيرية (^٧).
قوله: (والسجدة واجبة)؛ أي: عندنا. وعند الشافعي (^٨)، ومالك (^٩)، وأحمد (^١٠)، وجماعة؛ سنة؛ لما روي عن زيد بن ثابت، أنه قرأ عند
_________________
(١) مرقاة المفاتيح لملا الهروي القاري (٢/ ٨١٤).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/¬٦).
(٣) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٥٩)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ١٨٨)، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ١٩٦).
(٤) انظر: الكافي لابن قدامة المقدسي (١/ ٢٧٣)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٢٥٣)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٧٨٨).
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٠٢)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣١٩)، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (١/ ٤٤٢).
(٦) انظر: المدونة لمالك بن أنس (١٩٩١)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤١٢)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٣٥١).
(٧) المبسوط للسرخسي (٢/¬٧).
(٨) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ١٨٥)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣١٨)، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ١٩٧).
(٩) انظر: الفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٤٩)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٣٦١)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٣٤٩).
(١٠) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤٤٦)، والفروع لابن مفلح (٢/ ٣٠٥)، والمبدع لابن مفلح (٢/¬٣٣).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وَالسَّامِعِ سَوَاءٌ قَصَدَ سَمَاعَ القُرْآنِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ) لِقَوْلِهِ ﵊: «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا وَعَلَى مَنْ تَلَاهَا» وَهِيَ كَلِمَةُ إِيجَابٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالقَصْدِ (وَإِذَا تَلَا الإِمَامُ آيَةَ السَّجْدَةِ سَجَدَهَا وَسَجَدَهَا المَأْمُومُ مَعَهُ).
رسول الله ﷺ سورة والنجم؛ فلم يسجد فيها (^١).
وما روي أن عمر قرأ آية السجدة في الخطبة، فنزل وسجد وسجد الناس، فلما جاءت الجمعة الأخرى؛ قرأ آية السجدة، فتأهب الناس للسجود، فقال: أيها الناس، على رسلكم؛ فإن الله تعالى لم يكتبها عليكم إلا أن يشاء.
ولنا: الحديث المذكور في المتن.
(وهي)؛ أي: كلمة إيجاب.
(وهو)؛ أي: قوله ﵊: «السجدة …» الحديث (^٢).
وفي المبسوط، والمحيط، والأسرار، وشروح الجامع الصغير: جعل هذا من ألفاظ الصحابة؛ فإنه قال في المبسوط عن عثمان، وعلي، وابن عباس، وابن عمر ﵃ أنهم قالوا في السجدة: على من تلاها وعلى من سمعها (^٣).
وإنما قال المصنف: (قصد سماع القرآن أو لا)؛ لأنه جاء في بعض الآثار: «وعلى من جلس لها»، وهذا اللفظ يوهم أنه إنما تجب على من هو قاصد للجلوس لها تلاوة أو سماعًا، وهو قول البعض، حتى إن عند الشافعي (^٤)، ومالك (^٥): قصد الاستماع شرط لتأكد الاستحباب، وحديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: «إِذَا تَلَا ابْنُ آدَمَ آيَةَ السَّجْدَةِ فَسَجَدَ؛ اعتزل الشيطان يبكي،
_________________
(١) رواه البخاري (٢/¬٤١، رقم ١٠٧٢).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٤)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٨٠).
(٤) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٢٣٠)، والبيان للعمراني (٢/ ٢٨٧)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ١٨٨).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤١٦)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٥٩)، وجامع الأمهات لابن الحاجب (ص ١٣٥).
[ ٢ / ٢٠٣ ]
لالتِزَامِهِ مُتَابَعَتَهُ (وَإِذَا تَلَا المَأمُومُ لَمْ يَسْجُد الإِمَامُ وَلَا المَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَ ..
فيقول: أُمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجد؛ فله الجنّة، وأمِرتُ بالسجود فلم أسجد؛ فَلِي النار» (^١)؛ ففيه دليل على أن ابن آدم مأمور بالسجدة، والأمر للوجوب، ولأنه تعالى وبخ من ترك السجود بقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، والتوبيخ لا يكون إلا بترك الواجب، ولأن آيات السجدة كلها دالة على الوجوب؛ لأنها ثلاثة أقسام:
قسم هو أمر صريحًا، مثل: الذي في النجم، واقرأ باسم ربك، والأمر للوجوب، وقسم فيه ذكر طاعة الأنبياء والمرسلين والأولياء، وذلك يوجب الاقتداء؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
قيل: لا يجب الاقتداء فيما فعلوه على وجه الاستحباب.
أجيب: جهة الاستحباب غير معلومة، فيجب الاقتداء مطلقا، وقسم فيه استنكاف الكفار عن السجود، ومخالفتهم في ذلك واجب.
والمعنى: أنه يؤتى بها في الصلاة بالإجماع، فكانت واجبة كالسجدة الصلبية، ولأنها لو لم تكن واجبة؛ لما جاز ترك القيام بالانتقال إليها.
والجواب عن حديثه الأول: أنه ﵊ لم يسجد في فوره، وذلك جائز، أو كانت القراءة مكررة لم يشعر بالمرة الأولى؛ لأن السامع إنما يلزمه السجود على الفور إذا سجد التالي؛ ألا ترى أنه ﵊ قال: «لو سجدت لسجَدْنا» (^٢)، وهذا يدل على سجدته لو سجد لا محالة، وعندكم لو سجدها التالي يخير السامع، وكان حجة عليكم.
ومعنى قول عمر: لم يكتب علينا التعجيل بها، فأراد بيان جواز التأخير
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ٨٧، رقم ٨١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣٧٩، رقم ٤٣٦٣) وأبو داود في المراسيل (ص: ١١٢، رقم ٧٦) بسندهما عن زيد بن أسلم، أن غلاما قرأ عند النبي ﷺ السجدة، فانتظر الغلام النبي ﷺ أن يسجد، فلما لم يسجد قال: يا رسول الله، أليس في هذه السورة سجدة؟ فذكره وهو حديث مرسل كما ترى.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للقوم. كذا في المبسوط (^١).
وقيل في وجه الاحتجاج بحديث أبي هريرة: أنه ﵊ قرن هذه السجدة بالسجدة التي أمر بها إبليس، وتلك كانت واجبة، فكذا ما قرن بها، أو حكم المقرون حكم المقرون به.
فإن قيل: هذا احتجاج بقول إبليس.
قلنا: هذا احتجاج بقول النبي ﵊؛ حكى قوله، ولم يعقبه الإنكار، والحكم إذا حكى ولم يعقبه الإنكار؛ كان ذلك دليلا على الوجوب.
دليله: قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤] لما كان قولهم باطلا؛ كيف أعقبه بالإنكار. كذا في جامع الإسبيجابي، والفوائد الحميدية (^٢).
فإن قيل: لو كانت السجدة واجبة لما أديت؛ كسجدة الصلاة وركوعها، ولما تداخلت كالسجدة الصلبية وسجدتي السهو، ولما أديت بالإيماء حين قرأها راكبًا مع القدرة على النزول، كما لو أدركه وقت صلاة وهو راكب؛ حيث لا تجوز الصلاة راكبًا بدون العذر، وكما إذا نذر أن يصلي ركعتين وهو راكب؛ حيث لم يجز أن يؤدهما راكبًا بلا عذر.
قلنا: أداؤها ضمن شيء آخر لا ينافي وجوبها؛ كالوضوء؛ فإنه فرض في نفسه، ويتأدّى بغسل المتبرد، وكالسعي؛ فإنه يتأدّى بالسعي إلى التجارة، أو إلى أمر هو معصية.
والمعنى فيه: أن سجدة التلاوة ليست بمقصودة في نفسها؛ بل المقصود منها: إظهار الخشوع موافقة للمقربين، أو مخالفة للمشركين، وذلك يحصل في ضمن الركوع والسجود للصلاة؛ لأنها لإظهار الخضوع، فصارت كالسعي إلى الجمعة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٢٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٤).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما السجدة الصلبية: فمقصودة في نفسها، فلا تتأدَّى في ضمن شيء آخر مثلها، وكذا سجدة السهو؛ فإنها لجبر النقصان، فلو قلنا بالتداخل فيها؛ لكان الجابر والمجبور واحدًا، وهو لا يصح.
وأما جواز أدائها بالإيماء لو قرأها راكبًا؛ لأنه أداها كما التزمها، فتلاوته على الدابة مشروع فيما تجب به السجدة، فكان كالشروع على الدابة في التطوع، فكما يجوز هاهنا، بخلاف النذر؛ فإنه ليس بشروع في أداء الواجب، وكان الوجوب بالنذر مطلقًا، فيعتبر بما وجب بإيجاب الله تعالى، وكذلك إذا أدرك وقت صلاة وهو راكب؛ فإنه ليس بشروع في أداء الواجب، والوجوب فيها مطلق؛ فكان محمولًا على الكمال.
وبشر: وإن كان لا يجوز أداؤها راكبًا كما لو قرأها عليها؛ فهو محجوج بما ذكرنا. إليه أشير في المحيط، والأسرار (^١).
وفي المُجْتَبَى: قال القراء: إنما تجب السجدة في النمل على قراءة الكسائي بالتخفيف، وينبغي أن لا تجب بالتشديد؛ لأن معناها زَيَّنَ الشيطان أن لا يسجدوا (^٢)، والأصح: هو الوجوب على القراءتين؛ لأنه كتب في مصحف عثمان ﵁.
وقيل: المعتبر الكلمة التي فيها السجود.
وقيل: الآية كلها. وعن محمد: أكثرها.
وعن أبي علي الدقاق: سمع سجدة من قوم، من كل واحد حرفًا؛ لا شيء عليه، وإنما تجب سجدة التلاوة على مَنْ هو أهل للخطاب طاهرًا، حتى لا تجب على المرأة إذا كانت حائضَةً أو نفساء، تالية كانت أو سامعة (^٣).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٦)، وفتاوى قاضي خان (١/ ٧٧).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٥٥)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (صـ ٤٨٢).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٣٨)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (صـ ٤٨١)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١١٨).
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الفَرَاغِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْجُدُونَهَا إِذَا فَرَغُوا) (*).
وفي الْمُجْتَبى: السجدات خمس صلبية؛ وهي فرض، وسجدة سهو، وسجدة تلاوة؛ وهما واجبتان، وعند الشافعي: هما سنتان.
وسجدة نذر؛ وهي واجبة؛ بأن قال لك: لله عليّ سجدة تلاوة، ولو لم يقيدها بالتلاوة؛ لم تجب عند أبي حنيفة، خلافًا لأبي يوسف، والفرض منها؛ يكفر جاحده، وتفسد الصلاة بتركها.
وأما سجدة الشكر؛ فقد ذكر الطحاوي عن أبي حنيفة أنه قال: لا أراه شيئا (^١).
قال أبو بكر الرازي: معناه: ليس بواجب ولا مسنون؛ بل هو مباح ولا بدعة (^٢).
وعن محمد عن أبي حنيفة: أنه كرهها، وبه قال مالك (^٣)، ولكن يستحبها إذا أتاه ما يسره من حصول نعمة، أو دفع نقمة متوقعة، وبه قال أبو يوسف، والشافعي (^٤)، وأحمد (^٥)، فيكبر مستقبل القبلة، ويسجد فيحمد الله ويشكره ويسبح، ثم يكبر فيرفع رأسه؛ لما روي أنه ﵊ إذا رأى مبتلى؛ سجد شكرًا، وإذا جاءه ما يسره؛ سجد لله شكرا.
وعندهم: لو سجد بغير سبب؛ فليس بقربة ولا مكروه.
وجه قول أبي حنيفة: أن نصب الأحكام بالرأي متعذر، وما روي أنه عليه
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٥/ ٣٢٢)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٨٤).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٥/ ٣٢٢)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٩٩).
(٤) انظر: المدونة لمالك بن أنس (١/ ١٩٧)، والبيان والتحصيل لابن رشد القرطبي (١/ ٣٩٣)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤١٦).
(٥) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٥٩)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٣١)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٦٤).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤٤٩)، والفروع لابن مفلح (٢/ ٣١٢)، والمبدع لابن مفلح (٢/¬٤٠).
[ ٢ / ٢٠٧ ]
لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَقَرَّرَ، وَلَا مَانِعَ بِخِلَافِ حَالَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى خِلَافِ وَضْعِ الإِمَامَةِ أَوِ التَّلَاوَةِ. وَلَهُمَا: أَنَّ المُقْتَدِيَ مَحْجُورٌ عَنِ القِرَاءَةِ لِنَفَاذِ تَصَرُّفِ
السلام كان يسجد إذا رأى مُبْتَلَى؛ فهو منسوخ، وأما ما يفعل عُقَيْبَ الصلوات من السجدة؛ فمكروه بالإجماع؛ لأن الجهال يعتقدونها واجبًا أو سنة، وكل مباح يؤدي إليه مكروه؛ فهو مكروه أيضًا.
وفي الحقائق: قال أبو حنيفة: لا أراها واجبة؛ لأنها لو وجبت لوجبت في كل لحظة؛ لأن نعم الله متواترة، وفيه تكليف ما لا يطاق (^١).
قوله: سجدها المأموم معه وإن لم يسمعها؛ لإسرار، أو بعد، أو صمم؛ لالتزام متابعته، ولقوله ﵊: «إذا سجد الإمام فاسجدوا» (^٢).
قوله: (ولا مانع)؛ أي: زال المانع، كما لو سمع من غيره وهو في الصلاة، وبه قال الشافعي؛ حيث قال: يستحب أن يسجد بعد الفراغ من الصلاة؛ لأنه خلاف موضوع الإمامة؛ يعني: على تقدير أن يسجد التالي ويتابعه الإمام؛ ينقلب المتبوع تبعًا، والتبع متبوعًا، وإن لم يتابعه الإمام كان هو مخالفًا لإمامه.
(أو التلاوة)؛ أي: على تقدير أن يسجد الإمام أولًا ويتابعه التالي؛ لأن هذا خلاف موضع سجدة التلاوة، فإن التالي إمام السامعين فيها، فيجب أن يتقدم سجود التالي، قال ﵊ للتالي: «كنت إمامنا» (^٣)؛ ولهذا كانت السنة أن يتقدم التالي للسجدة، ثم يصطفون خلفه، أكثر ما في الباب أنه منهي عن القراءة بغيرها؛ وهو أن لا يكون مُخِلًّا بالاستماع والإنصات الواجبين، لكن تصرف المنهي عنه لغيره يفيد حكمه، كتلاوة الحائض والنفساء والجنب؛ فإنهم منهيون عن القراءة، ومع ذلك قراءتهم توجب السجدة، فكذا هذا.
(ولهما) إلى آخره؛ قيل: المحجور: هو الممنوع لحق العباد، والمنهي
_________________
(١) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١١٩).
(٢) جزء من حديث طويل رواه البخاري (١/¬١٤٥، رقم ٧٢٢) ومسلم (٣٠٩، رقم ٤١٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
الإِمَامِ عَلَيْهِ، وَتَصَرُّفُ المَحْجُورِ لَا حُكْمَ لَهُ، بِخِلَافِ الجُنُبِ وَالحَائِضِ؛ لِأَنَّهُمَا
عنه: هو الممنوع لحق الشرع.
وقيل: المحجور: هو الممنوع عن التصرف على وجه يظهر نفاذ ذلك التصرف عليه من جهة غيره، كالصبي والعبد، والمقتدي محجور بالتفسيرين، ولنفاد تصرف الإمام عليه؛ قال ﵊: «من كان له إمام فقراءةُ الإمام له قراءة» (^١)؛ وذلك دليل الولاية عليه، والولاية دليل الحجر على المولى عليه.
(وتصرف المحجور لا حكم له)؛ أي: لا ينفد حكمه، كتصرفات الصبي والمجنون والعبد؛ بخلاف الجنب والحائض؛ لأنهما منهيان، وأثر النهي في تحريم الفعل دون ترك الاعتبار، كالبيع الفاسد، والبيع وقت النداء، على أنهما ليسا بممنوعين عن قراءة ما دون الآية على ما ذكره الطحاوي (^٢)، وذلك القدر كافٍ لتعلق وجوب السجدة، فأما المقتدي؛ فممنوع عن قراءة ما دون الآية، ومحجور عليه؛ لما مر، فوضح الفرق. إليه أشير في المحيط (^٣).
ولأن الإمام يتحمل من المقتدي فرض القراءة؛ كما تحمل عنه موجب السهو، ثم سهو المقتدي معطل؛ فكذلك تلاوته، ولأن هذه السجدة صلاتية؛ لأن سببها تلاوة من يشاركهم في الصلاة.
والصلاتية إذا لم تؤد في الصلاة؛ لا تؤدى بعد الفراغ منها، كما لو تلاها الإمام ولم يسجد في الصلاة، بخلاف ما لو سمعوا ممن ليس معهم في الصلاة؛ لأنها ليست بصلاتية.
وأما قوله: (إن السبب قد وجد) فمُسَلَّم، لكنه عاجز عن أدائها في الصلاة
_________________
(١) ورد عن جماعة من الصحابة منهم جابر ﵁ ابن ماجه (١/ ٢٧٧، رقم ٨٥٠) وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء (٢/ ٢٦٨، رقم ٥٠٠).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/¬٣٨)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٥٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٦٧).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬١٤).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
مَنْهِيَّانِ عَنْ القِرَاءَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الحَائِضِ بِتِلَاوَتِهَا كَمَا لَا يَجِبُ بِسَمَاعِهَا؛ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الجُنُبِ.
وخارج الصلاة؛ لما ذكرنا. كذا في المبسوطين، والمحيط (^١)، وبقولهما قال الشافعي (^٢)، ومالك (^٣)، وأحمد (^٤).
فإن قيل: العبد المحجور إذا باع واشترى ينعقد، ويتوقف على إجازة المولى، ولو كان محجورًا للغا كالمجنون والمغلوب، وإذا أقر بحد أو قصاص ينفذ ويظهر في حق المولى.
قلنا: إنما انعقد عقده متوقفًا؛ لاحتمال وجود الإجازة من المولى، وإنما ظهر أثر الحجز في النفاذ لا في غيره، والعبد ليس بمحجور عن نفس التصرف، وإنما الحجر في لحوق العهدة، وقد ظهر أثره فيه حتى لا ترجع الحقوق إليه، ولا يمكن القول بالتوقف هنا؛ لعدم احتمال الإجازة من الإمام، والعبد ملحق بالأحرار في حق الدم، فلا يكون محجورًا فيه.
فإن قيل: إذا أقر العبد المحجور بمال لرجل يجب أداؤه بعد العتق، فهاهنا ينبغي أن تجب السجدة على السامع إذا فرغ من الصلاة؛ لأن الحجر قد زال كما في العتق.
قلنا: لا نسلم أن الإقرار تصرف، بل إخبار عن أمر كائن، ولكن ذلك الأمر لا يثبت لحق المولى، فإذا زال حقه ثبت بخلاف ما نحن فيه؛ لأنه إنشاء سبب وجوب السجدة، كما إذا باع واشترى، فبعد العتق لا ينعقد بيعه ولا شراؤه؛ لأنه إنشاء، وهو لا يملكه.
قوله: (لانعدام أهلية الصلاة)، وذلك لأن السجدة ركن من أركان الصلاة،
_________________
(١) الأصل للشيباني (١/ ٣٢٧، ٣٢٨)، والمبسوط للسرخسي (٢/¬١٠)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬١٤).
(٢) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ١٩٠)، والمجموع للنووي (٤/ ٥٩)، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (١/ ٤٤٤).
(٣) الفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٥١)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٦١)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ٦٥).
(٤) المبدع لابن مفلح (٢/¬٣٥)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٢٥٢)، وكشاف القناع للبهوتي (١/ ٤٤٦).
[ ٢ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحائض والنفساء لا تلزمهما الصلاة ولا القضاء، فلا يلزمهما السجدة أيضًا؛ بخلاف الجنب؛ فإنه تلزمه الصلاة فتلزمه السجدة. كذا في المبسوط (^١).
وفي الإيضاح، والمحيط كل من لا تجب عليه الصلاة ولا قضاؤها؛ كالحائض والنفساء، والكافر، والصبي، والمجنون؛ فلا سجود عليهم؛ لأن السجدة من أركان الصلاة، وأما السامع منهم يجب عليه (^٢).
قال شيخ الإسلام: ولو سمعها من مجنون أو نائم أو طير لا يلزمه؛ لأن سبب الوجوب سماع تلاوة صحيحة، وصحة التلاوة بالتفرقة والتمييز، ولم يوجد، فإذا لم يوجد شرط صحة التلاوة؛ لم يوجد السماع لتلاوة صحيحة، فلا يجب (^٣).
وفي شرح المجمع: لو سمعها ممن هو من أهل الخطاب، ممن ليس من أهله؛ يلزمه السجدة وإن لم يجب على تاليها، ولو سمعها من النائم والطوطي والقرد المتكلم؟
قيل: لا يجب، وقيل: لا تجب (^٤).
وهل يجب على النائم على هذا الخلاف؟، ولو سمعها من الصدي لا يجب، والصحيح أنها تجب على السامع من النائم.
وفي أحكام الصفار: لو أخبر النائم بعد ما استيقظ بها؛ لا تلزمه هو الصحيح، وكذا لو قرأ عند نائم فأخبر بها (^٥).
وقال مالك: يشترط لوجوبها على السامع الذكورة والتكليف؛ لقوله ﵊: «كنت إمامنا لو سَجَدْتَ لسَجَدْنا معك» (^٦)، ولهذا ينبغي أن لا
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٥).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٧).
(٣) انظر: مجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٥٧)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٨٤).
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٦)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٥٧)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٥٦).
(٥) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٦١)، وفتاوى قاضي خان (١/ ٧٨).
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٢١١ ]
(وَلَوْ سَمِعَهَا رَجُلٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ سَجَدَهَا) هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الحَجْرَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَعْدُوهُمْ (وَإِنْ سَمِعُوا وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَجْدَةً مِنْ رَجُلٍ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدُوهَا فِي الصَّلَاةِ)؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاتِيَّةِ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُمْ هَذِهِ السَّجْدَةَ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (وَسَجَدُوهَا بَعْدَهَا) لِتَحَقُّقِ سَبَبِهَا (وَلَوْ سَجَدُوهَا فِي
يرفع السامعون رؤوسهم قبل التالي إذا سجدوا معه (^١).
والمرأة وغير المكلف لم يصلح إمامًا، وعندنا يلزم بتلاوتهما؛ لإطلاق ما روينا، والمراد بما رواه: كنت حقيقا بأن تسجد قبلنا لا حقيقة الإمامة؛ ألا ترى أن المتوضئ يسجد لتلاوة المحدث مع أنه لا يصلح إماما في الحال.
وقوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عن قول بعض المشايخ، حيث قالوا: لا يسجدها على قولهما خلافا لمحمد؛ لما ذكرنا أن تصرف المحجور لا حكم له (^٢).
وفي المحيط: في نوادر أبي سليمان: يلزمه (^٣). قيل: هو قول محمد.
(لأن الحجر يثبت في حقهم)؛ أي: في حق الإمام ومن تبعه؛ تعظيما للإمام لما عرف.
(فلا يعدوهم)؛ أي: لا يثبت في حق غيرهم.
(لأنها)؛ أي: هذه السجدة ليست بصلاتية.
(لأن سماعهم)؛ أي: المصلين.
(ليس من أفعال الصلاة)؛ لأن هذا السمع غير مأمور به ولا سنة ولا نفل، وكذا تلاوة من هو خارج الصلاة لم يتعلق بها صلاح صلاتهم، فلم تكن صلاتية، بخلاف سماع المقتدي؛ لأنه صلاتي إذ هو مأمور بالسماع بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فيكون إدخالها في الصلاة منهيا لتحقق سنتها؛ وهو سماعها من الأولى غير محجور.
_________________
(١) انظر: المدونة لمالك بن أنس (١/ ٢٠١).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٦٦)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٥٧).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬١٤).
[ ٢ / ٢١٢ ]
الصَّلَاةِ لَمْ يُجْزِهِمْ)؛ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ لِمَكَانِ النَّهْي، فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الكَامِلُ. قَالَ: (وَأَعَادُوهَا) لِتَقَرُّرِ سَبَبِهَا (وَلَمْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ)؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ السَّجْدَةِ لَا يُنَافِي إِحْرَامَ الصَّلَاةِ. وَفِي النَّوَادِرِ: أَنَّهَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا فِيهَا مَا لَيْسَ مِنهَا، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ (فَإِنْ قَرَأَهَا الإِمَامُ وَسَمِعَهَا رَجُلٌ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَدَخَلَ مَعَهُ بَعْدَمَا سَجَدَهَا الإِمَامُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهَا)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُدْرِكًا لَهَا … …
(لمكان النهي)، وهو منع الشرع عن خلط أفعال غير الصلاة بالصلاة، والصلاة مصونة عن الزوائد؛ ولهذا لم تشرع سجدة السهو إلا مرة احدة، وهي وجبت كاملة، فلا تتأدى بالناقص.
(لا ينافي إحرام الصلاة)؛ لأنها من أفعال الصلاة في ذاتها، فلا تكون منافية، فلا تفسد الصلاة بها، خلافًا للشافعي.
(ما ليس منها): قيل: ما ذكر في النوادر جواب القياس، وهو قول محمد، وما ذكر في ظاهر الرواية جواب الاستحسان، وهو قولهما، بناء على أن زيادة ما دون الركعة لا توجب فساد الصلاة، وعند محمد زيادة سجدة تفسد الصلاة؛ لأن السجدة الواحدة وهي سجدة الشكر مسنونة عنده، فتفسد بشروعه في التطوع قبل إكمال الفرض، وعند أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: غير مسنونة، فلا تكون قربة وعبادة مقصودة، وإنما هي بمنزلة الركوع والقيام.
والصحيح: أنه لا تفسد الصلاة؛ لأنهم ما تركوا الصلاة ولا أتوا بما ينقضها. كذا في جامع قاضي خان (^١).
(صار مدركًا لها)؛ أي: للسجدة؛ لأنه لما كان مدركًا للقراءة فصار كأنه سجدها، فلا تجب عليه السجدة، ولأنه لو سجدها في الصلاة يصير مخالفًا، للإمام، ولا يسجد لها بعد الفراغ من الصلاة أيضًا؛ لأنه صار ساجدًا لها بإدراك تلك الركعة، قالوا: وتأويل هذه المسألة: أنه إذا أدرك الإمام في آخر تلك
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬١٥)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬١٦).
[ ٢ / ٢١٣ ]
بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ (وَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَهَا سَجَدَهَا مَعَهُ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْمَعْهَا سَجَدَهَا مَعَهُ، فَهَاهُنَا أَوْلَى (وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ سَجَدَهَا وَحْدَهُ).
الركعة يصير مدركًا للقراءة] (^١) مع توابعها، فحينئذ يصير مدركًا لتلك الركعة من أولها، فأما لو أدرك في الركعة الأخرى؛ لم يصر مدركًا للركعة التي قرأ فيها، فلم يصر مدركًا لتلك القراءة، ولما تعلق بتلك القراءة من السجدة.
وأشار المصنف إلى هذا في الكتاب بقوله: لأنه صار مدركًا لها إلى آخره.
ونظير هذا ما لو أدرك الإمام في الركعة الثالثة من الوتر في رمضان؛ يصير مدركًا للقنوت، حتى لا يأتي بالقنوت في الركعة الأخيرة.
فإن قيل: يشكل على هذا: ما لو أدرك الإمام في الركوع في صلاة العيد؛ لم يصر مدركًا لتلك الركعة، ويأتي بالتكبيرات في الركوع عندهما، خلافًا لأبي يوسف.
قلنا: لأنه يمكنه أن يأتي بالتكبيرات في الركوع؛ لما أن جنسها وهو تكبير الركوع يؤتى به في الركوع، فألحق به سائره من التكبيرات فأتى بها، بخلاف سجدة التلاوة والقنوت؛ حيث لا يمكن إتيانها، فصار الأصل في جنس هذه المسائل: أن كل ما لا يمكن يؤتى به في الركوع أو الركعة؛ فبإدراك الإمام في الركوع يصير مدركًا لتلك الركعة وما يتعلق بها، وكلما يمكن أن يؤتى به فيها؛ فبإدراك الإمام في الركوع لا يصير مدركًا. إليه أشير في المحيط (^٢).
فإن قيل: السجدة من أفعال الصلاة ولا تجري فيها النيابة.
قلنا: الفعل إذا وجب بسبب تجري فيه النيابة وهو القراءة؛ لا نسلم أنه لا يجزئ فيه النيابة، والظاهر: أنه يجزي؛ لأنه لا يمكنه أن يسجدها بانفراده؛ كيلا يصير مخالفا لإمامه. كذا في الخبازية (^٣).
قوله: (فهاهنا أولى): وجه الأولوية: أنه لو لم يسمعها؛ يجب أن يسجدها
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬١٥).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٦٨).
[ ٢ / ٢١٤ ]
لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ.
تبعا لإمامه، فأولى أن تجب بعد سماعها.
(لتحقق السبب)؛ أي: من الأهل وهو السماع، وهو ليس من أفعال الصلاة، وتلك التلاوة ما صارت تلاوة للسامع؛ لعدم كونه مقتديًا، فلم تكن السجدة في حقه من أجزاء الصلاة، كما لو سمع ممن ليس بمصلي. كذا في جامع أبي المعين، وفي الكافي (^١).
وقال مالك: لا يسجد (^٢)؛ لأن السماع بناء على التلاوة، وهي وجدت في الصلاة، فكانت صلاتية فلا تؤدى خارجها، كما لو سمع المصلي ممن ليس معه في الصلاة؛ فإنه لا يسجدها في الصلاة.
قلنا: السماع وإن كان بناء على التلاوة؛ ولكن الوجوب بالسماع.
فإن قيل: الصحيح أن التلاوة سبب في حق السامع لا السماع، وهي في الصلاة، والسماع شرط، فكانت صلاتية.
قلنا: لما اختلفوا في أن السماع سبب في حقه أو التلاوة، فلو نظرنا إلى التلاوة فلم يؤدها، وإن نظرنا إلى السماع؛ يؤديها خارج الصلاة، فالاحتياط: أن يؤديها خارجها؛ صونًا للصلاة عن الزوائد، وفيما تقدم، لو نظرنا إلى الصلاة لم يؤدها خارجها، ولو نظرنا إلى السماع يؤديها فيها؛ فالاحتياط: أن لا يؤديها فيها صونًا لها عن الزوائد، وسلوكًا للاحتياط في المسألتين.
فإن قيل: ينبغي أن لا يتابع الإمام فيما إذا لم يسجدها حين شرع؛ لأن ما وجب ليس بصلاتية، فلم يؤدها فيها.
لنا: تلك السجدة وإن لم تكن صلاتية؛ لكنها صارت صلاتية بالاقتداء، إلا أن للاقتداء تأثيرًا في جعل غير الواجب واجبًا، وفي جعل الواجب غير واجب، فإن القعدة على رأس الركعتين واجبة للمسافر، وباقتدائه بالمقيم لم
_________________
(١) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٧٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٦)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬١٨).
(٢) انظر: المدونة لمالك بن أنس (١/ ٢٠٠، ٢٠١).
[ ٢ / ٢١٥ ]
(وَكُلُّ سَجْدَةٍ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا، …
تبق واجبة، وكذا لو يحرم للأربع نفلا يلزمه ركعتان، ولو اقتدى بمصلي الظهر؛ لزمه أربعًا، حتى لو أفسده يقضي الأربع؛ ألا ترى أنه لو تلاها خارج الصلاة ثم شرع فيها وأعادها؛ صارت صلاتية حتى يسقط تركها فيها، فما وجبت خارج الصلاة إذا صارت صلاتية بالتلاوة؛ فلأن تصير صلاتية بالاقتداء أو تأثيره في الاستتباع أقوى كان أولى.
وفي شرح المجمع: ليس الخلاف في ذلك راجعًا إلى كونها صلاتية؛ بل الخلاف في ذلك راجع إلى أن مطلق السماع، هل يوجب السجود؟ فالصحيح من مذهبه: أنه إذا قصد الاستماع سجد، وإلا فلا؛ فلهذا أوردت المسألة في المجمع بصيغة لا تفيد خلافًا (^١).
قوله: (وكل سجدة)؛ أي: سجدة صلاتيه. قبل قوله (صلاتية) خطأ؛ لأن تاء التأنيث لا تثبت في النسب أصلًا؛ بل صوابه: صلاته.
أجيب بأن هذا خطأ مستعمل، فيكون خيرًا من صواب غير مستعمل، ويجب هذا التقييد، وإلا يلزم على إطلاقه ما ذكره قبله؛ وهو قوله: وإن سمعوا وهم في الصلاة إلى أن قال: وسجدوها بعدها.
والمعنى من الصلاتية: هو أن تكون التلاوة من أفعال الصلاة، على ما ذكرنا في المحيط (^٢)، ولكن المصنف ترك هذا القيد لظهوره.
فإن قيل: كيف يتحقق عدم السجود فيها، حتى لو لم يقض خارج الصلاة، وأنها تؤدى بسجدة الصلاة وإن لم ينو؟.
قلنا: نعم، إذ قرأ آية السجدة وسجد، أما إذا لم يسجدها على الفور، حتى إذا قرأ مقدار ثلاث آيات وركع، أو سجد للصلاة ينوي بها سجدة التلاوة؛ لم يجز؛ لأن السجدة صارت دينا عليه؛ لفوات وقتها، فلا تتأدى في ضمن الغير.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٦٩).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬١٥).
[ ٢ / ٢١٦ ]
لَمْ تُقْضَ خَارِجَ الصَّلَاةِ)؛ لِأَنَّهَا صَلَاتِيَّةٌ وَلَهَا مَزِيَّةُ الصَّلَاةِ، فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ (وَمَنْ تَلَا سَجْدَةً فَلَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى دَخَلَ فِي صَلَاةٍ فَأَعَادَهَا وَسَجَدَ أَجْزَأَتْهُ السَّجْدَةُ عَنِ التَّلَاوَتَيْنِ)؛ … … … … … … … … .
كذا في الكافي (^١)، وفيه تأمل؛ فإنه ذكر في الفتاوى الظهيرية: وقت أدائه موسع، حتى لو أتى بها متى شاء؛ يكون مؤديا لا قاضيا (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: وجوبها على التراخي عند محمد، وهو رواية عن أبي حنيفة، خلافًا لأبي يوسف (^٣). والمراد من قوله: (لم تقض)؛ لم يؤد.
قال الإمام قاضي خان الصلاتية أقوى من غيرها؛ لأنها وجبت بتلاوة تعلق بها جواز الصلاة؛ ألا ترى أنه لو ضحك في سجدة التلاوة في الصلاة تنتقض طهارته، ولو ضحك فيها خارجها لا ينتقض، فيكون لها مزية، فلا تتأدّى بالناقض (^٤).
وفي الْمُجْتَبى: لم تقض خارجها؛ للعجز عن أدائها (^٥).
(حتى دخل في صلاة)؛ أي: في مكان واحد.
فإن قيل: مجلس الصلاة غير مجلس التلاوة.
قلنا: بل واحد حقيقة وحكمًا، أما حقيقة؛ فظاهر، وأما حكمًا؛ فلأن مجلس التلاوة مجلس العبادة، فكان من جنس مجلس الصلاة.
(فأعادها)؛ أي: تلك الآية التي تلاها خارج الصلاة.
(أجزأته السجدة عن التلاوتين)، فأما لو تبدل مجلس الصلاة؛ فعليه لكل تلاوة سجدة؛ كما لو لم يدخل في الصلاة.
وفي النوادر والزيادات أيضًا: يسجد للأولى بعد الفراغ، سواء سجد في الصلاة، أو لأنه حين اشتغل بالصلاة تغيّر المجلس، كما لو اشتغل بالأكل
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٢١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧٠).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬١٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٦٠).
(٣) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٧٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧٠).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧٠).
(٥) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٣٢)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٥٧).
[ ٢ / ٢١٧ ]
لِأَنَّ الثَّانِيَةَ أَقْوَى لِكَوْنِهَا صَلَاتِيَّةً فَاسْتَتْبِعَت الأُولَى. وَفِي النَّوَادِرِ: يَسْجُدُ أُخْرَى بَعْدَ الفَرَاغِ، لِأَنَّ لِلْأُولَى قُوَّةَ السَّبْقِ فَاسْتَوَيَا. قُلْنَا: لِلثَّانِيَةِ قُوَّةُ اتِّصَالِ المَقْصُودِ فَتَرَجَّحَتْ بِهَا (وَإِنْ تَلَاهَا فَسَجَدَ ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتَلَاهَا سَجَدَ لَهَا)؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ المُسْتَتْبِعَةُ، وَلَا وَجْهَ إِلَى إِلْحَاقِهَا بِالأُولَى؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى سَبْقِ الحُكْمِ عَلَى
وعمل آخر، ولا يمكن جعل الأولى تبعًا للثانية؛ لأن السابق لا يكون تبعًا للاحق، فكان القول به خلاف موضوع التداخل؛ لأن التكرار بالسبب يقع لا بالأولى، ولا يمكن جعل الثانية تبعًا للأولى؛ لأنها أقوى، فكذا وجب اعتبار كل واحد؛ كما لو تلاها في مجلسين (^١).
وجه ظاهر الرواية: أن السبب واحد؛ لأن المتلو واحد، والمجلس واحد، حقيقة وحكما كما بينا، والثانية أكمل من الأولى؛ لأن لها حرمتين، ولو كانت مثل الأولى لنابت عنهما، فإذا كانت أكمل كان أولى أن لا ينوب، والسابق قد يكون تبعًا للاحق؛ إذا كان اللاحق أقوى كالسنة قبل الفرض، ولأن التكرار قائم بهما، فكان إلحاق الأولى بالثانية ممكنا. كذا في شروح الجوامع، والمحيط (^٢).
(اتصال المقصود)؛ يعني: اتصال السجدة بالتلاوة؛ يعني: لما اقترنت الثانية بالسجدة؛ صارت راجحة على الأولى بعد مساواتها فيما ذكر؛ وهو الصلاتية للثانية، والسبق للأولى، كحكم مجتهد فيه اتصل القضاء به؛ يصير بمنزلة المجمع عليه في القوة.
فتر جحت بها؛ أي: بقوة اتصال المقصود؛ لأن الأصل اتصال المسبب بالسبب.
قوله: (هي المستتبعة)؛ لما ذكرنا أنها صلاتية قوية.
(ولا وجه) إلى ذلك؛ أي: للاستتباع؛ لأنه حينئذ يلزمه تقدم الحكم على السبب؛ لأن معنى الاستتباع جعل التلاوتين بمنزلة تلاوة واحدة، فلو جعلنا
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٧)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٨٢، ٨٣)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٩٣).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١٢٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧١).
[ ٢ / ٢١٨ ]
السَّبَبِ (وَمَنْ كَرَّرَ تِلَاوَةَ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ قَرَأَهَا فِي مَجْلِسِهِ فَسَجَدَهَا ثُمَّ ذَهَبَ وَرَجَعَ فَقَرَأَهَا سَجَدَهَا ثَانِيَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَجَدَ لِلْأُولَى فَعَلَيْهِ السَّجْدَتَانِ) فَالْأَصْلُ: أَنَّ مَبْنَى السَّجْدَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ،
كذلك؛ كانت التلاوة الأولى تبعًا للثانية لا العكس؛ لأن الثانية صلاتية قوية، فيلزم أن تكون السجدة التي سجدها قبل التلاوة تقديرًا؛ لأن الأولى التحقت بالثانية، فكان الحكم وهو السجدة؛ سابقًا على السبب وهو التلاوة تقديرًا، فلما لم يمكن القول بالتداخل هاهنا؛ وجبت لكل تلاوة سجدة على حدة على جميع الروايات، بخلاف المسألة الأولى.
وفي المحيط: قرأ آية السجدة في الركعة الأولى فسجد، ثم أعادها في الركعة الثانية؛ فلا سجود عليه في قول أبي يوسف في القياس.
وقال محمد: يسجد استحسانًا، وهذه من المسائل التي رجع أبو يوسف فيها من الاستحسان إلى القياس.
وجه الاستحسان: أن اتحاد التلاوتين غير ممكن هاهنا؛ لأنا لو قلنا به تفوت القراءة في إحدى الركعتين حكمًا، والقراءة في كل ركعة ركن، فاعتبر كل قراءة تلاوة على حدة.
وجه القياس: أن الاتحاد في حق سجدة التلاوة لا في حق الصلاة، أو في حق السنية لا في حق القراءة، كما إذا كان خارج الصلاة إذا سجد للتلاوة، وتلا في السجدة آية أخرى؛ لا تلزمه سجدة التلاوة، وكذا لو تلا في الركوع؛ لأن هذه التلاوة منهي عنها (^١).
قوله: (فَالْأَصْلُ أَنَّ مَبْنَى السَّجْدَةِ) إلى آخره: ثم القول بالتداخل هاهنا جواب الاستحسان، وفي القياس: يجب لكل تلاوة سجدة؛ لأنها حكم التلاوة، فيتكرر بتكرر سببه؛ لأنه نتيجة السبب، ولا معنى للتداخل؛ لأنها عبادة، والعبادات يحتاط في الإتيان بها، ولا يحتال لدرئها، وبه قال
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬١٣).
[ ٢ / ٢١٩ ]
وَهُوَ تَدَاخُلٌ فِي السَّبَبِ دُونَ الحُكْمِ، وَهَذَا أَلْيَقُ بِالعِبَادَاتِ وَالثَّانِي بِالعُقُوبَاتِ،
الشافعي (^١).
قال النواوي: إن لم يسجد للأولى؛ كفته سجدة واحدة، وإن سجد لها؛ فثلاثة أوجه: أصحها: أن يسجد، وبه قال مالك (^٢)، وأحمد (^٣).
الثاني: يكفيه الأولى. قاله ابن سريج، ورجحه صاحب العدة، وقطع به أبو حامد.
الثالث: إن طال فصل (^٤). (وإن قرأها فسجد ثم ذهب)؛ يعني: أنه مشى ثلاث خطوات على المختار، ورجع فقرأها؛ سجدها ثانية، وإن لم يسجد للأولى؛ فعليه سجدتان (^٥).
وأما وجه الاستحسان ما روي أن جبريل ﵊ كان ينزل بآية السجدة على النبي ﵊، وكان يكرر عليه مرارا، وكان ﵇ يقرأها على أصحابه، ويسجد لها مرة واحدة. وعن أبي موسى الأشعري أنه كان يعلم الناس القرآن في مسجد الكوفة، وكان يكرر آية السجدة في مكان واحد، وربما يخطو خطوة أو خطوتين، ويسجد لذلك مرة واحدة.
وعن عبد الرحمن السلمي - معلم الحسن والحسين ﵄ أنه كان يعلمهما، ويكرر عليهما آية السجدة، ولا يسجد إلا مرة واحدة، وهو أخذ القراءة من عثمان وغيره من الصحابة ﵃، فدلّ أنه أخذ منهم أيضًا حكم القراءة، ولأنهم
_________________
(١) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ١٩١)، والغرر البهية لزكريا الأنصاري (١/ ٣٨٥، ٣٨٦)، والمنهاج القويم لابن حجر الهيتمي (ص ١٣٤).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤١٥)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٣٦٨)، ومنح الجليل لعليش (١/ ٣٣٨).
(٣) انظر: الفروع لابن مفلح (٢/ ٣٠٨)، والمبدع لابن مفلح (٢/¬٣٨)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ١٩٥).
(٤) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٧١)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣٢٠، ٣٢١).
(٥) انظر: الفروع لابن مفلح (٢/ ٣٠٨)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ١٩٦).
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وَإِمْكَانُ التَّدَاخُلِ عِنْدَ اتِّحَادِ المَجْلِسِ
أجمعوا أن من تلاها يسجد مرة واحدة، ولا شك أنه يسمعها من نفسه أيضًا، ولو كانت لا تتداخل؛ لوجبت عليه سجدتان.
والمعنى: أن الحاجة ماسة إلى تكرار القرآن للتعلم؛ لمحافظة الشرائع والتعليم والتحفظ، فلو أوجبنا لكل مرة سجدة على حدة؛ يقع في الحرج، بخلاف ما إذا اختلفت الآية في مجلس واحد؛ لأنه لا حرج ثمة، فإن آيات السجدة محصورة.
أما التكرار للتعليم والتعلم والتحفظ غير محصور، ولأن الإنسان لا يقرأ جميع آيات السجدة في مجلس واحد غالبًا، وأما التكرار في مجلس واحد غالب؛ فلذا تقع التفرقة بينهما، وعلى هذا قالوا: لو عطس وحمد الله في مجلس مرارًا؛ ينبغي للسامع أن يشمته؛ لأنه حق العبد، وكذا الصلاة على النبي ﷺ.
والأصح: أنه إذا زاد على الثلاث لا يشمته. كذا في المبسوط (^١).
وذكر فخر الإسلام في الجامع الكبير فرقًا بين السجدة والصلاة على النبي ﵊؛ فقال: يستحب تكرار الصلاة على النبي ﵊، بخلاف السجود؛ لأن العبد وإن عظمت منزلته لا يوازي حقه حق الله تعالى في موضع الحرج؛ فلذلك افترقا، فإذا ثبت أصل اتحاد السجدة بالحديث والأثر، وشيء من المعنى؛ فقلنا به، لا بمجرد نفس الحرج (^٢).
وإنما جعلنا التداخل في السبب لا الحكم، ولو جعلناه في الحكم؛ لكانت الأسباب باقية حقيقتها للزم الشناعة وثبوت الحكم على خلاف وضع الشرع، وترك العمل بالاحتياط؛ لأنه يلزم وجود موجب العبادة ولا عبادة، والعبادة يحتاط في الإتيان بها؛ بل هذا أليق بموضع العقوبات؛ ليضاف تخلف الحكم عند وجود الموجب إلى الكرم والعفو، والله تعالى موصوف بشيوع الكرم
_________________
(١) المبسوط للسَّرَخْسِي (٢/¬٥، ٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٦)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٩٤).
[ ٢ / ٢٢١ ]
لِكَوْنِهِ جَامِعًا، لِلْمُتَفَرِّقَاتِ فَإِذَا اخْتَلَفَ … … … … … … … … … .
والعفو؛ ولذا قال ﵊: «ادْرَؤوا الحُدُودَ بالشُّبُهَاتِ» (^١).
ثم لما ثبت التداخل بالحديث؛ قلنا: تتداخل الأسباب في العبادات؛ لتكون الأسباب عند دليل الجمع؛ وهو اتحاد المجلس بمنزلة سبب واحد، ولو قلنا بعكسه؛ تلزم الشناعة كما قلنا، فكان اللائق بالعقوبات التداخل في الأحكام، وفي العبادات في الأسباب؛ لما ذكرنا.
وتظهر ثمرة الخلاف: فيمن تلا آية سجدة فسجد، ثم قرأ تلك الآية في ذلك المجلس مرارًا؛ تكفيه تلك السجدة عن التلاوات التي وجدت بعد السجدة، خلافًا للبعض، فلو كان التداخل في الحكم؛ لما كفت عن التلاوات الموجودة بعدها، كما لا يكفي في الحدود؛ للزوم تقدم الحكم على السبب. كذا نقل عن شيخ شيخي ﵀ (^٢).
قال شمس الأئمة: القول بالتداخل لا يليق في العبادات، والوجه الصحيح فيه أن يقال: سبب وجوبها حرمة المتلو، والقراءة الثانية والثالثة محض التكرار للتأمل والتفكر والحفظ، فلم يتجدد السبب، فيكون السبب واحدًا، وبالسبب الواحد لا تجب إلا سجدة واحدة، فالشرع جعل التلاوات المتكررة حقيقة متخذة حكمًا، والاتحاد الحكمي إنما يكون عند اتحاد المجلس؛ لأن له أثر في جميع المعدودات، كما في الإيجاب والقبول والأقارير (^٣)، وفيه نوع تأمل.
(لكونه)؛ أي: لكون المجلس الواحد جامعًا للمتفرقات؛ ألا ترى أن من أقر بالزنا أربع مرات في مجلس واحد؛ يجعل مقرًا مرة واحدة، وفي المجالس المختلفة: يجعل مقرا أربع مرات، فكذا هاهنا. كذا في المبسوط، والمحيط (^٤).
(فإذا اختلف)؛ أي: المجلس إلى الأصل، وهو أن لا يتحد المتفرقات،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣/ ٨٥، برقم: ١٤٢٤)، والحاكم (٤/ ٤٢٦، رقم ٨١٦٣) من حديث عائشة وصححه الحاكم وضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (٨/¬٢٥، رقم ٢٣٥٥).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧١، ٦٧٢).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧٣).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٦)، والمبسوط للسرخسي (٢/¬٥، ٦).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
عَادَ الحُكْمُ إِلَى الأَصْلِ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِمُجَرَّدِ القِيَامِ بِخِلَافِ المُخَيَّرَةِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الإِعْرَاضِ وَهُوَ الْمُبْطِلُ هُنَالِكَ.
والجامع: اتحاد المجلس، فإذا اختلفت لم يبق الجامع، فعاد الحكم إلى الأصل الذي هو التفرق.
(ولا يختلف)؛ أي: المجلس بمجرد القيام؛ ولهذا لو باع وهو قاعد فقام، ثم قبل المشتري؛ صح قبوله. كذا في الكافي (^١)، بخلاف المخيرة؛ يعني لو قال لامرأته: اختاري وهي جالسة، فقامت وقالت: اخترت؛ لا يقع الطلاق؛ لأنه - أي الطلاق - دليل الإعراض، لا أن المجلس تبدل حقيقة.
(وهو)؛ أي: الإعراض.
(مبطل هناك)؛ أي: المخيرة.
ثم إنما يختلف المجلس إذا ذهب عن ذلك المجلس بعيدًا، فإن كان قريبًا لا يختلف، والفاصل بينهما ما ذكر في المحيط: إذا مشى خطوتين وثلاثا فهو قريب، وإن كان أكثر من ذلك فهو بعيد (^٢).
وفي المبسوط: وفسر في رواية ابن رستم عن محمد، قال محمد: نحو عرض المسجد أو طوله فهو قريب (^٣).
وفي المبسوط: فإن نام قاعدًا، أو أكل لقمة أو شرب شربة، أو عمل عملا يسيرًا، ثم قرأ؛ فليس عليه أخرى؛ لأن بهذا القدر لا يتبدل المجلس (^٤).
وقال التمرتاشي: وفي الروضة بالأكل لا يختلف المجلس حتى يشبع، وبالشرب حتى يروى، وبالكلام والعمل حتى يكثر استحسانًا (^٥).
وفي المبسوط: ولو أكل ونام مضطجعًا، أو أخذ في بيع وشراء، أو عمل
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٤).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٩).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٤)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٢٤)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٩).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/¬١٢).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧٤).
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وَفِي تَسْدِيَةِ الثَّوْبِ يَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ، وَفِي المُنْتَقِلِ مِنْ غُصْنٍ إِلَى غُصْنٍ كَذَلِكَ فِي الأَصَحِّ، وَكَذَا فِي الدِّيَاسَةِ لِلِاحْتِيَاطِ (وَلَوْ تَبَدَّلَ مَجْلِسُ السَّامِعِ دُونَ التَّالِي يَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ على السَّامِع)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ السَّمَاعُ وَكَذَا إِذَا تَبَدَّلَ مَجْلِسُ
عملا يعرف أنه قطع لما كان قبله؛ فقد اختلف المجلس (^١).
وفي شرح المجمع: الأمكنة التي يتحد حكمها كالمسجد، والجامع، والبيت، والسفينة سائرة كانت أو واقفة، والحوض، والغدير، والنهر الواسعة، والدابة السائرة، وراكبها في الصلاة، فإن هذه الأماكن إذا كرر التلاوة؛ لا تلزمه إلا سجدة واحدة، وهو مخيّر إن شاء سجدها عند التلاوة الأولى، وإن شاء سجدها عند الأخيرة (^٢).
والأمكنة التي تختلف حكمها بتعدد الوجوب كالدابة السائرة وراكبها ليس في الصلاة، والماشي في الصحراء، والسائح في البحر والنهر العظيم، وفي تسدية الثوب والمنتقل من غصن إلى غصن في أصح الأقوال، فإن في هذه الأماكن يتعدد الوجوب.
وفي مبسوط شيخ الإسلام في السفينة والمسجد: تكفيه سجدة واحدة وإن تحول من زاوية إلى زاوية، إلا أن يكون المسجد كبيرًا كالجامع (^٣).
وقيل خلافه، وكذا لو تلاها في المسجد الداخل، ثم أعادها في المسجد الخارج؛ يكفيه سجدة، وكذا لو تلاها في كرم في أماكن مختلفة، وقيل: في الجامع تكفية سجدة عند أبي يوسف خلافًا لمحمد، وكذا لو تلاها في دار السلطان، والصحيح: في تكرارها في تسدية الثوب، ودوارة الكدس، ورحاء الطحن والسباحة في النهر والحوض، أو على أغصان الشجر؛ تكرار الوجوب؛ لأن تلك المجالس ليست بمجالس التلاوة، بخلاف المكتب؛ لأنه للتعليم، وكذا المسجد؛ لأنه معدّ للعبادة للاحتياط؛ يعني: لو نظر إلى اتحاد
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬١٢).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧٤).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧٩)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٨)، وفتاوى قاضي خان (١/ ٧٦).
[ ٢ / ٢٢٤ ]
التَّالِي دُونَ السَّامِعِ عَلَى مَا قِيلَ، وَالأَصَحُ: أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ عَلَى السَّامِعِ لِمَا قُلْنَا.
(وَمَنْ أَرَادَ السُّجُودِ كَبَّرَ - وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ - وَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ)
العمل والاسم لا يتكرر، ولو نظر إلى حقيقة اختلاف المكان؛ فيتكرر احتياطا. التسدية كرباس … وفي لفظ الكتاب إشارة إلى أنه لا خلاف في التسدية؛ لأن قطعها بالجواب من غير تردد.
ويدل على أن اختلاف المشايخ في المتنقل من غصن إلى غصن، وفي الدياسة، لكن قال التمرتاشي: واختلف في تسدية الثوب والدياسة، والذي حول الرحى، والذي يسبح في الحوض أو النهر، والذي ينتقل من غصن إلى غصن، والأصح: تكرار الوجوب؛ لأن المجلس ليس بمجلس التلاوة؛ ولهذا يعتبر مختلفًا في الغصنين في الحل والحرم، حتى لو كان الطير على غصن في الحرم، وأصل الشجرة في الحل؛ يجب الجزاء على ما قيل، وهو تكرر الوجوب على السامع وإن اتحد مجلسه؛ لما أن سماعه مبني على التلاوة، وهو اختيار الإسبيجابي، وعليه الفتوى (^١).
قوله: (ولم يرفع يديه): مع التكبيرة الأولى إن كان في غير الصلاة، ولا يرفع في الصلاة.
وفي الخلاصة الغزالية: يكبر رافعًا يديه ناويًا، ثم يكبر للسجود ولا يرفع يديه، ثم يكبر للرفع ويسلّم، وأقلهما وضع الجبهة على الأرض بلا شروع وسلام ويتشهد، فيه قولان (^٢).
قال البويطي: لا يتشهد ولا يجب ﵇، وإلا لما جاز في أثناء الصلاة؛ لأنه ليس بمحل للتحليل، ونقل المزني عليه أن يسلم (^٣)، وبه قال أحمد قياسًا على صلاة الجنازة (^٤)، وعندنا: لا يتشهد ولا سلام، وهو قول
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧٥)، وفتاوى قاضي خان (١/ ٧٦).
(٢) انظر: التنبيه للشيرازي (ص ٣٥)، والبيان للعمراني (٢/ ٢٩٦).
(٣) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٦٤)، والبيان للعمراني (٢/ ٢٩٧)، والمجموع للنووي (٤/ ٦٤).
(٤) انظر: المحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ٨٠)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٧٣).
[ ٢ / ٢٢٥ ]
اعْتِبَارًا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ المَرْوِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (وَلَا تَشَهُدَ عَلَيْهِ وَلَا
مالك (^١).
وعن الحسن بن زياد: لا يُكبّر للانحطاط ويكبر للرفع. كذا في الحلية، والمحيط، والمجتبى (^٢)، وعن أبي يوسف عكسه، وأنه لا يكبر فيها.
وقال شيخ الإسلام: روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: الركن في السجدة؛ وضع الجبهة، والتكبير عند الرفع، حتى لو تركه يعيد (^٣).
وفي مبسوط فخر الإسلام: التكبير ليس بواجب كما في الصلاة (^٤).
وفي المبسوط: لم يذكر محمد ماذا يقول في سجوده، والأصح: أن يقول في سجوده من التسبيح ما يقول في سجود الصلاة (^٥)، وبه قال الشافعي ﵀ (^٦) واستحسنوا أن يقوم فيسجد؛ لأن الخرور سقوط من القيام، والقرآن ورد به، وإن لم يفعل فلا يضر.
وفي الْمُجْتَبى: ولو أتى بغير تسبيح سجود الصلاة؛ جاز (^٧).
وقالت عائشة ﵂: كان النبي ﵊ يقول في سجوده: «سجَدَ وجهي للذي خلَقَه، وشقَّ سمعه وبصره، بحوله وقُوَّتِه» (^٨).
وفي المحيط: لو لم يذكر فيها شيئًا جاز؛ لأنها لا تكون أقوى من السجدة الصلبية، وهناك جائز بدونه، فهاهنا أولى (^٩).
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٣٦٠)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٦١)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٥١).
(٢) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٢٤)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧٦).
(٣) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٩٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٧٦)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٩٨).
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/¬١٠).
(٦) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٦٤)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣٢٢).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٨٢).
(٨) رواه مسلم (١/ ٥٣٤، رقم ٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٩) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٥).
[ ٢ / ٢٢٦ ]
سَلَامَ)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلتَّحَلُّلِ وَهُوَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ التَّحْرِيمَةِ وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا وَيَدَعَ آيَةَ السَّجْدَةِ)؛ لِأَنَّهُ
وفي الفتاوى الظهيرية واستحسن بعض المتأخرين فيها قول: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا (^١).
قوله: (وهي معدومة)؛ هذا عندنا، أما عند الشافعي، وأحمد: التحريمة شرط خارج الصلاة على المشهور.
فإن قيل: كيف تكون معدومة وقد ذكر: من أراد السجود كبر، والتكبير للتحريمة كما في الشروع في الصلاة.
قلنا: ذلك التكبير لا للتحريم؛ بل للمشابهة بينها وبين سجدة الصلاة، والتكبير بها ليس للتحريمة؛ بل للانتقال إلى السجود فكذا هاهنا.
قوله: (ويكره) إلى آخره قال الشافعي: تكره قراءة السجدة في الصلاة، سواء كانت صلاة السر أو الجهر (^٢)، وقال مالك: تكره قراءتها في جميع الصلوات (^٣)، وعندنا: يكره فيما يُسِرُّ، دون ما يجهر به، وبه قال أحمد (^٤)؛ لسنة الاستنكاف، وحقيقة الاستنكاف كفر فما يشبه صوره مكروه، ولأن فيه ترك سنة القراءة، فإن السنة أن يقرأ السورة على نحوها، قال ﵊ لبلال: «إذا قرأت سورة فاقرأها على نحوها» (^٥) وخلاف السنة مكروه. كذا في
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٠٢)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٩٢)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٥).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٢٩٠)، والمجموع للنووي (٤/ ٧٢).
(٣) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٣٥٤)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٦١)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٥١).
(٤) انظر: الهداية لأبو الخطاب الكلوذاني (ص ٩١)، والمغني لابن قدامة (١/ ٤٤٩)، والمبدع لابن مفلح (٢/¬٤٠).
(٥) ذكره ابن مازة في المحيط البرهاني (٢/¬١٨)، ورواه عبد الرزاق (٢/ ٤٩٥، رقم ٤٢٠٩) وهو من مراسيل سعيد بن المسيب مر النبي ﷺ بأبي بكر وهو يصلي وهو يخافت، ومر بعمر وهو يجهر، ومر ببلال وهو يخلط، فأصبحوا جميعا عنده فقال: «مررت بك يا أبا بكر فرأيت تخافت» قال: أجل بأبي أنت وأمي قال: ارفع شيئا قال: «مررت بك يا عمر وأنت تجهر» قال: بأبي وأمي أسمع الرحمن، وأوقظ النائم قال: «دون - أو قال: - «اخفض شيئا»» قال: «ومررت بك يا بلال =
[ ٢ / ٢٢٧ ]
يُشْبِهُ الِاسْتِنْكَافَ عَنْهَا (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ وَيَدَعَ مَا سِوَاهَا)؛ لِأَنَّهُ مُبَادَرَةٌ إلَيْهَا. قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ قَبْلَهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ دَفْعًا لِوَهْمِ التَّفْضِيلِ
المحيط (^١).
قال الحاكم الشهيد: إنما يكره لمعان؛ أحدها وثانيها: ما ذكر في المحيط (^٢).
وثالثها: ترك الآية من بين السورة يقطع نظم القرآن، وبه يفوت إعجازه ويشبه تحريفه.
ورابعها: تركها من بين السورة يؤدي إلى هجران بعض القرآن فيكره، قال تعالى: ﴿يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
وخامسها: أن تركها يوهم فرارًا من لزوم السجدة فيكره، قال تعالى: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤١].
وسادسها: أن تركها من بين السورة يؤدي إلى اللغو في القرآن، قال تعالى عن الكفار: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ويدع ما سواها؛ لأن له أن يقرأ ما يشاء من القرآن. ولأنه ﵊ كان يقرأ في خطبته أحيانا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وتارة ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]. كذا ذكره فخر الإسلام (^٣).
(ولأنه مبادرة إليها)؛ لأن فيه الرغبة إلى الاستحباب ليتناول القربة حتى قيل: إن قرأ آية السجدة كلها في مجلس واحد فسجد لكل سجدة كفاه الله ما أهمه، ولا وجه لإحراز هذه الفضيلة إلا بهذا الطريق ولكن لا يستحب ذلك؛
_________________
(١) = وأنت تخلط» قال: أجل بأبي أنت وأمي، أخلط الطيب بالطيب قال: «اقرأ كل سورة على نحوها». وأخرجه مختصرا أبو داود (٢/¬٣٧، رقم ١٣٢٩) والترمذي (١/ ٥٦٩، رقم ٤٤٧) من حديث أبي قتادة ﵁ قال الترمذي: غريب. وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٥/ ٧٤، رقم ١٢٠٠).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬١٨).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬١٨).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٧٥)، ومراقي الفلاح للشرنبلالي (ص ١٩٦).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وَاسْتَحْسَنُوا إِخْفَاءَهَا شَفَقَةٌ عَلَى السَّامِعِينَ.
لما فيه وهم التفضيل.
قوله: (وإن استحسنوا …) إلى آخره في المحيط: إذا كان التالي وحده يقرأ كيف شاء جهرًا وإخفاء، وإن كان معه جماعة؛ قال مشايخنا: إن كان القوم متهيئين للسجود، ويقع في قلبه أنه لا يشق عليهم أداؤها؛ ينبغي أن يقرأها جهرًا حتى يسجد القوم معه؛ لأن فيها حنا على الطاعة، وإن كانوا محدثين، ويظن أنهم لا يسجدون، أو يشق عليهم أداؤها؛ ينبغي أن يقرأها في نفسه ولا يجهر بها؛ تحرزًا عن تأثيم المسلم، وذلك مندوب إليه (^١).
وفيه أيضًا ذكر في الرقيات: من قرأ آية السجدة إلا الحرف الذي في آخرها؛ لا يسجد، ولو قرأ الحرف الذي لا يسجد فيه وحده؛ لم يسجد إلا أن يقرأ أكثر من آية السجدة (^٢).
وفي فوائد الكردري: لو تلا من أول الآية أكثر من نصف الآية، وترك الحرف الذي فيه يسجد؛ لم يسجد، وإن قرأ الحرف الذي فيه السجدة، إن قرأ ما بعده أو قبله أكثر من نصف الآية؛ يجب السجد، وما لا فلا (^٣).
وعن أبي على الدقاق فيمن سمع سجدة من قوم، قرأ كل واحد منهم حرفًا: ليس عليه أن يسجد؛ لأنه لم يسمعها من تال (^٤).