(يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ سَجْدَتَيْنِ … … … ..
قوله: (وعلى هذا …) إلى آخره؛ أي: على الاختلاف، وهو أن الوتر واجب عنده، سنة عندهما.
وفي المبسوط: أوتر في وقت العشاء قبل أن يصلي العشاء، وهو ذاكر لذلك؛ لم يجزه بالاتفاق؛ لأنه أداها قبل وقتها، أو ترك الترتيب المأمور به؛ من بناء الوتر على العشاء، فلو صلّى العشاء بغير وضوء، ثم جدد الوضوء فأوتر، ثم علم أن العشاء وقع بلا وضوء؛ فعليه إعادة العشاء دون الوتر عند أبي حنيفة؛ لأن الترتيب ساقط عنه بعذر النسيان وعندهما يلزمه إعادة الوتر؛ لأن وقتها بعد العشاء، فصلاها في غير وقتها.
وعنده وقته وقت العشاء، وعليه مراعاة الترتيب، وقد سقط ذلك بعذر النسيان (^١).
(باب سجود السهو)
لما ذكر أداء الفرائض؛ أتبع النوافل؛ لأنها من الأداء والقضاء؛ لأنه خلف شرع في بيان جابر نقصان يتمكن فيهما، وإضافة السجود إلى السهو من قبيل إضافة الحكم إلى السبب، وهو الأصل في الإضافة، ثم الأصل فيه: ما روي أن النبي ﷺ «سها في صلاته فسجد»، وفي حديث ثوبان أنه ﵊ قال: «لِكُلِّ سهو سجدتان بعد السلام» (^٢).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٠).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ١٢٩ ]
بَعْدَ السَّلَامِ، … ..
وما قيل في حديث ثوبان، ومصعب ابن شيبة؛ وهو منكر الحديث؛ ضعيف لأن مسلما احتج بحديثه.
وقال يحيى بن معين: مصعب ثقة.
وقيل: الفقه فيه: أن المكلف مأمور بأداء الصلاة بصفة الكمال، وقد نقص أو زاد والزيادة نقصان، كالأصبع الزائدة في المبيع؛ فإنها عبث، ولطف الله تعالى بعباده ومكَّنهم من الجبر بسجدتي السهو.
قوله: (بعد السلام)؛ هذا بيان محلهما، وفيه نفي قول مالك (^١)؛ فإنه يقول: إن كان سهوه عن نقصان؛ سجد قبل السلام؛ لأنه جبر للنقصان، وإن كان عن زيادة؛ سجد بعد السلام؛ لأنه ترغيم للشيطان، وبقوله قال الشافعي في القديم (^٢)، وأحمد في رواية (^٣)، واختاره المزني؛ لما روي أنه ﵊ سجد قبل السلام. رواه [ابن] (^٤) بحينة (^٥).
وروي في قصة ذي اليدين أنه سجد بعد السلام (^٦)، ولا وجه للجمع بينهما إلا بهذا الوجه؛ لأن سهوه في قصة ذي اليدين بزيادة؛ فإنه ﵊ زاد سلامًا وقيامًا.
وفي قصة [ابن] (^٧) بحينة: كان يترك التشهد الأول. كذا في تتمتهم (^٨).
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل للحطاب (٢/¬١٦)، وإرشاد السالك لشهاب الدين البغدادي (١/¬٢١)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٣١١).
(٢) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٢٣٩)، وحاشية الشربيني على الغرر البهية (١/ ٣٦٨، ٣٦٩)، والبيان للعمراني (٢/ ٣٤٦).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٢١٢)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ١٥٤)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٦٩٧).
(٤) ليست في النسخ والتصويب من مصادر التخريج.
(٥) انظر: مواهب الجليل للحطاب (٢/¬١٦)، وإرشاد السالك لشهاب الدين البغدادي (١/¬٢١)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٣١١).
(٦) رواه مسلم (١/ ٤٠٤، رقم ٥٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) ليست في النسخ والتصويب من مصادر التخريج.
(٨) انظر: المهذب للشيرازي (١) (١٧٢)، والمجموع للنووي (٤/ ١٢٥).
[ ٢ / ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المبسوطين: روي أن أبا يوسف كان جالسًا مع هارون الرشيد، فجاء مالك، فسأله أبو يوسف عن هذه المسألة، فأجاب مثل مذهبه، فقال له أبو يوسف: ما قولك لو وقع السهو في الزيادة والنقصان جميعًا؟ فسكت مالك، فقال أبو يوسف: الشيخ تارة يخطئ، وتارة لا يصيب، فظن أنه قال يصيب، فقال: هكذا أدركنا مشايخنا (^١).
وقال الشافعي في الجديد - وهو قول الزهري -: يسجد قبل السلام مطلقا (^٢)؛ لحديث [ابن] (^٣) بحينة، وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه ﵊ قال: «إذا شك أحدكم في صلاتِهِ، فلم يَدْرِ ثلاثًا صلَّى أم أربعًا …» الحديث، إلى أن قال في آخره ﵊: «فليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم» (^٤).
وأما قصة ذي اليدين؛ فقد صارت منسوخة كما ذكرنا، ولأن سجود السهو مؤدى في حرمة الصلاة؛ ولهذا لو أدرك الإمام فيها؛ فيصح اقتداؤه به، والسلام يحلل، فينبغي أن يؤخر السلام عن كل ما يؤدى في حرمتها، قياسًا على سجدة التلاوة.
وقال أحمد: يسجد قبل السلام في الموضع الذي ورد فيه الأثر (^٥)، واختاره ابن المنذر.
ولنا: ما روي أنه ﵇ قال: «لكل سهو سجدتان بعد السلام» (^٦)، وما روى ابن مسعود، وعائشة، وأبو هريرة ﵃، أنه ﵊ سجد
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٢٠).
(٢) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٢٣٨)، والبيان للعمراني (٢/ ٣٤٦)، والغرر البهية لزكريا الأنصاري (١/ ٣٦٨).
(٣) ليست في النسخ والتصويب من مصادر التخريج.
(٤) رواه مسلم (١/ ٤٠٠، رقم ٥٧١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٢/¬٢١)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ١٥٤)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٦٩٧).
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِلسَّهو بعد السلام، وما روي أنه ﵊ سجد قبل السلام. والمراد منه: قبل السلام الثاني، فإنه عندنا يسلم بعد سجود السهو أيضًا، جمعًا بين الأحاديث، أو لما وقع الاختلاف في فعله ﵊؛ يصار إلى قوله، وهو حديث ثوبان كما ذكرنا، وحمل الخصم هذا الحديث على السلام الذي يقع مكررًا غير صحيح؛ لأن مطلق كلامه ينصرف إلى المعهود المتعارف، وهو السلام بعد الفراغ من التشهد؛ ولأن سجود السهو مؤخر عن محله، فلو كان مؤدى قبل السلام؛ لكان الأولى أن يؤديه في محله كسجدة التلاوة، وإنما كان مؤخرًا؛ ليتأخر أداؤها عن كل حالة يتوهم فيها السهو، وما قبل السلام يتوهم فيه السهو، حتى ذكر أصحابنا: يجب سجود السهو بتأخير السلام ساهيًا؛ بأن شك في صلاته، ولم يدر كم صلى، فشغله بفكره حتى أخر السلام، ثم ذكر أنه صلَّى أربعًا؛ لزمه سجود السهو؛ فلذلك يؤخر عن السلام، ولكنه جبر لنقصان الصلاة، فبالعود إليه يكون عائدًا إلى حرمة الصلاة ضرورة؛ فلهذا يسلم بعده. كذا في المبسوط، وجامع [الكاثي] (^١).
وفي الأسرار: تأويل ما رواه؛ أن الراوي دخل في صلاته ﵊ في سجدتي السهو، وعاين السلام بعدهما، فروي كذلك، أو كان ذلك منه ﵊؛ لبيان الجواز قبل السلام، لا لبيان المسنون (^٢).
وأما جواب قوله: إن الجبر شرع في الصلاة، فقلنا به؛ لأن حرمة الصلاة لا تنقطع بالسلام، وإنما قدمنا السلام؛ ليمتاز الخبر عن نفس الصلاة، وأما سجدة التلاوة؛ فإن التكرار شرع فيها؛ ولهذا يؤمر بها كما يلي، ولم يشرع تأخيرها من وقت الوجوب، فصارت هي شاهدة لنا من حيث عدم التأخير، من الجزء الذي وجبت فيه عملا بالأصل، وهو أن لا يتأخر إلى وقت السلام بالإجماع؛ لئلا يلزم التكرار.
_________________
(١) في النسخ الكثائي، والمثبت هو الصواب الموافق لما في المصادر مثل الجواهر المضية (٢/ ٣٣٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٥).
[ ٢ / ١٣٢ ]
ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ).
وفي الْمُجْتَبى: رواية بحينة شهادة على النفي، وهو أنه لم يسلم، ويجوز إن سلم، ولا يسمعه لبعده أو لقربه مع الغفلة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: المراد بقبل السلام: قبل السلام الثاني؛ وهو سلام السهو، فإن عندنا يعود بعد سجود السهو، ويتشهد ويسلم أيضًا (^١).
وفائدته: أنه لما يسجد لا يقوم؛ كما بعد سجدة التلاوة؛ بل يجلس، ويتشهد، ويسلم.
وفي قوله: (ثم يتشهد)؛ إشارة إليه، وإشارة إلى أن سلام الساهي يرفع التشهد لا القعدة؛ لأن الأقوى لا يرفع بالأدنى، بخلاف الصلبية؛ فإنها أقوى من القعدة فيرفعها، وبخلاف سجدة التلاوة؛ فإنها إثر القراءة المفروضة، فألحقت بها.
وفي المحيط: ارتفاع القعدة بالصلبية والتلاوة؛ إنما كان باعتبار أنه عاد إلى شيء موضعه قبل القعدة، فيصير رافضًا للقعدة، بخلاف سجود السهو؛ فإنه يؤتى بها بعد القعدة، وهو الأصح (^٢).
وفيه: وفي ارتفاض القعدة بالعود إلى سجدة التلاوة روايتان، في رواية: لا ترتفع، وهو اختيار شمس الأئمة (^٣)، وإنما قلنا: إنه يتشهد ويسلم بعد سجود السهو؛ لما روى ابن مسعود ﵁ أنه ﵊ قال: «إذا صلى أحدُكُم فلم يدر أثلاثا صلَّى أم أربعًا؛ فليتحرَّ الصواب، فَلْيُتِمَّه، ثم يُسَلِّمْ، ثم يسجد للسهو ويُسلّم» (^٤).
وفي شرح الآثار: أجمعت الأمة على هذا.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٩)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠٠).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥١٧).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥١٦).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ٨٩، رقم ٤٠١)، ومسلم (١/ ٤٠٠، رقم ٥٧٢).
[ ٢ / ١٣٣ ]
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ» وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «لِكُلِّ سَهْوِ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ» … .
وقال الحسن بن زياد، والشافعي (^١)، ومالك في رواية (^٢): لا يتشهد بعده.
كذا في الْمُجْتَبى (^٣).
وفي الحلية: لو سلم قبل أن يسجد، ولم يتطاول الفصل؛ سجد، وإن تطاول الفصل؛ فيه قولان: أصحهما: أنه لا يسجد فمن قال بسجود السهو بعد السلام؛ سجد للسهو، ثم يتشهد ويسلم، ومن قال: محله قبل السلام، فإذا نسيه حتى سلم؛ فإنه يسجد ويسلم في أصح الوجهين (^٤)، وهو رواية عن مالك (^٥).
وفيه وجه آخر: أنه يتشهد ثم يسلم (^٦)، وهو الرواية الثانية عن مالك (^٧).
وفي تتمتهم: إذا قلنا بسجود السهو قبل السلام؛ يُسلّم بعد السجود، ولا يحتاج إلى إعادة التشهد؛ لما روي في قصة [ابن] (^٨) بحينة.
وأما إذا قلنا بقول القديم، إذا كان السهو بزيادة؛ يُسلّم، ثم يكبر، ويسجد، ثم يرفع مكبرًا، ويتشهد ثانيًا كمذهب أبي حنيفة ﵀ (^٩).
_________________
(١) انظر: حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٢٠٣)، والبيان للعمراني (٢/ ٣٣٣).
(٢) انظر: الفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢١٧)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣١٦).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٢).
(٤) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٥١).
(٥) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد القرطبي (١/ ٣٢٧)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢١٧).
(٦) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٥١).
(٧) انظر: منح الجليل لمحمد بن أحمد عليش (١/ ٢٩٣)، وإرشاد السالك لشهاب الدين البغدادي (١/¬٢١).
(٨) ليست في النسخ والتصويب من مصادر التخريج.
(٩) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢١٧، ٢١٨)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ١٦٣)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣٠٦).
[ ٢ / ١٣٤ ]
فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَا فِعْلِهِ فَبَقِيَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ سَالِمًا، وَلِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مِمَّا لَا
قوله: (فتعارضت).
فإن قيل: هذا ترجيح بكثرة الأدلة.
قلنا: ليس كذلك؛ بل هو رجوع إلى ما هو دليل بلا شبهة، عما فيه شك؛ فإن التعارض بين الدليلين يوجب الشك والتوقف فيهما، فالعمل بما بعدهما من الدليل السالم عن المعارض عمل بما هو دليل بلا شبهة، ومثل هذا مذكور في شرح الآثار، وفيه نوع تأمل، ويمكن أن يرجح بفقه الراوي؛ فإن راوي حديثه [ابن] (^١) بحينة، وراوي حديثنا ابن مسعود، وهو من الفقهاء، وبالمروي، فإن ما رواه يحتمل قبل السلام الثاني، وما رويناه لا يحتمل القبلية بوجه. كذا قرره شيخي العلامة ﵀.
وعن العلامة مولانا حميد الدين ﵀ أنه قال: القول ليس من جنس الفعل، والترجيح بالدليل إنما لا يجوز؛ إذا كان الدليلان من جنس واحد، وفيه نوع تأمل أيضًا.
فإن قيل: في التعارض بين الحجتين، يصار إلى ما بعدهما لا إلى ما فوقهما، والقول فوق الفعل؛ لأن القول موجب، والفعل لا، فكيف صير إلى القول؟
قلنا: المعارضة تقتضي المساواة، ولا معارضة بين القول والفعل؛ لما ذكرنا من قوة الفعل، وإنما احتججنا بالأقوى؛ لأن بعد المعارضة صرنا إلى ما فوقهما، وهذا الجواب لا يخلو عن تمحل.
وأورد على المصنف: بأن الأصل في الدلائل الإعمال لا الإهمال، فلم يعمل بحديثي الفعلين؟
أجيب فيما قال: إعمال الأصل؛ وهو أن الأصل في التعارض التوقف؛ لما أن موجب التعارض التوقف، كما أن العمل بموجب الدليل عند عدم المعارض.
_________________
(١) ليست في النسخ والتصويب من مصادر التخريج.
[ ٢ / ١٣٥ ]
يَتَكَرَّرُ، فَيُؤَخَّرُ عَنْ السَّلَامِ حَتَّى لَوْ سَهَا عَنْ السَّلَامِ يَنْجَبِرُ بِهِ، وَهَذَا خِلَافٌ فِي الأَوْلَوِيَّةِ، وَيَأْتِي بِتَسْلِيمَتَيْنِ، هُوَ الصَّحِيحُ،
قوله: (في الأولوية): وهكذا ذكره في الأسرار (^١).
وفي المحيط: لو سجد قبل السلام؛ أجزأه عندنا (^٢).
قال القدوري: هذه رواية الأصول (^٣).
وروي عنهم: أنه لا يجزئه؛ لأنه أدى قبل وقته.
ووجه رواية الأصول: أن فعله وقع في فصل مجتهد فيه؛ فلا يحكم بفساده، ولأنه لو أمر بالإعادة لتكرر سجود السهو، وهذا قول لم يقل به، فلأن يكون فعله على وجه، قاله البعض أولى.
وفي شرح الوجيز وهذا الاختلاف في الإجزاء على المشهور من أصحابنا، وعن قاضي كج، وإمام الحرمين أنه في الأفضلية، في قول: الأفضل التقديم، وفي قول: الأفضل التأخير، وفي قول: هما سواء (^٤)، وبه قالت المالكية.
قوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما اختاره فخر الإسلام، وشيخ الإسلام، وصاحب الإيضاح؛ حيث قالوا: يسلم تسليمة واحدة (^٥).
ثم اختار فخر الإسلام أن تكون تلك التسليمة تلقاء وجهه، ولا ينحرف عن القبلة؛ لأن ذلك بمعنى التحية دون التحليل، وليس في هذا السلام معنى التحية (^٦).
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٠٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٦).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠٠).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٦)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥٠١).
(٤) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ١٨١).
(٥) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٤٩٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٦)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥٠١).
(٦) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٧٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٦)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥٠١).
[ ٢ / ١٣٦ ]
صَرْفًا لِلسَّلَامِ المَذْكُورِ إِلَى مَا هُوَ المَعْهُودُ.
وقال شيخ الإسلام: لو سلم تسليمتين؛ لا يأتي بسجود السهو بعد ذلك؛ لأنه كالكلام (^١).
ولكن شمس الأئمة، وأبو اليسر، والإمام ظهير الدين المرغيناني؛ اختاروا ما اختار المصنف ﵀، حتى قال الإمام ظهير الدين حين سئل عن هذا: لم يجزه ملك الشمال حتى يترك السلام عليه ذكره في فتاواه، وبه قال الثوري، وأحمد، ونسب أبو اليسر القائل بالتسليمة الواحدة إلى البدعة (^٢).
قال فخر الإسلام: إنما اخترنا ما اخترناه؛ بإشارة محمد في كتاب الصلاة، فتقصينا عن عهدة البدعة، وإنما العهدة على من قصر في طلبه (^٣).
(فالسلام المذكور)؛ أي: في الحديث أو في الرواية، وفي بعض النسخ: (السلام المذكور إلى ما هو المعهود)؛ وهو السلام من الجانبين.
وفي الخبازية والفقه فيه أن التسليمة الأولى تحليلة وتحية، والثانية تحية؛ لأنه يقع بعد الأولى؛ ولهذا لا يصح الاقتداء بعد الأولى، ولو قهقه بعد الأولى؛ لا تنتقض طهارته، فكان الأحوط قبل السلام الثاني (^٤).
ولمعنى التحليل لا التحية؛ قال فخر الإسلام: يسلم تلقاء وجهه، ويكون فرقا بين سلام القطع وسلام السهو (^٥). وفي الْمُجْتَبى: وهو الأصح (^٦).
وفي المحيط: على قول عامة المشايخ يكتفي بتسليمة واحدة، وهو
_________________
(١) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٥٠)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٧٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٧).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥٠١).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٢).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٧)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٦٢)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٣٦٩).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٦)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬٧٨)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٥٠).
(٦) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٥٠).
[ ٢ / ١٣٧ ]
وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ وَالدُّعَاءِ فِي قَعْدَةِ السَّهْوِ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ مَوْضِعُهُ آخِرُ الصَّلَاةِ.
الأضمن؛ للاحتياط (^١).
وقيل: عند أبي حنيفة ﵀، وأبي يوسف؛ يسلم تسليمتين؛ لأنه سلام محلل، إلا أنه يعود إلى حرمة الصلاة، إلا أنه يعود إلى حرمة الصلاة بالعود إلى سجود السهو، فوجب العمل بهذا الأصل حتى يثبت غيره.
وعند محمد: هذا السلام غير محلل أصلا كما يجيء؛ فلا يصح تحليله بالثاني.
قوله: (ويأتي بالصلاة): في المحيط: اختلفوا في الصلاة على النبي ﷺ، وفي الدعوات (^٢). قال الطحاوي: كل قعدة فيها سلام ففيها صلاة، فعلى هذا: يصلي في القعدتين جميعًا عنده (^٣).
وقال الكرخي: يصلي في قعدة السهو؛ لأنها هي القعدة الأخيرة، والفراغ من الصلاة تحصل بها (^٤)، وهو اختيار المصنف، وفخر الإسلام.
وقيل: عند أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ يصلي، ويدعو في الأولى دون الثانية؛ بناء على أن سلام من عليه السهو يخرجه عن الصلاة عندهما.
وعند محمد: في الأخيرة خاصة؛ لأن السلام لا يخرجه عنده.
وفي الفتاوى الظهيرية: والأحوط: أن يصلي في القعدتين (^٥).
قوله: (إذا زاد)، وإنما وجب سجود السهو بالزيادة، مع أنه لجبر النقصان والزيادة ضده؛ لما أن الزيادة في غير موضعه نقصان، كما بينا في الأصبع الزائدة بعد الكمال نقصان، ولأنه لا يخلو عن تأخير ركن أو تأخير واجب.
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٤٩٩).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٤٩٩).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٤٩٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٧).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٧)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٤٩٩).
(٥) انظر: فتاوى قاضي خان (١/ ٥٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٧).
[ ٢ / ١٣٨ ]
قَالَ: (وَيَلْزَمُهُ السَّهْوُ إِذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا لَيْسَ مِنهَا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَجْدَةَ السَّهْوِ وَاجِبَةٌ، وهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهَا تَجِبُ لِجَبْرِ نَقْصٍ تَمَكَّنَ فِي العِبَادَةِ، فَتَكُونُ وَاجِبَةٌ كَالدِّمَاءِ فِي الحَجِّ، … … .
ولما روي أنه ﵊ قام إلى الخامسة في العصر، فسبح به، فرجع وسجد للسهو.
وفي الفتاوى الظهيرية: واستدل الكرخي بما قال محمد: وإذا سها الإمام وجب على المؤتم نص على الوجوب (^١).
وفي قوله: (ويلزمه السهو)؛ إشارة إليه، وهو اختيار الكرخي، وبه قال مالك (^٢)، وأحمد (^٣)؛ لأنه لجبر النقصان، فيكون واجبًا كجبرانات الحج.
وفي المحيط: أداء العبادة بصفة الكمال واجب، والكمال لا يحصل إلا بجبر النقصان؛ فيكون واجبًا (^٤).
وقوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عما قال الجرجاني، والقدوري؛ فإنهما قالا: إنها سنة عند عامة أصحابنا (^٥)، وبه قال الشافعي (^٦)، استدلالًا بما قاله محمد: أن العود إلى السجود لو كان واجبًا؛ لكان رافعًا للتشهد، كسجدة التلاوة، ولأنه يجب بترك بعض السنن، والخَلَف لا يكون فوق الأصل. كذا في المحيط (^٧).
قوله: (كالدماء في الحج): عن العلامة مولانا حميد الدين ﵀: إنما جبر
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥٠٦)، والمبسوط للسرخسي (١/ ٢١٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٤٩٩).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٢١)، والتاج والإكليل لأبو عبد الله المواق (٢/ ٢٨٦)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٧٣).
(٣) انظر: كشاف القناع للبهوتي (١/ ٤٠٩)، والإقناع للحجاوي (١/ ١٣٦)، والفروع لابن مفلح (٢/ ٣١٥).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٤٩٩).
(٥) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٩٩).
(٦) انظر: أسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ١٨٧)، والإقناع للخطيب الشربيني (١/ ١٦٠)، والتنبيه للشيرازي (ص ٣٧).
(٧) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٤٩٩).
[ ٢ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النقصان في باب الحج بالدم، وفي باب الصلاة بالسجدة؛ لأن الأصل أن الجبر من جنس الكسر، وللمال مدخل في باب الحج، فيجبر نقصانه بالدم، ولا مدخل للمال في باب الصلاة، فجبر النقصان بالسجدة.
وفي الْمُجْتَبى: سجدة السهو فريضة على قول مالك؛ حتى تبطل الصلاة بتركه (^١).
وفي الحلية: واجبة على قوله إذا كان لنقصان (^٢)، ثم سجدة السهو واجبة بترك الواجب أو تأخيره سواء عندنا؛ لأنه ﵊ علق إيجابها بالسهو، بقوله: لكل سهو سجدتان، وأيضًا يضاف إلى السهو في الشرع إضافة لازمة، فلو أوجبناها في العمد؛ لما لزمتها الإضافة إلى السهو.
وقال الشافعي: إذا تعمد الخطأ فيما تجب فيه السجدة؛ تجب سجدة السهو؛ لأنها لجبر النقصان، والنقصان يحصل فيها حالة العمد؛ كما يحصل حالة السهو، فيجبر بها. كذا في السهيلي (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: وفي العمد لا يجب السهو خلافًا للشافعي، إلا في المسألتين، ذكرهما البديعي، فلو ترك القعدة الأولى عمدًا، أو شك في بعض أفعال الصلاة، فتفكر عمدًا حتى شغله ذلك عن ركن؛ تجب السجدة، فقلت له: كيف تجب السجدة للسهو بالعمد؟
قال: ذاك سجود العذر لا سجود السهو (^٤)، وإنما قال فعلا من جنسها ليس منها؛ لأن غير ذلك إما مفسد، كالأكل والشرب، أو غير موجب للسهو، كالالتفات، والحركة، والخطوة، إلا إذا شك في صلاته التي هو فيها، فشغله فكره عن الركن، كالركوع، والسجود، وإن تفكر في العصر أنه هل صلى الظهر
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٨).
(٢) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٥٠).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٩).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٠٩).
[ ٢ / ١٤٠ ]
وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا لَا يَجِبُ إِلَّا بِتَرْكِ وَاجِبِ أَوْ تَأْخِيرِهِ أَوْ تَأْخِيرِ رُكْنٍ سَاهِيًا، هَذَا هُوَ الأَصْلُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا لَا تَعْرَى عَنْ تَأْخِيرِ رُكْنٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ.
قَالَ: (وَيَلْزَمُهُ إِذَا تَرَكَ فِعْلًا مَسْنُونًا)
أم لا؟؛ لا يجب، فهذه المسألة تدل على أن الموجب للسهو؛ هو الشك الذي تعلق بهذه الصلاة التي هو فيها. كذا عن العلامة مولانا حميد الدين الله (^١).
قوله: (هذا)؛ أي: وجوب سجود السهو بترك الواجب، أو تأخيره هو الأصل.
وفي المحيط: تكلم المشايخ في الموجب لسجود؛ فقيل: يجب بستة أشياء، بتقديم ركن؛ كتقديم الركوع على الفاتحة أو السورة، وبتأخير ركن؛ كتأخير الصلبية، وفي تأخير سجدة التلاوة روايتان، وبالقيام إلى الخامسة أو الثالثة، وبتكرار التشهد، وبتكرار ركن؛ كركوعين، أو ثلاث سجدات، ويتغير الواجب كالجهر فيما يخافت أو عكسه، وبترك الواجب كالقعدة الأولى، وبترك سنة تضاف إلى جميع الصلاة؛ كالتشهد في القعدة الأولى (^٢).
قال أبو اليسر: وجوبها بشيء واحد؛ وهو ترك الواجب.
قال صاحب المحيط: وهذا أجمع ما قيل فيه (^٣)؛ لأن جميع ما ذكر من مراعاة الترتيب، والأفعال، والأذكار واجبة، وكذا القعدة الأولى عندنا، وعليه المحققون من أصحابنا، وهو الأصح؛ ولهذا قال المصنف: (أراد)؛ أي: محمد.
(به)؛ أي: بقوله، أو ترك فعلا مسنونا، فعلا واجبًا وسماه مسنونا؛ لثبوت وجوبه بالسنة، وهذا حسن، لكن عطفه الواجبات بقوله: (أو ترك) قراءة الفاتحة إلى آخره، يأتي حمله عليه؛ لكن الظاهر أنه أراد بقوله: (مسنونا)؛ ما ذكره
_________________
(١) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٧٦).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠١).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠١).
[ ٢ / ١٤١ ]
كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فِعْلًا وَاجِبًا، إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ بِتَسْمِيَتِهِ سُنَّةٌ، أَنَّ وُجُوبَهَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ. قَالَ: (أَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ الفَاتِحَةِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ (أَوْ القُنُوتَ أَوْ التَّشَهَّدَ أَوْ تَكْبِيرَاتِ العِيدَيْنِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَاتٌ فَإِنَّهُ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَرْكِهَا، مَرَّةً وَهِيَ أَمَارَةُ الوُجُوبِ، وَلِأَنَّهَا تُضَافُ إِلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ
صاحب المحيط؛ وبترك سنة تضاف إلى جميع الصلاة وتجب (^١).
ثم قوله: (ويلزمه)؛ أي: إلى آخره، بان تعداد المسائل.
(بتسميته)؛ أي: بتسمية الفعل.
(أن وجوبها)، أي: وجوب الفعل على تأويل القعدة، أو سنية الفعل؛ لأن القعدة واجبة بالسنة.
(لأنها)؛ أي: القنوت وتكبيرات العيد، والتشهد؛ تضاف إلى جميع الصلاة.
وفي المبسوط: ترك التشهد في القعدة الأولى، أو قنوت الوتر، أو تكبيرات العيد؛ ففي القياس: لا يسجد للسهو؛ لأن هذه الأذكار سنة، فبتركها لا يتمكن كثير من النقصان، كما إذا ترك الثناء والتعوذ.
وفي الاستحسان: يجب؛ لأن هذه السنن تضاف إلى جميع الصلوات، يقال: تكبيرات العيد وقنوت الوتر، وتشهد الصلاة، فبتركها يتمكن النقصان والتغيير في الصلاة، فأما ثناء الافتتاح: فغير مضاف إلى جميع الصلاة، فبتركه لا يتمكن النقصان فيها (^٢).
قال شيخ الإسلام لو ترك بعض هذه الأذكار؛ يجب السهو، حتى لو ترك تكبيرة من تكبيرات العيد، أو آية من الفاتحة؛ يجب السهو (^٣).
وعند أبي يوسف ومحمد: إذا قرأ أكثر الفاتحة؛ لا يجب، ولو ترك تكبير القنوت، وتكبير ركوع العيد، والقعدة الأولى والتشهدين؛ يجب السهو.
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠١).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٢٠).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٠٦)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٦٧)، والمحيط البرهاين لابن مازة البخاري (١/ ٥٠٥).
[ ٢ / ١٤٢ ]
خَصَائِصُهَا، وَذَلِكَ بِالوُجُوبِ، ثُمَّ ذِكْرُ التَّشَهُدِ يَحْتَمِلُ القَعْدَةَ الأُولَى وَالثَّانِيَةَ، وَالْقِرَاءَةَ فِيهِمَا، …
قيل: التشهد الأول سنة، والثاني فريضة. وبالسهو عن القومة والجلسة بين السجدتين؛ اختلاف؛ ذكر البقالي، والجلابي، والناصحي: لا يجب؛ لأنه غير مقصود ولا ذكر فيه.
وذكر السرخسي، وأبو اليسر: يجب (^١). ولو كرر الفاتحة في الآخرين؛ لا سهو عليه، وكذا في الأوليين إذا فصل بينهما بسورة على الأصح.
وفي الولاء؛ يجب، ولو قرأ الفاتحة والسورة؛ لا يجب على الأصح، وفي رواية الحسن: يجب.
وفي غريب الرواية: قرأ آية في الركوع أو السجود أو قاعدًا؛ فعليه السهو، ولو قرأ التشهد قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا؛ لا سهو عليه؛ لأنها محل الثناء. وعن أبي إسحاق الحافظ: يجب بالتشهد قائما في الأوليين دون الآخرين. قلت: وقيل: لا يجب في الأولى أيضًا قبل الفاتحة؛ لأنها محل الثناء. كذا في الْمُجْتَبى (^٢).
وفي فتاوى الظهيرية: قرأ التشهد قائمًا، إن كان في الركعة الأولى؛ لا يلزمه شيء، وإن كان في الثانية؛ اختلف المشايخ فيه، والصحيح: أنه لا يجب (^٣).
ولو قرأ القرآن في ركوعه أو سجوده أو قعدته؛ يلزمه السهو. ولو سها عن القعدة، أو القنوت، أو الفاتحة، أو السورة، فذكره في الركوع؛ فالأصح في الفاتحة والسورة أن يعود، وفي القنوت أن لا يعود.
_________________
(١) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٦١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٦٣).
(٢) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٦١).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١١).
[ ٢ / ١٤٣ ]
وَكُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَفِيهَا سَجْدَةٌ،
وعن أبي حنيفة ﵀ في رواية: يعود ويقنت، ولكن يسجد في الوجهين جميعًا، ولو نسي الفاتحة في الأولى أو الثانية، وبدأ بالسورة ثم ذكر؛ يبدأ بالفاتحة، ثم يقرأ السورة وسجد للسهو.
وإن قرأ من السورة حرفًا ولو كرر السورة؛ فعليه، ولو أعاد السورة التي قرأها في الأولى؛ فعليه السهو عند أبي يوسف، وفي قراءة سورة قبلها وتحتها؛ اختلاف المشايخ.
وفي زلة القارئ لصدر القضاة: قرأ سورة واحدة في ركعتين؛ لا يكره.
(وذلك)؛ أي: الاختصاص بالوجوب؛ لأن الاختصاص دليل السنية، فيلزم وجود هذه الأفعال من الصلاة، لكن لا يمكن فصرنا إلى الوجوب. كذا قاله شيخي العلامة ﵀.
وفي الخبازية: والخصائص لابد من أن تكون موجودة، ولا ذلك إلا بالوجوب (^١)؛ لأن السنن نوافل، وهي زوائد بمنزلة العدم؛ ألا ترى أنه ﵊ علم الأعرابي (^٢) الفروض والواجبات لا السنن.
قوله: (وكل ذلك واجب).
وفي الكافي: يتوجه عليه وجوه من الإشكال؛
أحدها: أن القعدة الثانية فرض، وذكر أنها واجب.
والثانية: أن قراءة التشهد في القعدة الأولى عنده سنة، وذكر أنه واجب.
وثالثها: الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ إذ التشهد للقراءة فيهما حقيقة، وللقعدة مجاز؛ إطلاقا لاسم الحال على المحل.
ورابعها: أنه لو كانت القعدة مراده لزم التكرار؛ لأنه ذكر قبله إذا ترك فعلا
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٢)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥٠٤).
(٢) حديث الأعرابي رواه البخاري (١/ ١٥٢، رقم ٧٥٧)، ومسلم (١/ ٩٧، رقم ٣٩٧) من حديث أبي هريرة عَلَّمَ الأعرابي المسيء صلاته فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».
[ ٢ / ١٤٤ ]
هُوَ الصَّحِيحُ.
مسنونا؛ أي: واجبًا.
الجواب عن الأول: أنه أراد بقوله: كل ذلك واجب غير القعدة الثانية؛ إذ التخصيص شائع، فإن ذكره شائعا أنها فرض دليل على أنها غير مراد، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، مع تيقننا [أنها] (^١) لم تؤت كثيرا من الأشياء (^٢).
وقيل في جوابه: يحمل تركها على تأخيرها، وهو فاسد؛ لأنه أراد حقيقة الترك في غيرها، ولو أراد به التأخير فيها لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
فإن قيل: يجوز الجمع بينهما عند اختلاف المحل عند البعض، فيحتمل أنه ذكره بناءً على قوله، قلنا: نعم؛ لكن يأبى قوله: وكل ذلك واجب لهذا التأويل.
وفي النهاية: والأوجه فيه أنه يحمل على رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه تجوز الصلاة بدون القعدة الأخيرة. ذكره في الأسرار (^٣).
وأما الجواب عن الثاني: فقد مرَّ في أول باب صفة الصلاة، وعن الثالث: فلأن المستحيل اجتماعهما مرادين، وهو ما تعرض للإرادة؛ بل قال يحتمل ذلك، ولا فساد فيه، ألسنا نقول: القرء يحتمل الحيض والظهر، وهو الجواب عن الرابع.
قوله: (وهو الصحيح): احتراز عن جواب القياس في التشهد بأنه سنة.
وفي المحيط: قال الكرخي والطحاوي، وبعض المتأخرين: القعدة الأولى واجبة، وقراءة التشهد فيها سنة عند بعض المشايخ، وهو الأقيس، وعند بعضهم واجبة، وهو الأصح (^٤)، وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة واجبة بالاتفاق، واحتراز أيضًا عن إحدى الروايتين عن أبي يوسف؛ في ترك قراءة
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٢)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٠٣).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٠٣).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠١).
[ ٢ / ١٤٥ ]
(وَلَوْ جَهَرَ الإِمَامُ فِيمَا يُخَافَتُ أَوْ خَافَتْ فِيمَا يُجْهَرُ، تَلْزَمُهُ سَجْدَنَا السَّهْوِ) لِأَنَّ الجَهْرَ فِي مَوْضِعِهِ وَالمُخَافَتَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الوَاجِبَاتِ.
التشهد في القعدة الثانية؛ أنه لا يجب السهو في رواية عنه. كذا في جامع قاضي خان (^١).
وقال القاضي الأَسْتَرَوْشَنِيُّ: قراءة التشهد في القعدة الأولى سنة (^٢)، وهذا أقيس، إلا أنه خلاف ظاهر الرواية؛ فإن محمدًا أوجب بتركها سجود السهو.
قوله: (ولو جهر …) إلى آخره: سوى بين الجهر والمخافتة في ظاهر الرواية، وفصل الجواب في النوادر؛ فقال: إن جهر فيما يخافت؛ لزمه السهو، قل ذلك أو كثر، وإن خافت فيما يجهر، فإن كان ذلك في أكثر الفاتحة، أو في ثلاث آيات من غير الفاتحة، أو آية قصيرة على مذهب أبي حنيفة؛ يلزمه السهو، وإلا؛ فلا.
ووجه الفرق: أن حكم الجهر فيما يخافت أغلظ من المخافتة فيما يجهر؛ لأن الصلاة التي يجهر فيها لها حظ من المخافتة، فإنه يخافت في القراءة في الأخيرتين، وكذلك المنفرد يخير فيها، حتى لا يلزمه السهو بترك الجهر، بخلاف الصلاة التي يخافت فيها في ذينك الحكمين.
ثم اعتبر من الفاتحة أكثرها وإن كانت قرآنا حقيقة؛ لقيامها مقام الدعاء في الأخيرتين، ولو كانت دعاء على الحقيقة؛ لما وجبت السجدة بتغير صفتها كلها، فوفرنا على الشبهين حظهما. كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وقال الشافعي ﵀: لا يجب السهو بترك الجهر والمخافتة؛ لأنه لم يترك الذكر المقصود في المحل، وإنما ترك صفته (^٣)، وقال مالك: إن جهر في موضع الإسرار؛ يسجد للسهو بعد السلام، وإن أسر في موضع الجهر؛ يسجد قبل السلام (^٤).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٤).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٣)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥٠٤).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٥٠)، والمجموع للنووي (٣/ ٣٩٠)، والبيان للعمراني (٢/ ٣٣٦).
(٤) انظر: التاج والإكليل لأبو عبد الله المواق (٢/ ٢٩١)، والمقدمات الممهدات لابن رشد القرطبي (١/ ١٦٤)، والبيان والتحصيل لابن رشد القرطبي (١/ ٥٢٦).
[ ٢ / ١٤٦ ]
وَاخْتَلَفَت الرِّوَايَةُ فِي المِقْدَارِ، وَالأَصَحُ قَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الفَصْلَيْنِ، لِأَنَّ اليَسِيرَ مِنْ الجَهْرِ وَالإِخْفَاتِ لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَعَنْ كَثِيرٍ مُمْكِنٌ، وَمَا تَصِحُ بِهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ آيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَهَذَا فِي حَقِّ الإِمَامِ دُونَ المُنْفَرِدِ، لِأَنَّ الجَهْرَ وَالمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الجَمَاعَةِ-
وقال أحمد: إن سجد؛ فحسن، وإن ترك؛ فلا بأس (^١).
وقلنا: إنهما في موضعهما من الواجبات؛ لمواظبة النبي ﵊، فبتركها يلزم السهو.
قوله: (والأصح …) إلى آخره؛ احتراز عما اختاره قاضي خان، والحلواني، وشيخ الإسلام: يجب السهو إذا جهر فيما يخافت، قل أو كثر كما بينا (^٢).
(وهذا)؛ أي: وجوب سجدة السهو بترك الجهر والمخافتة في حق الإمام؛ ولهذا خص الإمام.
(لأن الجهر والمخافتة)؛ أي: وجوبهما.
فإن قيل: تجب المخافتة على المنفرد فيما يخافت كالإمام، فكيف يستقيم هذا؟.
قلنا: هذا جواب ظاهر الرواية، فأما في رواية النوادر: يجب عليه السهو إذا ترك المخافتة فيما يخافت (^٣).
وروى الناطفي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يجب على المنفرد السهو إذا جهر فيما يخافت (^٤).
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤٠٧)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٥٣٣، ٥٣٤).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٠٤)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٥)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٦٦).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/¬٥٠)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٧٧)، واللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الميداني (١/ ٦٦).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٥).
[ ٢ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الفتاوى الظهيرية: روى أبو سليمان أن المنفرد إذا ظن أنه إمام، فجهر كما يجهر الإمام؛ يلزمه سجود السهو (^١).
وجه ظاهر الرواية: أن المنفرد لم يترك واجبًا عليه؛ لأن المخافتة إنما تجب لنفي المغالطة، وإنما يحتاج إلى هذا في صلاة تؤدى على سبيل الشهرة، والمنفرد يؤدي على سبيل الخفية، فلم تكن المخافتة واجبة عليه. كذا في الذخيرة، والمحيط (^٢).
وقال أبو اليسر: المنفرد مخير بين الجهر والمخافتة، قالوا هذا إذا كان يجهر قليلًا، أما إذا كان يسمع الناسُ؛ يلزمه السهو؛ لأنه منهي عن ذلك، وقد مر حد الجهر والمخافتة (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: سها الإمام، فخافت بالفاتحة، ثم ذكر فجهر بالسورة، ولا يعيد الفاتحة (^٤).
وقال شرف الدين العقيلي: لا خلاف أنه إذا جهر بأكثر الفاتحة ثم ذكرها؛ يتمها مخافتة، ولو خافت بأكثر الفاتحة فيما يجهر؛ قيل: يتمها ولا يعيد الفاتحة (^٥).
وقال شمس الأئمة: وقياس مسائل الجامع، أن يؤمر بالإعادة جهرًا، وفي ترك الولاء في القراءة سهوا؛ اختلاف بين أبي يوسف ومحمد (^٦).
سها عن قراءة البسملة في أول كل ركعة، فعن أبي محمد الجويني: يلزمه السهو (^٧).
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٥٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٥)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠٤).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠٤)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥٠٦).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٠٤)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٥).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٥).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٥).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٥)، وفيه: "سهى عن قراءة البسملة في أول ركعة، فعن أبي يوسف يلزمه السهو ".
[ ٢ / ١٤٨ ]
قَالَ: (وَسَهْوُ الإِمَامِ يُوجِبُ عَلَى المُؤْتَمُ السُّجُودَ) لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ المُوجِبِ فِي
وَفي المُنْتَقى وغريب الرواية: لو أمَّ في النفل؛ يجهر، فإن خافت؛ فعليه (^١) السهو، ولو سلم على ظن أنها ترويحة أو جمعة؛ استقبل، بخلاف ظن التمام؛ فإنه يتم.
وعن أبي حنيفة: يتم فيهما.
وفي المحيط: زاد في التشهد الأول حرفًا؛ يجب السهو عند أبي حنيفة ﵀ (^٢).
وقال أبو شجاع: إنما يجب إذا قال: اللهم صل على محمد.
وقال الشيخ أبو منصور الماتريدي: إنما يجب إذا قال معه: وعلى آل محمد (^٣).
وقال المرغيناني: المعتبر قدر ما يؤدَّى فيه ركن.
وعن أبي يوسف، ومحمد: لا سهو عليه (^٤).
وقال الشافعي ﵀: لو ترك الصلاة على النبي في التشهد الأول؛ يسجد للسهو (^٥).
قوله: (يوجب على المؤتم)؛ لتصور السبب في حقه، ولحديث عبد الله بن بُحَينة، أنه ﵊ سها عن القعدة الأولى في العصر، فلما كان قبل أن يسلم؛ سجد سجدتين والقوم معه، ولقوله ﵊: «إذا سجد الإمامُ فاسْجُدُوا»، ولأنه تبع لإمامه؛ فيلزمه حكم فعله، كالمفسد، ونية الإقامة؛ يعني: لو كان الإمام والقوم مسافرين، فنوى الإمام الإقامة في الصلاة، يكون القوم مقيمين معه في حق الأصل، وهو الإمام، والسبب الموجب في حق الإمام؛ الأمر الموجب لوجوب السهو عليه.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٥).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠٥).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٣).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٥).
(٥) انظر: أسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ١٤١)، ونهاية المحتاج للرملي (٢/ ٦٩).
[ ٢ / ١٤٩ ]
حَقِّ الأَصْلِ، وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الإِقَامَةِ بِنِيَّةِ الإِمَامِ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدُ الإِمَامُ لَمْ يَسْجُد المُؤْتَم)
قوله: (إن لم يسجد الإمام لم يسجد المؤتم)، وبه قال المزني، وبعض أصحاب الشافعي (^١)، وأحمد في رواية (^٢).
وقال أكثر أصحاب الشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، وأحمد في رواية أخرى (^٥): يسجد المأموم؛ لأن صلاته كملت بالاقتداء، فإذا تطرق نقص في صلاة الإمام تعداه، وقد أساء الإمام بترك الجبران، فلا يرخص المأموم.
وقلنا: إن المؤتم لو سجد وحده كان مخالفًا، وقد قال ﵊: «إنَّما جعل الإمام إمامًا ليؤتم فلا تختلِفُوا عليه» (^٦). فإن قيل: يشكل عليه المسائل التسع التي ذكرت في الخلاصة والخزانة؛ أنها إذا لم يفعلها الإمام يفعلها المؤتم، وقد مرَّت المسائل في آخر باب الإمامة.
قلنا: هذه المسائل أحكام لا تثبت في ضمن شيء باشره الإمام؛ بل تثبت ابتداء على كل واحد من الإمام والمقتدي، ولا تجزئ فيها النيابة، فلما لم يفعلها الإمام؛ يفعلها المقتدي؛ لأنها تثبت ابتداء، كما لو كان المقتدي منفردا (^٧).
وأما وجوب سجدة السهو؛ فإنما ثبت في ضمن فعل باشره الإمام، فلما لم يأت به المباشر لا يجب على غيره؛ لأن الفائز بالحكم هو الفائز بالسبب،
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٢٨)، والمجموع شرح المهذب للنووي (٤/ ١٤٣).
(٢) انظر: الإنصاف للمرادوي (٢/ ١٥١)، والمبدع لابن مفلح (١/ ٤٧٢)، والمغني لابن قدامة (٢/¬٣٣).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٢٨)، والمجموع شرح المهذب للنووي (٤/ ١٤٣)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ١٧٧).
(٤) انظر: الفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢١٢)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٠٨).
(٥) انظر: الإنصاف للمرادوي (٢/ ١٥١)، والمبدع لابن مفلح (١/ ٤٧٢)، والمغني لابن قدامة (٢/¬٣٣).
(٦) رواه البخاري (١/ ١٤٥، رقم ٧٢٢) ومسلم (١/ ٣٠٩، رقم ٤١٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٦).
[ ٢ / ١٥٠ ]
لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، وَمَا التَزَمَ الأَدَاءَ إِلَّا مُتَابِعًا.
(فَإِنْ سَهَا المُؤْتَمُّ لَمْ يَلْزَم الإِمَامَ وَلَا المُؤْتَمَّ السُّجُودُ) لِأَنَّهُ لَوْ سَجَدَ وَحْدَهُ كَانَ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، وَلَوْ تَابَعَهُ الإِمَامُ يَنْقَلِبُ الأَصْلُ تَبَعًا.
والسبب يثبت في حق الإمام، ولو وجب على غيره؛ إنما يجب بسبب متابعته، والمتابعة إنما تكون أن لو كان موافقا لإمامه، وفي الإتيان بها وحده مخالفة، فلا يجب.
أما في تلك المسائل: فيأتيه عليه بعد الشروع، فلا يتوقف الإتيان بها على إتيان الإمام. وقد أورد على المصنف ﵀ في قوله: (لأنه يصير مخالفا لإمامه) إشكال؛ وهو ما إذا قام المسبوق لقضاء ما سبق، بعد فراغ الإمام.
والمقيم إذا اقتدى بالمسافر؛ يتم ركعتين بعد فراغ الإمام؛ علم بهما: أن المخالفة بعد الفراغ لا تعد مخالفة.
وفي النهاية: جوابه: أن هاهنا يصير مخالفًا، وهناك لا؛ وذلك لأن المقتدي لو سجد، فلا يخلو إما أن يسجد في الحالة التي مع الإمام أو بعدها، ففي الأول: مخالفة صورة ومعنى.
وفي الثانية: معنى لا صورة؛ لأن سجود السهو لجبر النقصان في صلاة أداها مع الإمام فهاهنا، فصار كأنه سجدها في تلك الحالة التي مع الإمام، فكانت مخالفة معنى، بخلاف تيك المسألتين؛ فإنهما يتحققان بعد فراغ الإمام، ولم يتعلقا بصلاة الإمام، فلا تكون مخالفة صورة ولا معنى (^١).
وفي مبسوط أبي اليسر: ويسجد المسبوق مع الإمام للسهو، سواء أدركه في القعدة، أو في وسط الصلاة؛ لقوله ﵊: «فلا تختلفوا عليه» (^٢)، ولو لم يسجد معه، وقام إلى قضاء ما سبق، ثم سلم الإمام؛ لا يلزمه سجدتا السهو في القياس؛ لأنه خرج عن صلاة الإمام، ودخل في صلاة نفسه، والسجدتان إنما كانتا واجبتين عليه؛ جبرًا لما وقع من النقصان في تلك الصلاة،
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٥).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإذا خرج عنها؛ لا يبقى عليه، كما إذا دخل في صلاة أخرى.
وفي الاستحسان يلزمه؛ لأن السجدتين وجبتا عليه لوجوبها على الإمام، فإذا لم يسجدهما مع الإمام؛ بقيتا واجبتين عليه لقدرته على أدائهما، فإن هذه كلها صلاة واحدة من حيث التحريمة، فإنه يأتي بالكل بتحريمة واحدة، فلا تسقط السجدتان عنه (^١).
وقال الشافعي: لو سها الإمام فيما أدركه معه؛ يسجد مع إمامه إذا سجد قبل السلام (^٢).
وعن ابن سيرين: أنه لا يتابعه، وإن سجد الإمام بعد السلام؛ لم يتابعه فيه، وعندنا يتابعه؛ لأن محل سجود السهو بعد السلام، ولو سجد مع الإمام قبل السلام، وقضى ما عليه؛ يعيد سجود السهو في آخر صلاته في قوله الجديد، وفي القديم: لا يعيد (^٣).
ولو سها الإمام فيما لم يدركه المسبوق؛ يلزمه حكم سهو إمامه؛ لأنه يتعدى نقصان صلاة الإمام إلى صلاته.
وقيل: لا يلزمه، ولو قام المسبوق في قضاء ما سبق، ولم يسجد إمامه للسهو؛ فعليه أن يسجد بلا خلاف، ينقلب الأصل تبعا، وهذا قلب الموضوع ونقض المشروع.
وروي عن ابن عمر ﵄ أنه ﵊ قال: «ليس على من خلف الإمام سهو» (^٤).
فإن قيل: سجود السهو يؤتى في آخر الصلاة بعد السلام، فهلا قلتم يصير
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٦، ٦١٧).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٣٤١)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٤٨)، والمجموع شرح المهذب للنووي (٤/ ١٤٧).
(٣) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٣٤٢)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٤٨).
(٤) رواه الدارقطني (٢/ ٢١٢، رقم ١٤١٣) قال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/¬١٢): خارجة بن مصعب؛ ضعيف.
[ ٢ / ١٥٢ ]
(وَمَنْ سَهَا عَنْ القَعْدَةِ الأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَ وَهُوَ إِلَى حَالَةِ القُعُودِ أَقْرَبُ، عَادَ وَقَعَدَ
إلى أن يسلم الإمام، فيخرج عن متابعته ثم يسجد؟.
قلنا: لا يمكن ذلك؛ لأن السنة أن يسلم المأموم عقيب سلام الإمام عند الشافعي، فإذا اشتغل بالسهو؛ تفوته هذه السنة عنده، وعندنا: تقع السجدة بعد الخروج من الصلاة؛ لأنه يخرج بسلام الإمام. كذا قيل، وفيه تأمل؛ بل الأولى فيه التمسك بما روى ابن عمر ﵄.
قوله: (ومن سها عن القعدة الأولى)؛ أي: في ذات الأربع أو الثلاث من الفرض، فإنه وضع المسألة في مبسوط شيخ الإسلام (^١)، وفي المحيط في الظهر، ولأن القعدة الأولى من التطوع فرض، وكانت كالقعدة الأخيرة، حتى يعود إليها لا محالة، وإن استوى قائما وهو إلى حالة القعود أقرب؛ عاد وقعد؛ لحديث المغيرة، أنه ﵊ قال فيه: «إذا اسْتَتَمَّ أَحدُكم قائما فليصل، وليسجد سجدتي السهو، وإن لم يَسْتَتِم فليجلس، ولا سهو عليه» (^٢)، ولأنه ما لم يقرب إلى القيام، فهو أشبه إلى القاعد، فيأخذ حكم القاعد؛ لأن ما يقرب للشيء يأخذ حكمه كفناء المصر له حكم المصر في حق صلاة العيد والجمعة، وحريم البئر له حكم البئر، وما قرب إلى العامر له حكم العامر في المنع من الإحياء. كذا في المحيط (^٣)، ولم يذكر حد القرب في عامة الشروح.
وفي عمدة الفتاوى: قام على ركبتيه لينهض قبل التشهد الأول والثاني؛ قعد وعليه السهو (^٤).
وفي صلاة ابن عبدك: رفع إليته وركبتاه على الأرض؛ قعد ولا سهو عليه (^٥).
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥٠٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٧).
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢١٥، رقم ١٤١٨) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁، وأخرجه أبو داود (١/ ٢٧٢، رقم ١٠٣٦) مختصرا وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٤/ ١٩٥، رقم ٩٤٩).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٦، ٦٧).
(٤) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١١٠)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٦٧).
(٥) انظر: فتاو قاضي خان (١/ ٥٨)، والبحر الرائق لابن نجم (٢/ ١١٠).
[ ٢ / ١٥٣ ]
وَتَشَهَّدَ)؛ لِأَنَّ مَا يَقْرُبُ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ، ثُمَّ قِيلَ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِلتَّأْخِيرِ. وَالأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ كَمَا إِذَا لَمْ يَقُمْ (وَلَوْ كَانَ إِلَى القِيَامِ أَقْرَبَ لَمْ يَعُدْ)؛ لِأَنَّهُ
وقال نجم الدين الحفصي: العبرة للركبتين، فما دامتا على الأرض؛ فهو إلى القعود أقرب، وإن رفعهما؛ فهو إلى القيام أقرب.
قلت: وحديث المغيرة يقتضي عكس هذا، ويتخالج في قلبي أن يكون اعتباره باعتبار المسافة إلى القعود والقيام.
وظاهر ألفاظ عامة الشروح يدل عليه، مع أن نجم الأئمة البخاري؛ ذكر في جمعة قام إلى الثالثة، ولم يستو قائما؛ عاد وقعد، وسجد سجدتين، وإن قام على إليتيه لينهض؛ قعد وعليه السهو. كذا في المجتبى (^١).
وفي الكافي: ويعتبر في ذلك بالنصف الأسفل، فإن كان النصف الأسفل مستويا؛ كان إلى القيام أقرب، وإلا فلا (^٢).
وفي الخبازية، والكافي: وعلامة الأقرب؛ بأن لم يرفع ركبتيه من الأرض (^٣).
قوله: (والأصح: أنه لا يسجد)، وهو اختيار الفضيلي، وبعض أصحاب الشافعي (^٤)؛ لأنه صار كأن لم يقم؛ ولهذا قعد.
وقال الولوالجي، وأبو نصر السرخسي، وغيرهما من المشايخ، والشافعي (^٥)، وأحمد (^٦): إنه يسجد؛ لأنه بقدر ما اشتغل من القيام، صار
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١١٠)، وفتاوى قاضي خان (١/ ٥٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٠٩)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٦٦).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٧)، والجوهرة النيرة لأبي بكر الزبيدي (١/ ٧٧)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٥٢).
(٤) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ١٥٩)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣٠٥)، والتنبيه للشيرازي (ص ٣٧).
(٥) انظر: روضة الطالبين للنووي (١/ ٣٠٥)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٧٢).
(٦) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٦٨٨، ٦٨٩)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ١٤٥)، والإقناع للحجاوي (١/ ١٤١).
[ ٢ / ١٥٤ ]
كَالقَائِمِ مَعْنَى (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الوَاجِبَ.
مؤخرًا واجبًا وجب وصله بما قبله من الركن، فصار تاركًا للواجب، فيجب عليه السهو.
وعن مالك: لو رفع إليتيه عن الأرض لا يعود (^١).
وقال أحمد: لو ذكر بعد ما انتصب قائمًا قبل أن يقرأ؛ كان مخيرًا، والأولى أن لا يرجع (^٢).
وقال النخعي: يرجع ما لم يشرع في القراءة.
وقال الحسن البصري: ما لم يركع كالقائم معنى، وفي حقيقة القيام لم يرجع باتفاق الحنفي، والشافعي، ومالك ﵏؛ لأن القيام فرض، والقعدة الأولى واجبة عندنا، سنة عند الشافعي، فلا يترك الفرض لأجل الواجب أو السنة، وسجد للسهو بالإجماع؛ لأنه يترك الواجب عندنا، وعند الشافعي: لا يتعلق السهو [بترك] (^٣) السنة سوى التشهد الأول، والقنوت، والصلاة على النبي ﵊ في التشهد الأول.
فإن قيل: يشكل هذا بما لو قرأ آية السجدة في القيام؛ فإنه يترك القيام قصدًا، وهو فرض لأجل سجدة التلاوة، وهي واجبة.
قلنا: قال شيخ الإسلام: القياس هناك أنه لا يترك القيام، [إلا] أنه جوز ذلك بالأثر؛ لأنه ﵊ والصحابة ﵃ يسجدون ويتركون القيام لأجلها، فترك القياس به (^٤).
والمعنى فيه: أن المقصود من سجدة التلاوة: إظهار التواضع، ومخالفة
_________________
(١) انظر: حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٩٥)، والتاج والإكليل لأبو عبد الله المواق (٢/ ٣٣٧)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٩٦).
(٢) انظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ١٤٤)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٦٨٨)، والفروع لابن مفلح (٢/ ٣٢٤).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٨).
[ ٢ / ١٥٥ ]
(وَإِنْ سَهَا عَنْ القَعْدَةِ الأَخِيرَةِ، حَتَّى قَامَ إِلَى الخَامِسَةِ رَجَعَ إِلَى القَعْدَةِ مَا لَمْ
الكفرة كما عرف في الأصول، فجوز ترك القيام [به] (^١) تحقيقا لمخالفتهم.
وفي الْمُجْتَبى: قال الحسن: لو عاد بعد الانتصاب مخطئا؛ قيل: يتشهد؛ لنقضه القيام والصحيح: أنه لا يتشهد ويقوم، ولا ينتقض قيامه بقعوده؛ لأنه لم يؤمر به، كمن قرأ الفاتحة والسورة وركع، ثم نقض الركوع بسورة أخرى؛ لا ينتقض ركوعه (^٢).
ولو سها عن بعض التشهد؛ فعليه السهو عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما-.
ولو ذكر في ركوع الثالثة أنه لم يسجد الثانية في الثانية؛ يعود فيسجد ويتشهد، ثم يصلي الثالثة بركوعها، ولو ذكر بعد السجود؛ يقضي السجدة ويتشهد، ولا يعيد الركوع؛ لأنه لم يقض القعدة الأخيرة بالعود إلى سجدة الثانية، في اختيار السرخسي (^٣).
وفي شرح الوجيز: إن عاد عمدًا وهو عالم بأنه لا يجوز العود؛ بطلت صلاته، وإن عاد ناسيًا لم تبطل، وعليه أن يقوم إذا تذكر، وإن عاد جاهلا؛ ففي عدم الجواز وجهان ذكره في التهذيب، أحدهما: أنه لا يعذر وتبطل صلاته؛ لتقصيره بترك التعلم.
وأصحهما: أنه يعذر ولا تبطل صلاته كالناسي؛ لأنه مما يخفى على العوام، ولا يمكن تكليف كل أحد تعلمه، وعلى هذا سجد للسهو؛ لأنه زاد في صلاته، وكذا في صورة النسيان (^٤).
قوله: (وإن سها عن القعدة الأخيرة …) إلى آخره، وروي أنه عليه الصلاة
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٨٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٠٩).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٨، ٦١٩).
(٤) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ١٥٦، ١٥٧).
[ ٢ / ١٥٦ ]
يَسْجُدْ لِأَنَّ فِيهِ إِصْلَاحَ صَلَاتِهِ، وَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ. قَالَ: (وَأَلْغَى الخَامِسَةَ لِأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى شَيْءٍ مَحَلُّهُ قَبْلَهَا فَتَرْتَفِضُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ أَخَّرَ وَاجِبًا.
(وَإِنْ قَيَّدَ الخَامِسَةَ بِسَجْدَةٍ بَطَلَ فَرْضُهُ) عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ
والسلام قام إلى الثالثة فسبح فلم يرجع (^١)، وقام إلى الخامسة فسبح به فرجع وسجد للسهو (^٢)، ولأن القعدة الأخيرة فرض، والقيام إلى الخامسة بدعة، وما دون الركعة محل الرفض؛ لأنه ليس حكم الصلاة؛ ولهذا لا يحنث به في يمينه لا يصلي فريضة لإصلاح صلاته، ولأنه لما أمر بالرجوع في المسألة الثانية - وهو ما إذا قعد في الرابعة، ثم قام إلى الخامسة ساهيًا؛ يرجع إلى القعدة لأجل الواجب؛ وهو إصابة لفظ السلام، فلأن يرجع لأجل الفرض كان أولى. كذا في المحيط (^٣).
(إلى شيء وهو القعدة محله)؛ أي: محل ذلك.
(قبله)؛ أي: قبل القيام، وفي بعض النسخ: قبلها؛ أي: قبل الخامسة آخر واجبًا.
في المحيط: هو إصابة لفظ السلام (^٤)، وكذا في شرح المجمع (^٥).
وفي الكافي: أراد بالواجب الواجب القطعي وهو الفرض؛ يعني القعدة الأخيرة، لأن يتأخر الفرض يجب السهو (^٦).
قوله: (وإن قيد الخامسة بسجدة؛ بطل فرضه)؛ لأنه انتقل إلى النفل قبل
_________________
(١) يشير المصنف إلى ما رواه رواه أبو داود (١/ ٢٧٣، رقم ١٠٣٧) والترمذي (١/ ٤٧١ - ٤٧٤، رقم ٣٦٤، ٣٦٥) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ وقال: حسن صحيح.
(٢) يشير المصنف إلى ما رواه البخاري (١/ ٨٩، رقم ٤٠٤) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠٧).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠٨).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩٠)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٧)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٥١).
(٦) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١١١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٩).
[ ٢ / ١٥٧ ]
اسْتَحْكَمَ شُرُوعَهُ فِي النَّافِلَةِ قَبْلَ إِكْمَالِ أَرْكَانِ المَكْتُوبَةِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ خُرُوجُهُ عَنْ الفَرْضِ، وَهَذَا لِأَنَّ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ صَلَاةٌ حَقِيقَةٌ، حَتَّى يَحْنَثُ بِهَا فِي يَمِينِهِ لَا يُصَلِّي
إكمال الفرض؛ إذ الركعة بسجدة واحدة صلاة حقيقة وحكمًا، حتى يحنث في يمينه لا يصلي، خلافًا للشافعي؛ فإنه لا يبطل فرضه، [ويرجع] (^١) ويقعد، ويتشهد ويسلّم (^٢)،، وبه قال مالك (^٣)، وأحمد (^٤)؛ لما روي أنه ﵊ صلّى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: «وما ذلك؟» قالوا: صليت خمسا؟ فسجد سجدتين بعدها ثم سلم (^٥)، ثم لا يخلو إما إن كان قعد في الرابعة أم لا؟ فإن قعد؛ لم يضم إلى صلاته ركعة أخرى، وإن لم يقعد؛ لم يعد الصلاة؛ لأنه زاد في صلاته ما ليس بصلاة ساهيا، فلا تفسد صلاته، كما لو أتى بما دون الركعة.
وقلنا: إنه اشتغل بالنفل قبل إكمال الفرض، ومن ضرورة استحكام شروعه في النفل؛ خروجه عن الفرض، والشروع في النافلة قبل إكمال الفرض مفسد له، كما لو صلَّى ركعتين؛ بخلاف ما قيل تقييد الخامسة بالسجدة؛ لأن ما دون الركعة ليس له حكم الصلاة، بدليل مسألة اليمين.
وتأويل الحديث: أنه ﵊ قعد على الرابعة، بدليل أنه قال: صلى الظهر خمسا، والظهر اسم لجميع الأركان ومنها القعدة، وإنما قام إلى الخامسة على ظن أن هذه القعدة هي الأولى؛ حملا لفعله ﵊ على ما لو قرب إلى الصواب، وفرق بين العمد والسهو لا يصح؛ لأن ما هو المفسد يستوي فيه العمد والسهو، والشروع في النافلة على وجه
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ١٦٢)، والبيان للعمراني (٢/ ٣٣٢).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٠٦).
(٤) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٦٦٦)، والمغني لابن قدامة (٢/¬٢٥)، والمبدع لابن مفلح (١/ ٤٥٠).
(٥) أخرجه البخاري (٩) ٨٧، رقم (٧٢٤٩) من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٢ / ١٥٨ ]
(وَتَحَوَّلَتْ صَلَاتُهُ نَفْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (*) عَلَى مَا مَرَّ (فَيَضُمُّ إِلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةَ وَلَوْ لَمْ يَضُمَّ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ، ثُمَّ إِنَّمَا يَبْطُلُ
الاستحكام قبل إتمام الفرض مفسد فلا يتوقف إلى العمد. كذا في المبسوطين (^١).
قوله: وما ذاك؛ ليس في الروايات المشهورة، ولئن كان ذلك حين أباح الكلام في الصلاة.
قوله: (وتحولت صلاته نفلا عندهما)، وذكر التمرتاشي: أن ترك القعدتين على الركعتين في التطوع؛ لا يفسد الصلاة عندهما.
وهل يسجد للسهو عندهما؟ اختلفوا فيه، والأصح: أنه لا يسجد؛ لأن النقصان الفساد لا يجبر بالسهو على ما مرَّ في باب قضاء الفوائت؛ وهو أنه إذا فسدت الفرضية تبطل أصل الصلاة عنده، خلافًا [لهما] (^٢).
(ركعة سادسة)؛ لأن النفل شرع شفعًا لا وترا؛ للنهي عن البتيراء؛ لأنه مظنون، والمظنون غير مضمون عندنا خلافًا لزفر، وقد مر.
ولكن لو اقتدى به إنسان فيهما، ثم قطعهما المقتدي؛ يلزمه قضاء ست ركعات عندهما، ولا يلزمه شيء عند محمد.
وعند محمد: يرفعه.
وفي جامع فخر الإسلام، والكافي: المختار للفتوى: قول محمد، بنى عند محمد؛ لأن عنده تتم السجدة بالرفع، والرفع وجد مع الحدث فلا يعتبر، فبطلت السجدة في نفسها، فصار كأن لم يسجد، ولو لم يسجد؛ يتوضأ ويبني بالاتفاق، وعند أبي يوسف: فسد فرضه بالوضع، فلا يمكنه البناء. كذا في جامع الكردري (^٣).
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٢٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٩).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢١)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١١١)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٦٨).
[ ٢ / ١٥٩ ]
فَرْضُهُ بِوَضْعِ الجَبْهَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ سُجُودٌ كَامِلٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِرَفْعِهِ (*)، لِأَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ، وَهُوَ الرَّفْعُ، وَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الحَدَثِ، وَثَمَرَةُ الخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إِذَا سَبَقَهُ الحَدَثُ فِي السُّجُودِ، بَنَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
(وَلَوْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يُسَلِّمْ، عَادَ إِلَى القَعْدَةِ مَا لَمْ يَسْجُدْ لِلْخَامِسَةِ وَسَلَّمَ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي حَالَةِ القِيَامِ غَيْرُ مَشْرُوعِ، وَأَمْكَنَهُ الإِقَامَةُ عَلَى وَجْهِهِ
قال فخر الإسلام وقول محمد أقيس ووافق؛ لأن السجود لو تم قبل الرفع وجعل دوامه كتكراره؛ لم ينقضه الحدث يعني بالاتفاق، فإن الحدث ينقض كل ركن وجد فيه حتى لو توضأ وبنى؛ يجب إعادة ذلك الجزء الذي فيه الحدث، ولو تم؛ لما احتيج إلى إعادته، كما لو وجد الحدث بعد الرفع (^١).
قيل: فوقها، وهي كلمة استعجاب؛ لما بلغ قول محمد أبا يوسف فقال: زه صلاة فسدت يصلحها الحدث.
وفي الفوائد الظهيرية: (زه) بزاي مكسورة، منقوطة من فوقها، وهي كلمة استعجاب، إلا أنها هاهنا استعجاب بطريق التهكم، وإنما قال أبو يوسف هذا؛ لغيظ لحقه من محمد؛ وهو أنه روي أن محمدًا مرَّ بمسجد خراب قد رئيت فيه الدواب، وبالت فيه الكلاب فقال: هذا مسجد أبي يوسف؛ لأن مثل هذا يبقى مسجدًا إلى يوم القيامة عنده؛ لكون الوقت تحريرًا عنده، وعند محمد: يعود إلى ملك الواقف أو إلى ورثته بعد وفاته (^٢). قال الإمام قاضي خان: يقطع في صلاة الفجر، سواء قعد على رأس الثانية أو لا؛ لأن التنفل بعد الفجر مكروه (^٣).
قوله: (ولو قعد في الرابعة ثم قام ولم يسلم عاد إليها ما لم يسجد للخامسة)؛ لأنه ﵊ قام إلى الخامسة فسبح به، فعاد وسلم وسجد للسهو؛ إذ السلام في حالة القيام غير مشروع في الصلاة المطلقة.
(على وجهه)؛ أي: على وجه المشروع؛ وهو أن يسلم قاعدًا، ومع ذلك
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥١١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢١).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٠).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٧٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٦).
[ ٢ / ١٦٠ ]
بِالقُعُودِ، لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ.
(وَإِنْ قَيَّدَ الخَامِسَةَ بِالسَّجْدَةِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ، ضَمَّ إِلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى، وَتَمَّ فَرْضُهُ) لِأَنَّ البَاقِيَ إِصَابَةُ لَفْظَةِ السَّلَامِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإِنَّمَا يَضُمُّ إِلَيْهَا أُخْرَى لِتَصِيرَ الرَّكْعَتَانِ نَفْلًا، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الوَاحِدَةَ لَا تُجْزِئُهُ لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ «البتيراء»،
لو سلم قائما لا تفسد صلاته، ثم إذا عاد لا يعيد التشهد، وكذا لو قام عامدًا.
وقال الناطفي: يعيد، ثم قيل القوم يتبعونه، فإن عاد عادوا معه، وإن مضى في النافلة اتبعوه؛ لأن صلاتهم تمت بالقعدة، والصحيح: ما ذكره البلخي عن أصحابنا وعلمائنا أنهم لا يتبعونه؛ لأنه اتباع في البدعة، لكن ينتظرونه قعودًا، فإن عاد قبل أن يقيد الخامسة بالسجدة اتبعوه بالسلام، فإن قيد سلموا في الحال. كذا ذكره صاحب المحيط، والتمرتاشي (^١).
قوله: (بمحل الرفض)؛ كما لو أقام المؤذن وهو في الركعة الأولى ولم يقيدها بالسجدة؛ فإنه يرفضها.
قوله: (ضم إليها)؛ هذا لفظ الجامع الصغير (^٢)، ولم يذكر على معنى التخيير أو الاستحباب أو الإيجاب.
وفي المبسوط ما يدل على الوجوب، فإنه قال عليه أن يضيف، وكلمة على للإيجاب وإنما وجب الضم؛ للنهي عن التنفل بركعة واحدة (^٣).
وعند الشافعي: لا يضم؛ لأن الركعة الواحدة مشروعة عنده (^٤).
(البتراء): تأنيث الأبتر، والبتيراء تصغيره.
فإن قيل: النهي يدل على المشروعية عندكم كما عرف في الأصول.
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠٧)، والبحر الرائق لابن نجيم الحنفي (٢/ ١١٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٢)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٧).
(٢) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٧٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٧٤).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٦٥).
[ ٢ / ١٦١ ]
ثُمَّ لَا تَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ، وهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ المُوَاظَبَةَ عَلَيْهَا بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ
قلنا: النهي يذكر ويراد به النفي والنسخ، والمراد به هاهنا: النسخ؛ بدليل قول ابن مسعود: ما أخرت ركعة قط (^١). كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
وفي جامع الكردري: وكل جواب عرفته في الظهر فكذا في العصر والعشاء، إلا أنه لا يضيف أخرى بعد العصر؛ لكراهة النفل بعده (^٢).
وفي جمع النوازل: ولا سهو عليه؛ لفوات موضعه.
وعن محمد: يضيف السادسة في العصر؛ لأنه وقع فيه لا عن قصد، فلا يكره، كمن صلى ركعة من النفل ثم طلع الفجر (^٣).
قال الصدر الشهيد: الفتوى على قول محمد (^٤)، ولو اصفرت الشمس وعليه سهو لا يسجد، ولو طلع عليه الفجر يسجد؛ لأنه وجب بإيجاب الشرع فيجوز بعد طلوع الفجر.
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن قول بعض المشايخ: إنهما ينوبان عن سنة الظهر؛ لأنه أتى بالركعتين في موضع السنة فينوبان عنهما، كما لو صلى آخر الليل ركعتين بنية التطوع على ظن أن الفجر لم يطلع، ثم ظهر أنه طلع عند افتتاحهما، فظاهر الجواب أنهما يجزيان عن ركعتي الفجر. ذكره الحلواني (^٥).
وفي جامع الإسبيجابي: وهو الأصح (^٦).
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٨٣، رقم ٩٤٢٢) بلفظ: ما أجزأت، وهو الأولى، وذكر هذا الأثر في كثير من كتب المذهب الحنفي كما ذكره المصنف ووجهه أن هذا مذهب ابن مسعود ﵁ أنه لم يكن يرى الوتر بالركعة الواحدة، ووجه القدوري ذلك في التجريد (٢/ ٨٠٤) بأن الصحابي لا ينكر على غيره ما يسوغ فيه الاجتهاد، ولأنه قدر لا يجوز الاقتصار عليه في الفرائض، فلا يجوز الاقتصار عليه في النفل كما دون الركعة، ولأن الاقتصار لو جاز على ركعة لتنصف ضعفها في السفر، كالركعتين.
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٢).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٢).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٢).
(٥) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٥١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٣)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٧٠).
(٦) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٥٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٥٢)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٧٠).
[ ٢ / ١٦٢ ]
(وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ اسْتِحْسَانًا) لِتَمَكَّنِ النُّقْصَانِ فِي الفَرْضِ بِالخُرُوجِ لَا عَلَى الوَجْهِ المَسْنُونِ. وَفِي النَّفْلِ بِالدُّخُولِ لَا عَلَى الوَجْهِ المَسْنُونِ، وَلَوْ قَطَعَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ
وقيل: هو قولهما.
وقال أبو عبد الله الْخَيْزَاخَزِيُّ، وشمس الأئمة، وفخر الإسلام، وقاضي خان لا ينوبان، وهو الأصح؛ لأن السنة تثبت بالمواظبة، والمواظبة عليها بتحريمة مبتدأة (^١).
وقيل: هو قول أبي حنيفة استحسانًا، والقياس: أنه لا يلزمه السهو؛ لأن هذا سهو وقع في الفرض، وقد انتقل عنه إلى النفل، ومن سها في صلاته لا يجب عليه أن يسجد في صلاة أخرى.
وفي الاستحسان يسجد؛ لأنه وإن انتفل من الفرض إلى النفل لكن النفل بني على التحريمة الأولى، فيجعل في حق وجوب السهو كأنهما صلاة واحدة، وهذا كمن صلى ست ركعات تطوعًا بتسليمة واحدة وسها في الشفع الأول؛ سجد للسهو في آخر الصلاة، وإن كان كل شفع صلاة على حدة، لكن كلها في حق التحريمة صلاة واحدة.
أما عند محمد: لتمكن النقصان في الفرض بترك السلام، وأما عند أبي يوسف: وجوبه لنقصان تمكن في النفل وهو دخوله فيه لا على الوجه المسنون؛ إذ المسنون: الشروع بالتكبير؛ بل هو واجب فبترك الواجب يجب السهو، فكان على قياس قوله واجبًا قياسًا واستحسانًا. كذا في المحيط (^٢).
فكان قول المصنف: (بالخروج لا على الوجه المسنون) قول محمد.
وفي النفل بالدخول إلى آخره قول أبي يوسف، وقد قدم قول محمد على قول أبي يوسف؛ لأنه المختار والمعتمد في الفتوى، ذكره فخر الإسلام في جامعه (^٣)؛ لأن من قام من الفرض إلى النفل من غير تسليم ولا تكبير عمدًا؛ لا
_________________
(١) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٥٣).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٠٨).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥١٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٤).
[ ٢ / ١٦٣ ]
القَضَاءُ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ، وَلَوِ اقْتَدَى بِهِ إِنْسَانُ فِيهِمَا يُصَلِّي سِرًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ المُؤَدَّى بِهَذِهِ التَّحْرِيمَةِ، وَعِنْدَهُمَا: رَكْعَتَيْنِ (*)، لِأَنَّهُ اسْتَحْكَمَ خُرُوجُهُ عَنِ الفَرْضِ، وَلَوْ أَفْسَدَهُ المُقْتَدِي، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِالإِمَامِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ (**)، لِأَنَّ السُّقُوطَ بِعَارِضِ يَخُصُّ الإِمَامَ.
يعد ذلك نقصانا في النفل؛ لأنه أحد وجهي الشروع في النفل، وإنما هو نقص في الفرض لا يلزمه القضاء.
وقال زفر: يلزمه؛ لأن المظنون مضمون عنده، وقد مر من قبل.
(ولو أفسده)؛ أي: أفسد ما شرع فيه وهو الركعتان.
قوله: (اعتبارًا بالإمام)؛ لأنه لو صار مضمونًا على المقتدي لصار كاقتداء المفترض على المتنفل، وأنه باطل. كذا في جامع فخر الإسلام، وقاضي خان (^١)، وعند أبي يوسف، وينبغي أن يقول: وعند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ بدليل ما تقدم في قوله: (وعندهما: ركعتين).
وفي جامع قاضي خان، والكردري: وعندهما يقتضي ركعتين (^٢).
(لأن السقوط)؛ أي: سقوط القضاء عن الإمام يعارض وهو ظنه الركعة الثالثة، مع أن مقتضى الوجوب ثابت في حقه وهو الشروع، فمن كان أهلًا لتوجه الخطاب نحوه بالنهي عن الإبطال، ومتى قام المقتضى في حق الإمام يجب إظهار حكمه في حق المقتدي، وإن لم يظهر حكمه في حق الإمام بعارض يخصه وهو ظنه، ويجعل هذا العارض معدومًا في حق المقتدي؛ إذ ظنه لا يعد وغيره، فكان بناء المضمون على المضمون في حقه.
ونظيره ما ذكره شمس الأئمة في مبسوطه في باب التيمم: أن المتوضئ إذا اقتدى بالمتيمم، ثم أبصر الماء بقرب الإمام والإمام لا يعلم به؛ فسدت صلاة المقتدي دون صلاة الإمام؛ لقيام المقتضي لفساد صلاة الإمام، وهو كون الماء.
_________________
(١) (*) محمد. (**) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٤).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٥)، والجوهرة النيرة لأبي بكر الزبيدي (١/ ٧٨).
[ ٢ / ١٦٤ ]
قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَسَهَا فِيهِمَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أُخْرَيَيْنِ لَمْ يَبْنِ) لِأَنَّ السُّجُودَ يَبْطُلُ لِوُقُوعِهِ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ المُسَافِرِ إِذَا سَجَدَ السَّهْوَ ثُمَّ نَوَى الإِقَامَةَ، حَيْثُ يَبْنِي، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْنِ يُبْطِلُ جَمِيعَ الصَّلَاةِ،
على قرب منه، ولم يظهر في حق الإمام بعارض وهو جهله بمكان الماء، وظهر في حق المقتدي عملا بالمقتضى بقدر الإمكان (^١).
وكذا لا يجوز اقتداء الصحيح بالجريح الذي لا يرقأ جرحه، إلا أنه لم يظهر حكم الناقض في حق الإمام، وظهر في حق المقتدي؛ بخلاف ما لو اقتدى بصبي؛ حيث لا يجوز اقتداؤه به عنده؛ لانعدام ما ذكرنا من المقتضى في حق الإمام؛ لانعدام توجه الخطاب نحوه بالنهي عن إبطال العمل. كذا في الفوائد الظهيرية (^٢).
ثم فرق أبو يوسف بين هذا الفصل وبين الفصل الأول؛ وهو ما إذا لم يقعد في الرابعة، فإنه قال هناك: يقضي ست ركعات.
وفرقه: أنه لما قعد في الرابعة تَمَّ فرضه وصار شارعا في النفل، ومن ضرورته خروجه عن الفرض، فإذا اقتدى به إنسان فإنما التزم ركعتين لا غير، فلا يلزمه بالإفساد إلا قضاء ركعتين.
وهناك لم يتم فرضه حتى يصير شارعًا في النفل ويخرج عن الفرض ضرورة؛ بل بطلت الفريضة بترك القعدة، وصارت كلها نفلا، وانعقد إحرامه ابتداء كست ركعات.
فإذا اقتدى به إنسان في تحريمة انعقدت للست يصير ملتزمًا لست بالاقتداء؛ فيلزمه بالإفساد قضاء الست. إليه أشار في المحيط (^٣)؛ لأن السجود يبطل، يعني على تقدير البناء تقع سجدة السهو في وسط الصلاة وهو غير مشروع.
قوله: (بخلاف المسافر): إنما ذكر نية الإقامة بعد سجدة السهو، فإنه لو نوى الإقامة بعد السلام لأجل السهو قبل السجدة؛ لا تصح نيته عندهما خلافًا
_________________
(١) المبسوط للسَّرَخْسِي (١/ ١٢٠).
(٢) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ٨٨)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٤٠).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥١١).
[ ٢ / ١٦٥ ]
وَمَعَ هَذَا لَوْ أَدَّى صَحَّ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ ويَبْطُل سجود السهو، وهو الصحيح.
لمحمد، وهي المسألة التي تلي هذه المسألة، ثم هاهنا تصح نية الإقامة، وإن وقع سجود السهو في وسط الصلاة بخلاف بناء المتطوع؛ لأنه لزمه أربع ركعات حكمًا لنية الإمامة، وفي تركها فساد جميع المأتي به، وفي الاشتغال بها نقض السجود، وهذا أدنى فكان أولى.
وأما هاهنا فالركعتان بتحريمتين مستقبلية، وليس في الجمع إلا إحراز فضيلة الدوام، وفيه نقض الواجب، والاحتراز عن نقض الواجب؛ أولى من إحراز غير الواجب. كذا في الفوائد الظهيرية (^١).
وفي المبسوط: وحقيقة الفرق: أن السلام مُحَلّل، ثم بالعود إلى سجود السهو يعود إلى حرمة الصلاة للضرورة، وهذه الضرورة فيما يرجع إلى إكمال تلك الصلاة لا في صلاة أخرى (^٢).
ونية الإقامة عملها في وجوب كمال تلك الصلاة، فظهر عود الحرمة في حقها، فأما كل شفع من التطوع فصلاة على حدة، ولم تعد الحرمة في حق صلاة أخرى؛ فلهذا لا يمكنه أن يبني عليها ركعتين، وهذا التعليل يشير إلى أنه لو بنى عليها ركعتين لا يصح، فكان مخالفا لقوله في الكتاب.
(ومع هذا)؛ أي: مع كونه لم يبن لو أدى صح لبقاء التحريمة، ولكن شيخ الإسلام والإمام المرغيناني ذكرا ما يوافق رواية الكتاب؛ فقالا: وإن بني على ذلك ينبغي أن يعيد سجدتي السهو؛ لأنه لما بنى حصلت السجدتان في وسط الصلاة، فلا يعتد بهما، فكان عليه الإعادة (^٣).
وفي جامع البرهاني: اختلف المشايخ فيه، والمختار: أنه يعيد؛ لما ذكرنا (^٤).
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥١٤)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٨٩)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١١٤).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٣٣).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥١٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٥).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥١٩).
[ ٢ / ١٦٦ ]
(وَمَنْ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَجْدَنَا السَّهْوِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ سَجَدَ الإِمَامُ كَانَ دَاخِلًا وَإِلَّا فَلَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ دَاخِلٌ سَجَدَ الإِمَامُ أَوْ لَمْ يَسْجُدُ (*)، لِأَنَّ عِنْدَهُ سَلَامُ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ لَا
وعن الفقيه أبي جعفر: أنه يجوز أن يبني ولا يعيد السجدة ثانيا؛ لأن الجبر قد حصل.
قوله: (ومن سلم …) إلى آخره: الأصل في هذه المسألة: أن سلام من عليه السهو لا يخرجه عن الصلاة عند محمد وزفر، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يخرجه خروجًا موقوفًا، إن عاد إلى سجود السهو تيين أنه لم يخرجه، وإن لم يعد تبين أنه أخرجه.
احتج محمد وزفر: بأنه سلم وقد بقي عليه شيء، والسجدة شرعت لجبر النقصان، وذا لا يكون إلا ببقاء التحريمة، وهما يقولان: السلام محلل في الأصل، قال ﵊: «تحليلها التسليم» (^١)، فإذا كان محللا يبقى التحريم الذي يضاده؛ فلذلك لم يبطل عمله إلا للحاجة والضرورة.
والضرورة عند أداء السجدة لا عند عدمها، فيتوقف عمله في الحال ثم لما لم يسجد لم توجد الحاجة فعمل المحلل عمله من وقت وجوده، وهو معنى قوله: فلا يظهر دونها؛ أي: دون الحاجة.
فإن قيل: ينبغي أن لا يصح الاقتداء وإن عاد إلى السجدة؛ لأن بقاء التحريمة عندهما لضرورة حاجتهم إلى السجدة، والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، فلا يظهر في غير ذلك.
قلنا: هذه معارضة في موضع الإجماع؛ لأنه جاز الاقتداء بعد العود إجماعًا، وكذا انتقاض الطهارة بعد العود؛ دليل كون السجدة مطلقة لا ضرورة، وفيه تأمل.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) رواه أبو داود (١٦، رقم ٦١) والترمذي (١/ ٥٤، رقم (٣) من حديث علي ﵁، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٢) ٨ - ٩، رقم ٣٠١).
[ ٢ / ١٦٧ ]
يُخْرِجُهُ عَنْ الصَّلَاةِ أَصْلًا، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ جَبْرًا لِلنُّقْصَانِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي إِحْرَامِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَهُمَا: يُخْرِجُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُفِ، لِأَنَّهُ مُحَلِّلٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَعْمَلُ لِحَاجَتِهِ إِلَى أَدَاءِ السَّجْدَةِ فَلَا يَظْهَرُ دُونَهَا، وَلَا حَاجَةَ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ العَوْدِ، وَيَظْهَرُ الاخْتِلَافُ فِي هَذَا وَفِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِالقَهْقَهَةِ وَتَغَيُّرِ الفَرْضِ بِنِيَّةِ الإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ.
أو نقول: سلمنا أن بقاء التحريمة بطريق الضرورة؛ وهو تمكنه من السجود، فيظهر عود التحريمة فيما هو من ضرورات عود التحريمة، وصحة الاقتداء من ضرورات عود التحريمة، وهذا كالحرة تحت عبد، لو قالت لمولاه: أعتق عبدك عني بألف فأعتقه؛ يعتق العبد على المرأة، وينقلب الملك لها فيه اقتضاء، ثم يفسد النكاح ويثبت الولاء لها؛ لأن فساد النكاح من لوازم الملك، وثبوت الولاء لها من لوازم العتق، والشيء متى يثبت بلوازمه، ثم إذا سجد الإمام حتى صار الرجل داخلا في صلاته.
فلو سجد مع الإمام ثم قام يقضي ما عليه؛ لم يكن عليه أن يعيد السهو، وإن كان ذلك السهو في وسط الصلاة؛ لأن هذا آخر صلاته حكمًا؛ لأنه آخر صلاة الإمام حقيقة، فيكون آخر صلاته حكمًا تحقيقا للمتابعة، فإن سها الرجل فيما يقضي؛ فعليه أن يسجد للسهو، وسجود الأول مع الإمام لا يجزئه عن سهوه؛ لأن المسبوق فيما يقضي منفرد فالسجود مع الإمام لا ينفع المنفرد عن السهو في صلاته كذا في شرح الطحاوي (^١).
قوله: (وَتَغَيَّرِ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ الإِقَامَةِ)؛ يعني: المسافر إذا نوى الإقامة في هذه الحالة قبل سجود السهو؛ فعنده يتغير فرضه، وعندهما لا يتغير فرضه سواء سجد للسهو أو لا؛ لأنه لو يتغير بالسجود لصحت نيته قبل السجود، ولو صحت لوقعت السجدة في وسط الصلاة ولا يعتد بها، فصار كأنه لم يسجد أصلا، فلو صحت لصحت بلا سجود.
ولا وجه له عندهما؛ لأنه يحصل بعد الخروج فلا يتغير فرضه، وكذلك
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥١٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٧).
[ ٢ / ١٦٨ ]
(وَمَنْ سَلَّمَ يُرِيدُ بِهِ قَطْعَ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ سَهْوٌ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ لِسَهْوِهِ) لِأَنَّ هَذَا السَّلَامَ غَيْرُ قَاطِعٍ، وَنِيَّتُهُ تَغْيِيرُ المَشْرُوعِ فَلَغَتْ.
تظهر ثمرة الاختلاف فيمن اقتدى به بنية التطوع، ثم تكلم هذا المقتدي قبل أن يسجد الإمام للسهو؛ لا قضاء على المقتدي، وإن عاد الإمام إلى سجود السهو قبل ضمه.
وعند محمد: يلزمه ما بنى. كذا في جامع قاضي خان (^١).
قوله: (ومن سلم يريد القطع) إلى آخره؛ هذا استبراء تناقضا لحكم المسألة المتقدمة على قولهما؛ لأنه لما ثبت الخروج عن حرمة الصلاة بالسلام بدون نية القطع فبنية القطع أولى.
وهاهنا لم يكن السلام قاطعًا، فما وجه الجمع بينهما؟
قلنا: سلام من عليه السهو يخرجه عن حرمة الصلاة بالسجود للسهو؛ ما لم يأت بشيء مناف للصلاة، وتلك الفرضية والصلاحية لا ترتفع بالنية ولا بدون النية، وهي المغنية من التوقف.
ثم ذكر في المسألة الأولى الخروج عن حرمة الصلاة عند عدم نية القطع، وذكرها هنا أيضًا انعدام ارتفاع فرضية العود، وصلاحيته عند وجود القطع، فكان فيهما جميعًا ذكر عدم ارتفاع فرضية العود، وصلاحيته إلى حرمة الصلاة بالسجود، فكأنهما متفقان معنى.
يؤيد هذا ما ذكر في المحيط: وتبطل نية القطع عندهم جميعًا، أما عند محمد؛ فلأن هذا لم يشرع محللا، فلا يصير محللا بقصده؛ إذ ليس إلى العبد تغير المشروع. وأما عندهما هذا السلام اعتبر محللا على سبيل التوقف، فمتى قصد أن يجعلهما محللا على سبيل الثبات؛ بحيث لو أتى بالسجود لا يعود إلى حرمة الصلاة؛ فقد قصد بغير المشروع، فيرد عليه قصده (^٢).
وقد ذكر في أنه يسجد للسهو مطلقا، ولكن شرط في الأصل شرطًا زائدا؛ فقال: إذا سلم وهو لا يريد أن يسجد للسهو؛ لم يكن تسليمه ذلك
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٨).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥١٣).
[ ٢ / ١٦٩ ]
(وَمَنْ شَكٍّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا عَرَضَ لَهُ
قطعًا، حتى لو بدا له أن يسجد للسهو وهو في مجلسه ذلك، قبل أن يقوم وقبل أن يتكلم؛ فإنه يسجد للسهو (^١)، فكان هذا إشارة إلى أنه متى قام عن مجلسه فاستدبر القبلة؛ لا يأتي بسجود السهو وإن لم يخرج عن المسجد.
وذكر بعد هذه المسألة في الأصل: أنه يأتي بهما قبل أن يتكلم ويخرج من المسجد (^٢)، وإن مشى وانحرف عن القبلة، وبه قال مشايخنا، ونيته تغيير المشروع فكفت.
فإن قيل: نيته الشرك يصير مشركًا من ساعته، وإن كانت نيته مغيرة لا شرع المشروعات.
قلنا: النية بوصف التجرد لا تأثير لها في إبطال ما يتوقف تحققه على النية وعمل الجوارح، والصلاة بهذه المثابة، بخلاف الإيمان؛ فإنه لا يفتقر إلى عمل الجوارح على اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي ﵀؛ فإن عنده التصديق بالجنان يكفي لذلك، ولكن بقي فيه نوع إشكال؛ وهو أن النية هاهنا لم توجد مجردة من عمل الجوارح؛ لاقترانها بالتسليم الذي هو تحليل، لا سيما على قولهما؛ بل الجواب: أن النية المقرونة بالعمل إنما تعمل؛ إذا لم يكن ذلك المقرون به النية مستحقا عليه زمان اقترانها به، والسلام زمان اقتران النية مستحق عليه؛ لأنه يجب عليه أن يسلم حتى يتمكن من سجود السهو، فلا يعمل إن كانت النية مجردة عن العمل على هذا التقدير. كذا في الفوائد الظهيرية (^٣).
قوله: (أول ما عرض له): اختلف المشايخ فيه؛ قال الفضيلي: أول ما سها في هذه الصلاة، وقال أكثر المشايخ: أول ما سها في عمره. كذا في فتاوى الظهيرية (^٤).
_________________
(١) الأصل لمحمد بن الحسن (١/ ٢٣٢).
(٢) الأصل لمحمد بن الحسن (١/ ٢٣٢).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٢٩).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٥١٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٠)، وفتاوى قاضي خان (١/ ٥٨).
[ ٢ / ١٧٠ ]
اسْتَأْنَفَ) لِقَوْلِهِ ﵊:
وفي المبسوط: المراد أن السهو ليس بعادة له، لا أنه لم يَسْهُ في عمره (^١).
(استأنف)؛ أي: الصلاة للحديث المذكور، ولأن بالاستقبال يخرج عن العهدة بيقين، كما لو شك في أصل الصلاة أنه صلى أو لم يصل وهو في الوقت، وكما لو ترك صلاة واحدة من يوم وليلة ولا يدري أي صلاة هي؛ فإنه يصلي خمسا حتى يخرج عن العهدة بيقين، وإن كان يعرض له كثيرًا -أي غالب أحواله - ذلك؛ فكلما أعاد شك. كذا قاله الكرخي (^٢).
وقال شيخ الإسلام: معناه أن يسهو في صلاة واحدة مرتين (^٣).
وقيل: مرتين في عمره.
وقيل: مرتين في سنة.
التحري: طلب أحرى الأمرين وهو أولاهما ينقل منه.
وقال الشافعي (^٤)، ومالك (^٥): يبني على الأقل ولا يستقبل في هذه الأحوال كلها، وبه قال مالك وأحمد في المنفرد.
وعن أحمد ﵁ في الإمام روايتان:
أحدهما: أن يبني على الأقل.
والثانيه: أنه يبني على غالب الظن ويسجد للسهو (^٦).
احتج الشافعي بما روى أبو سعيد الخدري ﵁، أنه ﵊
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣١).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣١).
(٤) انظر: المنهاج القويم للهيتمي (ص) (١٣١)، والمقدمة الحضرمية لأبي بكر بافضل (ص ٨٤).
(٥) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٤٠١)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٨٠)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٢٩٣).
(٦) انظر: المبدع لابن مفلح (١/ ٤٦٩)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ١٤٦، ١٤٧)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٦٩١).
[ ٢ / ١٧١ ]
«إِذَا شَكَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْتَقْبِل الصَّلَاةَ» (وَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ كَثِيرًا بَنَى عَلَى أَكْبَرِ رَأْيِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ شَكٍّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ» (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ بَنَى عَلَى اليَقِينِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ شَكٍّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا … … ..
قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر ثلاثًا صلّى أم أربعًا فليُلْقِ الشك وليبن على اليقين» (^١)، فقد أمرنا بالبناء على اليقين ولم يفصل، والمعنى: أن هذا سهو لو تكرر منه لم يوجب الاستقبال؛ فكذا إذا وجد أول مرة، ولأن الإجماع في هذه المسألة يبني على اليقين.
أما عندكم فيستأنف؛ لأن فيه خروج بيقين، فالبناء على الأقل أولى؛ لأن فيه صيانة الصلاة عن القطع، وفي الاستقبال قطع، والصلاة تصان عن القطع ما أمكن مع أن فيه إبطال العمل.
ولنا: الحديث المذكور في الكتاب، والمعنى فيه: أنه قدر على إسقاط ما عليه بيقين بلا مشقة؛ فلزمه ذلك قياسًا على ما ذكرنا من المسألتين.
وإنما قلنا: أنه قدر على إسقاط ما عليه بيقين؛ لأنه متى استقبل يتحقق الإسقاط يقينا، ومتى بنى على الأقل لا يصير خارجًا عما عليه بيقين؛ لأنا نفرض الكلام فيما إذا شك أنه صلى أربعًا أو خمسًا أو كم صلى، فلو قلنا بأنه يبني على الأقل لا يخرج عما عليه بيقين؛ لاحتمال أنه صلى خمسا، وبترك القعدة الأخيرة والاستئناف يخرجه بيقين وهو قادر عليه بلا مشقة؛ لأنه لم يعتد هذا، فالظاهر: أنه إذا استقبل لا يقع له هذا الشك في المرة الثانية، وكان القياس فيما تكرر منه السهو أن يستقبل ولا يتحرى حتى يخرج عما عليه بيقين، إلا أنا لو أمرناه بالاستقبال يقع له هذا الشك في الاستقبال؛ لأن الشك صار عادة له، فيتعذر عليه المضي في الصلاة؛ فلهذا يتحرى ويسقط عنه الاستقبال.
وحديث ابن مسعود محمول على ما إذا تكرر منه؛ بدليل ما روينا، نفيًا للتناقض وجمعا بين الأحاديث بقدر الإمكان.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٦٩، رقم ١٠٢٤) وهو بنحوه عند رواه مسلم (١/ ٤٠٠، رقم ٥٧١).
[ ٢ / ١٧٢ ]
بَنَى عَلَى الأَقَلِّ وَالِاسْتِقْبَالُ بِالسَّلَامِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ عُرِفَ مُحَلِّلًا دُونَ الكَلَامِ،
وأما قوله: فإن البناء على الأقل صيانة للصلاة عن القطع، ولكن مع وهم الفساد كما ذكرنا، وفي الاستقبال: يزول وهم الفساد فكان أولى.
وقوله: هذا سهو لو تكرر منه لم يوجب الاستقبال.
قلنا: القياس فيما يتكرر، واعتاد ذلك، لكن لو قلنا بأنه يستقبل ربما يعجز عن ذلك كما ذكرنا. كذا في المبسوطين (^١).
وقوله: مع أن فيه إبطال العمل؛ فيه إصلاح العمل بيقين، ففي الاستقبال: إصلاح لا إبطال، مع أن الإبطال يجوز للإكمال كما مر.
(بني على الأقل)؛ صورته: شك في ركعة وركعتين؛ بنى على ركعة، ولو شك في الثلاث والأربع؛ بنى على الثلاث ويتم صلاته على ذلك، وعليه أن يتشهد عقيب الركعة التي يقع شكه فيها؛ لأنها آخر صلاته احتياطا، ثم يقوم ويضيف إليه أخرى، ويتشهد ويسجد للسهو بعد السلام.
وفي الْمُجْتَبى: بنى على الأقل؛ أي: يأخذ بالأقل، لكن يقعد حتمًا في كل موضع توهم أنه آخر صلاته، وفي القعدة الأولى اختلاف المشايخ، حتى إن من شك في قيام ذوات الأربع أنها الثالثة أو الرابعة؛ يأتي بركعتين بقعدتين، ولو شك أنها الثانية أو الثالثة أو الرابعة؛ فثلاث ركعات بثلاث قعدات.
ولو شك أنها الأولى أم الثانية أم الثالثة أم الرابعة؛ فأربع ركعات بأربع قعدات، ولو شك في الخمس؛ يجلس بعد الركوع فيتشهد ثم يسجد سجدتين، ثم يتشهد، ثم ثلاث ركعات بثلاث قعدات، ولو كان الشك في الخمس بعد السجود فسدت، وكذا في الرابع والخامس إلا إذا ذكر أنه ترك سجدتين من ركعة وركوعًا (^٢).
ولو سلم المصلي عمدًا؛ قيل: تفسد، وقيل: لا حتى يقصد به خطاب آدمي.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٣).
[ ٢ / ١٧٣ ]
ومُجَرَّدُ النِّيَّةِ يَلْغُو، وَعِنْدَ البِنَاءِ عَلَى الأَقَلِّ يَقْعُدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَتَوَهَّمُ آخِرَ صَلَاتِهِ كَيْ لَا يَصِيرَ تَارِكًا فَرْضَ القَعْدَةِ.
ولو سلم في الفجر بعد ما سجد للسهو، ثم ذكر أن عليه سجدة صلبية من الركعات الأولى؛ فسدت، ومن الثانية لا تفسد؛ لأن الأولى وجدت دينا في الذمة، فلا ينوب السهو عنها إلا بالنية بخلاف الثانية.
وعند أبي يوسف: لا ينوب في الحالين.
والاستقبال بالسلام؛ أي: في صورة الاستقبال قطع صلاته بالسلام أولى.
لأنه؛ أي: السلام عرف محللا شرعًا لا الكلام.
(ومجرد النية)؛ أي: نفس النية لقطع الصلاة بلا اقتران السلام غير كافية؛ لما ذكرنا قبل هذا؛ أن النية بوصف التجرد لا تأثير لها في الشيء الذي يتوقف تحققه على النية وعلى عمل الجوارح، وقطع الصلاة من هذا القبيل، فلا يثبت بمجرد النية.