الأنبياء ﵈ يقبلون الهدايا، وعلى هذا المفتي في بلد أو قرية لا يحل له أن يأخذ على ذلك شيئًا، ولكن ينبغي للقوم أن يهدوه؛ لأنه يحسن إليهم بحراسة أمر دينهم فقابلوه بالإحسان.
وعند الشافعي لا يكره، ولكن يستحب أن يتطوع المؤذن فيه (^١).
تجيء مسألة الاستئجار على الأذان في الإيجار، والإمامة أفضل من الأذان عندنا وعند الشافعي في أصح قوليه؛ لمواظبة النبي ﵇ عليها، وكذا الخلفاء بعده، وفي قوله الآخر الأذان أفضل (^٢)، والله أعلم.
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ
قدم الطهارة على سائر الشروط لأنها أهم، ثم قدم الأسباب لأنها مع كونها أسبابًا شروط، ثم أعقبها بالأذان لأنه شرع لإعلامه، كما أن السبب شرع أمارة على الحكم.
وفي البدرية: حقيق على المسلم أن ينتبه بالوقت؛ فإن لم ينتبه به فلينتبه بالأذان.
ثم شرع في بيان باقي الشروط، ثم احترز بقوله: (تتقدمها) عن القعدة الأخيرة والتحريمة؛ فإنه اختلف في ركنيتهما، كذا ذكره شيخ الإسلام.
وعن ترتيب أفعال الصلاة فيما لم يشرع مكررًا؛ كترتيب الركوع على القراءة، والسجود على الركوع؛ فإنه شرط، حتى لو ترك الترتيب لا تجوز صلاته، وعن مراعاة المقتدي مقام الإمام، وعن عدم تذكر فائتة قبلها وهو صاحب ترتيب.
وعن عدم محاذاة المرأة؛ فإن هذه الأشياء شروط ولا يتقدمها، والأوجه أن يقال: هذا صفة مقررة لا مميزة.
وفي البدرية: هذا قيد قصدي لا اتفاقي لأن في هذا الباب ذكر الشروط
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (٦/ ٢٢٥)، والبيان للعمراني (٢/ ٨٩).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٦٢)، والمجموع للنووي (٣/ ٧٨).
[ ١ / ٥٥٣ ]
(يَجِبُ عَلَى المُصَلِّي أَنْ يُقَدِّمَ الطَّهَارَةَ مِنْ الأَحْدَاثِ وَالْأَنْجَاسِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
(وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أَيْ: مَا يُوَارِي عَوْرَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَقَالَ ﵊: «لَا صَلَاةَ لِحَائِضِ إِلَّا بِخِمَارٍ» أَيْ لِبَالِغَةِ
المتقدمة لا المتوسطة.
والشروط جمع شرط، والأشراط: جمع الشرط بفتح الراء، وهما العلامة، والمستعمل في لسان الفقهاء: الشروط، لا الأشراط.
وقيل: شرط الشيء ما يتوقف عليه وجود ذلك الشيء ولا يكون من أجزائه، على ما عرف في الأصول (^١).
قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] هذا من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل وهو الثوب، كذا ذكره عامة المشايخ.
وقال الشيخ العلامة ﵀: من قبيل إطلاق المسبب على السبب؛ لأن الثوب سبب الزينة ومحل الزينة الشخص.
وقيل: الزينة ما يتزين به من ثوب وغيره كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، فعلى هذا يصح ما ذكروه من التأويل.
وفي الكشاف: الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل، وإنما نهي عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر لم يحل إليها لئلا تشتهى تلك المواقع، فالنظر إلى المواقع أثبت في الحرمة (^٢).
وقيل: أراد موضع الزينة؛ لأن النظر إلى الزينة حلال بالإجماع.
وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] من قبيل إطلاق اسم المحل على الحال؛ فإن الستر لا يجب لعين المسجد بدليل جواز الطواف عريانا،
_________________
(١) انظر: أصول السرخسي (٢/ ٣٠٣).
(٢) تفسير الزمخشري الكشاف (٢/ ٣٠٣).
[ ١ / ٥٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيعلم من هذا أن ستره للصلاة لا لأجل الناس، حتى لو صلى وحده ولم يستر عورته لم تجز صلاته، وإن لم يكن عنده أحد.
فإن قيل: الآية وردت في الطواف - قاله ابن عباس -، لا في حق الصلاة، فكيف يجوز التمسك بها؟
قلنا: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهاهنا اللفظ عام؛ لأنه قال ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] فيمنع القصر على مسجد واحد وهو المسجد الحرام.
فإن قيل: لو وردت الآية في سبب يثبت الحكم فيما سواه على حسب ذلك المسبب وإن عم اللفظ هاهنا تناولت الطواف الذي وردت لأجله بطريق الوجوب لا الافتراض، حتى لو طاف عريانا يعتد به، فكان يجب أن يكون في حق الصلاة، كذلك قلنا الأمر يحمل على الافتراض، إلا إذا قام دليل على عدمه، وقد قام الدليل على عدم فرضية الستر في الطواف وهو الإجماع، ولا دليل في حق الصلاة فيبقى الأمر فرضا.
والسنة قامت محققة للفرضية؛ فإنه روي عن أم سلمة أنها سألت النبي ﵇ فقالت: هل تصلي المرأة بدرع وخمار إذا لم يكن عليها إزار؟ قال: «نعم إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها» (^١)، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
ثم المراد بالحائض البالغة، إطلاق لاسم السبب على المسبب، إذ الحيض أحد أسباب البلوغ، أو ذكر الملزوم وأراد به اللازم؛ فإن كل حائض بالغة، ولا ينعكس.
ثم عند مالك ستر العورة واجب للصلاة، وليس بشرط لصحتها، كذا في الحلية (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ١٧٣، رقم ٦٤٠)، والحاكم (١/ ٢٥٠، رقم ٩١٥). وصححه الحاكم، وقال ابن حجر: أخرجه أبو داود وصحح الأئمة وقفه. بلوغ المرام (٢٠٨).
(٢) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/ ٦١).
[ ١ / ٥٥٥ ]
(وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتِهِ» وَيُرْوَى «مَا دُونَ سُرَّتِهِ حَتَّى تُجَاوِزَ رُكْبَتَهُ» وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ السُّرَّةَ لَيْسَتْ مِنْ العَوْرَةِ، خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ (وَالرُّكْبَةُ مِنْ العَوْرَةِ).
وفي الْمُجْتَبى: عند مالك والليث سترها ليس بشرط، ولكن يعيد ما بقي الوقت، وإلا فلا (^١).
قوله: (ما تحت السرة)، وفي فتاوى الظهيرية: قال الفضلي: ما تحت السرة إلى نبات الشعر من العانة ليست بعورة؛ لتعامل العمال في الإبداء عنه عند الإبراز، وفي المنع عن العادة الظاهرة نوع حرج، وهو ضعيف إذ التعامل بخلاف النص لا يعتبر.
(وبهذا)، أي بقوله (ما دون سرته) خلافًا لما يقوله الشافعي، هذا على قول بعض أصحابه؛ فإن الصحيح عنده أن السرة والركبة ليستا بعورتين (^٢)، وبه قال مالك (^٣)، وأحمد في رواية (^٤).
وفي شرح الوجيز: عورة الرجل ما بين السرة والركبة على الصحيح، وفي وجه هما عورتان وفي وجه الركبة عورة دون السرة (^٥). وقال الإِصْطخري، وداود (^٦)، وأحمد في رواية: عورة الرجل القبل والدبر فقط.
وفي المبسوط: وقال أبو عصمة المروزي (^٧): السرة أحد حدي العورة كالركبة، بل أولى لأنها في معنى الاشتهاء فوق الركبة، فتكون عورة (^٨).
ولنا: ما روي عن ابن عمر ﵁: أنه كان إذا اتزر أبدى عن سرته، وقال
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١٧).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٠٩)، والبيان للعمراني (٢/ ١١٧).
(٣) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٣٨)، والذخيرة للقرافي (٢/ ١٠٢).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤١٣)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٤٩).
(٥) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٤/ ٨٣).
(٦) انظر: المحلى لابن حزم (٢/ ٢٤١)، وحلية العلماء للشاشي (٢/ ٦٢).
(٧) وهو سعد بن معاذ، كما في المبسوط.
(٨) المبسوط للسرخسي (١٠/ ١٤٦).
[ ١ / ٥٥٦ ]
خِلَافًا لَهُ أَيْضًا، وَكَلِمَةُ «إِلَى» نَحْمِلُهَا عَلَى كَلِمَةِ «مَعَ» عَمَلًا بِكَلِمَةِ «حَتَّى» أَوْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵊: «الرُّكْبَةُ مِنْ العَوْرَةِ».
(وَبَدَنُ الحُرَّةِ كُلِّهَا عَوْرَةٌ
أبو هريرة للحسن: أرني الموضع الذي كان يقبله النبي ﵇، فأبدى عن سرته، فقبله أبو هريرة. (^١)
قوله: (عملا بكلمة «حتى»)، يعني استعمل "إلى" بمعنى " مع " ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي مع أموالكم، فحمل على هذا دفعا للتناقض عن كلام صاحب الشرع.
وقال بعض المشايخ: قوله: إلى ركبته غاية للإسقاط؛ لأن قوله: (ما بين سرته) يتناول ما تحت السرة، فأخرج ما تحتها فبقيت الركبة تحت العورة (^٢).
وفي شرح المجمع والغاية قد تدخل، وقد لا تدخل، والموضع موضع الاحتياط فحكمنا بأنها عورة لتخرج بتغطيتها عن العهدة بيقين.
وفي البدرية، وجامع الكردري: الركبة مركبة من عظم الساق والفخذ فيكون المحرم مختلطا مع المبيح فيرجح المحرم.
ثم قال المصنف في التجنيس: الركبة إلى آخر الفخذ عضو واحد، حتى لو صلى والركبتان مكشوفتان تجوز صلاته، ومن المشايخ من قال إنهما عضو على حدة، والأول أصح؛ لأنها في الحقيقة ملتقى عظم الفخذ والساق، وإنما حرم النظر إليها لتعذر التستر بينها وبين الفخذ (^٣).
قوله: (وبدن الحرة كلها عورة)، وفي بعض النسخ: (كله)، وهما تأكيدان للبدن، إلا أنه لما أضيف إلى المؤنث جاز أن يعطى له حكم التأنيث، كما في قوله: ﴿لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]، وقوله ﵇: «المرأة عورة
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٥، رقم ٧٤٥٥)، وابن حبان (١٢/ ٤٠٥، رقم ٥٥٩٣). قال الهيثمي: رواه أحمد، والطبراني …، ورجالهما رجال الصحيح غير عمير بن إسحاق، وهو ثقة. مجمع الزوائد (٩/ ١٧٧).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٢٣).
(٣) التجنيس والمزيد (١/ ٤٠٢).
[ ١ / ٥٥٧ ]
إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «المَرْأَةُ عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ» وَاسْتِثْنَاءُ
مستورة (^١)، إخبار، ونحن نشاهدها غير مستورة، وقد عُصِم عن الكذب والخلف، فيحمل إخباره على معنى آخر للاحتراز عنها، وقد وجدنا الوجود ملازما للإخبار، ووجدنا الأمر والإيجاب داعيان إليه فحملناه على إيجاب الستر، أي يجب عليها الستر، واختار هذه الصيغة - والله أعلم - ليفيد زيادة تأكيد.
وفي الخبازية، والكاثي: معناه من حقها، أي: تستر، كما يقال: الله معبود، أي: من حقه أن يعبد لا لأجل الجنة والنار.
قوله: (إلا وجهها وكفيها)، إشارة إلى أن القدم وظهر الكف عورة، كذا في المستصفى (^٢).
واعترض أن استثناء الكف لا يدل على أن ظهر الكف عورة؛ لأن الكف لغة يتناول الظاهر والباطن، ولهذا يقال: ظهر الكف.
وأجيب بأن الكف عرفًا واستعمالا لا يتناول ظهره.
وفي مختلفات قاضي الغنى (^٣): ظاهر الكف وباطنه ليسا بعورتين إلى الرسغ (^٤).
وفي ظاهر الرواية ظاهر الكف عورة، وباطنه ليس بعورة، وعن أبي يوسف أن ذراعها ليس بعورة، كذا في الخبازية، والكاثي.
_________________
(١) قال ابن حجر: حديث: «المرأة عورة مستورة» لم أجده، لكن أوله عند الترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان»، وصححه هو وابن حبان، وابن خزيمة. الدراية (١/ ١٢٣). أخرجه الترمذي (٢/ ٤٦٧، رقم ١١٧٣)، وابن خزيمة (٣/ ٩٣، رقم ١٦٨٥)، وابن حبان (١٢/ ٤١٣، رقم ٥٥٩٩) من حديث ابن مسعود ﵁ قال عن النبي ﷺ قال: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٤٣٧).
(٣) كذا في الأصل، والنسخة الثانية، وفي النسخة الثالثة: (مختلفات قاضي خان المعنى).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٥٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٢٨٤).
[ ١ / ٥٥٨ ]
العُضْوَيْنِ لِلابْتِدَاءِ بِإِبْدَائِهِمَا. قَالَ ﵁: وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ القَدَمَ عَوْرَةٌ.
وفي المبسوط: في الذراع روايتان، والأصح أنها عورة، والصغيرة جدا لا تكون عورة حتى يباح النظر والمس، كذا في فتاوى الظهيرية (^١).
(بإبدائهما)، أي بإبداء الوجه في المعاملة مع الرجال، وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء، كذا في المبسوط (^٢).
قيل: في هذا التعليل إشارة إلى أن ظهر الكف ليست بعورة لعدم الضرورة، وفيه تأمل.
(وهذا)، أي استثناء الوجه والكفين تنصيص تصريح بأن القدم عورة، وبه قال الشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، يؤيده ما روينا من حديث أم سلمة.
وذكر محمد في كتاب الاستحسان: الوجه والكفان ليستا بعورة، وما سوى ذلك عورة، ويروى أنها ليست بعورة، وبه قال الكرخي من أصحابنا، والثوري، والمزني.
وفي المبسوط: روى الحسن، عن أبي حنيفة أنه يباح النظر إلى قدميها، وذكره الطحاوي أيضًا؛ لأنها كما تبتلى بإبداء الوجه والكف في المعاملة مع الرجال تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية، أو منتعلة، فربما لا تجد الخف (^٥).
مع أن الوجه يشتهى أكثر مما تشتهي القدم، فإذا أخرج الوجه عن كونه عورة للابتلاء خرج القدم بالطريق الأولى وهذا جهة للأصح.
وعند أحمد (^٦)، وداود (^٧): يجب أن تستر جميع بدنها إلا الوجه، وعن الفقهاء السبعة أن جميع بدنها عورة.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٠/ ١٥٣)، ودرر الحكام لابن فرامرز (١/ ٥٩).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٠/ ١٥٣).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٠٩)، والمجموع للنووي (٣/ ١٦٨).
(٤) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ١٨٤)، والذخيرة للقرافي (٢/ ١٠٥).
(٥) المبسوط للسرخسي (١٠/ ١٥٣).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٢٦)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٥٣).
(٧) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/ ٦٣).
[ ١ / ٥٥٩ ]
وَيُرْوَى. أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، وَهُوَ الأَصَحُ (فَإِنْ صَلَّتْ وَرُبْعُ سَاقِهَا أَوْ ثُلُثُهُ مَكْشُوفٌ، تُعِيدُ الصَّلَاةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ لَا تُعِيدُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تُعِيدُ إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ) (*) لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُوصَفُ
ثم لما وقع عند المصنف أن القدم ليست بعورة ذكر مسألة الجامع الصغير (^١) بالفاء بقوله: (فإن صلت)، ليكون تفسيرًا لما ذكر قبله وهو قوله: (ويروى أنها ليست بعورة)، فوجه كونه تفسيرًا ما ذكره فخر الإسلام في جامعه: ودلت هذه المسألة على أن القدم ليست بعورة؛ لأنه جوز الصلاة مع كشف ما دون ربع الساق فكانت القدم مكشوفة لا محالة غالبًا، وإن كان كشف ربع الساق ممكنا بدون كشف القدم يعني كشف ربع الساق، أو ثلثه غير مانع فأولى أن لا يكون كشف القدم مانعا (^٢).
وقيل: يجوز أن تكون الفاء في قوله: (فإن صلت) لتعليل جهة الأصح. وقيل: يمكن ترجيح دليل كون القدم عورة. وعن عائشة الرخصة إحدى عينها فحسب لاندفاع ضرورة المشي بها.
فإن قيل: لماذا جمع محمد بين الثلث والربع، وذكر الربع يغني عن الثلث؟ قيل: في جوابه وجهان: أحدهما: أنه أورد على هذا الوجه لبيان قول أبي يوسف لما أن عنده انكشاف الربع أو الثلث غير مانع ولتردد محمد في الكثير؛ لأنه روي عن النبي ﵇ أنه قال: «الربع كثير»، وروي أيضًا عنه ﵇ أنه قال: «إنّ الثلث كثير» (^٣) كما في الوصية، فتردد بينهما لئلا يكون قاطعًا فيما له تردد. والثاني: أن أبا حنيفة سئل عن هذه المسألة على هذا الوجه فأورده كذلك في الكتاب، كذا في الفوائد الظهيرية.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (ص ٨٢).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٥٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٢٦).
(٤) أخرجه البخاري (٤/¬٣، رقم ٢٧٤٢)، ومسلم (٣/ ١٢٥٠، رقم ١٦٢٨) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
[ ١ / ٥٦٠ ]
بِالكَثْرَةِ إِذَا كَانَ مَا يُقَابِلُهُ أَقَلَّ مِنهُ، إِذْ هُمَا مِنْ أَسْمَاءِ المُقَابَلَةِ (وَفِي النِّصْفِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ) فاعتُبِرَ الخُرُوجَ عَنْ حَدِّ القِبْلَةِ أَوْ عَدَمِ الدُّخُولِ فِي صِدِّهِ، وَلَهُمَا: أَنَّ الرُّبْعَ يَحْكِي حِكَايَةَ الكَمَالِ، كَمَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَالحَلْقِ فِي الإِحْرَامِ، وَمَنْ رَأَى وَجْهَ
وفي الخبازية: قيل هذا غلط وقع من الكاتب، وعامة المشايخ لم يكتبوا هذا اللفظ لخلوه عن الفائدة.
وقيل: هذا شك من الراوي عن محمد، وقيل: الربع مانع، فإذا كان كذلك كانت مانعية الثلث بطريق الدلالة، وما يثبت بالدلالة فالتنصيص عليه لا يكون قبيحا، قال تعالى: ﴿يَوْمُ عَسِيرُ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠].
وقيل: الربع مانعا قياسًا، والثلث استحسانًا، فأورده على القياس والاستحسان، وقيل: الربع مانع مع القدم، والثلث مانع لا مع القدم.
(عنه)، أي عن أبي يوسف روايتان، من أسماء المقابلة.
وفي المبسوط: القلة والكثرة من الأسماء المشتركة، فإن الشيء إذا قوبل بما هو أكثر منه يكون قليلا، وبما هو أقل منه يكون كثيرًا (^١).
ولكنا نقول: إنهما من المتضايفان، وإذا كان كذلك يلزم أن يكون ما يقابله ويضاده قليلا بالنسبة إليه؛ لأنه لو لم يكن قليلا لكان كثيرًا بنسبته، فحينئذ يلزم أن يكون الشيء الواحد بالنسبة إلى الشيء الواحد قليلا وكثيرًا وهو محال.
وقوله: (فاعتبر الخروج …)، إلى آخره جهة الروايتين، أي اعتبر أبو يوسف الخروج عن حد القلة في كونه مانعًا، وهذا ليس بخارج عنه؛ لأن القليل لما يقابله كثير، وما يقابله هاهنا ليس بكثير؛ لأنه نصف، والنصف اسم لأحد الجزئين المتساويين فلا يكون قليلا، والقليل عفو، وإذا لم يكن قليلا يكون خارجا عن حد القلة فيكون مانعا.
(أو عدم الدخول في ضده)، أي ضد القليل وهو الكثير، وهذا ليس بداخل في حد الكثرة؛ لأن الكثير اسم لما يقابله قليل، وما يقابله هاهنا ليس بقليل فلا يكون النصف داخلا فيه فلا يكون مانعا؛ لأن الكثير هو المانع، ولم يوجد.
قوله: (يحكي حكاية الكمال)، وفي بعض النسخ: (حكاية الكل)، أي
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٩٧).
[ ١ / ٥٦١ ]
غَيْرِهِ يُخْبِرُ عَنْ رُؤْيَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَرَ إِلَّا أَحَدَ جَوَانِبِهِ الأَرْبَعَةِ (وَالشَّعْرُ وَالبَطْنُ وَالفَخِذُ كَذَلِكَ) يَعْنِي: عَلَى هَذَا الاختلافِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ عُضْوٌ عَلَى حِدَةٍ، وَالمُرَادُ بِهِ النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ هُوَ الصَّحِيحُ،
يقوم مقام الكل.
فإن قيل: كيف يستقيم هذا التشبيه ومسح كل الرأس لم يكن واجبًا حتى يقوم الربع مقامه، بل الواجب منه مسح البعض كما مر، وكما عرف في الأصول؟
قلنا: الأصل في الرأس غسل كله كما في غسل الوجه؛ لأن التطهير المقصود في الوضوء يحصل به، إلا أن الشارع اكتفى بالمسح من الغسل، ثم اكتفى بالبعض عن الكل دفعًا للضرورة والحرج، فكان الربع قائما مقام الكل عن هذا الوجه، كذا قيل.
وقيل: هذا تشبيه القدر بالقدر، لا تشبيه الواجب بالواجب، كما في قوله ﵇: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُم» (^١)، الحديث، ففيه تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرأي بالمرأي.
(على هذا الاختلاف)، أي الاختلاف الذي تقدم ذكره، وهو أن انكشاف الربع مانع أو النصف؛ لأن كل واحد عضو على حدة، ولهذا لو حلق شعرها ولم ينبت تجب كل الدية.
وفي الخبازية: جعل الشعر من الأعضاء للتغليب، أو لأنه جزء من الآدمي حتى لا يجوز بيعه (^٢).
(النازل)، أي المسترسل.
وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عن اختيار الصدر الشهيد وغيره، فإنهما
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١١٥، رقم ٥٥٤)، ومسلم (١/ ٤٣٩، رقم ٦٣٣) من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٦١)، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (١/ ٩٦).
[ ١ / ٥٦٢ ]
وَإِنَّمَا وُضِعَ غَسْلُه فِي الجَنَابَةِ لِمَكَانِ الحَرَجِ، وَالعَوْرَةُ الغَلِيظَةُ عَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ،
ذكرا أن المراد بالشعر ما على الرأس، أما المسترسل ففيه روايتان، في رواية المنتقى: ليس بعورة، وبه قال عبد الله البلخي، ولكن مع هذا حرم النظر إليه؛ لأن النظر إلى شعورهن حرام كالنظر إلى وجه الشابة، وإلى شعور الإماء، ولهذا قالوا: تمنع المرأة الشابة عن كشف وجهها في زماننا، والصحيح أنه عورة، وبه أخذ الليث، وعليه الفتوى، كذا في جامع المحبوبي.
وفي تجنيس المصنف ما يوافق قوله في الهداية (^١)، وهذا هو الصحيح؛ لأنه ذكر في المبسوط أن محمدًا بين حكم الرأس فقال: ثلث رأسها، أو ساقها، ثم قال: وكذا الشعر، والشعر الذي على الرأس يعطى حكمه من حكم الرأس فيكون المراد من الشعر المسترسل كذا في الخبازية، والكاثي (^٢).
ولأن تلك الرواية تقتضي جواز النظر إلى صدغ الأجنبية وطرف ناصيتها، وهذا أمر يؤدي إلى الفتنة.
وقوله: (إنما) وضع جواب إشكال يرد على قوله: (هو الصحيح)، وهو أن يقال: لو كان النازل عورة باعتبار أنه من بدنها، وهو ليس من بدنها بدليل سقوط غسله في الجنابة.
يقال: (إنما وضع)، أي رفع عنه لكذا.
(والعورة الغليظة)، وهي القبل والدبر.
(على هذا الاختلاف)، أي الذي ذكرنا من اعتبار انكشاف الربع، أو النصف.
وفي المحيط: ذكر الكرخي في كتابه أنه يعتبر في السوأتين قدر الدرهم، وفيما عداهما الربع؛ لأن العورة نوعان: غليظة وخفيفة، كما في النجاسة، فيعتبر في الغليظة قدر الدرهم، ولكن هذا وهم منه؛ لأنه قصد به التغليظ في العورة الغليظة، وهذا في الحقيقة تخفيف فيها؛ لأنه اعتبر قدر الدرهم في
_________________
(١) التجنيس والمزيد (١/ ٤٠٠).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٩٧).
[ ١ / ٥٦٣ ]
وَالذَّكَرُ يُعْتَبَرُ بِالْفِرَادِهِ وَكَذَا الأُنْثَيَانِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ دُونَ الضَّمِّ.
الدبر، والدبر لا يكون أكثر من قدر الدرهم، فهذا بمقتضى جواز الصلاة في كشف جميع الدبر، وهذا تناقض ظاهر، كذا ذكره فخر الإسلام (^١).
وفي جمل النوازل: ذكر في الزيادات أن المرأة لو صلت وبعض رأسها، أو بعض فرجها، أو بطنها، أو فخذها مكشوف، إن بلغ الربع يمنع جواز الصلاة، وإلا فلا، فقد سوى بين الكل.
أجيب عن قول فخر الإسلام: أن هذا لا يلزم على اعتبار أن الدبر مع الإليتين عضو واحد، وهو قول بعض أصحابنا، فلا يمنع انكشاف الدبر وحده.
قوله: (هو الصحيح)، احتراز عما ذكر بعض المشايخ أنهما مع الذكر عضو واحد تبعًا للذكر؛ فإن الإيلاد تتعلق بهما، والصحيح أنهما عضو على حدة، كما في الدية.
في المبسوط: ثدي المرأة إن كانت ناهدة فهو تبع للصدر، وإن كبرت يعتبر كل واحد (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: لو صلت المراهقة بغير قناع لا تؤمر بالإعادة استحسانًا، وبغير وضوء تؤمر (^٣).
وفي جمل النوازل: تؤمر بالإعادة في الصورتين حتى لا تعتاد ذلك، وما بين السرة والعانة عضو كامل فيعتبر ربعه.
قال شيخ الإسلام: هذا كله عند علمائنا، وعند الشافعي القليل والكثير في ذلك سواء كما في النجاسة؛ لأن الستر مطلقا شرط صحتها، ولم يوجد (^٤).
وفي جامع الكردري: لو انكشف قليل من الساقين بحيث لو جمع يبلغ الربع جمع كالنجاسة المتفرقة في البدن والثوب، بخلاف الخرق في الخفين
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٨٠).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٤٦)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٩٦).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١٨).
(٤) انظر: المجموع للنووي (٣/ ١٦٦)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٩٦).
[ ١ / ٥٦٤ ]
(وَمَا كَانَ عَوْرَةً مِنْ الرَّجُلِ فَهُوَ عَوْرَةٌ مِنْ الأَمَةِ، وَبَطْنُهَا وَظَهْرُهَا عَوْرَةٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ بَدَنِهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ) لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: أَلْقِي عَنْكَ الخِمَارَ يَا دِفَارِ،
حيث لا يجمع؛ لأن البدن في كونه عورة كعضو واحد، بخلاف الخفين فإنهما ليسا كخف واحد.
قوله: (ما كان عورة)، بالنصب خبر كان.
وفي شرح الطحاوي: وكذا المدبرة والمكاتبة، ومن كانت في رقبتها شيء من الرقبة فهي في معنى الأمة.
المهنة بفتح الميم وكسرها الخدمة والابتذال من مهن القوم خدمهم، وأنكر الأصمعي الكسر، كذا في الصحاح، والمغرب (^١).
(يا دفار)، بالدال المهملة، وكسر الراء، وتخفيف الفاء، أي يا مُنْتِنَةٌ.
روي أن عمر ﵁ رأى جارية متقنعة فعلاها - أي: ضربها بالدرة - وقال: أَلْقِ، إلى آخره (^٢).
وروي أن جواريه يخدمن الضيفان كاشفات الرؤوس، مضطربات الثديين (^٣). كذا في المستصفى (^٤).
وفي الْمُجْتَبى: وإماء أنس كن يصلين بغير قناع، ويخدمن أضيافه كذلك ناهدات الثدي، فظهرها وبطنها عورة؛ لأنها محل الشهوة كما في المحارم، وقال محمد بن مقاتل: لا بأس بالنظر إليها إلا ما دون السرة إلى الركبة، وابن عباس رخص للمشتري النظر إليها ما سوى موضع الإزار (^٥).
وقلنا: هذا محمول على الإزار فوق الصدر كما في عادة بعض النسوان، فاعتبر حالها بذوات المحارم؛ فإنا جوزنا النظر إلى المحارم إلى الوجه،
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة للجوهري (٦/ ٢٢٠٩)، والمغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٥٠).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٢٣١، رقم ٦٢٩٤).
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٧، رقم ٣٣٤٧) وقال: والآثار عن عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك صحيحة.
(٤) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٤٣٧).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣١٩).
[ ١ / ٥٦٥ ]
أَتَتَشَبَّهِينَ بِالحَرَائِرِ؟ وَلِأَنَّهَا تَخْرُجُ لِحَاجَةِ مَوْلَاهَا فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا عَادَةً، فَاعْتُبِرَ حَالُهَا بِذَوَاتِ المَحَارِمِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الرِّجَالِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
والرأس، والصدر والعضدين، والساقين دفعًا للحرج؛ لأن البعض يدخل على البعض من غير استئذان واحتشام والمرأة في بيتها في ثياب مهنتها عادةً، فلا جرم النظر إلى هذه المواضع أدى إلى الحرج، فكذلك الأمة تخرج لخدمة مولاها ساعة فساعة في ثياب مهنتها، فألحقناها بالمحارم في حق جميع الرجال دفعًا للحرج، ويجيء تمامه في الكراهية.
وفي المبسوط: عتقت الأمة، أو المدبرة، أو المكاتبة، أو أم الولد في صلاتها فأخذت قناعها بعمل قليل قبل أن تؤدي ركنا لا تفسد صلاتها، وإلا فسدت (^١).
وكذا لو سقط قناع الحرة في صلاتها، وإزار الرجل، وقال زفر: تفسد في الكل، ولو صلت شهرًا بغير قناع، ثم علمت بالعتق منذ شهر تعيدها (^٢).
وفي فتاوى العتابي: ولو كان عليها ثوب أو مقنعة يصف ما تحته فهي عريانة، وبه قال الشافعي (^٣).
وفي الحلية: عورة الأمة كعورة الرجل على ظاهر المذهب، وبعض أصحابنا قالوا: جميع بدنها عورة إلا موضع التقليب منها في الشراء؛ كالرأس، والساعد، والساق، وقال بعضهم: عورتها كعورة الحرة، إلا أنه يجوز لها كشف رأسها، ولو كان نصفها حر ونصفها رقيق كالحرة على ظاهر المذهب، وعن الحسن البصري: يجب عليها الخمار إذا تزوجت، أو اتخذها السيد لنفسه، وروي عنه إذا ولدت.
وأم الولد كالأمة، وعن ابن سيرين: أم الولد تصلي بخمار، وهو رواية عن أحمد، ويحكى عن مالك أيضًا.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٢).
(٢) انظر: بدائع الصنائع لكاساني (١/ ٢٣٩)، والبناية شرح الهداية لعيني (٢/ ١٣٣).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ١١١)، والحاوي الكبي للماوردي (٢/ ١٧٥).
[ ١ / ٥٦٦ ]
قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ صَلَّى مَعَهَا وَلَمْ يُعِدْ) وَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ، إِنْ كَانَ رُبْعُ الثَّوْبِ أَوْ أَكْثَرُ مِنهُ طَاهِرًا يُصَلِّي فِيهِ، وَلَوْ صَلَّى عُرْيَانًا لَا يُجْزِئُهُ، لِأَنَّ رُبْعَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ،
ولو أعتقت الأمة في الصلاة ورأسها مكشوفة، وهناك سترة بعيدة بطلت صلاتها، وفي الحاوي فيه اختلاف، والصحيح أنها تبطل مع القدرة على أخذ الثوب في الحال.
والثاني: تبطل بالمضي لأجل أخذ الثوب، وتطاول العمل، ولو انتظرت من يناولها السترة فتناولتها من غير أن تحدث عملًا ففيه وجهان، أحدهما: لا تبطل صلاتها، والثاني: تبطل.
ولو علمت بالعتق بعد الصلاة ففي وجوب الإعادة قولان، وقيل: تجب الإعادة قولا واحدا، والأول أصح (^١).
قوله: (ما يزيل به النجاسة)، وفي البدرية: (ما) بالقصر لتتناول المائعات سوى الماء أيضًا على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولو قلت (ما) بالمد (^٢) تصير إشارة إلى قول محمد حيث لا تجوز إزالتها إلا بالماء ولم يعد (^٣)، وقال الشافعي ﵁: يعيد، وفي قول يصلي عريانا قضاءً لحق الوقت، وهو ظاهر مذهبه (^٤)، وقال مالك: يصلي في الثياب النجسة ولا يعيد (^٥).
وقلنا: التكليف بحسب الوسع، وقد أتى بما في وسعه فلا يعيد؛ كالمتيمم والعاري، بل الأولى لأن طهارة الثوب صفة الثوب ولا يعيد بفوات الأصل، فبفوات الوصف أولى، كذا في الْمُجْتَبى (^٦).
قوله: (لأن ربع الشيء يقوم مقام كله)، فإن قيل: لما قام الربع مقام الكل
_________________
(١) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/ ٦٥).
(٢) أي: (ماء).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٤٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٣٤).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٧٤)، والبيان للعمراني (٢/ ٩٧).
(٥) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٤٠)، والذخيرة للقرافي (٢/ ١٠٩).
(٦) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٠).
[ ١ / ٥٦٧ ]
وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀،
فلأن يقوم ثلاثة الأرباع مقام الكل أولى.
قلنا: أقمنا الربع الطاهر مقام الكل ليصلي بالثوب وأنه جائز بالإجماع، أما لو أقمنا ثلاثة الأرباع النجس مقام الكل فلا تجوز صلاته، ولو صلى عاريا لا تجوز عند محمد، فيكون الاحتياط فيما قلنا لوقوع صلاته جائزة بالإجماع، كذا في الحميدية.
قوله: (أقل من الربع)، في المبسوط: لو كان الثوب مملوءا دما، والطاهر منه دون ربعه فعندهما يتخير بين الصلاة فيه وبينها عريانا، وبه قال الشافعي في قول، وهو الأفضل (^١).
وعند محمد: لا تجوز صلاته إلا فيه، وبه قال الشافعي في قول، ومالك، وأحمد (^٢)؛ لأن الصلاة في الثوب النجس أقرب إلى الجواز منها عريانا؛ لأن قليل النجاسة لا يمنع، وكذا الكثير في قول بعض العلماء.
قال عطاء: من صلى وفي ثوبه سبعون قطرة من دم تجوز صلاته، وبه قال مالك، ولم يقل أحد بجواز الصلاة عريانا في حالة الاختيار، ولأنه لو صلى عريانا كان تاركًا لفرائض، منها ستر العورة، ومنها القيام، ومنها الركوع، ولو صلى فيه كان تاركا لفرض واحد وهو طهارة الثوب، إليه أشير في شرح الطحاوي (^٣).
وفي الأسرار: خطاب التطهير ساقط عند عدم الماء فصار هذا الثوب وثوب طاهر بمنزلة، ولأن ربع الثوب لو كان طاهرا لا تجوز إلا فيه، فكذلك هاهنا؛ لأن نجاسة ثلاثة أرباعه في إفساد الصلاة فيه ونجاسة الكل سواء حالة الاختيار، فكذا في حالة الاضطرار في عدم الإفساد.
وقلنا: إن خطاب الستر ساقط بسبب النجاسة في حق الصلاة، ولما سقط
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٧٤)، والمجموع للنووي (٣/ ٣٣٦).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤٢٦)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٦٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٧).
[ ١ / ٥٦٨ ]
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ ﵀، لِأَنَّ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ تَرْكَ فَرْضِ وَاحِدٍ، وَفِي الصَّلَاةِ عُرْيَانًا تَرْكُ الفُرُوضِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَهُوَ الأَفْضَلُ (*)، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَانِعُ جَوَازِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي حَقِّ المِقْدَارِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ،
الخطاب بالستر صار حال العريان كحال الستر.
وأما إذا كان الربع طاهرًا فقد توجه عليه الخطاب بقدر الطاهر، وإن سقط بقدر النجس فرجحنا جهة الوجوب للاحتياط، والربع يقوم مقام الكل أيضًا في الشرع، ولكن قول محمد أحسن، والكل في الأسرار.
(وهو)، أي: أداء الصلاة مع الثوب النجس (أفضل).
(لأن كل واحد منهما)، أي: من الانكشاف، والنجاسة.
(ويستويان)، أي: الانكشاف، والنجاسة.
(في حق المقدار)، أي: في أن القليل منهما غير مانع، والكثير مانع، فلما كان كذلك تثبت المساواة بينهما من غير رجحان أحدهما على الآخر في المانعية فيختار أيهما شاء أو نقول: إذا استويا في المقدار استوى اختيار المصلي.
فإن قيل: هذا يستقيم على مذهب الكرخي ومن تبعه أن العورة الغليظة كالنجاسة الغليظة في أن الزيادة على قدر الدرهم مانع فيهما، والنجاسة الخفيفة كالخفيفة في أن الربع فيهما مانع، فأما على قول الأصح وهو أن الغليظة كالخفيفة في أن الربع منهما مانع كيف يستقيم؟
قلنا: القياس ما قاله الكرخي، إلا أنه عدل عن ذلك لدفع الشناعة، فإن فيها لو اعتبر فيه الزائدة على قدر الدرهم يلزم أن كشف كلها غير مانع كما بينا، وكشف بعض الخفيفة مانع، وأنه شنيع جدًا، فالعدول عن التسوية بين الغليظتين لما كان لهذه الضرورة ثبتت المساواة تقديرًا، فقوله في الكتاب: (يستويان في حق المقدار) تحقيقا عند البعض، وتقديرًا عند آخرين، كذا في الخبازية.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
[ ١ / ٥٦٩ ]
وَتَرْكُ الشَّيْءِ إِلَى خَلَفٍ لَا يَكُونُ تَرْكًا،
فإن قيل: لا مساواة بين الفرضين فلا يتخير؛ لأن فرضية الستر أقوى من فرضية ترك استعمال النجاسة، وظهر ذلك بمسألتين.
أحدهما: ما ذكره التمرتاشي في جامعه: قال البقالي: لو كان على بدنه نجاسة لا يمكن غسلها إلا بإظهار عورته يصلي مع النجاسة؛ لأن إظهار العورة منهي عنه، والستر مأمور به، والأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى.
والثانية: ما ذكره في شرح الأقطع: أن الستر آكد لأنه يجب للصلاة ولغيرها، ويلزمه دم بتركه في الطواف، ولا يوجد ذلك في النجاسة.
قلنا: إذا صلى قاعدًا بالإيماء فقد أتى ببعض الستر، وما قام مقام الأركان وترك استعمال النجاسة، ولو صلى قائمًا فيه فقد استعمل النجاسة، وأتى بالأركان فيستويان فتتخير.
وما ذكره من وكادة فرض الستر ساقط بسبب أن خطاب الستر إنما هو في الستر بالطاهر لا بالنجس، فصارت نفس خطاب الستر بالنجس ساقط على ما ذكرنا من إشارة الأسرار، فلا تثبت الوكادة، ولكن مع ذلك أظهرنا أثر صورة الوكادة في حق الأفضلية لا الجواز.
وقوله: (وترك الشيء إلى خلف لا يكون تركا) جواب عن قول محمد أن في الصلاة عريانا ترك الفروض.
قيل: هذا الجواب الذي قاله، وقول محمد أيضًا فيه ترك الفروض إنما يستقيمان على تقدير أن يصلي العاري قاعدًا، أما لو صلى قائما وأتى بالأركان حيث يجوز له فلا يستقيمان، إليه أشير في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
فإن قيل: لو كان الإيماء خلفًا لجاز اقتداء القائم بالمومئ، كما جاز اقتداء المتوضئ بالمتيمم عندنا، وقد علل في المومئ بأنه اقتداء بالمعدوم.
قلنا: أما عند محمد فلا يجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم، وهذا ظاهر. وأما عندهما فيجوز؛ لأن التراب خلف عن الماء لا أن الوضوء خلف عن التيمم،
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٦٤).
[ ١ / ٥٧٠ ]
وَالأَفْضَلِيَّةُ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ السَّتْرِ بِالصَّلَاةِ وَاخْتِصَاصِ الطَّهَارَةِ بِهَا.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا قَاعِدًا يُومِنُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) هَكَذَا فَعَلَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا أَجْزَاهُ، لِأَنَّ فِي القُعُودِ سَتْرَ العَوْرَةِ
فيكون كل واحد صاحب أصل فيجوز.
أما الإيماء فمعدوم في حق القائم لا في حق المومئ، فلا يجوز اقتداء الموجود بالمعدوم، أو القوي بالضعيف، فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز اقتداء القائم بالقاعد، إلا أنه يجوز بالحديث.
قوله: (والأفضلية)، يعني لما لم يختص الستر بالصلاة لأنه يكون للصلاة وللناس كان نفعه أعم فظن الستر أولى بخلاف الطهارة فإنها للصلاة لا غير.
فإن قيل: جعل في غسل يوم الجمعة جانب الاختصاص أولى، وهاهنا جانب عدم الاختصاص، فما وجهه؟
قلنا: عدم الاختصاص هناك لم يتضمن النفع العام وهو الموجب للترجيح.
وفي جمل النوازل: معه ثوبان نجسان، وفي أحدهما أكثر، فالمستحب أن يستعمل أقلهما نجاسة؛ ليكون أقل استعمالًا لها، ولو كان طرف أحدهما طاهرًا يتزر بالطرف الآخر الطاهر ويصلي؛ لأنه لا يكون مستعملا للنجاسة حقيقةً، ولو صلى في قميص محلول الجيب بحيث لو ركع يقع بصره على عورته يجوز وهو الأصح، وفي رواية لا يجوز، وبه قال الشافعي (^١).
وجه الأصح أن ستر عورته عن غيره واجب لا في حق نفسه، ولو ستر عورته بجلد ميتة غير مدبوغ وصلى معه لا يجوز، بخلاف ما لو صلى مع الثوب النجس؛ لأن نجاسة الجلد أغلظ بدليل أنها لا تزول بالغسل ثلاثا، بخلاف نجاسة الثوب.
قوله: (فإن صلى قائما أجزأه)، وقال زفر (^٢)، والشافعي (^٣)، ومالك (^٤)،
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ١١٠)، والبيان للعمراني (٢/ ١٢٢).
(٢) انظر: فتح باب العناية بشرح النقاية ملا علي القاري (١/ ٢٤٠).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ١١١)، والمجموع للنووي (٣/ ١٨٢).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٨٦)، والذخيرة للقرافي (٢/ ١٠٦).
[ ١ / ٥٧١ ]
الغَلِيظَةِ، وَفِي القِيَامِ أَدَاءَ هَذِهِ الأَرْكَانِ، فَيَمِيلُ إِلَى أَيْهِمَا شَاءَ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ،
وبشر: لا يجوز إلا قائما لقوله ﵇ لعمران بن الحصين: «صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا» (^١)، وهذا الحديث يقتضي الترتيب، حتى لا يجوز لمن يقدر على القيام أن يصلي قاعدًا، والعاري قادر عليه حسا وشرعًا، أما حسّا فظاهر، وأما شرعًا فإنه تجوز الصلاة قائمًا عاريًا بالاتفاق، وقد سقط عنه فرض الستر لعجزه.
وقلنا: القياس هكذا، لكن عرف جواز صلاة العاري بالأثر، فإنه روي عن ابن عباس، وابن عمر أنهما قالا: العاري يصلي قاعدًا بالإيماء، وعن أنس: أن أصحاب رسول الله ﷺ ركبوا في السفينة فخرجوا من البحر عراة فصلوا قعودًا بالإيماء، ولم يرو عن أقرانهم خلاف ذلك فحل محل الإجماع، ولهذا قال المزني (^٢)، وأحمد (^٣): يلزمه أن يصلي قاعدًا.
وأما حديث عمران فقلنا: هذا غير مستطيع حكمًا، لأنه لا يمكنه ستر ما قدر على ستره إلا بترك الركوع والسجود، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
ولهذا ذكر السغدي من أصحابنا تفسير القعود هاهنا: أن يمد رجليه نحو القبلة ليحصل الستر فيميل إلى أيهما شاء؛ لأنه ابتلي بسترين فيختار أيهما شاء.
قوله: (إلا أن الأول أفضل)، إلى آخره، فإن قيل: هذا التعليل يقتضي أن لا تجوز الصلاة بدون الستر الذي يحصل بالقعود كما قال المزني، وأحمد.
قلنا: ترك الأركان، وترك الستر لما استويا في منع الجواز حالة القدرة استويا في اقتضاء الجواز عند الإتيان بأحدهما وترك الآخر؛ لأنه لا يمكن الإتيان بأحدهما إلا بترك الآخر، فاستويا في الميل إلى أحدهما.
وأنه لما يأت بجميع فرضية الستر لم يعتبر ذلك القدر اليسير من الستر بمقابلة ترك الركوع والسجود، ولكن قدر ذلك الستر يصلح لترجيح جانب الستر فيرجح.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/¬٤٨، رقم ١١١٧).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٨٦، ١٧٥)، والمجموع للنووي (٣/ ١٨٢).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤٢٤)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٦٤).
[ ١ / ٥٧٢ ]
لِأَنَّ السَّتْرَ وَجَبَ لِحَقِّ الصَّلَاةِ وَحَقِّ النَّاسِ، وَلِأَنَّهُ لَا خَلَفَ لَهُ وَالإِيمَاءُ خَلَفٌ عَنْ
وأما الآثار الواردة فهي لبيان الأفضلية.
(ولأنه لا خلف له)، أي: للستر، ففي الصلاة قاعدًا يلزم ترك الأركان إلى خلف، وفي الصلاة قائمًا لزم ترك الستر الواجب لا إلى خلف، والترك لا إلى خلف لا يجوز.
وهذا التعليل يقتضي أن لا تجوز قائما، إلا أنه لما استوى التركان في منع الجواز يختار أيهما شاء، لكن قاعدًا أفضل؛ لأنه ترك إلى خلف فيكون أهون.
وفي الْمُجْتَبى: يصلي العراة وحدانا متباعدين، فإن صلوا بجماعة يتوسطهم الإمام، ولو تقدمهم الإمام لإحراز سنة الجماعة جاز، وبه قال الشافعي، وأحمد، ويرسل كل واحد رجليه نحو القبلة، ويضع يديه بين فخذيه، ويومئ إيماءً، ولو أومأ القائم وركع، أو سجد القاعد جاز (^١).
وقال الشافعي في الأم: يصلي العراة فرادى، وجماعة (^٢)، وفي القديم: الأولى أن يصلوا فرادى. (^٣).
قال شيخ الإسلام (^٤): هذا إذا لم يجد ما يستر نفسه من الحشيش، والكلأ، والنبات، وعن الحسن المروزي: لو وجد طينا يلطخ به عورته ويبقى عليه حتى يصلي، وبه قال الشافعي في قول.
قيل: ما ذكر بالنهار، أما لو صلى في ظلمة الليل يركع ويسجد، وهو غير قوي؛ لأنه لا اعتبار بستر الظلمة (^٥).
ولو وجد ما يستر به بعض [العورة] (^٦) ستر القبل والدبر بالاتفاق.
وفي شرح الإرشاد وجد العاري ثوبًا في خلال صلاته يستأنف ولا يبني،
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٠).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ١١١).
(٣) انظر: البيان للعمراني (٢/ ١٣٠)، والمجموع للنووي (٣/ ١٨٥).
(٤) شمس الأئمة الحلواني، كما في المجتبى.
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٠).
(٦) في الأصل (الظلمة)، والمثبت من النسخة الثانية، والثالثة.
[ ١ / ٥٧٣ ]
الأَرْكَانِ. قَالَ: (وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا
وكذا لو صح المومئ في خلال صلاته، أو تعلم الأمي سورةً لا تجوز صلاة هؤلاء مع القدرة على الستر، والقيام والقراءة بدونها، خلاف ما لو أُعتقت الأمة في خلال صلاتها حيث تغطي رأسها وتبني؛ لأن صلاتها حاسرة الرأس مع وجود القناع تصح، والحرية في خلالها عارضة، فلها أن تبني، كقصة أهل قباء حين أخبروا بتحويل القبلة في الصلاة حيث استداروا كهيئتهم دون استئناف (^١).
وفي المحيط: اللبس في الصلاة ثلاثة أنواع: جائز، ومستحب، ومكروه، فالجائز: أن يصلي في ثوب واحد، والمستحب: أن يصلي في ثلاثة أثواب قميص، وإزار، وبرد والمكروه: أن يصلي في سراويل واحد. والمستحب في حق المرأة ثلاثة أثواب: إزار، ودرع، وخمار، وفي ثوب واحد متوشحة لا يجوز، إلا إذا ستر رأسها وجميع بدنها، ولا يجوز أن يصلي في ثوب حرير، ولو صلى فيه تجوز صلاته، إلا عند أحمد (^٢)، ولو وجد ثوبًا حريرًا لا يصلي عريانا، بل يصلي فيه، إلا عند أحمد (^٣).
قوله: (وينوي)، إلى آخره، في المبسوطين: ظن بعض أصحابنا أن محمدًا لم يذكر النية، وليس كذلك؛ فإنه قال: وإذا أراد الرجل الدخول في الصلاة، وإرادة الدخول فيها هي النية (^٤).
ولا بد من النية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] الآية، والإخلاص بالنية، ولقوله ﵇: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» (^٥)، ولقوله ﵇: «الأعمال بالنيات» (^٦)، وفي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/ ٨٧، رقم ٧٢٥١)، ومسلم (١/ ٣٧٥، رقم ٥٢٦) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤٢١)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٥٧).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٧٨).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬١٠).
(٥) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨٦، رقم ٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ»، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ.
(٦) أخرجه البخاري (١/¬٢، رقم ١)، ومسلم (٣/ ١٥١٥، رقم ١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ١ / ٥٧٤ ]
بِنِيَّةٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ بِعَمَلٍ) وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الصَّلَاةِ بِالقِيَامِ وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ العَادَةِ وَالعِبَادَةِ، وَلَا يَقَعُ التَّمْيِيزُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَالمُتَقَدِّمُ عَلَى التَّكْبِيرِ كَالقَائِمِ عِنْدَهُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْطَعُهُ،
رواية: «لا عمل إلا بالنية» (^١)، وللإجماع، والنية عمل القلب لا عمل اللسان.
(بينها)، أي بين النية والتحريمة بعمل ينافي الصلاة، ويدل على الإعراض عن النية.
وفي فتاوى قاضي خان (^٢): الكلام هاهنا في مواضع، الأول: في أصل النية، وهي قصد القلب، والقصد مع الذكر باللسان أفضل، وعند بعض أصحاب الشافعي لابد من الذكر به، وعند جمهور أصحابه الذكر باللسان غير شرط، وهو الأصح، كذا في كتبهم (^٣).
والثاني: في وقتها، والأصل فيها المقارنة بالشروع، وإليه أشير في الكتاب بقوله: (بنية لا يفصل بينها وبين التحريمة بعمل). (والمتقدم)، أي: القصد المتقدم على التكبير كالموجود عنده.
(إذا لم يوجد ما يقطعه)، أي: يقطع القصد كعمل ينافي الصلاة، ويدل على الإعراض عنه، فإنه روي عن محمد: لو نوى عند الوضوء ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكانها لم تحضره النية جازت صلاته (^٤).
وذكر في الرقيات (^٥): خرج من منزله يريد الصلاة فلما انتهى إلى القوم غربته النية وكبر، جاز، وهكذا روي عن أبي يوسف (^٦).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/¬٤١، رقم ١٨٢) من حديث أنس بن مالك ﵁ بلفظ: «إنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسبة له».
(٢) فتاوى قاضي خان (١/¬٣٨).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٩١)، والمجموع للنووي (١/ ٣١٦).
(٤) انظر: فتاوى قاضي خان (١/¬٣٨)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٦٥).
(٥) كذا في الأصل، والثانية، وفي النسخة الثالثة: (الزيادات). وجاء في المحيط البرهاني: وذكر محمد بن شجاع في " نوادره " عن محمد … ..
(٦) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٢٩)، والمحيط البرهاني (١/ ٢٨٩).
[ ١ / ٥٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الْمُجْتَبى: فالحاصل عند محمد أن جملة العبادات بالنية المتقدمة تجوز ما لم يشتغل بعدها بعمل لا يليق بتلك العبادة، وعند أبي يوسف لا تجوز إلا في الصوم.
وفي القدوري: تقديم النية على التحريمة جائز إذا لم يتخلل بينهما ما يمنع الاتصال، وعن أبي يوسف أنه خرج من منزله يريد الصلاة مع القوم، فلما انتهى إليهم كبر ولم تحضره النية جاز، ولا أعلم أحدًا من أصحابنا (^١) خالف أبا يوسف فيه (^٢).
لأن بالإقبال على تحقيق ما نوى باق على عزمه ونيته إلى أن يوجد ما يقطعه، وما ذكره الطحاوي والكرخي أنه يكبر تكبيرة مخالطة بالنية ليس بشرط لازم، كذا في الإيضاح.
وبقول الطحاوي قال الشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، وأحمد (^٥)، حتى لا يجوز بنية متقدمة، ولا متأخرة، وقال داود: يجب أن يقدم النية على التكبير (^٦).
والثالث: في كيفيتها، فيجوز النفل والسنن والتراويح بمطلق النية عند مشايخنا، والفرض لا يجوز إلا بالتعيين.
(والأصل فيه)، أي: في اشتراط النية.
(قوله ﵇: «الأعمالُ بالنّياتِ»)، أي: اعتبارها بالنية شرعًا.
فإن قيل: كيف يصح هذا الاستقبال على شرطيتها، أو على الفضل بينهما وبين التحريمة، فإن قوله ﵇: «الأعمال بالنيات» من قبيل الاقتضاء على مذهب القاضي أبي زيد، ومن قبيل المحذوف على مذهب الشيخين، وعلى
_________________
(١) في الأصل: (أصحابه)، والمثبت من النسخة الثانية، والثالثة.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٢).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٢١)، والبيان للعمراني (٢/ ١٦٠).
(٤) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ١٩٩)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٣٨).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤١)، والإقناع للحجاوي (١/ ١٠٦).
(٦) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/ ٨٨).
[ ١ / ٥٧٦ ]
وَهُوَ عَمَلٌ لَا يَلِيقُ بِالصَّلَاةِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالمُتَأَخِّرَةِ مِنهَا عَنْهُ، لِأَنَّ مَا مَضَى لَا يَقَعُ عِبَادَةٌ لِعَدَمِ النِّيَّةِ،
التقديرين لا عموم له، وحكم الآخرة وهو الثواب مراد بالإجماع فلا يكون حكم الدنيا - وهو الجواز والفساد - مرادًا لأنه لا عموم للمقتضي، ولا للمشترك؟
قلنا: الجواز من حكم الآخرة أيضًا إذ الثواب يتعلق بالجواز، إذ لا ثواب بدونه، كذا قيل، وفيه تأمل لما عرف في الأصول أن الجواز والثواب مختلفان في المعنى، ويعرف تمام هذا البحث في الأصول.
وقيل في جوابه: بعد كون العمل معتبرًا بالنية الحكم نوعان، فقلنا: يحتاج إلى النية لوقوعه معتبرا شرعًا، كذا في الكاثي.
ولا يقع التميز إلا بالنية؛ لأنا أمرنا بالعبادة، ولا وجود لها بدون الإخلاص المأمور به، والإخلاص جعل أفعاله الله تعالى، وذا لا يكون إلا بالنية.
(والمتقدم)، أي: القصد المتقدم (كالقائم)، أي: كالثابت عند التكبير، يعني الأصل في العبادات أن تكون النية متصلة بها تحقيقا لمعنى الإخلاص، إلا أن في الصوم سقط وصف الاتصال للحرج، ولا حرج هاهنا في الاتصال فوجب اتصالها.
وشرطت في الابتداء ليقع كل أجزاء العبادات منويًا، ولم يشترط في حال البقاء للحرج أيضًا، فلابد أن يجعل المتقدم كالثانية عند التكبير ليقع الكل منويا.
(بالمتأخرة منها)، أي: من النية (عنه)، أي: عن التكبير، وفي بعض النسخ: (بالمتأخرة) بدون (عنه)، فيكون المراد من ضمير (منها): التحريمة، أي بالمتأخرة عن التحريمة.
(لأن ما مضى)، أي: من القيام لا يقع عبادة لعدم النية، وبه قال الشافعي (^١)، وعن الكرخي: يجوز بالمتأخرة ما دام في الثناء، وقيل: إلى
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٣٢٣)، والمجموع للنووي (٣/ ٢٧٧).
[ ١ / ٥٧٧ ]
وَفِي الصَّوْمِ جُوِّزَتْ لِلضَّرُورَةِ، وَالنِّيَّةُ هِيَ الإِرَادَةُ، وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي. أَمَّا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ، وَيَحْسُنُ ذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ
القعود، وقيل: إلى ما بعد الفاتحة، وقيل: إلى الركوع، وهو مروي عن محمد.
وفي القنية: عن الحلواني: كبر وغفل عن النية، ثم نواها يجوز (^١).
وفي المحيط: لو نوى بعد قوله: الله، وقبل قوله: أكبر لا يجزيه عند أبي حنيفة (^٢).
(وفي الصوم جوزت)، أي بالنية المتأخرة للضرورة؛ لأن وقت الشروع فيه وقت نوم وغفلة، وهو وقت انفجار الصبح، فلو شرطت وقت الشروع لضاق الأمر على الناس، ولا كذلك في حق الصلاة؛ لأن وقت شروعها وقت انتباه ويقظة، إليه أشار شيخ الإسلام.
قوله: (والشرط أن يعلم)، وفي الكاثي: أدناها ما لو سئل لأمكنه أن يجيب.
(أي صلاة)، على البديهة، ولو لم يقدر أن يجيب إلا بتأمل لم تجز صلاته.
وفي القنية: قال شيخ الإسلام والأصح أن العلم لا يكون نية؛ لأنه غير النية، ألا ترى من علم الكفر لا يكفر، ولو نواه يكفر، فيتأول قول المصنف: (والشرط) قصد بعد العلم.
قوله: (أما الذكر باللسان)، وفي جامع الكردري، وجمل النوازل: ويكره الذكر باللسان عند البعض؛ لأن عمر ﵁ أنكر على من سمع ذلك منه، ولأن النية عمل القلب، والله تعالى مطلع على الضمائر، فالإفصاح في حقه غير مفيد فيكره.
قال شيخ الإسلام: الذكر به مع نية القلب سنة، وكذا في المحيط.
وقال الطحاوي، وقاضي خان: القصد مع الذكر باللسان أفضل؛ لأنه يقرر ما في القلب ويؤكده، وذلك أن السنة شرعت لإكمال الفرض، والذكر به مؤكد
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٣٩).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٠).
[ ١ / ٥٧٨ ]
ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ نَفْلًا يَكْفِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ سُنَّةٌ فِي الصَّحِيحِ، وَإِنْ
للفرض فيكون سنة (^١).
وفي جمل النوازل: لكن لا يقول: نويت لأنه يكون كذبًا إن لم يكن نوى، ويقع إخبارًا عن المحقق إن كان نوى من غير حاجة، ولكن يقول: اللهم إني أريد أن أصلي لك كذا فيسرها لي، وتقبلها مني، كما ورد عن محمد في إحرام الحج.
وفي الْمُجْتَبى: من عجز عن إحضار القلب في النية يكفيه اللسان؛ لأن التكليف بحسب الوسع (^٢).
وفي المبسوط: والتكلم بالنية لا يعتبر به، وإن فعله ليجمع عزيمة قلبه فحسن (^٣).
وقوله: (ثم إن كانت الصلاة نفلًا)، بيان كيفية النية.
(مطلق النية)، أي مطلق نية الصلاة؛ لأن العمل بعموم أفرادها متعذر، إذ الجمع بين الفرائض والنوافل في تحريمةٍ واحدةٍ لا يجوز، فيكون المراد أحدهما، فكان صرف اسم الصلاة إلى النفل أولى؛ لأنه أدنى فكان متعينا، والزيادة مشكوك فيها.
أو لأن النفل مشروع كل الأوقات فكان بمنزلة الحقيقة، وغيره بمنزلة المجاز، والكلام لحقيقته، كذا ذكره شيخ الإسلام.
وقوله: (في الصحيح)، احتراز عما ذكر بعض المشايخ أنه لابد من أن ينوي سُنَّة الرسول إذ فيها صفة زائدة على النفل المطلق كما في الفرض.
وفي التجنيس: والاحتياط أن ينوي متابعة الرسول (^٤).
وبه قال الشافعي، فإنه ذكر في شرح الوجيز، والحلية: النوافل ضربان، ما
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٤٢١)، وفتاوى قاضي خان (١/¬٣٨).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/¬١٠).
(٤) التجنيس والمزيد (١/ ٤١٦).
[ ١ / ٥٧٩ ]
كَانَتْ فَرْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الفَرْضِ كَالظَّهْرِ مَثَلًا لِاخْتِلَافِ الفُرُوضِ
يتعلق بسبب، أو وقت، فيشترط فيه نية فعل الصلاة والتعيين، فينوي سنة الاستسقاء، والخسوف والعيد، والتراويح، والضحى وغيرها.
وفي الرواتب: يتعين بالإضافة، فيقول: سنة الفجر، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، وفيما عداهما يكفي نية أصل الصلاة.
وقيل: في السنن الرواتب سوى ركعتي الفجر تكفي نية النفل، والأول أصح (^١).
وفي الْمُجْتَبى: وتكفي مطلق النية للنوافل، والسنن، والتراويح عند عامة مشايخنا (^٢).
وهو الصحيح؛ لأن السنن نوافل؛ لأنها غير مضمونة كالنوافل، ولا أسباب لها لأنها لتكميل الفرائض؛ لأن لها أسبابًا، وباختلاف الأسباب يختلف الواجب فلا يتعين إلا بالتعيين؛ كالظهر، يعني إذا قرن بلفظة اليوم أو الوقت بأن قال: ظهر اليوم أو الوقت فإنه ذكر شيخ الإسلام في مبسوطه.
وفي المحيط: لو نوى الظهر بدون ذكر اليوم، أو الوقت لا يجزيه؛ لأنه ربما كان عليه ظهر صلاة فاتته فلا يتعين، ولو نوى بلفظ الفرض لا يجزيه أيضًا لأن الفرائض متنوعة، أما لو نوى فرض الوقت في الوقت يجزيه وخارج الوقت لا؛ لأن بعد خروجه فرض الوقت العصر، والأولى أن ينوي ظهر اليوم سواء كان الوقت خارجًا أو لا لاختلاف الفروض (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: لابد من نية الصلاة، ونية الفرض، ونية التعيين حتى لو نوى الفرض لا يجزيه ولو نوى فرض الوقت، أو فرض الظهر يجزيه، وإن ظهر أنه خرج الوقت، والصحيح أنه لا يجزيه.
ولو نوى الظهر لا غير قيل: لا يجزيه والأصح أنه يجزيه ذكره في فتاوى
_________________
(١) انظر: فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/ ٢٦٢)، وحلية العلماء للشاشي (٢/ ٨٤).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢١).
(٣) المحيط البرهاني (١/ ٢٨٦).
[ ١ / ٥٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العتابي، وعند الشافعي ينوي الظهر المفروض وقال ابن أبي هريرة من أصحابه تجزيه نية الظهر أو العصر كما هو مذهبنا وجه قول الشافعي أنه قد يوجد من الصبي وممن صلى ثم أعاد في الجماعة ولا يكون فرضًا فوجب التمييز (^١).
وقلنا: ظهر اليوم يدل على الفرضية في حق المصلي وإن لم يكن فرضًا في حق الصبي، وفي حق من أعادها في الجماعة لا يكون ظهر اليوم، وإنما يقال: أعاد الظهر، مجازا وإن كان نفلًا حقيقةً، وفرض الوقت متحد، والقضاء عارض.
وفي جمل النوازل: لو نوى فرض الوقت يجزيه.
وفي الْمُجْتَبى: ولابد في الفرض من تعيينه كالعصر، والظهر، وفي اشتراط نية فرض الوقت ونية استقبال القبلة اختلاف المشايخ (^٢)، ولم يذكره في ظاهر الرواية، فعند الفضلي شرط، وعند الحامدي إن أتى به فحسن، وإن تركه لا يضر.
وفي الخزانة: وهو الصحيح.
وبعض المشايخ قالوا: إن كان يصلي في المحراب كما قال الحامدي، وإن كان يصلي في الصحراء فكما قال الفضلي، كذا في شرح الطحاوي.
ولو نوى فرض الوقت بعد ما خرج لا يجوز، وإن شك في خروجه فنوى فرض الوقت جاز بناءً على جواز القضاء بنية الأداء، وعند الشافعي لا يجوز في أصح الوجهين؛ لأنه لو تذكر فائتة عند آخر الظهر كان في وقتها بالحديث، وليس هي بظهر، مع أنه فرض الوقت (^٣).
وقلنا: وقتها، ولكن غير متعين للفائتة فلا يصدق عليها أنها فرض الوقت.
ثم لابد من نية العبادة وهي التذلل والخضوع على أبلغ الوجوه، وفيه
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢١).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢١).
(٣) انظر: المجموع للنووي (٣/ ٦٨) و(٦/ ١٨٢)، والإقناع للخطيب الشربيني (١/ ١٨٠).
[ ١ / ٥٨١ ]
(وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا بِغَيْرِهِ ينوي الصَّلَاةَ وَمُتَابَعَتَهُ) لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فَسَادُ الصَّلَاةِ مِنْ جِهَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ التِزَامِهِ.
الطاعة وهي فعل ما أراد الله منه، ونية القربة وهي طلب الثواب بالفعل، ثم يستديم هذه النيات من أول الصلاة إلى آخرها، خصوصًا عند الانتقال من ركن إلى ركن.
ولابد من نية العبادة في كل ركن، والنفل كالفرض فيها، إلا في وجه وهو أن ينوي من النوافل أنها لطف في الفرائض وتسهيل لها.
والأصح أنه يستحب ذكر النية باللسان، ويقول في الفرائض: اللهم إني أريد أن أصلي الفجر، أو الظهر، أو الجمعة، أو الوتر، أو العيد، فيسِّرْهُ وتَقبَّله مني.
ولابد من تعيين الوقت في القضاء دون الأداء، بأن نوى قضاء فجر يوم كذا وكذا والباقي، أو قضاء أول فجر عليه (^١).
وفي جامع الكردري: ينوي الجمعة، ولا ينوي فرض الوقت؛ لأنه مختلف فيه، وينوي الوتر لا الوتر الواجب لأنه مختلف فيه، وفي صلاة الجنازة ينوي الصلاة لله تعالى، والدعاء للميت.
قوله: (وإن كان مقتديًا) إلى آخره، وفي المحيط: لو نوى الشروع في صلاة الإمام أو الاقتداء به في صلاته يجزيه ولو نوى الاقتداء به لا غير، قيل: لا يجزيه، والأصح أنه يجزيه؛ لأنه جعل نفسه تبعًا له مطلقا، والمطلق لن يكون تبعا له من كل وجه، وهذا لو كان مُصلِّيًا بصلاته، ولو قال: نويت صلاة الإمام لا يجزيه؛ لأنه تعيين لصلاته، وليس باقتداء، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٢).
وفي شرح الطحاوي: لو نوى صلاة الإمام أجزأه، وقام مقام نيتين، وبه قال السَّرَخْسِي، والكرماني، والجلابي (^٣).
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٩٩)، والبحر الرائق لابن نجم (١/ ٢٩٣).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٨٧)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٢٨).
(٣) انظر: الأصل لمحمد بن الحسن (١/ ٢٠٩)، والمبسوط للسرخسي (١/¬١٠).
[ ١ / ٥٨٢ ]
قَالَ: (وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] ثُمَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَفَرْضُهُ إِصَابَةُ عَيْنِهَا، وَمَنْ كَانَ غَائِبًا فَفَرْضُهُ إِصَابَةٌ جِهَتِهَا،
وقيل: متى انتظر تكبير الإمام ثم كبر بعده كفاه عن نية الاقتداء؛ لأن الانتظاره قصد منه للاقتداء (^١)، والصحيح لا يصير مقتديا بمجرد الانتظار؛ لأنه متردد بين أن يكون للاقتداء، وبين أن يكون بحكم العادة، فما لم يقصد الاقتداء لا يصير مقتديًا.
قالوا: ولو أراد تسهيل الأمر على نفسه يقول: شرعت في صلاة الإمام، فيكفيه.
قال ظهير الدين المرغيناني: ينبغي أن يزيد على هذا ويقول: اقتداء به.
وفي فتاوى قاضي خان يقول: نويت أن أصلي مع الإمام ما يصلي الإمام (^٢).
وفي فتاوى الظهيرية: ينبغي للمقتدي أن لا يُعَيِّنَ الإمام عند كثرة القوم، وكذا في صلاة الجنازة عندها ينبغي أن لا يُعيَّنَ الميت، ولا يشترط نية أعداد الركعات بالإجماع مقتديا كان أو لا.
وفي الخلاصة: المقتدي يحتاج إلى أربعة أشياء: نية الصلاة، وتعيين الصلاة ونية الاقتداء، ونية القبلة عند البعض، والصحيح أنها ليست بشرط، وقد مر الاختلاف فيه.
والمنفرد يحتاج إلى ثلاثة: نية الصلاة، وتعيينها، ونية القبلة حتى يكون جائزا عند الكل، والإمام كالمنفرد، ولا تشترط نية الإمامة (^٣).
قوله: (إصابة جهتها)، أي جهة الكعبة، وهو الصحيح.
قال شيخي ﵀: جهتها هي الجانب الذي إذا توجه إليه الإنسان يكون مساميًا للكعبة، أو لهوائها تحقيقا أو تقريبا.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٢٨).
(٢) فتاو قاضي خان (١/¬٣٩).
(٣) انظر: تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ١٢٥)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٢٩٨).
[ ١ / ٥٨٣ ]
هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الوُسْعِ.
ومعنى التحقيق: أنه لو فرض خط من تلقاء وجهه على زاوية قائمة إلى الأفق يكون مارًا على الكعبة أو هواها، ومعنى التقريب: أن يكون ذلك منحرفا عنها، أو لهواها انحرافا لا تزول به المقابلة بالكلية، بأن بقي شيء من سطح الوجه مسامتا لها، أو لهواها.
وبيانه: أن مقابلة الشيء بالشيء إذا وقعت في مسافة قريبة تزول بانتقال قليل من اليمين أو الشمال - مناسب لتلك المسافة، وإذا وقعت في مسافة بعيدة لا تزول بمثل ذلك الانتقال، بل بانتقال مناسب لذلك البعد.
فإن إنسانا لو قابل إنسانًا في مسافة ذراع مثلا تزول تلك المقابلة بانتقال أحدهما يمينا بمقدار ذراع أو نحوها، وإذا وقعت المقابلة بينهما في مقدار ميل، أو فرسخ لا تزول تلك المقابلة إلا بمقدار مائة ذراع أو نحوها، بل يحتاج في زوال المقابلة إلى مسافة بعيدة مناسبة لذلك البعد على ما عرف تحقيقه في موضعه.
ثم إن مكة لما بعدت عن ديارنا بعدًا مفرطًا تتحقق المقابلة إليها في مواضع كثيرة، في مسافة بعيدة؛ فإنا لو فرضنا خطا من تلقاء وجه من استقبل القبلة على التحقيق في هذه البلاد، ثم فرضنا خطا آخر يقطع ذلك الخط على زاويتين قائمتين من جانب يمين المستقبل وشماله لا تزول تلك المقابلة والتوجه بالانتقال إلى اليمين والشمال على ذلك الخط بفراسخ كثيرة، فلذلك وضع العلماء القبلة في بلدة، أو بلدتين، وبلاد قريبة على سمت واحد بأن جعلوا القبلة ببخاري، وسمرقند، ونسف، وكش، وترمذ، وبلخ، ومرو، وسرخس موضع غروب الشمس إذا كانت في آخر الميزان وأول العقرب كما اقتضته الدلائل الموضوعة لمعرفة القبلة لبقاء المقابلة، وتحقق التوجه في هذا القدر ونحوه من المسافة، ولم يخرجوا لكل مسجد على حدة سمت الكعبة على التحقيق؛ لأن ذلك خارج عن الوسع.
وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عن قول أبي عبد الله الجرجاني حيث
[ ١ / ٥٨٤ ]
(وَمَنْ كَانَ خَائِفًا يُصَلِّي إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ) لِتَحَقُّقِ العُذْرِ، فَأَشْبَهَ حَالَةَ الِاشْتِبَاءِ
يشترط إصابة عينها للكل (^١).
وثمرة الاختلاف تظهر في اشتراط عينها، فعلى قوله يشترط؛ لأن نية عينها في وسعه، وعلى قول العامة لا يشترط؛ لأن إصابة عينها ليس في وسع الغائب، وإن أمكن بعيدًا لكن فيه حرج عظيم وهو مدفوع شرعًا، وفيه ما ليس في وسعه غير معتبر.
وفي الحلية: ومن كان غائبا ولم يجد من يخبره بالقبلة اجتهد في طلبها، وفي فرضه قولان قال في الأم: فرضه إصابة العين بالاجتهاد (^٢)، وهو قول الجرجاني من أصحاب أبي حنيفة ﵁.
والثاني: ما نقله المزني: إصابة الجهة (^٣)، وهو قول الباقين من أصحابه، ومن كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل يمنع المشاهدة كالأبنية فالأصح أن حكمه حكم الغائب، ولو كان الحائل أصليا كالجبل فله أن يجتهد، والأولى أن يصعد على الجبل حتى تكون صلاته إلى الكعبة يقينا (^٤).
وفي الْمُجْتَبى: وعن الفضلي ينوي بها مع استقبال القبلة (^٥)، قلت: وهذا أحوط.
وفي النظم: الكعبة قبلة من في المسجد الحرام والمسجد قبلة من بمكة ومكة قبلة الحرم والحرم قبلة العالم، وبه قال مالك.
قال أستاذنا: وهذا على التقريب فأما على التحقيق فالكعبة قبلة العالم.
قوله: (ومن كان خائفًا)، ولا فرق بين أن يكون الخوف من سبع، أو عدو، ويكون في البحر على خشبة يخاف الانحراف والفقه فيه أن المصلي يخدم الله تعالى فلابد من الإقبال على من يخدمه، والله تعالى منزه عن الجهة
_________________
(١) انظر: التجريد للقدوري (١/ ٤٥٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٢٩٨).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ١١٤).
(٣) انظر: مختصر المزني (ص ١٠٦).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٣).
(٥) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/ ٧٢).
[ ١ / ٥٨٥ ]
(فَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ القِبْلَةُ وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا اجْتَهَدَ وَصَلَّى) «لِأَنَّ
فيستحيل الإقبال عليه (^١)، فابتلانا بالتوجه إلى الكعبة لا أن العبادة لها، حتى لو سجد لها يكفر، فلما عزاه الخوف تحقق العذر، فأشبه حال الاشتباه في تحقق العذر فيتوجه إلى أي جهة قَدَرَ؛ لأن الكعبة لم تعتبر لعينها، بل للابتلاء فيتحقق المقصود بالتوجه إلى أي جهة قدر.
وقيد بقوله: (وليس بحضرته من يسأله)، فإنه لو أخبره أحد من أهل ذلك الموضع لا يجوز العمل بالاجتهاد، كذا في المحيط (^٢).
وفي فتاوى الظهيرية: المراد بمن يسأله من هو من أهل ذلك الموضع وهو يعلم جهة القبلة؛ لأنه أعرف بقبلتهم عادةً من غيرهم، حتى لو يكن من أهل ذلك الموضع، ولم يكن عالمًا بالجهة فهو والمتحري سواء، كذا في التجنيس للمصنف (^٣).
وفي قوله: (ليس بحضرته) إشارة إلى أنه ليس عليه أن يطلب من يسأله. وقوله (اجتهد) يشير إلى أنه لو صلّى بلا تحرّ فأصاب لم تجز صلاته لصيرورة جهة التحري قبل حالة الاشتباه، وعن أبي حنيفة ﵁: لو صلى في هذه الحالة بدون تحرّ يخشى عليه الكفر وإن أصاب؛ لأن الصحابة تحروا (^٤).
في السهيلي: روى عامر بن ربيعة -، وفي شرح الإرشاد: عبد الله بن عمر مكان عامر بن ربيعة - قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فلم يعرف
_________________
(١) إذا قصد بالجهة التحيز فهذا مما اتفق عليه العلماء، وإن أراد به الجهة أي جهة كانت فهذا خلاف ما جاءت به النصوص، ومذهب أهل السنة. ولعل المصنف يريد قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (٥/ ٤٢١) وفيه: وفي "مجموع النوازل ": إذا اشتبهت عليه القبلة في مفازة فتحرى ووقع تحريه على جهة، فأخبره عدلان أن القبلة إلى جهة أخرى، فإن كانا مسافرين لا يلتفت إلى قولهما؛ لأنهما يقولان عن اجتهاد، ولا يجوز للمجتهد ترك اجتهاده باجتهاد غيره، أما إذا كانا من أهل ذلك الموضع لا يجوز له إلا أن يأخذ بقولهما؛ لأن خبرهما فوق اجتهاده.
(٣) التجنيس والمزيد (١/ ٤٢٠).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١٠/ ١٩٤)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٦٦).
[ ١ / ٥٨٦ ]
الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - تَحَرَّوْا وَصَلَّوْا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵊»، وَلِأَنَّ العَمَلَ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ وَاجِبٌ عِنْدَ انْعِدَامِ دَلِيلٍ فَوْقَهُ، وَالِاسْتِخْبَارُ فَوْقَ التَّحَرِّي (فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ بَعْدَمَا صَلَّى لَا يُعِيدُهَا) وَقَالَ
أحد القبلة فصلينا، فجعل كل منا بين يديه أحجار فإذا أصبحنا إذا نصلي على غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ [البقرة: ١١٥] (^١).
وفي الكشاف: أي جهة التي أمرنا بها وارتضاها (^٢).
وفي شرح التأويلات: فثم قبلة الله، وفي شرح الإرشاد: قال ﵇ لهم: «تمَّت صلاتكم»، وفي رواية قال: «لا إعادة عليكم»، والاستخبار فوق التحري؛ لأن الخبر قد يكون حجة على الغير والتحري لا يكون حجة على الغير، وقال الشافعي يعيدها في ظاهر مذهبه؛ لأنه لما يتيقن بالخطأ ويمكن من أداء الفرض بيقين فيعيده (^٣)، كما لو تحرى في ثوبين أحدهما نجس، ثم ظهر بعد الصلاة في أحدهما بالتحري أنه نجس يقينا يعيد الصلاة بالإجماع، وكذا التحري في الأواني.
وفي قوله الآخر: لم تجب عليه الإعادة (^٤)، وهو مذهبنا، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦)، واختيار المزني، وفي حلية المؤمن: وهو الاختيار؛ لأن التكليف مقيد بالوسع، وليس في وسعه إلا جهة التحري.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١/ ٤٥٠، رقم ٣٤٥) و(٥/ ٥٥، رقم ٢٩٥٧)، وابن ماجه (١/ ٣٢٦، رقم ١٠٢٠) عن عامر بن ربيعة قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ، فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾». قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يضعف في الحديث.
(٢) تفسير الزمخشري الكشاف (١/ ١٨٠).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ١١٤)، والمجموع للنووي (٣/ ٢٢٣).
(٤) انظر: البيان للعمراني (٢/ ١٤٣)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٨١).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٨٤)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٩٩).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٣٥)، والإنصاف للمرداوي (٢/¬١٥).
[ ١ / ٥٨٧ ]
الشَّافِعِيُّ ﵀: يُعِيدُهَا إِذَا اسْتَدْبَرَ لِتَيَقُنِهِ بِالخَطَأ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَيْسَ فِي وُسْعِهِ التَّوَجُّهُ
فإن قيل: هذا التعليل لا يكون جوابًا لما ذكره الشافعي فإن له أن نقول: سلمنا أنه مقيد بالوسع لكن هذا حال العمل؛ فإن له أن يعمل حال توجه الخطاب لما في وسعه ولا يأثم بما فعل عند عدم الظهور بالخطأ، فأما لو ظهر الخطأ يقينا فكان فعله كلا فعله في حق وجوب الإعادة، كما لو تحرى في ثوبين أحدهما نجس وصلى فيه بالتحري أو توضأ بماء نجس بالتحري أنه طاهر، ثم ظهر كون الثوب أو الماء نجسا فإنه تلزمه الإعادة، وكما لو حكم حاكم باجتهاده ثم وجد نصا بخلافه تجب الإعادة، وما نحن بصدده من هذا القبيل.
قلنا: في هذا التعليل جواب له؛ لأن التكليف بالذي غاب عنه علمه على نوعين، أحدهما: ما غاب عنه علمه حقيقةً، ولكن لو استقصى في طلبه ممكن دركه، ويمكن العمل على وجه لا تبقى فيه شبهة.
والثاني: ما غاب عنه علمه حقيقةً، ولا يدرك حقيقته أحد وإن استقصاه، فمن الأول ما ذكرته من المسائل، وذلك لأن القاضي لما قضى باجتهاده ثم روي له نص بخلافه كان الجهل به جاء من تقصيره في الطلب، وكذا المصلي بالتحري في ثوب؛ لأن في وسعه إصابة الطاهر حقيقة لأنه يقدر على غسل ذلك بالماء، وإنما خفي نسيانه الطاهر منهما، وكذا في ماء الوضوء إذ في وسعه الاستخبار ممن له العلم بنجاسته، وإن لم يكن في وسعه كان في وسعه إراقته والتيمم الذي يخلفه بلا شبهة.
وأما علمه جهة الكعبة فمن النوع الثاني؛ لأن مبنى علمه جهة الكعبة للغائب عنها على النجم لا على خبر الناس؛ فإن المخبر إنما يخبره عن النجم أيضًا، ثم كل منهما عجز عن الاستدلال بالنجم لعارض الغيم، وذلك من الله تعالى، فيسقط به خطابه تعالى لما [لم] (^١) يعطه قدرة إزالته إياه فلم يعمل فيما مضى، وإن ظهر خطؤه بيقين كنص نزل بعد العمل بخلافه، أو نزل ولم يبلغه لا بتقصير منه كما في ابتداء حرمة الخمر وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، والمثبت من النسخة الثانية، والثالثة.
[ ١ / ٥٨٨ ]
إِلَى جِهَةِ التَّحَرِّي وَالتَّكْلِيفُ مُقَيَّدٌ بِالوُسْعِ (وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارَ إِلَى
الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] إلى ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].
ومن نظير النوعين جهل الذمي بالشرائع بعد الإسلام حيث يجب عليه قضاء ما مضى، وجهل الحربي بها بعده حيث لا يجب عليه قضاء ما مضى، هذا حاصل ما ذكره في الأسرار.
فلما كان كذلك كان قول المصنف: (والتكليف مقيد بحسب الوسع) راجع إلى الوسع الذي لو بالغ في الجهد لأصابه؛ لأنه محلى باللام فكان مستغرقًا لجميع ما ينطلق عليه اسم الوسع.
أو نقول في الفرق بينهما: أن النجاسة لا تحتمل الانتقال فلم يجز له العمل إلا بظاهر ما أدى إليه اجتهاده، فإذا ظهر ما هو أقوى منه أبطله؛ لأنه غير قابل للانتقال حتى يقال: إنه كان طاهرًا في ذلك الوقت، ثم تنجس بعده باليقين، وكذا في مسألة القضاء.
أما القبلة فتحتمل الانتقال، ألا ترى أنها انتقلت من بيت المقدس إلى الكعبة، ومن عين الكعبة إلى جهتها إذا بَعُد من مكة، ومن جهتها إلى سائر الجهات إذا كان راكبًا متنفلا، فبعد ما صلى إلى جهة بالتحري إذا تحول رأيه ينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة فكان تبدل الرأي فيه بمنزلة النسخ فيعمل به في المستقبل، ولا يظهر به بطلان ما مضى كما في النسخ الحقيقي؛ لأن الشرط أن يكون مبتلى بالتوجه إذ هو المقصود في الأمر بالتوجه كما بينا.
وهذا المقصود يحصل في أي توجه كان، ولهذا لو أدى اجتهاده إلى جهة فصلى إلى غيرها لم تجز صلاته وإن كان مصيبًا عند أبي حنيفة، ومحمد، والشافعي؛ لأن الجهة التي أدى إليها اجتهاده لما كانت قبلة في حقه حال الاشتباه، فإذا تركها فقد ترك المفروض عليه.
وعنه لو صلى بغير تحر يخشى عليه الكفر وإن أصاب لاستخفافه بحكم من أحكام الشرع، وقال أبو يوسف: يجوز إذا أصاب لحصول المقصود من التحري وهو التوجه، كما في الأواني إذا تحرى وتوضأ بغير ما أدى إليه اجتهاده، ثم تبين صوابه.
[ ١ / ٥٨٩ ]
القِبْلَةِ وَبَنَى عَلَيْهِ) لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ لَمَّا سَمِعُوا بِتَحَوُّلِ القِبْلَةِ اسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ، وَاسْتَحْسَنَهُ النَّبِيُّ ﵊، وَكَذَا إِذَا تَحَوَّلَ رَأْيُهُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى تَوَجَّهَ إِلَيْهَا لِوُجُوبِ العَمَلِ بِالاجْتِهَادِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ غَيْرِ نَقْضِ المُؤَدَّى قَبْلَهُ.
وقد قلنا الفرق بين التحري في الأواني وبين التحري في القبلة، إليه أشير في الإيضاح.
في الحضر صلى بغير تحري حالة الاشتباه، ثم تبين أنه أصاب، فعند أبي يوسف يمضي في صلاته؛ لأنه لو استأنف يصلي إلى هذه الجهة فلا فائدة في القطع ثم الاستئناف.
ولهما: أن حاله بعد العلم أقوى من حاله قبل العلم، فلو مضى يلزم بناء القوي على الضعيف وذا لا يجوز، بخلاف ما لو علم بعد الفراغ فإن ثمة لا يحتاج إلى البناء، وكذا في فتاوى قاضي خان، ولكنه لم يذكر فيه خلاف أبي يوسف وذكر أنه يقطع ويستقبل (^١).
وفي فتاوى العتابي: تحرّى ولم يقع تحريه على شيء، قيل: يؤخر الصلاة، وقيل: يصلي إلى أربع جهات، وقيل: يخير.
وفي المحيط: دخل مصرًا وعاين المحاريب لا يتحرى، وبه قال الشافعي، ولو دخل مسجدًا لا محراب له وبحضرته أهله لا يجزيه التحري إلا إصابة، ولو سألهم ولم يخبروه فتحرى وصلّى جاز (^٢).
(قباء) مقصور وممدود، قرية من قرى المدينة، وفي الكافي: كيفية الاستدارة أن يبدأ من الجانب الأيمن لا من الجانب الأيسر، ومن علم منهم.
وفي تجنيس المصنف: تحرَّى القبلة فأخطأ فدخل في الصلاة وهو لا يعلم، ثم علم حول وجهه إلى القبلة، ولو دخل رجل في صلاته وقد علم حاله الأولى لا تجوز صلاة الرجل؛ لأنه دخل في صلاته وعلم أن الإمام على الخطأ في أول صلاته، وفيه خلاف أبي يوسف (^٣).
_________________
(١) فتاوى قاضي خان (١/¬١٨، ٣٦).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٨١، ٢٨٥).
(٣) التجنيس والمزيد (١/ ٤٢٢).
[ ١ / ٥٩٠ ]
قَالَ: (وَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَتَحَرَّى القِبْلَةَ وَصَلَّى إِلَى المَشْرِقِ وَتَحَرَّى مَنْ خَلْفَهُ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى جِهَةٍ، وَكُلُّهُمْ خَلْفَهُ وَلَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ الإِمَامُ أَجْزَأَهُمْ لِوُجُودِ التَّوَجُهِ إِلَى جِهَةِ التَّحَرِّي، وَهَذِهِ المُخَالَفَةُ غَيْرُ مَانِعَةٍ، كَمَا فِي جَوْفِ الكَعْبَةِ (وَمَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ بِحَالِ إِمَامِهِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ إِمَامَهُ عَلَى الخَطَا وَكَذَا لَوْ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الإِمَامِ) لِتَرْكِهِ فَرْضِ المَقَامِ.