(وهذه المخالفة)، إلى آخره، يعني وقع صلاتهم إلى القبلة؛ لأن جهة تحري كل أحد قبلةً له، فلا بأس بالاختلاف، كما لو صلى في جوف الكعبة بالجماعة، وبه قال الشافعي (^١)، وقال بعض أصحابه: عليهم الإعادة؛ لأن فعل الإمام في اعتقادهم متردد بين الخطأ والصواب، ولو لم يتعين للإمام بأن رأى رجلين يصليان فنوى الاقتداء بواحد لا بعينه لا يجوز، وكذا لم يتعين فعل الإمام.
(وكذا لو كان متقدمًا عليه)، يعني لو علم أنه تقدم أمامه.
[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]
في البدرية: لما فرغ عن بيان الشروط شرع في بيان المشروط ليكون الذكر على وفاق الوجود.
ثم الوصف والصفة مصدران؛ كالوعظ والعظة، والوعد والعدة، والوزن والزنة، وفي الصحاح: وصف الشيء وصفًا وصفةً، فالهاء عوض عن الواو (^٢)، كما في الوعد والعدة.
وفي اصطلاح المتكلمين: الوصف ما قام بالواصف، وهو قوله: زيد عالم، والصفة ما قام بالموصوف.
ثم قوله: (صفة الصلاة) من قبيل إضافة الجزء إلى الكل؛ لأن كل صفة مما
_________________
(١) الأم للشافعي (١/ ١١٦)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٧١).
(٢) الصحاح للأزهري (٤/ ١٤٣٨).
[ ١ / ٥٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قاله في الكتاب جزء الصلاة إلا التكبير والقعدة الأخيرة، ويعني بالأوصاف الذاتية أي الأجزاء ولهذا قيل: شرط الشيء ما يتوقف عليه ذلك الشيء، وهو خارج عن ماهيته، وركنه ما يتوقف عليه وهو داخل في ماهيته.
وفي الغاية: شرط الشيء ما يتوقف عليه صحة الشيء، وركنه ما يتوقف وجوده وتصوره عليه.
وفي التتمة لأصحاب الشافعي: الركن لو تركه عامدًا تبطل صلاته، ولو تركه ساهيًا يلزم العود إليه، ولا ينجبر بالسجود، وفيه تأمل.
وفي المستصفى: هذا من قبيل إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن هذه الصفات التي نحن بصددها ليست وراء الصلاة (^١)، وفيه تأمل.
وعن مولانا حميد الدين: يشترط لثبوت الشيء ستة أشياء: العين، وهي عبارة عن ماهية الشيء، والركن وهو عبارة عن جزء الماهية، والحكم وهو الأثر الثابت به، والمحل، والشرط، والسبب.
فالعين: الصلاة هاهنا، وهو الأركان: القيام والقراءة، والسجود، والركوع.
والمحل: المكلف، والشرط: ما يقدم في باب الشروط.
والحكم: الجواز، والثواب، والسبب: الأوقات.
ثم قال: (ستة) (^٢)، والقياس أن يقول: ست؛ لأن الفرائض جمع فريضة وهي مؤنثة؛ لأن علامة التأنيث من الثلاثة إلى العشرة حذف التاء، لكنه قال على تأويل الفروض كقول الشاعر (^٣):
وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالُهَا فَلا مُزنَةً وَدَقَتْ وَدْقَها
_________________
(١) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٤٤٤).
(٢) انظر المتن ص ٥٩٣.
(٣) عجز بت، صدره: فَلا مُزنَةً وَدَقَتْ وَدْقَها … وهو لعامر بن جوين الطائي، وانظر: الكتاب (٢/¬٤٦)، والخزانة (١/¬٤٥).
[ ١ / ٥٩٢ ]
(فَرَائِضُ الصَّلَاةِ سِتَّةُ: التَّحْرِيمَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]
على تأويل المكان، وفي بعض النسخ: (ست)، وهو الأصح.
وإنما قال: (فرائض) لا الأركان؛ لأن لفظ الفرائض أعم من الأركان، والشروط، وقد عد التحريمة والقعدة الأخيرة، وإنهما فرضان وليستا بركنين، وإنما عدَّ التحريمة في باب صفة الصلاة وإن كانت من الشروط؛ لأنها متصلة بالصلاة بحيث لا يفصل بينهما، بخلاف سائر الشروط.
(التحريمة) جعل الشيء مُحرَّمًا، والهاء لتحقيق الإسمية، وإنما اختصت التكبيرة الأولى بهذا الاسم لأن بها تحرم الأشياء المباحة قبله بخلاف سائر التكبيرات، كذا في المستصفى (^١).
قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]، أي: الذي ربَّاك خُصَّهُ بالتكبير، وهو الوصف بالكبرياء، روي أنه لما نزلت قال ﵇: «الله أكبر»، فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي؛ فإن سورة المدثر أول سورة نزلت، ودخلت الفاء بمعنى الشرط، كأنه قيل: أي شيء كان فلا تدع تكبيره، كذا في الكشاف (^٢).
ثم الشروع في الصلاة بالتكبير عرف ذلك بالكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] نزلت هذه الآية في التكبيرة الأولى، وقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]، والمراد به في الصلاة إذ لا يجب خارج الصلاة بإجماع أهل التفسير.
أما السنة: فما روى أبو هريرة ﵁، وأبو سعيد الخدري: أنه ﵇ قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (^٣).
_________________
(١) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٤٤٧).
(٢) تفسير الزمخشري الكشاف (٤/ ٦٤٥).
(٣) أخرجه الترمذي (١/ ٣١٧، رقم ٢٣٨)، وابن ماجه (١/ ١٠١، رقم ٢٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١ / ٥٩٣ ]
وَالمُرَادُ تَكْبِيرَةُ الافْتِتَاحِ، (وَالقِيَامُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
أما الإجماع: فلأنه لم يخالف أحد في فرضيته، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وفي مبسوط السَّرَخْسِي: أما التكبير فلا بد للشروع في الصلاة، إلا على قول أبي بكر الأصم، وإسماعيل ابن علية فإنهما يقولان: يصير شارعًا بمجرد النية، والأذكار كالتكبير والقراءة عندهما زينة الصلاة وليست من الواجبات (^١)؛ لأن مبنى الصلاة على الأفعال لا على الأركان، ألا ترى أن العاجز عن الأذكار تلزمه الصلاة إن كان قادرًا على الأفعال بخلاف العكس.
قلنا: تعظيم الله تعالى واجب بكل الأعضاء، واللسان أشرف الأعضاء فلا بد من أن يتعلق به شيء من الصلاة، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] يبين أن المقصود ذكر الله تعالى على سبيل التعظيم، فيبعد أن يقال ما هو المقصود لا يكون فرضًا، وقال ﵇: «تحريمها التكبير»، فدل أنه لا يصير شارعًا بدونه.
قوله: (والمراد تكبيرة الافتتاح)، أي بإجماع أئمة التفسير، ولأن سائر التكبيرات ليس بفرض بالإجماع، فتعين هذا للفرضية لئلا يؤدي إلى تعطيل النص.
(﴿قَنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨])، أي خاضعين، والقنوت الخضوع، أو مطيعين.
وفي المغرب: القنوت الطاعة (^٢).
قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠] نزل في شأن الصلاة بدليل سياق الآية، وسياقها قال الله تعالى: ﴿أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ولأن الأمر للوجوب، وهذه الأفعال لا تجب في غير الصلاة، فثبت أنها تجب في
_________________
(١) = قال الترمذي: حديث علي بن أبي طالب أجود إسنادًا وأصح من حديث أبي سعيد، وقال ابن الملقن: وقال العقيلي: إسناده لين، وهو أصلح من حديث جابر. وقال عبد الحق في "أحكامه": هذا حديث لا يصح. البدر المنير (٣/ ٤٥٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬١١).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٩٤).
[ ١ / ٥٩٤ ]
(وَالْقِرَاءَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَالقَعْدَةُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ
الصلاة، كذا في الأسرار.
قوله: (القعدة في آخر الصلاة)، وفي الإيضاح: أنها فرض وليست بركن؛ لأن ركن الشيء ما يفسر به ذلك الشيء، والصلاة لا تفسر بالقعدة الأخيرة، ولهذا لو حلف أن لا يصلي فقام وقرأ وركع وسجد يحنث، فلو كانت القعدة ركنا لتوقف الحنث عليها؛ لأن الحنث لا يتحقق إلا بعد وجودها.
ولو كان الفقه في عدم ركنيتها أن الصلاة تعظم، وأصل التعظيم في القيام، ويزداد بالركوع، ويتناهى بالسجود، فأما القعدة فللخروج عنها فكانت معتبرة لغيرها لا لعينها فلم تكن ركنا.
والفرق بينها وبين القعدة الأولى ما روي أنه ﵇ قام إلى الخامسة فسبح فرجع، وقام إلى الثالثة فسبح فلم يرجع، فدل على اختلاف حكمهما، وقال ﵇ «إذا رفعت رأسك من آخر سجدة وقعدت - وفي رواية - وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك» (^١)، علق التمام بالقعود والفقه مستنبط من هذا اللفظ وقدر الفرض في القعدة مقدار قراءة التشهد لأنه لما قام دليل فرضيتها وقد ورد الشرع بقراءة التشهد فيها استدللنا بذلك على أنه مقدر به.
وقيل: مقدار ما يأتي بالشهادتين والأول هو الأصح، علق التمام يعني قراءة التشهد بدون القعدة لا يكون محسوبا بالإجماع فيكون التمام معلقا بالفعل ولأنه ثبت باتفاق الأخبار أنه ﵇ ما سلم إلا بعد القعدة والأمر بالصلاة مجمل فيكون فعله بيانا كذا في الأسرار.
فإن قيل: لو كان الفعل فرضًا بقوله: «إذا قلت هذا»، فما فائدة قوله: «أو فعلت»؟
قال الكردري: تثبت فرضيتها بقوله: «إذا قلت»، وفرضية القعدة بانفراده بقوله: «أو فعلت».
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٥٩٥ ]
(مِقْدَارَ التَّشَهُدِ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، حِينَ عَلَّمَهُ التَّشَهَّدَ: إِذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ عَلَّقَ التَّمَامَ بِالفِعْلِ قَرَأَ أَوْ لَمْ يَقْرَأ.
قَالَ: (وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُنَّةٌ) أَطْلَقَ اسْمَ السُّنَّةِ، وَفِيهَا وَاجِبَاتٌ
فإن قيل: تثبت الفرضية بالكتاب، أو المتواتر، ولم يوجد كلاهما.
قلنا: لابد من الخروج عن الصلاة، وهو يثبت بخبر متواتر، فكان هذا بيانًا من الشرع، كذا في كشف الأسرار.
وفي الكافي، والخبازية: ذكر في القرآن: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ولم يعلم تمامها في أي وقت، فالحديث بين تمامها بالقاعدة.
وفي البدرية، والمستصفى: أن الفرضية لا تثبت ابتداءً بخبر الواحد، أما البيان به فيصح، كما في مسح الرأس، ولأنا نجعل القعدة شرط صحة التسليم الذي هو تحليل لا ركن لا تتم الصلاة بدونها، والثابت بالكتاب الصلاة والفروض تثبت بالسنة، فكذا شروطها تثبت بها (^١).
وحقيقة هذا الكلام أن القعدة فرض عملًا لا اعتقادًا، وبخبر الواحد يثبت هذا الفرض؛ كالوتر عند أبي حنيفة؛ لأنه في درجة الواجب، ولهذا لا يكفر منكر فرضيتها كمالك (^٢)، وأبي بكر الأصم، والزهري؛ لما عرف في الأصول فإنها عندهم سنة إلا مقدار إيقاع السلام، ولأن الإتيان بالسلام واجب، ومحله القعدة فيراد القعود لغيره فيتقدر به كذا في شرح الجمع.
وذكر في المنظومة: القعدة الأخيرة ليست بفرض عند مالك مطلقًا.
قوله: (وما سوى ذلك)، وفي الْمُجْتَبَى: يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الفرائض المذكورة، وإليه ذهب أكثر الشارحين، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى قدر التشهد فيكون إخبارًا عن القعود الذي يصلي فيه على النبي ﷺ ويدعو ويسلم، وهو الأشبه؛ لأن الفقهاء جعلوا أفعال الصلاة أقسامًا واجبات، وسننا، وآدابا (^٣).
_________________
(١) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٤٥٠).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٢١٨)، والمدخل لابن الحاج (١/ ٥٧).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٧).
[ ١ / ٥٩٦ ]
كَقِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ وَضَمِّ السُّورَةِ إِلَيْهَا وَمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّرًا مِنْ الأَفْعَالِ،
فإنه ذكر في مبسوط شيخ الإسلام، والتحفة للصلاة واجبات، وسنن، وآداب، فالواجبات ثمانية، وهي مذكورة في الكتاب والسنن: وهو ما فعله النبي ﵇ على المواظبة ولم يتركها إلا بعذر؛ كالثناء، والتعوذ، وتكبيرات الركوع والسجود، والآداب ما فعله النبي ﵇ مرةً، أو مرتين؛ كزيادة التسبيحات فيهما، والزيادة على القراءة المسنونة (^١).
إنما لم يذكر المصنف قراءة التشهد في القعدة الأولى من الواجبات وهي منها، ذكره في المبسوطين (^٢).
ولم يذكر تعديل الأركان أنه واجب عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه ما التزم ذكر جميع الواجبات، بل أرى عددًا من نظائرها بقوله: (كقراءة الفاتحة) إلى آخره.
ولأنه ذكر أن قراءة التشهد في القعدة الأولى سنة، وفي عامة النسخ: (والأصح أنها واجبة)، فجاز أن يقع اختياره على أنها سنة، وهو اختيار صاحب التحفة (^٣).
وكذا في تعديل الأركان اختلاف، فعند الكرخي واجب، وعند الجرجاني سنة، فعلى هذا يجوز إن ترك ذكرهما الاختلاف.
(فيما شرع مكررًا)، أي في ركعة واحدة كالسجدة؛ فإن الترتيب بين السجدتين واجب أي التوالي بينهما، حتى لو قام إلى الثانية بعد السجدة الأولى
_________________
(١) انظر: تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ٩٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٧٦).
(٢) قال السرخسي في المبسوط (١/ ٢٢٠): قال: (فإن سها عن قراءة التشهد في القعدة الأولى، وتكبيرات العيد، أو قنوت الوتر، ففي القياس لا يسجد للسهو)؛ لأن هذه الأذكار سنة فبتركها لا يتمكن كثير نقصان في الصلاة، كما إذا ترك الثناء والتعوذ، ولهذا كان مبنى الصلاة على الأفعال دون الأذكار، وسجود السهو عرف بفعل رسول الله ﷺ، وما نقل ذلك عنه ﷺ إلا في الأفعال.
(٣) انظر: تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ٩٦) وفيه: وأما واجبات الصلاة فثمانية قراءة الفاتحة والسورة في الأوليين … ومنها القعدة الأولى وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة …
[ ١ / ٥٩٧ ]
وَالقَعْدَةِ الأُولَى، وَقِرَاءَةِ التَّشَهُدِ فِي القَعْدَةِ الأَخِيرَةِ، وَالقُنُوتِ فِي الوِتْرِ، وَتَكْبِيرَاتِ العِيدَيْنِ، وَالجَهْرِ فِيمَا يُجْهَرُ، فِيهِ وَالمُخَافَتَةِ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ، وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَنَا السَّهْوِ بِتَرْكِهَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ،
قبل الثانية يكون القيام معتدا به؛ لأنه لم يترك إلا الواجب، ويقضي السجدة الثانية في الركعة الثانية، أما لو لم يقض أصلا تفسد صلاته، كذا في الكافي (^١).
وفي الخبازية: الترتيب فرض فيما اتحدت شرعيته في كل ركعة؛ كالقيام، والركوع، أو اتحدت شرعيته في جميع الصلاة؛ كالقعدة، حتى لو قعد قدر التشهد ثم عاد إلى السجدة الصلبية أو تذكر في الركوع أنه لم يقرأ السورة يرتفض ما أدى قبله من الركوع والقعدة.
والترتيب ليس بفرض فيما تعددت شرعيته فيه، أو في كل ركعة، حتى لو
تذكر في ركوع الركعة الثانية أنه ترك السجدة من الركعة الأولى فانحط من ركوعه فسجدها لا يلزم عليه إعادة الركوع، وكذا الترتيب فيما بين الركعات ليس بفرض حتى.
قلنا: المسبوق يقضي أول صلاته، وإنما كان كذلك لأن ما اتحدت يراعى وجوده صورة ومعنى في محله تحرزا عن تفويت ما تعلق به جزءًا أو كلا؛ إذ لا يمكن استيفاء ما تعلق به جزءًا أو كلا من جنسه ضرورة اتخاذه في شرعيته، والأفراد في الشرعية دليل توقف ذلك عليه.
(هذا)، أي وجوب سجدة السهو، أو كونها واجبات هو الصحيح، وهو احتراز عن جواب القياس في تكبيرات العيد، وقنوت الوتر فإن فيهما القياس والاستحسان، لكن الصحيح جوابه.
في المبسوط: يترك التشهد في القعدة الأولى، وتكبيرات العيد، والوتر ساهيًا لا يسجد للسهو في القياس؛ لأن هذه الأذكار سُنة فبتركها لا يجب السهو؛ لعدم تمكن كثير نقصان في الصلاة، كما في ترك الثناء، والتعوذ، وسجود السهو، عرف بفعل النبي صلى عليه وسلم، وما نقل ذلك إلا في
_________________
(١) انظر: درر الحكام لابن فرامرز (١/ ٧٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٧٧).
[ ١ / ٥٩٨ ]
وَتَسْمِيَتُهَا سُنَّةٌ فِي الكِتَابِ لِمَا أَنَّهُ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُّنَّةِ.
قَالَ: (وَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ) لِمَا تَلَوْنَا، وَقَالَ ﵊:
الأفعال (^١).
وفي الاستحسان: يسجد للسهو؛ لأن هذه السنة تضاف إلى جميع الصلاة، يقال: تكبيرات العيد، وقنوت الوتر، وتشهد الصلاة، فبتركها يتمكن النقصان في الصلاة، فأما ثناء الاستفتاح فغير مضاف إلى الصلاة، فبتركه لا يتمكن النقصان فيها.
وفي الخبازية: قوله (وهو الصحيح) احتراز عما قال البعض أن يترك الجهر أو المخافتة فيما يجهر ويخافت لا يجب السهو؛ لأنهما ليستا بمقصودين، فكانا كالقومة بين الركوع والسجود.
وقلنا: نعلق بالجهر الاستماع وهو مقصود، وبالمخافتة دفع إيذاء الكفرة، قال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وإذا تعلق معنى مقصود بهما صارا مقصودين بنفسيهما فيتعلق بتركهما سجود السهو.
(ثبت وجوبها)، أي وجوب هذه الأشياء بالسُّنَّة، وفي البدرية: هذا إطلاق اسم السبب على المسبب.
قوله: (وإذا شرع)، أي أراد الشروع؛ لأنه يصير شارعًا بعد التكبير فيكون حقيقة غير مراد، ولهذا صرح محمد في المبسوط بقوله: وإذا أراد الدخول في الصلاة كبر، وهذا من قبيل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: أردت قراءته، فيكون إطلاق الاسم الملزوم على اللازم (^٢)، وقد مرَّ بيان كون التكبير تحريما.
ثم الشروع فيها فرضها ونفلها لا يصح بدون تكبيرة الافتتاح عند عامة العلماء إلا في الأخرس والأمّي حيث يصير شارعًا فيها بدون التكبير، بالنية، ولا يجب عليهما تحريك اللسان عندنا (^٣)، وأحمد (^٤)، وعند الشافعية يجب
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٢٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬١٣).
(٣) انظر: فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٧٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٦٣).
(٤) انظر: الإنصاف للمرداوي (٢/¬٤٣)، والإقناع للحجاوي (١/ ١١٣).
[ ١ / ٥٩٩ ]
«تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، حَتَّى إِنَّ مَنْ تَحَرَّمَ لِلْفَرْضِ كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهَا التَّطَوُّعَ عِنْدَنَا.
التحريك (^١)، وقال الزهري، والأوزاعي، وأبو بكر الأصم وطائفة: يدخل فيها بالنية بلا تكبير؛ لأن مبنى الصلاة على الأفعال دون الأقوال والأذكار، ولهذا تجب الصلاة على العاجز عن الأقوال والقادر عليها دون العكس، وللعامة قوله ﵇: «تحريمها التكبير»، الحديث.
(وهو)، أي: التكبير شرط عندنا (^٢)، أي التكبير شرط، وذكر فخر الإسلام في مبسوطه، وجامعه أنه ركن (^٣)، كما قال الشافعي (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦) وغيرهم؛ لأنه من نفس الصلاة، ولا تتصور الصلاة بدونه، حتى أن من تحرم - وفي جامع الكردري: أدى - الصلاة بشرط واحد يجوز، وبركن واحد لا يجوز.
فإن قيل: تعيين المسألة في بناء النفل على الفرض دون غيره من بناء الفرض على تحريمة الفرض، أو النفل على النفل، أو الفرض على النفل، يشير إلى أنه لا يجوز وكونها شرطًا يقتضي الجواز في الكل؛ لأن أداء الصلوات بشرط واحد يجوز، كما في الطهارة، ولبس الثوب.
قلنا: ذكر في فتاوى الظهيرية: أما بناء الفرض على تكبيرة الفرض، قيل: لا يجوز، وقال أبو اليسر: يجوز.
وفي الأسرار، وجامع فخر الإسلام: يجوز بناء النفل على النفل، ولا يجوز بناء الفرض على الفرض؛ لأن إحرام أحد الفرضين لا ينتظم الفرض الآخر.
وأما بناء الفرض على النفل فما وجد فيه رواية، ولكن يجب أن لا يجوز
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٢٣)، والبيان للعمراني (٢/ ١٦٩).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٣٠)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩١).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٥٥).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٩٤)، والمجموع للنووي (٣/ ٢٨٩).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٦١)، والذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٧).
(٦) انظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ١١١)، والإقناع للحجاوي (١/ ١٣٣).
[ ١ / ٦٠٠ ]
وَهُوَ يَقُولُ:
بتعليل فخر الإسلام، وصدر الإسلام؛ فإنهما جوزا بناء المثل على المثل، وذلك لا يدل على جواز بناء الأقوى على الأضعف، وروي عن أبي اليسر أنه يجوز بناء الفرض على النفل (^١).
وأما الجواب عن قوله (كما في الطهارة ولبس الثوب) فيما قاله صاحب الأسرار: أن مع كونه شرطًا عقد على الأداء كعقد الإجارة على أداء عمل في مقابلة آخر، والعقد على الفرض يتضمن مطلق الصلاة فيجوز بناء النفل عليه، ومن حيث إنه عقد على الأداء كعقد الإجارة لا يكون عقدًا على فعل آخر، ولكن لما كان المبني أدنى حالا من المبني عليه عملنا بجهة الشرطية، وفي غيره بمعنى العقدية بخلاف الطهارة، ولبس الثوب فإنهما شرطان محضان.
وفي الإيضاح: ثمرة الخلاف تظهر في جواز بناء النفل على تحريمة الفرض، فعندنا يجوز خلافًا له.
وفي الْمُجْتَبى: فائدته تظهر في جواز بناء النفل والسنة على الفرض.
وفي النظم (^٢): يجوز أداء صلوات كثيرة بتكبيرة واحدة عندنا خلافًا له، حتى لو بنى على الظهر ركعتيه، أو العصر، أو فائتته، أو على النفل نفل آخر أجزأه، وقال أبو الفضل (^٣): لا يجوز بناء الفرض على الفرض، ولا الفرض على النفل دون عكسه؛ كالاقتداء (^٤).
ويظهر أيضًا فيما إذا كبر وفي يده نجاسة فألقاها عند فراغه منها، أو مكشوف العورة يسترها عند الفراغ منها بعمل يسير، أو شرع في التكبير قبل الزوال، ثم زال عند الفراغ منها لا تفسد صلاته عندنا.
(هو يقول)، أي الشافعي، في الإيضاح: قال الشافعي هذا شروع منه فيها، والشروع عبارة عن أول جزء فكان ركنا كالجزء الثاني.
_________________
(١) انظر: فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٧٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٦٥).
(٢) في المجتبى: بحر المحيط، وشرح الصباغي.
(٣) في المجتبى: وفي شرح البزدوي.
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٧).
[ ١ / ٦٠١ ]
إِنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الأَرْكَانِ وَهَذَا آيَةُ الرُّكْنِيَّةِ.
وَلَنَا: أَنَّهُ عَطَفَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] وَمُقْتَضَاهُ المُغَايَرَةُ، وَلِهَذَا لَا يَتَكَرَّرُ كَتَكَوُّرِ الأَرْكَانِ، وَمُرَاعَاةُ الشَّرَائِطِ
(ولهذا يشترط لها)، أي: للتحريمة ما يشترط لسائر الأركان من الطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة.
(وهذا)، أي: اشتراط ما يشترط لسائر الأركان علامة الركنية، يؤيده قوله ﵇: «إِنَّ صَلاتَنا هذه لا يَسَعُ (^١) فيها شيءٌ من كلام الناس، وإنّما هي التكبير، والتسبيح، وقراءة القرآن» (^٢).
(ولنا أنه)، أي: الله تعالى، أو الشارع.
(عطف الصلاة عليه)، أي على التكبير في النص، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى … وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]، عطف الصلاة بحرف الفاء على الذِّكْرِ، والذكر الذي تعقبه الصلاة بلا فصل ليس إلا التحريمة بالاتفاق، فيقتضي هذا النص أن يكون التكبير خارج الصلاة؛ إذ التكبير لا يجب مرتين بالإجماع، فتكون الصلاة المعطوفة خالية عنه.
وهو معنى قوله (ومقتضاه)، أي: ومقتضى العطف (المغايرة) على سبيل التعقيب.
وفي الكافي: العطف يوجب المغايرة، والجزء لا يغاير الكل عند أهل السنة والجماعة؛ كالواحد من العشرة وعطف الكل على الجزء لا يجوز كما يقال: رأيت زيدًا ورأسه ولا يجوز عطف الجزء على الكل أيضًا لعدم المغايرة بينهما والعطف يقتضي المغايرة وفيه تأمل. وأما قوله أنه شروع في الأداء غير مسلم بل هو عقد على الأداء كما بينا والأداء يكون بعده ولئن كان شروعًا فلا يلزم أن يكون ركنا إذ الأداء بعده وأما الحديث فليس بمجرئ على ظاهر فإن التسبيح ليس بركن الإجماع مع أنه قال: شرع لكذا، وهذا لا يدل
_________________
(١) كذا في النسخة الثانية، والحديث أخرجه مسلم بلفظ: (لا يصلح).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٣٨١، رقم ٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁.
[ ١ / ٦٠٢ ]
لِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ القِيَامِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ، وَهُوَ سُنَّةٌ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ
على الركنية، وأما القراءة فإنما هي ركن بنص آخر.
وقوله: ومراعاة الشرائط جواب عما قال الشافعي يشترط للتكبير ما يشترط لسائر الأركان يعني مراعاتها لأجل القيام الذي يتصل بالتكبير لأجله عملًا بموجب الفاء في النص فلو لم يشترط فيه ما يشترط في الصلاة يؤدي ذلك إلى الفصل بينه وبينها وهذا كعبد اشتراه الهاشمي يأخذ حكم مولاه في حرمان الزكاة لاتصاله به لا لذاته، كذا في الخبازية مع أن هذا منقوض بالنية فإنها شرط بالإجماع ويشترط لها ما يشترط لسائر الأركان.
قوله: (ويرفع يديه): يجعل باطن كفيه نحو القبلة، ولا يفرج كل التفريج.
وفي المبسوط: لا يتكلف بتفريق الأصابع عند الرفع، والذي روي أنه ﵇ "كبر ناشرًا أصابعه "؛ معناه: ناشرًا من طيها؛ بأن لم يجعلها مَثْنِيًّا بضم الأصابع إلى الكف (^١).
وفي مبسوط شيخ الإسلام وظن البعض أنه المراد بالنشر التفريج، وهو غلط؛ بل أراد به النشر على الطَّيّ؛ يعني: يرفعهما مبسوطتين لا مضمومتين حتى يكون الأصابع مع الكف مستقبل القبلة (^٢).
وفي جمل النوازل استقبال القبلة بالكفين ونشر الأصابع فيه سنة، كذا روي عن النبي ﵇، وإخراج اليدين عن الكمين سنة إزالة للتكبير (^٣).
(وهو)؛ أي: رفع اليدين.
(سنة)؛ لأنه ﵇ علم الأعرابي الصلاة، وبين الأركان والواجبات، ولم يذكر رفع اليدين، لكن واظب عليه، فيكون سنة. كذا في المبسوط (^٤).
ولهذا لو كبر ولم يرفع يديه حتى فرغ من التكبير؛ لم يأت به؛ لكونه سنة فات محلها، ولو ذكره في أثناء التكبير رفع، وإن رفعهما قدر ما أمكن رفعهما
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬١١).
(٢) انظر: النهر الفائق شرح كنز الدقائق لسراج الدين بن نجيم (١/ ٢٠٠).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٦٧).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬١١).
[ ١ / ٦٠٣ ]
عَلَيْهِ»، وَهَذَا اللَّفْظُ يُشِيرُ إِلَى اشْتِرَاطِ المُقَارَنَةِ، وَهُوَ المَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالمَحْكِيُّ عَنِ الطَّحَاوِي (*)، وَالأَصَحُ أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ يُكَبِّرُ، لِأَنَّ فِعْلَهُ نَفْيُ
ولم يمكنه إلا بالزيادة على المسنون رفعهما؛ لأنه أتى به وزيادة. وبالكل: قال الشافعي (^١)، وأحمد (^٢).
(وهذا اللفظ)؛ أي: قوله: مع التكبير. يشير إلى اشتراط المقارنة؛ لأن كلمة (مع) للمقارنة.
(وهو المروي عن أبي يوسف، والمحكي عن الطحاوي): وهو اختيار شيخ الإسلام خواهر زاده، وقاضي خان (^٣)، وصاحب التحفة، وبه قال أحمد (^٤)، ومالك في المشهور منه (^٥)؛ لأن الرفع شرع لزيادة الإعلام، فيكون تبعًا للتكبير، كالجهر به، وإذا كان كذلك؛ يجب أن يكون مقارنا لتكبير الركوع والسجود والقيام، فإن من سنتها المقارنة.
(والأصح أنه)؛ أي: المصلي يرفع [يديه] أولًا.
وفي المبسوط: وعليه عامة المشايخ؛ لأن في قوله وفعله معنى النفي والإثبات؛ إذ برفع اليدين ينفي الكبرياء عن غير الله، وبالتكبير يثبته الله تعالى، فيكون النفي مقدمًا عليه، كما في كلمة الشهادة (^٦)، إلا أن أبا يوسف يقول: يثبت التقدم فيها ضرورة التكلم، ولا ضرورة هاهنا.
والأولى أن لا يخلو فعل من أفعال الصلاة عن الذكر، فعلى [هذا] (^٧) قيل: ينبغي أن يكون ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع، وانتهاؤه مع انتهاء إرسال اليدين؛ حتى لا يخلو شيء منها عن الذكر.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الطرفين.
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٩٨)، والبيان للعمراني (٢/ ٢٠٧).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣٣١)، والمبدع لابن مفلح (١/ ٣٨٠).
(٤) انظر: فتاو قاضي خان (١/¬٤٠).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٠)، والمحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ٥٣).
(٦) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٦)، وجامع الأمهات لابن الحاجب (ص ٩٧).
(٧) المبسوط للسرخسي (١/¬١١).
(٨) مابين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ٦٠٤ ]
الكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلَى الإِثْبَاتِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِإِبْهَا مَيْهِ
وذكر البقالي في صلاته: هذا قول علمائنا جميعًا، ولم يذكر الخلاف (^١)، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وهو رواية ابن حجر عن النبي ﵇. وفي الحلية: وهو الأصح (^٢).
وقال بعض أصحابه: يرفع اليدين ثم يبتدئ التكبير مع ابتداء الإرسال، ويتم التكبير مع تمام الإرسال، وهو رواية أبي حميد الساعدي عنه ﵇.
وقال بعضهم: يرفعهما ثم يكبر، ثم يرسلهما بعد ذلك، وهو رواية ابن عمر عنه ﵇، وعليه يدل ظاهر كلام الشافعي في الأم. كذا في تتمتهم (^٣).
(له)؛ أي: للشافعي (^٤)، وبه قال مالك (^٥)، ما روي أن أبا حميد الساعدي أنه كان في عشرة من الصحابة فقال: أنا أشبهكم صلاة بصلاة النبي ﵇، فقام، وصلى، فلما أراد أن يكبر رفع يديه حذو منكبه، فلما فرغ قالوا له: صدقت (^٦).
والأولى أن يجمع بين الجميع، فيرفع اليد بحيث يكون الكف حذاء المنكبين، ورأس الإبهام حذاء شحمة الأذنين، وأطراف الأصابع حذاء فروع الأذنين.
وما روي أنه ﵇ «رفع إلى فروع أذنيه» (^٧)؛ محمول عليها، وما روي عنه ﵇ «رفع إلى شحمة أذنيه» (^٨)؛ محمول على الإبهام، وما روي
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٨).
(٢) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٩٦).
(٣) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٣٦٠).
(٤) انظر: الأم للشافعي (٧/ ٢١١)، والإقناع للماوردي (ص ٣٨).
(٥) انظر: التلقين للثعلبي (١/¬٤٥)، والذخيرة للقرافي (٢/ ١٩٢).
(٦) أخرجه أبو داود (١/ ١٩٤، رقم ٧٣٠) والترمذي (١/ ٣٤٦، رقم ٢٦٠) وقال: حسن صحيح.
(٧) أخرجه مسلم (١/ ٢٩٣، رقم ٣٩١) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.
(٨) أخرجه أبو داود (١/ ١٩٧، رقم ٧٣٧) من حديث وائل بن حجر ﵁.
[ ١ / ٦٠٥ ]
شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: يَرْفَعُ إِلَى مَنْكِبَيْهِ، وَعَلَى هَذَا تَكْبِيرَةُ القُنُوتِ
«حَذْوَ منكبيه» (^١) على الكفين. كذا في تتمتهم (^٢).
وفي المبسوط (^٣): السنة أن يرفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه، وأصابعه فروع أذنيه، وهو قول أبي موسى الأشعري، وقول الشافعي مذهب ابن عمر.
ولنا: حديث وائل، والأخذ بما قلنا أولى.
وتأويل حديثهم: أنه كان عند العذر في زمان البرد حين كانت أيديهم تحت ثيابهم، وكان طاووس يرفع يديه فوق رأسه ولا يأخذ به؛ لأنه ﵇ رأى رجلًا يصلي قد شخص ببصره نحو السماء، ورفع يديه فوق رأسه فقال: غض بصرك؛ فإنك لن تراه، وكف يديك؛ فإنك لن تناله.
وفي الْمُجْتَبى: وحديث حميد محمول على الأكف أو حال العذر (^٤)، وهذا يشير إلى أن الأولى الجميع كما ذكر في تتمتهم.
وعند أحمد: مخير بين الرفع إلى الأذنين والمنكب؛ لصحة الحديث فيهما.
وعنده: يضم الأصابع بعضها إلى بعض مع المد (^٥).
وعند الشافعي: ينشر فيها لإعلام الأصم (^٦).
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يرفع المنفرد والمقتدي لعدم رؤية الأصم.
قلنا: الأصل الصلاة بالجماعة؛ لأنها أداء كامل، والصلاة منفردًا خلاف الأصل، فلا يعتبر، مع أن حكمة الحكم يراعى في الجنس لا في كل فرد، كالسفر مع المشقة وأمثاله، وفي رفع يد المقتدي فائدة أيضًا؛ لاحتمال أن الأصم بعيد من الإمام، فلا يرى رفع يديه، ويرى رفع يد المقتدي، فيستدل
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٣٥٦).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/¬١١).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٧).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣٣٩)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (١/ ٥١٢).
(٦) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٣٦)، واللباب لابن المحاملي (ص ١٠١).
[ ١ / ٦٠٦ ]
وَالأَعْيَادِ وَالجِنَازَةِ، لَهُ: حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى مَنْكِبَيْهِ» وَلَنَا: رِوَايَةُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَالبَرَاءِ وَأَنَسِ ﵃ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ» وَلِأَنَّ رَفْعَ اليَدِ لِإِعْلَامِ الأَصَمِّ وَهُوَ بِمَا قُلْنَاهُ، وَمَا رَوَاهُ يُحْمَلُ عَلَى حَالَةِ العُذْرِ وَالمَرْأَةُ تَرْفَعُ يَدَيْهَا حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ،
برفع يديه على رفع يد الإمام، كما في صلاة العيد. كذا في الكاثي (^١).
(ترفع إلى منكبيها): وفي المجتبي: إلى منكبيها حذو ثدييها (^٢).
وعن أحمد في رواية: ترفع دون رفع الرجل.
وفي أخرى: لا ترفع (^٣).
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنها ترفع حذاء أذنيها؛ لأن رفع يديها بالكف، وكفها ليست بعورة، فكانت كالرجل، بخلاف سائر الأفعال؛ فإنها تفعل فيها على أستر ما يكون لها.
وروى محمد بن مقاتل عن أصحابنا: أنها ترفع إلى المنكبين؛ لأن ذلك أستر لها.
وفي المحيط: الأمي والأخرس لو افتتحا بالنية جاز؛ لأنهما أتيا بأقصى ما في وسعهما (^٤).
ولا يصح الافتتاح إلا في حالة القيام، حتى لو كبر قاعدًا ثم قام لا يصير شارعًا؛ لأن القيام فرض حالة الافتتاح كما بعده.
ولو جاء إلى الإمام فحنى ثم كبر، فإن كان إلى القيام أقرب يصح، وإلا فلا، ولو كبر قبل إمامه لا تجوز صلاته.
ولو مد الإمام التكبير ففرغ المقتدي قبله؛ جاز على قياس قولهما.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٨٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٧٢).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٧).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣٤٠)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٩٠).
(٤) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٧٩)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٠٧).
[ ١ / ٦٠٧ ]
لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا (فَإِنْ قَالَ بَدَلَ التَّكْبِيرِ اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ، أَوْ الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ أَوْ لَا إِلَهَ … إِلَّا اللَّهُ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ لَمْ يُجْزِتُهُ إِلَّا قَوْلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ اللَّهُ الْأَكْبَرُ أَوْ اللَّهُ
وعلى قياس أبي يوسف: لا يجزيه (^١).
ولو كبر قبل الإمام ولم يعلم أنه كبر قبله؛ يجزيه على قياس قولهما.
وفي فتاوى الصغرى: ولو وقع تكبيره قبل تكبير الإمام؛ لا يصير شارعًا في صلاة الإمام، وهل يصير شارعًا في صلاة نفسه، فيه روايتان، والاعتماد أنه لا يصير شارعًا (^٢).
قوله: (بدل التكبير): وفي البدرية: فيه إشارة إلى أن الأصل هو التكبير (^٣).
قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥): لا يجزئه إلا قول الله أكبر؛ لقوله ﵇: «لا يقبلُ الله صلاة امرئ حتّى يضع الظهور مواضِعَهُ، فيغسل وجهَهُ ثم يَدَيْهِ، ثم يمسح رأسَهُ، ثم يغسلُ رِجلَيْهِ» (^٦)، ثم يقول: الله أكبر، ونفي القبول يدل على انتفاء الجواز.
ولأنه المنقول من النبي ﵇ والصحابة والتابعين، والأصل فيه التوقيف.
وقال الشافعي (^٧): لا يجزئه إلا قوله: (الله أكبر)، ودليله ما ذكره مالك،
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٠٨).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٣٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٤).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٨٣).
(٤) انظر: الكافي لابن عبد البر (٢٠٠١)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٢٠٦).
(٥) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨١)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٣).
(٦) أخرجه أبو داود (١/ ٢٢٦ رقم ٨٥٧) واللفظ له من حديث رفاعة بن رافع ﵁. وأخرجه أبو داود (١/ ٢٢٧ رقم ٨٥٨)، والترمذي (١/ ٣٩١ رقم ٣٠٢)، وابن ماجه (١/ ١٥٦ رقم ٤٦٠)، والنسائي (٢/ ٢٢٥ رقم ١١٣٦)، والحاكم (١/ ٢٤١ رقم ٨٨١) بلفظ: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ﷿ …». قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(٧) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٩٣٢)، والتنبيه للشيرازي (ص ٣٠).
[ ١ / ٦٠٨ ]
الكَبِيرُ) (*) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالأَوَّلَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكَ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالأَوَّلِ، لِأَنَّهُ هُوَ المَنْقُولُ وَالْأَصْلُ فِيهِ التَّوْقِيفُ.
وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يَقُولُ: إِدْخَالُ الأَلِفِ وَاللَّامِ فِيهِ أَبْلَغُ فِي الثَّنَاءِ فَقَامَ مَقَامَهُ.
إلا أن قوله: (الله الأكبر)؛ أبلغ من قوله: (الله أكبر)، وهذا معنى قوله: (إدخال الألف واللام أبلغ).
وعند أبي يوسف: يجزئه ثلاثة ألفاظ: (الله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير). كذا ذكره شيخ الإسلام، وفخر الإسلام (^١).
وذكر السَّرَخْسِي أربعة ألفاظ (^٢).
وعن أبي يوسف: لو قال: (أكبر الله) يصير شارعًا، وهو أحد قولي الشافعي (^٣).
وعنه: لو قال: (الله الكبار) يصير شارعًا؛ لأن الكبار لغة في الكبير، وعندهما: يصير شارعًا.
ولكن اختلف في الكراهة، فقيل: لا يكره، وقيل: يكره، وهو الأصح. كذا في المحيط (^٤).
وعند أبي حنيفة ومحمد: يجوز الشروع بكل اسم من أسمائه تعالى، كقوله: (الرحمن أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله). ثم اختلف المشايخ، أن الشروع عندهما بالأسماء الخاصة، أو بها وبالمشتركة، كالرحيم والكريم، والأظهر والأصح أنه بكل اسم من أسمائه.
كذا ذكره الكرخي، وأفتى به المرغيناني (^٥).
وعن الحسن عن أبي حنيفة: ولو قال: (الله) ولم يزد عليه شيئا؛ يصير
_________________
(١) (*) الراجح: قول الطرفين.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٥)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٣٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٥).
(٤) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٣٥)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ١٣٠).
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٣).
(٦) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٨).
[ ١ / ٦٠٩ ]
وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ: إِنَّ أَفْعَلَ وَفَعِيلًا فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى سَوَاءٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَى المَعْنَى.
شارعًا، وهكذا كل اسم من أسمائه التسعة والتسعين، وهو أحد قولي محمد؛ لاشتمال الاسم على التعظيم وهو المقصود (^١).
واختلفت روايات المشايخ في كراهة الشروع بغير اللفظ المجمع عليه، وهو قوله: (الله أكبر):
ذكر القدوري: أنه يكره؛ لأنه ﵇ واظب عليه، وأقل أحواله الدلالة على الأفضلية.
وعن الفقيه أبي جعفر: لا يكره، ولكنه ترك الأفضلية. كذا في الْمُجْتَبى (^٢).
وفي المحيط: والأصح: أنه لا يكره؛ لما روي عن مجاهد أنه قال: كان الأنبياء ﵈ يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله (^٣)، ونبينا ﵇ من جملتهم.
وفي المبسوط: ولو قال: (الله) ولم يزد عليه؛ لا يصير شارعًا عند أبي يوسف ومحمد؛ لأن تمام التعظيم بذكر الاسم والصفة (^٤).
وفي شرح المجمع: لا بد من ذكر الخبر؛ لأن الحكم بشيء على شيء إنما يتم بالخبر، والتعظيم حكم على المعظم، فلا بد من لفظ يدل عليه (^٥).
وفائدة الخلاف: تظهر في حائض طهرت في آخر الوقت، فإن اتسع للاسم فقط؛ يجب الصلاة عليها عنده، خلافًا لأبي يوسف ومحمد (^٦).
(في صفات الله سواء)؛ لأنه لا يراد (بأكبر) إثبات الزيادة في صفات الله تعالى؛ لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء، كما يكون في أوصاف
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/¬٣٢٨).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٨).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٢).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٦).
(٥) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١١٠)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٢٤).
(٦) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٨٣).
[ ١ / ٦١٠ ]
وَلَهُمَا: أَنَّ التَّكْبِيرَ هُوَ التَّعْظِيمُ لُغَةٌ وَهُوَ حَاصِلٌ (فَإِنِ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالفَارِسِيَّةِ،
العباد، فكان أفعل بمعنى فعيل بهذه الدلالة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
ولكن ذكر في المغرب: (الله أكبر)؛ أي: أكبر من كل شيء، وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف (^٢).
(ولهما: أن التكبير هو التعظيم لغة): قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١]؛ أي: عظمنه، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]؛ أي: فعظم، والتعظيم يحصل بقوله: (الله أعظم)، فيكون أُتي بالتكبير حقيقة.
ولأن قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] علق الصلاة بمطلق ذكر اسم الله تعالى؛ فإن الفاء للتعليق، فمن زاد قيد التكبير؛ فقد نسخه بخبر الواحد، وهو قوله ﵇: «تحريمها التكبير» (^٣). كذا ذكره شيخ الإسلام، وصاحب المحيط (^٤).
وفي الأسرار، والفوائد الظهيرية: عِظَمُ الله تعالى ينبئ على القدم والقهر والقدرة، وكل صفة محمودة، وكذا التكبير والكبرياء.
فإن قيل: قوله ﵇: «لا يقبلُ اللهُ تعالى صلاة امرئ حتى يضع الطّهور مواضِعَهُ …» الحديث (^٥)، يقتضي أن لا يجوز لغيره؛ لأنه يصير بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣].
قلنا: عين المروي غير مراد بالإجماع، فعلم أن المراد هو أو ما يؤدي معناه، مع أن المطلق لا يحتاج إلى البيان، ولكن لا يلزم هذا على مالك.
وقيل: نفي القبول يدل على نفي الأفضلية لا الجواز؛ لعدم استلزام عدم
_________________
(١) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٨٤).
(٢) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٣٩٩).
(٣) رواه أبو داود (/ ١٦، رقم ٦١) والترمذي (١/ ٥٤، رقم ٣) من حديث علي، ﵁، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٢/¬٨ - ٩، رقم ٣٠١).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٢).
(٥) قال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٦٨٣): هذا الحديث غريب بهذا اللفظ، لا أعلم من خرجه، وقال ابن حجر في الدراية (١/ ٢٢٤، رقم ٦٢): لم أجده بهذا اللفظ.
[ ١ / ٦١١ ]
أَوْ قَرَأَ فِيهَا بِالفَارِسِيَّةِ، أَوْ ذَبَحَ وَسَمَّى بِالفَارِسِيَّةِ، وَهُوَ يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا فِي الذَّبِيحَةِ (*) وَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ العَرَبِيَّةَ أَجْزَاهُ) أَمَّا الكَلَامُ فِي الافْتِتَاحِ، فَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي العَرَبِيَّةِ …
القبول عدم الجواز، مع أن فيه ضعف؛ قال يحيى بن معين: راويه عقيل، وهو ضعيف في كل أمره.
قوله: (إلا في الذبيحة)؛ يعني: لو سمى عند الذبح بالفارسية أولى عند الإحرام بها، أو من بها، أو بأي لسان كان؛ يجوز بالإجماع، سواء كان يحسن العربية أو لا. كذا في شرح الطحاوي، والمبسوط (^١).
وزاد التمرتاشي على هذه الشهادة: عند الحكام واللعان والعقود؛ يصح بالإجماع (^٢).
وكذا لو حلف لا يدعو فلانا فدعاه بالفارسية يحنث.
وحاصل الخلاف: أن عنده يجوز ولكن يكره، وبه قال زفر.
وعندهما: لا يجوز إلا عند العجز عن العربية، وهو رواية عن أبي حنيفة، وبه قال الشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، وأحمد (^٥).
وقال المحبوبي: الخلاف فيمن لا يتهم بشيء، وقد قرأ في الصلاة كلمة بالفارسية أو أكثر منها، أما لو اعتاد قراءة القرآن أو كتابة المصحف بها؛ يمنع أشد المنع، حتى قال الفضلي: من تعمد ذلك يكون زنديقًا أو مجنونًا، والمجنون يداوى، والزنديق يقتل (^٦).
(مع أبي حنيفة): حتى قال: الله أجل أو الأعظم يجوز.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الطرفين.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٧).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٨٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٧٨).
(٤) انظر: الإقناع للماوردي (ص ٤٤)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٢٠٢).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٦)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٢٧٤).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٨)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٥٠).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٧٧).
[ ١ / ٦١٢ ]
وَمَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي الفَارِسِيَّةِ، لِأَنَّ لُغَةَ العَرَبِ لَهَا مِنْ المَزِيَّةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا.
وَأَمَّا الكَلَامُ فِي القِرَاءَةِ، فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ القُرْآنَ اسْمٌ لِمَنْظُومٍ عَرَبِيٌّ كَمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ العَجْزِ يُكْتَفَى بِالمَعْنَى كَالإِيمَاءِ، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ، لِأَنَّ الذِّكْرَ
(ومع أبي يوسف في الفارسية): حتى قال: لا يجوز القراءة والافتتاح بها.
قوله: (ما ليس لغيرها)؛ وذلك لأنه ﵇ قال: «أنا عربي والقرآن عربي ولسان أهل الجنة عربي» (^١)، ذكره في معرض الأثرة والتفضيل على سائر الألسنة. كذا في الفوائد الظهيرية (^٢).
(نطق به النص): قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، ولأنه مأمور بقراءة القرآن، وهو اسم للنظم والمعنى بالاتفاق، وإنه - أي: القرآن - ﴿لَفِى زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] ولم يكن لفظ العربي فيها، فتعين المعنى.
وقيل: ﴿مِنَ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] للتبعيض، والمعنى: بعضه فيجوز، ولكن الصحيح أن (من) فيه للبيان.
وروي أن أهل فارس وهو قلعة كتبوا إلى سلمان أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم بنان يزدان يحشاوند يحشا ونذكر، فكانوا يقرؤون ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم، وبعد ما كتب عرض على النبي ﵇ ثم بعثه، ولم ينكر عليه النبي ﵇. كذا في المبسوط (^٣)، ولهذا يجوز به عند العجز.
في المحيط: فلو لم يكن قرآنا لما جاز كإنشاد الشعر.
وفي المستصفى: القرآن اسم للنظم والمعنى (^٤)، إلا أن أبا حنيفة لم يجعل
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٦٩، رقم ٥٥٨٣) وأعله الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥٢، رقم ١٦٦٠٠): بالعلاء بن عمرو الحنفي؛ مجمع على ضعفه.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٨٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٧٨).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٧).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٧٩)، ومراقي الفلاح للشرنبلالي (ص ١٠٥).
[ ١ / ٦١٣ ]
يَحْصُلُ بِكُلِّ لِسَانٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾ [الشعراء: ١٩٦] وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا بِهَذِهِ اللُّغَةِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ عِنْدَ العَجْزِ، إِلَّا أَنَّهُ يَصِيرُ مُسِيئًا لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ المُتَوَارَثَةَ، وَيَجُوزُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ سِوَى الفَارِسِيَّةِ، هُوَ الصَّحِيحُ لِمَا
النظم ركنا لازمًا في حق جواز الصلاة خاصة كما عرف في الأصول، وجعل المعنى ركنا لازمًا، والقرآن اسم لكلام قائم بذات الله تعالى، ليس من جنس الحروف والأصوات حقيقة، ولا يمكن قراءته، فيكون مأمورًا بقراءة ما يدل عليه، والعربي يسمى قرآنا، وتجوز الصلاة لتأدي ما هو القرآن به حقيقة، والفارسية كذلك، فيثبت الحكم فيه دلالة، وفيه تأمل.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْتَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] لا يوجب اختصاص القرآن بهذه اللغة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]، وهذا لا يوجب اختصاص الحكم بلغة العرب، وتمام هذا البحث يعرف في الأصول.
(السنة المتوارثة)؛ وهي القراءة بلسان العرب.
(بأي لسان كان)؛ أي: يجوز بلسان آخر.
(سوى الفارسية) وبها يجوز أيضًا؛ لأنه من قبل هذا أن بها يجوز، فقال بعد هذا: (بأي لسان كان سوى الفارسية)؛ يعني: يجوز بالفارسية وبأي لسان آخر.
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن قول أبي سعيد البردعي؛ فإنه قال: إنما جوز أبو حنيفة بها دون غيرها؛ لقرب الفارسية بالعربية، ولاختصاص أهل الجنة بهما على ما جاء في الخبر: لسان أهل الجنة العربي والفارسي الدري (^١)، أي: الفصيح (^٢).
_________________
(١) ذكره مُلا علي القاري في الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة (ص: ٢٧٧) وقال: أورده صاحب الكافي عن الديلمي: «إذا أراد الله أمرا فيه لين أوحى الله به إلى الملائكة المقربين بالفارسية الدرية» وهو موضوع.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٧٦).
[ ١ / ٦١٤ ]
تَلَوْنَا، وَالمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ، وَالخِلافُ فِي الاعْتِدَادِ، وَلَا خِلَافَ
قال ظهير الدين المرغيناني: الدرية الفصيحة نسبت إلى در (^١).
وقال الكرخي: والصحيح النقل إلى أي لغة كانت كذا في جامع المحبوبي، والتمرتاشي (^٢).
وفي فتاوى الظهيرية: قال بعض المشايخ: إنما يجوز بالمعنى إذا كان على نظم القرآن، كما لو قرأ (تنكا) مكان (ضنكا وسراؤة) (^٣).
وقيل: يجوز كيف ما كان.
وقيل: إنما يجوز إذا كان ثناء، مثل سورة الإخلاص، أما القصص فلا يجوز، والأصح: أنه يجوز في الكل.
ولو قرأ التوراة والإنجيل والزبور؛ لا يجوز، سواء كان عاجزا عن العربية أو لا.
وقيل: إن كان معناه معنى القرآن؛ يجوز عنده، وإن كان معنى التسبيح لا يجوز، ولكن لا تفسد صلاته، وإن كان لا يدري معناه تفسد؛ لأنه لا يؤمن من أن يكون من المُحرَّف.
(والخلاف في الاعتداد)؛ أي: في أنه هل يقع محسوبًا عن فرض القراءة أم لا.
قال أبو اليسر: والجواز عند العجز بالفارسية نص على أن القراءة بها لا تفسد الصلاة، إنما الشأن في جوازها بها. كذا في جامع قاضي خان.
أما لو قرأ على سبيل التفسير تفسد بالإجماع؛ لأنه غير مقطوع به، ولا يمكن رعايته. كذا في المبسوط (^٤)، وغيره.
وعند الشافعي: تفسد بالقراءة بالفارسية (^٥)، وبه قال مالك (^٦) وأحمد (^٧) عند
_________________
(١) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٤٨٣).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٨٦).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٧٦).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٧).
(٥) انظر: حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٩٢)، والبيان للعمراني (٢/ ١٩٥).
(٦) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٦١).
(٧) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٣)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٨).
[ ١ / ٦١٥ ]
فِي أَنَّهُ لَا فَسَادَ، وَيُرْوَى رُجُوعُهُ فِي أَصْلِ المَسْأَلَةِ إِلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ،
العجز وعدمه.
وفي الكافي: لو قرأ بقراءة شاذة لا تفسد صلاته بالاتفاق (^١).
وفي فتاوى الظهيرية: لو قرأ ما روى النبي ﵇ عن الله تعالى، كقوله: الصوم لي وأنا أجزي به، وما يشبه؛ لا يجوز (^٢).
ولو قرأ بقراءة ليست في مصحف العامة، كقراءة ابن مسعود وأبي؛ تفسد صلاته عند أبي يوسف، والأصح: أنها لا تفسد، ولكن لا يعتد به من القراءة (^٣).
وفي المحيط: وتأويل ما روي عن علمائنا؛ أنه تفسد صلاته إذا قرأ هذا ولم يقرأ شيئًا آخر مما في مصحف العامة، أما لو قرأ يجوز؛ لأن القراءة الشاذة لا تفسد الصلاة (^٤).
(ويروى رجوعه)؛ أي: رجوع أبي حنيفة.
روى أبو بكر الرازي وغيره من فقهائنا رجوعه إلى قولهما، وهو الصحيح.
(وعليه الاعتماد)؛ لينزله منزلة الإجماع؛ فإن القرآن اسم للنظم والمعنى جميعًا بالإجماع، قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْآنَّا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا﴾ [فصلت: ٤٤] الآية، والقادر على العربية قادر على الإتيان بالنظم، فيكون مأمورًا بقراءته، فلم يخرج عن العهدة بقراءة غيره؛ لأنه يسمى قرآنا مجازًا؛ ألا ترى أنه يصح نفي القرآن عنه، فيقال: ليس بقرآن وإنما هو ترجمته، وإنما جوزناه للعاجز إذا لم يُخلَّ بالمعنى؛ لأنه قرآن من وجه باعتبار اشتماله على المعنى، فالإتيان به أولى من الترك مطلقًا، إذ التكليف بحسب الوسع هو نظير الإيماء.
والضمير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ﴾ [الشعراء: ١٩٦] غير راجع إلى
_________________
(١) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٨٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٧٧).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٧٧)، والنهر الفائق السراج الدين بن نجيم (١/ ٢٠٦).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٢٦).
[ ١ / ٦١٦ ]
وَالخُطْبَةُ وَالتَّشَهُدُ عَلَى هَذَا الاخْتِلافِ، وَفِي الأَذَانِ يُعْتَبَرُ التَّعَارُفُ، وَلَوِ افْتَتَحَ
القرآن، بل إلى كون الرسل من المنذرين؛ لأن تلك الآية مسبوقة إلى الإنكار من أهل الكتاب في كتبهم اسم محمد ﵇، وإنكار كونه في التوراة، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٣] الآية، ثم قال ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، يشهد بذلك قوله تعالى عقيب ذلك ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]، ولو أعيد الضمير إلى القرآن لما تم المعنى. سبقت في الآية.
على أنا نقول: لا يجوز أن تكون الكتابة راجعة إليه باعتبار معناه ولفظه، ولا باعتبار جميع معانيه؛ لاشتماله على الأحكام الماضية بملة الإسلام، والآيات الناسخة للملل السابقة، فلا يمكن اجتماعهما في زبر الأولين، فتعين بعض الأحكام والقصص، فيكون من باب إطلاق اسم الكل على البعض، فيكون مجازا، ولا يثبت به أن اسم القرآن مشترك. كذا في شرح المجمع (^١).
(على هذا الاختلاف): وكذا جميع أذكار الصلاة من القنوت والدعاء.
وفي الخلاصة: لو كبر بالفارسية فقال: (بنام خداي يزرك أست) أو (بنام خداي يزركك) أو قال: (خداي يزرك أست) يصير شارعًا عنده، وكذا بالتركية والزنجية والحبشية والقبطية، وبأي لسان كان (^٢).
وفي جامع الكرخي: وعلى هذا الاختلاف لو خطب ودعا، أو سبح وهلل، أو أثنى على الله تعالى أو تعوذ، أو تشهد أو صلّى على النبي أو استغفر، وفي الأذان بالفارسية روايتان (^٣).
وقوله: (يعتبر التعارف)؛ جواب عن قولهما تقديرا، فإن لهما أن يقولا: لا تجوز القراءة بها كما لا يجوز الأذان فقال: يعتبر فيه التعارف؛ لأنه الإعلام، ولا يقع الإعلام بالفارسية، حتى لو وقع العرف بها أو بلسان آخر يجوز أيضًا.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٨٥).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٢/ ١٧٦)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٤٨٤).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٩).
[ ١ / ٦١٧ ]
الصَّلَاةَ بِاللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ مَشُوبٌ بِحَاجَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَعْظِيمًا خَالِصًا، وَلَو افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ، فَقَدْ قِيلَ يُجْزِئُهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ، قِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ آمِنَّا بِخَيْرٍ فَكَانَ سُؤَالًا.
كذا في المبسوط (^١).
وروى الحسن عن أبي حنيفة مثل ذلك.
وفي الأسرار: ولا يلزم الأذان؛ لأنه لا يتأدى بلغة أخرى؛ لأن المقصود فيه الإعلام لا الثناء، بدليل لو أنه أخفاه لم يجز، والثناء حاصل بغير الكلمة، والإعلام يحصل بكلمات معروفة (^٢).
قوله: (اللهم اغفر لي): لم يجز، وكذا اللهم ارزقني، أو أستغفر الله، أو أعوذ بالله، أو إنا لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء الله، لا يصير شارعًا بالاتفاق، وباللهم فقط اختلاف المشايخ. كذا في الْمُجْتَبى (^٣).
وفي المحيط: والأصح: أنه يجزيه؛ لأن معناه بالله، فتمحض ذكرا، أو هو قول أهل البصرة (^٤).
(وقيل: لا يجوز؛ لأن معناه يالله أَمِّنَّا بخير)؛ أي: اقصدنا بالخير، فكان مشوبًا بالدعاء. كذا في المبسوط (^٥) وهو مذهب أهل الكوفة.
قال شيخي ﵀: والأصح: قول أهل البصرة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلى قوله ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فلو كان معناه: اللهم اقصدنا بالخير؛ لفسد معنى الآية؛ لأن سؤال العذاب مع قولهم (اقصدنا بالخير) متناقض (^٦).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٧).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٨٠)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/¬٤٥).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٨).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٣).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٦).
(٦) انظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١١٠).
[ ١ / ٦١٨ ]
قَالَ: (وَيَعْتَمِدُ بِيَدِهِ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى تَحْتَ السُّرَّةِ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
قوله: (ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى) وفي الديوان: اعتمده: قصده (^١)، والباء زائدة هنا في المفعول، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ أي: ويقصد وضع يده اليمنى.
قال شيخ الإسلام في الاعتماد أربع مسائل:
الأولى: أنه يضع في الصلاة، وبه قال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣)، وداود، ومالك في رواية (^٤).
وقال مالك في رواية، والحسن البصري، وابن سيرين، والليث بن سعد: يرسل.
وقال الأوزاعي: إن شاء ترك وإن شاء وضع؛ لأنه ﵇ صلى مسبلا، والأمر بالاعتماد للإشفاق؛ لأنهم كانوا يطولون القيام، فكان ينزل الدم إلى رؤوس أصابعهم إذا أرسلوا، فقيل لهم: ولو اعتمدتم لا حرج عليكم، فكان الاعتماد رخصة.
لنا: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
قيل: ضع يدك على نحرك.
وعن علي ﵁ لما قرأ هذه الآية؛ وضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره (^٥). الحديث المذكور في الكتاب.
وفي صحيح مسلم (^٦) عن وائل بن حجر: أنه ﵇ وضع يده اليمنى على اليسرى بعد ما كبر حذاء أذنيه.
_________________
(١) انظر: شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم لنشوان الحميري (٧/ ٤٧٧٢).
(٢) انظر: اللباب لابن المحاملي (ص ١٠١)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ١٣٦).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣٤١)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (١/ ٥١٣).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٦٩)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٤٣).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٣، رقم ٣٩٤١)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٤٣٧) من حديث علي، وضعفه الشيخ الألباني في أصل صفة صلاة النبي (١/ ٢١٧).
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٦١٩ ]
وَالسَّلَامُ: «إِنَّ مِنْ السُّنَّةِ وَضْعَ اليَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ»، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكِ ﵀ فِي الإِرْسَالِ، وَعَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الوَضْعِ عَلَى الصَّدْرِ، وَلِأَنَّ الوَضْعَ تَحْتَ السُّرَّةِ أَقْرَبُ إِلَى التَّعْظِيمِ وَهُوَ المَقْصُودُ، ثُمَّ الِاعْتِمَادُ سُنَّةُ القِيَامِ عِنْدَ أَبِي
والثانية في كيفية الوضع: يأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن، وبه قال الشافعي (^١)، وأحمد (^٢)، وداود؛ لأنه جاء في الحديث المرفوع لفظ الأخذ.
وقال أبو يوسف ومحمد: يضع باطن أصابعه على الرسغ طولًا، ولا يقبض؛ لأنه جاء في حديث على لفظ الوضع؛ وهو أنه ﵇ قال: «إنّا معشر الأنبياء أُمرنا بأن نضع أيماننا على شمائلنا» (^٣)، وفي رواية: «أُمرنا بأن نَأْخذ شمائلنَا» (^٤).
واستحسن كثير من مشايخنا الجمع بينهما؛ بأن نضع باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى، ويحلق بالخنصر والإبهام على الرسغ؛ ليكون عملا بالحديثين والمذاهب احتياطًا. كذا في الْمُجْتَبَى (^٥)، وفتاوى الظهيرية، والمبسوط (^٦).
وقيل: هذا خارج عن المذاهب والأحاديث، فلا يكون العمل به احتياطا. والثالثة: أنه أين يضع؟
فعندنا، وبعض أصحاب الشافعي (^٧)، وأحمد في رواية (^٨): تحت السرة.
وعند الشافعي: يضع على الصدر (^٩)؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾
_________________
(١) انظر: التنبيه للشيرازي (ص ٣٠)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٨١).
(٢) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨١)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٤).
(٣) أخرجه الدارقطني (٢/¬٣١، رقم ١٠٩٧) من حديث ابن عباس ﵄، وصححه ابن حبان (٥/ ٦٧، رقم ١٧٧٠).
(٤) انظر تخريج الحديث السابق.
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٢٩).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬٢٤).
(٧) انظر: المجموع للنووي (٣/ ٣١٣).
(٨) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٧)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٤).
(٩) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٠٠)، والمجموع للنووي (٣/ ٣١٣).
[ ١ / ٦٢٠ ]
حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (*) رَحِمَهُمَا اللَّهُ حَتَّى لَا يُرْسِلَ حَالَةَ الثَّنَاءِ.
[الكوثر: ٢] كما بينا.
وروى أبو هريرة أنه ﵇ [كان] (^١) يضع فوق السرة (^٢)، ولأن الوضع على الصدر أبلغ في الخشوع، وأبعد عن الإرسال المذكور، وفيه حفظ نور الإيمان في الصلاة، فكان أولى من إشارته إلى العورة بالوضع تحت السرة.
ولنا: الحديث المذكور في المتن، وقوله ﵇: «ثلاثة من أخلاق الأنبياء: تعجيل الإفطار، وتأخيرُ السّحور، ووضعِ اليَمينِ عَلَى الشِّمالِ تحت السرة» (^٣).
وقول علي (^٤) وابن عباس (^٥) ﵃: من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة، والسنة إذا أطلقت تنصرف في الأغلب إلى سنة رسول الله ﷺ.
ولأن الوضع تحتها أقرب إلى التعظيم، وأبعد من التشبيه بأهل الكتاب، وأقرب إلى ستر العورة، وحفظ للإزار عن السقوط، فكان أولى. كذا في المحيط (^٦).
والمراد بقوله: ﴿وَانْحَرُ﴾ [الكوثر: ٢] الأضحية.
وإن كان المراد ما ذكر؛ فمعناه: ضع بالقرب من الصدر، وذلك تحت السرة، وفيه تأمل.
والرابعة: أنه متى يضع؟
_________________
(١) (*) الراجح قول الشيخين.
(٢) ليست في النسخ وأثبتها ليستقيم السياق.
(٣) لم أقف عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (٢/ ١٠٥، رقم ٢٦١١) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير مرفوعا وموقوفا على أبي الدرداء، والموقوف صحيح، والمرفوع في رجاله من لم أجد من ترجمه.
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) بنحوه أخرجه البيهقي في السنن الكبري (٢/¬٣١، رقم ٢٤٣٣).
(٧) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٨٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٨٣).
[ ١ / ٦٢١ ]
وَالأَصْلُ: أَنَّ كُلَّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ يَعْتَمِدُ فِيهِ وَمَا لَا فَلَا، هُوَ الصَّحِيحُ، فَيَعْتَمِدُ فِي حَالَةِ القُنُوتِ وَصَلَاةِ الجِنَازَةِ، وَيُرْسِلُ فِي القَوْمَةِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ الْأَعْيَادِ
في ظاهر المذهب: الاعتماد سنة القيام، وعند محمد: سنة القراءة.
ويتبين الخلاف في المصلي بعد التكبير:
فعند محمد: يرسل في حال الثناء، وعندهما: يعتمد؛ لأن الاعتماد إنما سن لأنه أقرب إلى الخضوع، وأبلغ في التعظيم (^١).
وهذا المعنى يتأتى قبل القراءة، فكونه من سنة القيام أولى، وهذا لأن ما روينا في سنة الوضع لا يخص حالة دون حالةٍ فاقتضى العموم، لكن القومة تخص لعدم استدامتها، فيبقى ما عداها على الأصل.
وجه قول محمد - وهو رواية النوادر -: لأن الاعتماد شرع رخصة؛ مخافة اجتماع الدم في رؤوس الأصابع؛ لأن مبنى العبادة على المشقة لا للاستراحة، وإنما يخاف ذلك حالة القراءة؛ لأن السنة تطويل القراءة، فيعتمد عندها.
وقوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عن قول الإمام أبي حفص، والفضلي وأصحابه.
فقال الفضلي: السنة في صلاة الجنازة وتكبيرات العيد والقومة؛ الإرسال (^٢).
وقال القاضي أبو علي النسفي، والحاكم عبد الرحمن الكاتب، والإمام الخير اخري: السنة في هذه المواضع الاعتماد؛ مخالفة للروافض؛ فإن مذهبهم الإرسال من أول الصلاة (^٣).
وكذا ذكر في التجنيس، وعلل وقال: لأن هذا قيام فيه ذكر مسنون.
وكان الحلواني يقول: الاعتماد سنة في كل قيام فيه ذكر مسنون، كما في
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٢٤)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٨٧).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٨٨).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٨٣).
[ ١ / ٦٢٢ ]
(ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ إِلَى آخِرِهِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ هِ أَنَّهُ يَضُمُّ إِلَيْهِ قَوْلَهُ: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ» إِلَى آخِرِهِ (*)، لِرِوَايَةِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَلَهُمَا: رِوَايَةُ أَنَسِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ وَقَرَأَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ إِلَى آخِرِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّهَجَّدِ. وَقَوْلُهُ: وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ
حالة الثناء والقنوت وصلاة الجنازة، وكل قيام ليس فيه ذكر مسنون - كما في تكبيرات العيد -؛ فالسنة فيه الإرسال، وبه كان يفتي شمس الأئمة السَّرَخْسِي، والصدر الكبير برهان الأئمة، والصدر الشهيد حسام الأئمة. كذا في المحيط (^١).
قوله: (ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره: ولم يذكر في الأصل ولا في النوادر (وجل ثناؤك).
قال أبو حفص: يكره أن يقول المصلي (^٢).
وكان الحلواني يقول: قال مشايخنا: إن قال جل ثناؤك) لم يمنع، وإن سكت لم يؤمر (^٣).
وعن أبي حنيفة: إذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك - بحذف الواو - فقد أصاب. كذا في فتاوى الظهيرية (^٤).
ومعنى قوله: (وجل ثناؤك) ولم يذكره في المشاهير. ثم (سبحان) علم التسبيح، لا يصرف ولا ينصرف، ومنصوب على المصدرية.
ومعنى قوله: (سبحانك اللهم)؛ أي: سبحتك بجميع الآيات، وبحمدك سبحتك. كذا في المغرب (^٥).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٥٦).
(٣) انظر: النهر الفائق شرح كنز الدقائق لسراج الدين بن نجيم (١/ ٢٠٨).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٥٦).
(٥) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٢٨١).
(٦) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٢١٥).
[ ١ / ٦٢٣ ]
لَمْ يُذْكَرْ فِي المَشَاهِيرِ فَلَا يَأْتِي بِهِ فِي الفَرَائِضِ.
فإن قيل: لو كان (سبحان) عَلَمًا، لما أضيف في قولهم: (سبحانك وسبحان الله)؛ إذ العلم لا يضاف، اللهم إلا إن كان مؤوّلًا بواحد.
قلنا: (سبحان) إنما يكون علمًا إذا لم يكن مضافًا، أما إذا أضيف فلا، واستعماله منفردًا غير مضاف قليل. كذا في الإقليد (^١).
وفي الخبازية: التسبيح تنزيه الله تعالى من صفات النقص، والحمد إثبات صفات الكمال، وقوله (سبحانك) منصوب بمضمر، وهو أُسَبِّحُ؛ يعني: لأعتقد نزاهتك عن كل نقيصة، وبحمدك فيه مضمر أيضًا؛ أي: بحمدك أسبحك، والمعنى: أنفي عنك النقائص بإثباتها (^٢).
وإنما قيل هكذا والله أعلم؛ لأن المخلوق يمكن أن ينفى عنه صفة النقصان، كالعَرَض والجماد، فصح أن يقال: ليس بجاهل ولا عاجز ولا أعمى، لكن بإثبات صفات الكمال له، وهذا رد لقول من قال: إنه عالم قادر، سميع بصير، بمعنى نفي أضدادها، لا بمعنى ثبوت هذه الصفات له.
وفي الكافي: (سبحانك) علم للتسبيح يبالي نسبت مي كنتم ترا، وبحمدك أسبح؛ أي: أسبح بحمدك متصلا؛ يعني: باكي الصفات ناشرا، وموصوفي بصفة سرا.
وقيل: (بحمدك أسبحك)؛ أي: لك الحمد على ما وفقتني من التسبيح.
ومعنى (تبارك اسمك)؛ أي: دام وتعالى، والبركة الخير الكبير الدائم؛ لأنه إما إن كان مشتقا من برك الماء في الحوض؛ أي: دام، ومن بروك الإبل وهو الثبوت، فمعنى تبارك؛ أي دام خيرك وتزايد، وبالفارسية (نام تو بخير سيان دائم أست وتعالى جدك برترست عظمت تو ازانج وهمي وبرادرك كند).
ثم عند أبي حنيفة، ومحمد (^٣)، وأحمد (^٤) يقول: (سبحانك اللهم) إلى
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٨٥).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ١٨٥)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ٦٧).
(٣) انظر: التجريد للقدوري (١/ ٤٨١)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٠٢).
(٤) انظر: الهداية للكلوذاني (ص) (٨٢)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٤).
[ ١ / ٦٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
آخره بعد الاعتماد.
وعند مالك: لا يسن دعاء الافتتاح، بل يكبر ويفتتح القراءة (^١).
وعند الشافعي (^٢): يأتي بقوله ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] إلى ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] إلى قوله ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، ولو أضاف إليه (سبحانك اللهم) إلى آخره لكان حسنا؛ لما روي عن عائشة ﵂ قالت: أنه ﵇ إذا افتتح الصلاة قال: ([سبحانك] (^٣) اللهم …) إلى آخره (^٤).
ولكن هذا الخبر لم يثبت عند أهل الحديث، ولم يشتهر. كذا في تتمتهم (^٥). وفي الحلية: والأولى أن يجمع بينهما (^٦).
وقال أبو يوسف: يجمع بين الدعائين.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: ولا يغير شيئًا من ذلك إلا قوله (وأنا أول المسلمين) حيث يجب أن يغيره ويقول: (وأنا من المسلمين).
ولو قال: (أول المسلمين) اختلف المشايخ فيه:
قيل: تفسد صلاته؛ لأنه كذب.
وقيل: لا تفسد؛ لأنه قرآن (^٧).
لمالك حديث أنس أنه ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٣٣٨)، وشرح التلقين للمازري (١/ ٥٦٤).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٢٨)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٠٠).
(٣) ليست في النسخ وأثبتناها من مصادر التخريج.
(٤) أخرجه أبو داود (١/ ٢٠٩، رقم ٧٧٦) والترمذي (١/ ٣٢٥، رقم ٢٤٣) وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال أبو داود: وهذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يروه إلا طلق بن غنام وقد روى قصة الصلاة عن بديل جماعة لم يذكروا فيه شيئا من هذا. قال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود - (٣/ ٣٦٣، رقم ٧٤٩).
(٥) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٣٩٣).
(٦) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٨٣).
(٧) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٠٢)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٨٨).
[ ١ / ٦٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يفتتحون بالحمد لله.
وللشافعي حديث علي أنه ﵇ كان إذا افتتح الصلاة قال: (وجهت وجهي) إلى آخره.
وأبو يوسف يقول: الأخبار وردت بهما، فيجمع بينهما، وجعل البداية (بسبحانك) أولى في رواية، وفي رواية: يتخير يبدأ بأيهما شاء.
وقلنا: رواية أنس (^١)، وعمر (^٢)، وابن مسعود (^٣)، وأبي سعيد الخدري (^٤)، وجابر (^٥)، وبريدة (^٦) ﵃ قالوا: كان النبي ﵇ إذا افتتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم …».
وما رواه أبو يوسف والشافعي محمول على التهجد، والأمر فيه واسع، فأما في الفرائض فلا يزيد على ما اشتهر فيه الأثر. كذا في المبسوط (^٧).
وما رواه مالك يحمل على افتتاح القراءة.
وما قيل: أن هذا الخبر لم يثبت عند أهل الحديث؛ ليس كذلك، فإنه
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٢٩٩، رقم ٣٩٩).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٠٥، رقم ١٠٢٦) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٠٦، رقم ٢٦١٥): فيه أبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود رواه في الكبير باختصار، وفيه مسعود ابن سليمان قال أبو حاتم: مجهول.
(٤) أخرجه الترمذي (١/ ٣٢٣، رقم ٢٤٢) وأبو داود (١/ ٢٠٦، رقم ٧٧٥) والنسائي (٢/ ١٣٢، رقم ٨٩٩) قال الترمذي: تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي. وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود - الأم- (٣/ ٣٦١، رقم ٧٤٨).
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/¬٣٥، رقم ٢٤٤٦) وقال في معرفة السنن (٢/ ٣٤٨، رقم ٣٠٠٧) وروي عن محمد بن المنكدر، مرة عن جابر، ومرة عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في الجمع بينهما، وليس بالقوي.
(٦) أخرجه البزار (١٠/ ٣٣٢، رقم ٤٤٦٢) من حديث يريدة مرفوعا بنحوه قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٣٢، رقم: ٢٨٠١): فيه عباد بن أحمد العرزمي ضعفه الدارقطني وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف.
(٧) المبسوط للسرخسي (١/¬١٣).
[ ١ / ٦٢٦ ]
وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالتَّوَجُهِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لِتَتَّصِلَ بِهِ النِّيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ … ..
حديث مشهور أخذ به عمر وابن مسعود، وأكثر فقهاء الصحابة، وقد خرجه مسلم في كتابه عن عمر ﵁، ولهذا ذهب إليه كثير من علماء التابعين، وأجلاء علماء الحديث كسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، فكيف لم يثبت عند أهل الحديث؟.
وإنما دخل على صاحب المصابيح؛ حيث نسب هذا الحديث إلى الضعف داخل باعتبار أن أبا عيسى روى هذا الحديث في جامعه عن الحسن بن عرفة، عن أبي معاوية عن حارثة أبي الرجال، عن عمرة عن عائشة، ثم قال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قبل ضبطه، فظن صاحب المصابيح أن هذا الكلام من أبي عيسى طعن في متن هذا الحديث، وليس الأمر ما ظن؛ فإن ما ذكر أبو عيسى في أمر حارثة لا يكون حجة على ضعفه، فإنه لم يقل إسناده ضعيف من سائر الوجوه، بل قال من هذا الوجه، مع أن الجرح والتعديل يقع في حق أقوام على وجه الاختلاف، فربما ضعف الراوي من قبل واحد، ووثق من قبل آخرين، وهذا حديث رواه الأجلاء المرضيون من أئمة الحديث. كذا في شرح المصابيح (^١).
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما ذكره أبو الليث وبعض المتأخرين؛ أنه يأتي به قبل التكبير؛ لاستحضار النية. ذكره في شرح الطحاوي (^٢).
وقال بعض المشايخ: الأولى ألا يأتي به قبل التكبير؛ لأنه يؤدي إلى أن يطول مكثه في المحراب قائمًا مستقبل القبلة، وهذا مذموم شرعًا؛ لقوله ﵇: «مالي أراكم سامدين؟» (^٣).
_________________
(١) انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لملا علي القاري (٢/ ٦٧٨).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٩٠)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٩٠).
(٣) أخرجه أبو عبيد في (٣/ ٤٨٠)، وأخرجه الفضل بن دكين في الصلاة (ص: ٢٠١، رقم ٢٩٢) من قول علي ﵁. ومعنى السمود: القيام مع رفع رأسه، والسمود معناه في غير هذا الموضع اللهو والغناء يقال: السامدون اللاهون ومنه قول الله تعالى ﴿وأنتم سمدون﴾ وعن ابن عباس في قوله تعالى: سامدون قال: الغناء في لغة حِمْيَر أسْمِدي لنا أي غَنِّي لنا. =
[ ١ / ٦٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: متحيرين. كذا في المبسوط (^١).
وفي النظم: لا يقرأ (وجهت …) إلى آخره في الفرائض عندهما، لا قبله ولا بعده ولا بعد الثناء، وهو قول أبي يوسف في الأصل (^٢).
وعنه: أنه يقرأ بعد الثناء قبل التعوذ.
واتفقوا أنه يقرأه في النوافل إجماعًا، واختار المتأخرون أنه يقوله قبل الافتتاح.
واختلف المشايخ في لفظين: (في مسلمًا) بعد حنيفًا، فقيل: يقوله، وقيل: لا يقوله.
وفي (أنا أول المسلمين)، والأصح: أنه يقول: (وأنا من المسلمين)؛ لأن الأول كذب، وفي فساد الصلاة به اختلاف.
وفي (لا إله غيرك) ثلاث لغات: (لا إله غيرك)، (لا إله غَيْرُك)، (لا إله غِيرُك).
وفي فتاوى الصغرى: لو أدرك الإمام في القيام أو الركوع؛ يثني ما لم يبدأ الإمام بالقراءة (^٣).
وقيل: فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ يثني وإن كان الإمام في القراءة، بخلاف الجهرية.
وقال عيسى بن النضر: الصحيح عندي: أنه يثني في الكل ما لم يخف فوت الركوع (^٤).
_________________
(١) = قلت: ولعل الحكمة في النهي عن ذلك هو استقبال الصلاة بحالة من السكينة والخضوع والخشوع، فالعبد في صلاة ما انتظر الصلاة فالقيام مع رفع الرأس وهو السمود ينافي هذه الحالة والله أعلم.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٩).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٠).
(٤) انظر: منحة الخالق لابن عابدين (١/ ٣٢٧)، وحاشية الشَّلْبِيِّ على تبيين الحقائق (١/ ١١١).
(٥) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١١١).
[ ١ / ٦٢٨ ]
(وَيَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ
وعن ابن المبارك: لا يأتي به. وعن الجصاص: يأتي به (^١).
وقيل: يثني حرفًا في سكتات الإمام.
قوله: (ويستعيذ بالله): الكلام فيه في ثلاثة مواضع:
أحدها: في أصله، فعند جميع العلماء يتعوذ، إلا عند مالك؛ فإنه قال: لا يتعوذ في المكتوبة، ويتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ (^٢)؛ لما روي عن أنس أنه قال: صليت خَلْفَ النبي ﵇، وخَلْفَ أبي بكر وعمر؛ فلم يتعوذوا (^٣).
ولأنه شرع لقطع وسوسة الشيطان، وأنه قد حصل بالدخول في الصلاة؛ لأنه قام بين يدي الله، فلا يكون للشيطان عليه سبيل.
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ أي: إذا أردت قراءته، وكان ينبغي أن يكون فرضًا بظاهر الآية كما قال عطاء، إلا أن السلف أجمعوا على أنه سنة. كذا في المبسوط (^٤).
وما روي عن جبير بن مطعم (^٥) وغيره (^٦) أنه ﵇ كان يتعوذ، ولأن الصلاة جهاد؛ قال ﵇: «رَجَعْنَا من الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ» (^٧)، وإنما كان أكبر؛ لأن الكافر عدو بمرأى عيننا، والشيطان عدو غائب عنا، فنطلب الاستعاذة من الله تعالى الذي يراه ويقدر على دفعه.
_________________
(١) انظر: حاشية الشُّلْبِيِّ على تبيين الحقائق (١/ ١١١).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٦٢)، وشرح التلقين للمازري (١/ ٥٧٣).
(٣) يشير إلى ما أخرجه البخاري (١/ ١٤٩، رقم ٧٤٣) ومسلم (١/ ٢٩٩) من حديث أنس ﵁.
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬١٣).
(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٢٠٣، رقم ٧٦٤) من حديث مطعم بن جبير ﵁، وصححه لغيره الشيخ الألباني في التعليقات الحسان (٣/ ٢٩٣، رقم ١٧٧٧).
(٦) من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الترمذي (١/ ٣٢٣، رقم ٢٤٢) وأبو داود (١/ ٢٠٦، رقم ٧٧٥) والنسائي (٢/ ١٣٢، رقم ٨٩٩) قال الترمذي: تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي. وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود - الأم - (٣/ ٣٦١، رقم ٧٤٨).
(٧) أخرجه البيهقي في (ص: ١٦٥، رقم ٣٧٣) من حديث جابر وقال: ضعيف.
[ ١ / ٦٢٩ ]
الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] مَعْنَاهُ: إِذَا أَرَدْت قِرَاءَةَ القُرْآنِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ
وعن شمس الأئمة الكردري: في معنى التعوذ أنه بَعُدَ عن حضرة الله وطُرِدَ، فهو يريد أن يجعلك شريكا فيما أعد الله له من العقاب، وأنت لا تراه وهو يراك، والعدو إذا كان كذلك؛ تكون الغلبة له، فالله تعالى أمرك أن تستعيذ بمن يراه وهو الله تعالى، والشيطان لا يراه ليحفظك عن كيده، والصلاة محاربة معه، فيلزم التعوذ منه بالله (^١).
وفي الكافي: الشيطان إما أخذ من شاط يشيط، متحير شَذَّ وزنه فعلان، وما أخذ من شيطن وزنه فيعل دور شد.
والثاني في موضعه: يتعوذ قبل القراءة عند الجمهور (^٢).
وقال بعض أصحاب الظاهر - منهم حمزة المقري الزيات - (^٣) [١/ ٩٨]، والنخعي، وابن سرين بعدها؛ لأنه تعالى ذكره بحرف الفاء، وأنه للتعقيب.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الفاء للحال، كما يقال: إذا دخلت على الأمير فتأهب؛ أي: إذا أردت الدخول عليه، فكذلك هنا معنى الآية: إذا أردت قراءة القرآن؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه ﵇ كان يتعوذ قبل القراءة (^٤)، ولما روي في حديث الإفك أنه ﵇ لما كشف الرداء عن وجهه قال: «أعوذُ بالسَّمِيعِ العَليمِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ﴾ [النور: ١١]» (^٥).
الثالث في صفته: في المبسوط (^٦): اختلف القراء في صفة التعوذ، فاختار أبو عمرو وعاصم وابن كثير: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وبه أخذ
_________________
(١) انظر: المستصفى للنسفي (١/ ٤٥٨).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬١٣)، والمدونة لابن القاسم (١/ ١٦٣)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٠٢)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٤٣).
(٣) انظر: المحلى بالآثار لابن حزم (٢/ ٢٧٨).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٢٠٨، رقم ٧٨٥) من حديث عائشة ﵂، وقال: منكر.
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬١٣).
[ ١ / ٦٣٠ ]
أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ لِيُوَافِقَ القُرْآنَ، وَيَقْرُبُ مِنهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ،
أصحابنا، والشافعي، وأكثر أهل العلم، نص عليه الشافعي على أنه الأفضل (^١).
وزاد حفص عن طريق هبيرة: (أعوذ بالله العظيم السميع العليم من الشيطان الرجيم)، وهو قول أحمد (^٢)، لكن زاد في آخره: (إنه هو السميع العليم).
واختار نافع وابن عامر والكسائي: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم)، وهو قول سفيان الثوري.
واختار حمزة: (أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم)، وهو قول ابن سيرين، وبكل ذلك ورد الأثر. وفي الْمُجْتَبَى: وبقول حمزة نفتي، ولكن ورد في أعم الأخبار والآثار: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) (^٣).
ولهذا قال في الكتاب: (ويقرب منه أعوذ بالله)؛ لأنه طلب الإعاذة من حيث المعنى، والمزيد فيه قريب في المعنى من الثلاثي.
قوله: (ويخفي التعوذ)؛ لأن المروي كذلك، وهو أصح قولي الشافعي.
وفي قول: يجهر به؛ لما روى أن أبا هريرة جهر به (^٤).
وفي المبسوط: ابن عمر مكان أبي هريرة (^٥).
وقلنا: إنه لم يُنقل عن النبي ﵇ الجهر، ولو جهر لنُقِلَ نقلا مستفيضًا؛ لأنه مما تعم به البلوى، وما روي عن أبي هريرة أو ابن عمر اتفاقي لا قصدي، أو كان قصده تعليم السامعين، كما نقل عن ابن عمر الجهر بالثناء.
كذا في المبسوط (^٦).
والتعوذ عند افتتاح الصلاة خاصة، لا على أحد قولي الشافعي (^٧) وقول ابن
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٢٩).
(٢) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٢)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٤٣).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٢).
(٤) انظر: البيان للعمراني (٢/ ١٨٠)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٣٠٥).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/¬١٣).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬١٣).
(٧) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٢٩)، والبيان للعمراني (٢/ ١٨٠).
[ ١ / ٦٣١ ]
ثُمَّ التَّعَوُّذُ تَبَعٌ لِلْقِرَاءَةِ دُونَ الثَّنَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَا تَلَوْنَا، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ المَسْبُوقُ دُونَ المُقْتَدِي وَيُؤَخَّرَ عَنْ تَكْبِيرَاتِ العِيدِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ (*) (وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هَكَذَا نُقِلَ.
سيرين: إنه يتعوذ في كل ركعة؛ لأن في كل ركعة قراءة، وقد وقع الفصل بينها وبين ما قبلها بالركوع والسجود.
قلنا: الصلاة واحدة، فكما لا يأتي إلا بتحريمة واحدة؛ فكذلك التعوذ.
كذا في المبسوط (^١).
وبالقياس على ما لو قرأ خارج الصلاة وسجد للتلاوة وعاد إلى القراءة؛ حيث لا يتعوذ ثانيًا، فكذا هاهنا.
قوله: (ثم التعوذ تبع للقراءة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله)؛ لأن الأمر بالاستعاذة في النص معلق بأداة القراءة، والمعلق بالشرط معدوم قبل وجوده، فلا يأتي به المقتدي؛ لأنه يريد القراءة، والإمام في العيد يأتي بها بعد تكبيرات العيد؛ لأن عنده يريد القراءة والمسبوق يأتي بها عند قضاء ما سبق؛ لأنه حينئذ يريد القراءة.
وعند أبي يوسف: تابعة للثناء؛ لأنها سنة الصلاة، فكانت تابعة للثناء، ولأن الأمر بها عند القراءة معقول المعنى؛ وهو دفع وسوسة الشيطان، لتقع القراءة خالصة عن شائبة الشيطان ووسوسته، فيتفرغ القارئ للتدبر والتفكر، والمصلي أحوج إلى دفع الوسوسة من القارئ؛ لاشتمال الصلاة على الأذكار والأفعال والقراءة، فكانت من أعظم القربات، والوسوسة فيها أغلب، فيتعدى حكم القراءة إليها بطريق الدلالة، فيأتي بها المقتدي؛ لأنه مصلي، وهذا أول صلاة، وكذلك المسبوق والإمام في صلاة العيد؛ يأتيان بهما بعد الثناء لا بعد التكبير، ولا عند قضاء ما سبق. كذا في شرح المجمع (^٢).
قوله: (ويقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم): قال شيخ الإسلام: إدخال
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬١٤).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١١٢)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ٦٨).
[ ١ / ٦٣٢ ]
فِي المَشَاهِيرِ (وَيُسِرُّ بِهِمَا) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ، وَذَكَرَ مِنهَا التَّعَوَّذَ وَالتَّسْمِيَةَ وَآمِينَ.
التسمية في القراءة وقطعه عن الثناء؛ دليل على أنها من القرآن، وأمره بالمخافتة في صلاة جهرية؛ دليل على أنها ليست من الفاتحة؛ لأنها لو كانت منها كان يؤتى بها جهرًا؛ لوجوب جهر الفاتحة، وأنها تبع لها، ولا يلزم الجمع بين الجهر والمخافتة في صلاة واحدة؛ لأن قراءتها للتبرك لا باعتبار القراءة، ولهذا لو اقتصر عليها لا تجوز صلاته، وإن أراد بها القراءة (^١).
وقوله: (في المشاهير)؛ احتراز عن قول مالك؛ فإن عنده لا يتعوذ ولا يأتي بالتسمية لا سرًّا ولا جهرًا (^٢)؛ لحديث عائشة أنه ﵇ كان يفتتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] (^٣).
ولنا: حديث أنس أنه قال: صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم (^٤).
وتأويل حديث عائشة: أنه ﵇ أخْفَتَها، وهو مذهبنا، وقول علي وابن مسعود.
وقال الشافعي: يجهر بها في صلاة الجهر (^٥)، وهو قول ابن عباس وأبي هريرة، وعن عمر فيه روايتان.
له: حديث أبي هريرة أنه ﵇ كان يجهر بها (^٦)، ولما صلى معاوية في المدينة ولم يجهر بها أنكروا عليه، فقالوا: أسرقت من الصلاة، أين التسمية؟، فدلّ أن الجهر بها كان معروفا عندهم.
_________________
(١) انظر: المستصفى للنسفي (ص ٤٥٩).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٦٢)، والتلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٤٤).
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٢٠٨، رقم ٧٨٣) وابن ماجه (١/ ٢٦٧، رقم ٨١٢) وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٢/¬٢٠، رقم ٣١٦).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٠٨)، والمهذب للشيرازي (١٣٨١).
(٦) أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٤، رقم ١١٧١) قال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥٥٩): سائر رواة هذا الحديث من جميع طرقه ثقات.
[ ١ / ٦٣٣ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجْهَرُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ جَهَرَ فِي صَلَاتِهِ بِالتَّسْمِيَةِ».
قُلْنَا: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعْلِيمِ، لِأَنَّ أَنَسًا ﵁ أَخْبَرَ «أَنَّهُ ﵊
ولنا: حديث عبد الله بن المغفل أنه سمع ابنه يجهر بها، فقال: يا بني، إياك والحدث في الإسلام؛ فإني صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان وكانوا لا يجهرون بها (^١)، وهكذا في حديث أنس. كذا في المبسوط (^٢).
وفي صحيح مسلم: روى قتادة عن أنس قال: صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، ولا يذكرون ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ [الفاتحة: ١] لا في أول القراءة ولا في آخرها.
وفي شرح الإرشاد عن ابن عباس قال: الجهر بالتسمية قراءة الأعراب؛ يعني: جهلتهم (^٣).
وقال النخعي: كان عمر يقول يقرأ ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ [الفاتحة: ١] في نفسه، ثم يجهر بالفاتحة، فكان الجهر بها بدعة.
ثم إنها هل منها أو من أول كل سورة؟
فقال الشافعي (^٤)، وأحمد (^٥)، وعطاء، والزهري، وعبد الله بن المبارك: إنها من الفاتحة ومن أول كل سورة، وهو مذهب ابن كثير وعاصم والكسائي من القراء، ووافقهم حمزة على أنها من الفاتحة خاصة، وبه قال الشافعي في قول.
وفي الْمُجْتَبى: قال الإسبيجابي: أكثر مشايخنا على أنها آية من الفاتحة (^٦).
وقال علماؤنا، ومالك (^٧)، وداود، وأحمد في رواية: أنها ليست منها ولا
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١/ ٣٢٦، رقم ٢٤٤) والنسائي (٢/ ١٣٥، رقم ٩٠٨) قال الترمذي: حديث حسن.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬١٥).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٠٧)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٩١).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٠٥)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ١٣٧).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٥)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٤٦).
(٦) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٢).
(٧) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٤٤)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ١٧٧).
[ ١ / ٦٣٤ ]
كَانَ لَا يَجْهَرُ بِهَا».
من كل سورة، وهو مذهب باقي القراء، لكن يلزم قراءتها قالون ومن تابعه، وهي آية أنزلت للفصل بين السور.
قال الأوزاعي: ما نزل ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ [الفاتحة: ١] إلا في سورة النمل.
وفي الإيضاح: قال الكرخي: لا أعرف هذه المسألة عن متقدمي أصحابنا، والأمر بالإخفاء دليل على أنها ليست من السورة؛ لامتناع أن يجهر ببعضها دون البعض (^١).
وذكر الشيخ أبو بكر الرازي من أصحابنا أنها آية من القرآن، أنزلت للفصل من السور (^٢)، وبه قال مالك.
وفي المبسوط: روي عن المعلى أنه قال: قلت لمحمد: إنها آية من القرآن أم لا؟
فقال: ما بين الدفتين كله من القرآن، فقلت: ما بالك لا تجهر بها؟، فلم يجبني، وهذا بيان عن محمد أنها أنزلت للفصل بين السور، لا أنها من أوائل السور؛ لأنها تكتب بخطه على حدة، وهو اختيار أبي بكر الرازي، حتى قال محمد: يكره للجنب والحائض قراءتها على قصد قراءة القرآن؛ لأن من ضرورة كونها قرآنا حرمة قراءتها لهما، وليس من ضرورة كونها قرآنا الجهر، كالفاتحة في الآخرين (^٣).
احتج الشافعي بحديث أبي الجوزاء عن عائشة، أنه ﵇ قرأ الفاتحة فقال: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] وعدها آية منها (^٤)، وفي رواية أم سلمة: وبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية منها (^٥)، وبأنها مكتوبة
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٥٨).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٠٣)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١١٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/¬١٦).
(٤) لم أقف عليه من حديث عائشة ﵂.
(٥) أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٦، رقم ١١٧٥) قال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥٥٥): سائر رواته ثقات. وأخرجه بنحوه الترمذي (٥/¬٣٢، رقم ٢٩٢٣) وقال: حسن صحيح.
[ ١ / ٦٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في المصاحف بقلم الوحي بين دفاتها.
وعن عائشة ﵂: اقرؤوا ما في المصحف، وقد أثبتت في أول كل سورة ما خلا سورة براءة، وقد أمرنا بتجريد القرآن في المصاحف، وصون المصحف عن غير القرآن، فعلم أنها من كل سورة، فيجهر بها عند القراءة؛ لامتناع قراءة بعض السورة جهرًا وبعضها خفية.
ولنا: حديث أبي هريرة أنه ﵇ قال: «يقولُ اللهُ تعالى: قَسمتُ الصَّلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] …» (^١)، ومعلوم أنه ﵇ أراد بالصلاة الفاتحة، فانتفى بذلك أن تكون آية بوجهين:
أحدهما: أنه ترك ذكرها في القسمة.
والثاني: أنه لو صارت من الفاتحة في القسمة؛ لما كانت نصفين، بل يكون الله أكثر ما للعبد، فإنها ثناء على الله تعالى، لا شيء للعبد فيها، وفيه أبحاث كثيرة ذكرت في الأصول، ثم ثبت أن إثبات الآي لا يجوز إلا من طريق معلوم، وكذلك مواضع الآي، وليس هنا نقل معلوم، فدل على أنها ليست من الفاتحة. كذا في تفسير الفراء (^٢).
وحديث أنس أنه قال: صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فسمعتهم يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، فلم أسمع أحد منهم يجهر بها (^٣).
ولأن السلف اتفقوا على أن الكوثر ثلاث آيات بدون التسمية، ولأن الصدر الأول اختلفوا في ذلك، وأدنى درجات اختلافهم إيراث الشبهة، فلا يثبت كونها من السورة معها. كذا في المبسوط (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٩٦، رقم ٣٩٥).
(٢) انظر: تفسير الألوسي = روح المعاني (١/¬٤١).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬١٦).
[ ١ / ٦٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأخبار إذا تعارضت لا يثبت بها قرآن؛ لأنها أخبار آحاد، وإنما يثبت بالإجماع والأخبار المتواترة على عينها، فقامت الشبهة المانعة من اعتقاد كونها آية على القطع من الفاتحة ومن كل سورة.
وفي المبسوط: الدليل على كونها أنزلت للفصل: ما روي عن ابن عباس أنه قال لعثمان: لم لا تكتب التسمية بين الأنفال والبراءة؟ فقال: لأن سورة براءة آخر ما نزل على النبي ﵇، وتوفي قبل أن يبين لنا شأنها، فوجدت أوائلها يشبه أواخر الأنفال، فألحقتها بها (^١)، فهذا بيان أنها كتبت للفصل بين السور.
ثم عندنا لا يجهر بها، وبه قال أحمد (^٢)، والثوري؛ لما ذكرنا من حديث أنس، وحديث عبد الله بن المغفل. وفي الإيضاح أخبار كثيرة.
وأما الجواب عن أخبارهم: أنها كانت في ابتداء الأمر، حتى نزل قوله ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، أو جهر للتعليم؛ كما روي عن عمر ﵁: أنه جهر بالثناء بعد التكبير للتعليم.
وفي أصول شمس الأئمة: لم يعمل علماؤنا بخبر الجهر بالتسمية، وخبر رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه؛ لأنه لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام في معرفته (^٣).
وشنع أبو بكر الباقلاني على الشافعي في جعله التسمية من الفاتحة والجهر بها. ذكره في الإنصاف.
وقال ابن تيمية الحراني (^٤): ليس للمخالف حديث صريح في الجهر إلا وفي سنده مقال عند أئمة الحديث، ولذلك أعرضنا عنها إلى باب المسانيد
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬١٦).
(٢) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٢)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٥).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٩٢).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٢/ ٤١٥).
[ ١ / ٦٣٧ ]
ثُمَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ رَكْعَةٍ كَالتَّعَوُّذِ.
المشهورة، كالصحيحين، وسنن الترمذي وأبو داود والنسائي، وأحمد وابن ماجة.
وعن الدارقطني قال: لم يصح عن النبي ﵇ حديث في الجهر، فأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف.
وعن ابن المجمر قال: جاءت الآثار عن النبي ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان متواترة؛ أنهم كانوا لا يجهرون بها في الصلاة.
وقال ابن أبي ليلى: يتخير في التسمية بين الجهر والمخافتة، وهكذا مذهبه في كل ما اختلف فيه الأثر؛ كرفع اليدين عند الركوع، وتكبيرات العيد ونحوها.
وهذا ضعيف؛ لأن آخر القولين ناسخ الأول، وفي القول بالجمع؛ جمع بين الناسخ والمنسوخ عملًا، وذا لا يجوز. كذا في المبسوط (^١).
وفي بعض النسخ: (يُسِرُّ بها)؛ أي: بالتسمية.
وفي البدرية: لا يجوز بهما؛ لأن الاختلاف فيها لا في التعوذ، فلهذا خصها بالذكر (^٢).
وقال مولانا حافظ الدين: رأيت في بعض شروح المختصر (بهما) (^٣).
وفي المغرب: أسر الحديث؛ أخفاه، أمّا يُسِرُّ بهما - بزيادة الباء - فسهو (^٤).
قيل: غير سهو؛ لأن باب أفعل يستعمل بالباء وبغير الباء.
قوله: (ثم عن أبي حنيفة): روى الحسن عن أبي حنيفة: أن المصلي يسمي أول صلاته، ثم لا يعيدها؛ لأنها شرعت لافتتاح الصلاة كالتعوذ والثناء.
وروى أبو يوسف عنه: أنه يأتي بها في أول كل ركعة، وهو قول أبي
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬١٨).
(٢) انظر: المستصفى للنسفي (١/ ٤٦٠).
(٣) انظر: المستصفى للنسفي (١/ ٤٦١).
(٤) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٢٢٣).
[ ١ / ٦٣٨ ]
وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا احْتِيَاطًا وَهُوَ قَوْلُهُمَا (*)، وَلَا يَأْتِي بِهَا بَيْنَ السُّورَةِ وَالفَاتِحَةِ
يوسف، وهذا أقرب إلى الاحتياط؛ لاختلاف العلماء والآثار في كونها من الفاتحة والسورة.
وروى [ابن أبي] (^١) رجاء عن محمد: أنه يقرؤها في أول كل ركعة، وبين السورة والفاتحة إذا كان يخفي القراءة؛ لأنهما أقرب إلى متابعة المصحف، ولا يأتي بهما فيما يجهر؛ فرارًا من الجمع بين المخافتة والجهر في ركعة. كذا في المبسوط (^٢).
لهما: أن الباء متعلقة في ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ [الفاتحة: ١] بفعل محذوف، وهو ما جعلت التسمية مبدأ له، وهو في كل ركعة مبتدئ بالقراءة فيها، وكل ركعة أصل فيها، فالمعنى: أبتدئ بسم الله القراءة في هذه الركعة.
ولأبي حنيفة: أن القراءة في الصلاة قراءة واحدة لا يبتدئ بها مرتين، والصلاة جامعة؛ لما فيها من القراءة، وحرف الصلة يدل على الابتداء، حيث حذف الفعل الذي هو متعلقه اختصارًا أو تخفيفًا، فإذا كررت دل على تكرار الابتداء فيما لا ابتداء فيه إلا مرة واحدة، وأنه موهم للكذب فترك.
ويمكن أن ترجح رواية أبي يوسف؛ لأن القراءة في الثانية كقراءة مبتدئة في صلاة أخرى؛ فإن ماهية الصلاة تمت برفع الرأس من السجدة الثانية في الركعة الأولى، ولهذا لو حلف لا يصلي يحنث عند ذلك، فالركعة الثانية إعادة الأركان، فهي صلاة أخرى باعتبار نفسها؛ وإن كانت منضمة إلى الأولى بحكم عقد التحريمة، وإذا كانت القراءة معادة فهي غير القراءة الأولى؛ باعتبار اختلاف محلها، فكانت القراءة فيها غير القراءة في الأولى حقيقة وحكما، فالياء متصلة بهذه القراءة، لا بابتداء القراءة في الصلاة مطلقًا، فانتفى توهم الكذب. كذا في شرح المجمع.
وفي المحيط: ولا يأتي بها في رأس كل ركعة غير الفاتحة؛ لأنها ليست
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصالحين.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من المبسوط.
(٣) المبسوط للسرخسي (١/¬١٦).
[ ١ / ٦٣٩ ]
إِلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ (*)،
بآية منها، ولا شرعت مفتاحا لها (^١).
وفي منية الفتاوى (^٢): والأحسن أن يأتي بها في أول كل ركعة عند أصحابنا جميعا، لا خلاف فيه ولا تختلف الرواية عنهم، ومن قال مرة فقد غلط على أصحابنا غلطا فاحشا، عرفه من تأمل كتب أصحابنا والروايات عنهم، لكن الخلاف في الوجوب؛ فعندهما رواية المعلى عن أبي حنيفة: أنها تجب في الثانية كوجوبها في الأولى، وفي رواية الحسن عنه: أن هذا لا يجب إلا عند افتتاح الصلاة، وإن قرأها في غيره فحسن.
والصحيح أنها تجب في ركعة، حتى لو سها عنها قبل الفاتحة يلزمه السهو.
وعن الفقيه أبي جعفر: لو كبر ونسي الثناء والتعوذ والتسمية؛ لا يعود ولا سهو عليه (^٣).
وفي المجتبى (^٤): وأما وجوبها خارج الصلاة؛ فالصحيح: أنها تجب.
وأجمع القراء أنه يقرؤها في أول الفاتحة، وكذا في سائر السور، إلا حمزة وأبا عمرو في إحدى الروايتين احتياطا.
وفي المحيط: قال أبو علي الدقاق: قول أبي يوسف أحوط؛ لأن العلماء اختلفوا فيها، أنها هل هي من الفاتحة أم لا؟ وعليه إعادة الفاتحة، فكان عليه إعادة التسمية في كل ركعة؛ ليكون أبعد عن الخلاف (^٥).
وقال مولانا حميد الدين: المقتدي ينبغي أن يأتي بها احتياطا، إلا أنه لا احتياط في حقه، إذ عند سعد بن [أبي] (^٦) وقاص تسمية المقتدي تفسد صلاته، وهو من العشرة المبشرة، فلا معنى للتحرز عن خلاف على وجه يقع في خلاف.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٥٩).
(٣) انظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١١٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٠٨).
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٣).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٣).
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٥٩).
(٧) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل والنسخة الثانية، ولا بد من إثباته.
[ ١ / ٦٤٠ ]
فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي صَلَاةِ المُخَافَتَةِ (ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الكِتَابِ وَسُورَةً أَوْ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَيِّ سُورَةٍ شَاءَ) فَقِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ لَا تَتَعَيَّنُ رُكْنَا عِنْدَنَا، وَكَذَا ضَمُّ السُّورَةِ إِلَيْهَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الفَاتِحَةِ، وَلِمَالِكِ ﵀ فِيهِمَا.
آخر، لكن المصنف لم يعتبر هذا الخلاف، إذ القول بفساد الصلاة بها بعيد عن قواعد الشرع، فإن محمدًا لم يعتبر خلافه، حتى استحسن قراءة المقتدي في صلاة التي يخافت فيها احتياطًا، واعتبر خلاف الشافعي، حيث تحرز عن خلافه؛ لأن دليل المخالف هنا ظاهر. كذا في الخبازية (^١).
(في صلاة المخافتة)؛ احتياطًا واتباعًا للمصحف، ولهذا ذكر الولوالجي: لو قرأها عند السورة فحسن اتباعًا له، ولا يأتي فيما يجهر ليلا فيختلف نظم القراءة هو المختار، وفي التطوع في سعة من ذلك كله. كذا في فتاوى العتابي (^٢).
قوله: (خلافًا للشافعي في الفاتحة): وبه قال أحمد، قراءتها بكمالها فرض عنده، حتى لو ترك حرفًا منها أو تشديدا عمدًا لا تجوز صلاته عنده (^٣)، ولو ترك التشديد في لفظ (الله) فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [الفاتحة: ١] بلا تشديد، فإن قاله عمدا تبطل صلاته، وإن قاله ناسيًا يؤمر بسجود السهو، ولو تركه على لفظ (إياك)، فإن تعمد ذلك ويعرف معناه يكفر؛ لأن (الإيا) ضوء الشمس.
وقيل: الشمس، فكأنه قال: نعبد ضوء الشمس، وإن كان ساهيًا أو جاهلًا سجد للسهو. كذا في تتمتهم (^٤).
وعند عامة مشايخنا: لو ترك التشديد من ﴿إِيَّاكَ﴾ [الفاتحة: ٥] ومن ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] تفسد.
والمختار: أنه لا تفسد صلاته. ذكره في الخلاصة (^٥).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٠٨).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٩٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٠٨).
(٣) انظر: الروض المربع للبهوتي (ص ٨٩)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ١٨٨).
(٤) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٤١١).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٠٩).
[ ١ / ٦٤١ ]
لَهُ: قَوْلُهُ ﵊: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا»
(له)؛ أي: لمالك. (وسورة معها): في المبسوط: أو قال: وشيء معها (^١)، ولأنه ﵇ واظب عليها وأمر الأعرابي بذلك.
وروى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها بفاتحة الكتاب» (^٢)، وفي رواية: «إلا بأم القرآن» (^٣).
ولأنه ﵇ قال: «كلُّ صلاةٍ لم يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» (^٤)؛ أي: ناقصة، والنقصان المطلق ينصرف إلى النقصان في الماهية، إلا أن يقوم الدليل عليه في الأوصاف، فهو بيان للآية، إذ ما في قوله تعالى: ﴿فَأَقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠] مجمل عنده، وفي رواية: «فهو خداع» (^٥).
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠].
فإن قيل: هذه الآية نزلت في صلاة الليل، وقد انتسخت فرضيتها، فكيف يصح التمسك بها؟.
قلنا: ما شرع ركنا لم يكن منسوخًا، بدليل أنه لو شرع فيها يلزمه سائر الأركان، ولأنا مأمورين بحفظ القرآن لبقاء الأحكام، والقرآن يحفظ لأجل القراءة، وهي لا تفرض خارج الصلاة بالإجماع، فتغيب في الصلاة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٦).
ولأن الاعتبار لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لما عرف في الأصول.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬١٩).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) هذه الرواية أخرجها الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٢٨٩، رقم ١٣٦٠)، وحديث أبي سعيد تقدم تخريجه قريبا.
(٤) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٧٤، رقم ٨٤١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير (٢/ ٨٣٤، رقم ٨٤١)، وبنحوه أخرجه مسلم (١/ ٢٩٦، رقم ٣٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) لم أقف على هذه الرواية.
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢١١).
[ ١ / ٦٤٢ ]
وَلِلشَّافِعِيِّ ﵀: قَوْلُهُ ﵊: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
وَلَنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ لَا تَجُوزُ، … .
يؤيده حديث أبي هريرة المتفق عليه؛ وهو أنه ﵇ قال له: «إذا قُمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك مِنَ القرآن» (^١). (بخبر الواحد لا تجوز):
فإن قيل: هذا خبر مشهور؛ فإن العلماء تلقته بالقبول، فتجوز الزيادة بمثله.
قلنا: لا نسلم أنه مشهور؛ لأن المشهور ما تلقاه التابعون بالقبول، وقد اختلف التابعون في هذه المسألة، ولإن سلمنا أنه مشهور؛ فالزيادة بخبر المشهور إنما تجوز إذا كان محكمًا، أما لو كان محتملا فلا، وهذا الحديث محتمل؛ لأن مثله يستعمل لنفي الجواز، ويستعمل لنفي الفضيلة، كقوله ﵇: «لا صلاة لجار المسجدِ إِلَّا في المسجدِ» (^٢)، وكما في قوله ﵇: «لا فتى إلا علي» (^٣). كذا في طريقة البرغري، ومبسوط شيخ الإسلام، والمجتبى (^٤).
وفي شرح الإرشاد: هذا الحديث معارض بما روي أنه ﵇ قال: «لا صلاةَ إلا بقراءة فاتحة الكتاب أو غيرها» (^٥)، وروي «لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب». رواه أبو داود (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٥٢، رقم ٧٥٧) ومسلم (١/ ٢٩٧، رقم ٣٩٧).
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٩٢، رقم ١٥٥٢) من حديث جابر ﵁ وضعفه ابن حجر في الدراية (٢/ ٢٩٣، رقم ١٠٦٠).
(٣) جزء من حديث طويل أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٠١) من حديث أبي ذر ﵁. قال ملا علي القاري في الأسرار المرفوعة (ص: ٣٨٤، رقم ٩٩٥): لا أصل.
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٣).
(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٢١٦، رقم ٨٢٠)، وأحمد (٢/ ٤٢٨ رقم ٩٥٢٥) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، وصححه الحاكم (١/ ٢٣٩، رقم ٨٧٢) وأقره الذهبي.
(٦) انظر تخريج الحديث الذي قبله.
[ ١ / ٦٤٣ ]
لَكِنَّهُ يُوجِبُ العَمَلَ فَقُلْنَا بِوُجُوبِهِمَا
وفي الكافي: معارض بما روي أنه ﵇ علم الأعرابي الصلاة إلى أن قال: «قُلْ: الله أكبر، ثم اقرأ ما تيسر، أو ما مَعَكَ من القرآن» (^١).
وأما قوله: (فهي خداج)؛ أي: ناقص في الوصف لا في الماهية بما روينا؛ لأنه دليل على أن النقصان في الوصف لا فيها، ولهذا قلنا بوجوبها، ولو تركها في صلاته يؤمر بإعادتها، ولا يؤمر بإعادة غيرها لو تركه. كذا في الْمُجْتَبى (^٢).
وإليه أشار المصنف بقوله: (فقلنا بوجوبها)، وفيه تأمل؛ لما عرف في الأصول أن الوجوب إنما يثبت بخبر الواحد إذا كان قطعي الدلالة، وهذا الحديث معارض بأحاديث أخر كما ذكرنا، فكيف يثبت به الوجوب؟.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَأَقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠] عام خص منه البعض، وهو ما دون الآية، فإن المصنف ذكر في فصل القراءة: أدنى ما يجزئ من القراءة عند أبي حنيفة آية تامة؛ لأن ما دون الآية خارج بالإجماع، وإذا كان كذلك؛ يجوز تخصيصه بخبر الواحد، بل بالقياس أيضًا.
قلنا: قيل في جوابه: القرآن يتناول ما هو معجز عرفًا، فلا يتناول ما دون الآية، ولكن هذا إنما يستقيم على قولهما؛ لأنهما قالا: فرض القراءة ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، أما على قول أبي حنيفة لا يستقيم؛ لأن الفرض يتأتى بالآية القصيرة عنده، وهي ليست بمعجزة؛ إذ الإعجاز لم يتعلق بما دون السورة.
والجواب الصحيح: أن التلفظ بما دون الآية القصيرة لا يسمى قراءة لغة، ولا المتلفظ به قارئًا لغة، ولهذا شرط في قوله أن تكون الآية القصيرة كلمتين أو أكثر، ولا يتأدى الفرض بآية هي كلمة واحدة، ﴿كهيعص﴾ و﴿ق﴾ و﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ في الصحيح، وإذا كان كذلك لم يدخل ما دون الآية في النص؛
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٣).
[ ١ / ٦٤٤ ]
(وَإِذَا قَالَ الإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ: قَالَ: آمِينَ، وَيَقُولُهَا المُؤْتَمُ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
لأن التلفظ به ليس بقراءة لغة، لا لأنه قراءة، فرُخص من النص، فأما التلفظ بآية قصيرة أو أكثر يسمى قراءة لغة، فيتأدى به الفرض عنده؛ عملًا بالحقيقة المستعملة، وعندهما لا يسمى قراءة عرفًا؛ إذ لابد في العرف من التكلم بسورة، أو ثلاث آيات قصار وآية طويلة؛ لإطلاق اسم القراءة يتأدى لما دونها، عملًا بالحقيقة العرفية احتياطًا، فتبين بهذا أن النص غير مخصوص، وأن المراد من قول المصنف: (ما دون الآية خارج) أنه غير داخل، لا أنه دخل ثم خرج. كذا قرره شيخي ﵀.
وقيل فيه: ما دون الآية قرآن بالتعريف المذكور في الأصول، فيكون التلفظ به قراءة لغة، كالتلفظ بآية قصيرة، إذ قراءة القرآن التلفظ بألفاظه.
وفي شرح المجمع: في وجه أن إطلاق الآية يقتضي فرضية ما يطلق عليه الاسم، وذلك بالآية حاصل، وبما دونها أيضًا، إلا أن ما دون الآية قد يتلفظ به للتبرك، كالحمد لله، وبسم الله، فلم تكن قراءة القرآن من كل وجه، وتالي الآية الكاملة قارئ من كل وجه، وهذا التقرير يؤيد الإشكال.
فإن قيل: قوله (ما تيسر) عام، والمصنف قال: (والزيادة عليه)، وهذا يدل على أنه المطلق، والمطلق خاص لا عام عندنا.
قيل في جوابه: كأنه أراد به العام المطلق؛ وهو العام الغير مخصوص، وفي الحقيقة لم يتضح لي سر هذا البحث.
والمراد بما روى مالك: نفي الفضيلة؛ لما ذكرنا من الدلائل، وتعليمه الأعرابي لا يدل على الفرضية؛ لأنه ﵇ يعلم السنن والواجبات كما يعلم الفرائض.
قوله: (آمين)؛ أي: الإمام، إنما قال ذلك لنفي شبهة القسمة التي اقتضاها ظاهر الحديث، كما هو ظاهر مذهب مالك، ورواية الحسن عن أبي حنيفة.
وفي المبسوط: قال أبو حنيفة: يخفي الإمام (آمين)، ثم قال: وقد طعنوا فيه وقالوا: أن مذهب أبي حنيفة أن الإمام لا يقولها أصلًا، فكيف يستقيم
[ ١ / ٦٤٥ ]
وَالسَّلَامُ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا» وَلَا مُتَمَسَّكَ لِمَالِكِ ﵀ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
جوابه: (ويخفي بها)، ولكنا نقول: عرف أبو حنيفة أن بعض الأئمة لا يأخذون قوله؛ لحرمة قول علي وابن مسعود، ففرع الجواب على قولهما كما فرع مسائل المزارعة على قول من يرى جوازها (^١).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: عن أبي حنيفة: أنه لا يقولها الإمام (^٢)؛ لأن الإمام داع والمأموم مستمع، وإنما يؤمن المستمع لا الداعي.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، فموسى ﵇ يدعو وهارون ﵇ يُؤمن، فكذلك هاهنا. وأما قوله: (إذا أمن الإمام): سمى الإمام مُؤَمِّنًا باعتبار التسبيب، والمسبب يجوز أن يسمى باسم المباشر، كما يقال: بني الأمير داره.
وفي الإيضاح: فإذا فرغ الإمام من الفاتحة قال: (آمين)؛ لما روي أنه ﵇ قال: «إذا أمَّنَ الإمامُ فأمنوا، فمَن وافق تأمينه الملائكة غفر له ما تقدم مِنْ ذَنبِهِ» (^٣)، والمراد من الموافقة: الإخلاص والثقة بالله تعالى (^٤).
وفي الكشاف: روي عن النبي ﵇ أنه قال: لقيني جبريل ﵇ عند فراغي منها آمين، وقال: أنه كالختم على الكتاب (^٥) وليس من القرآن، بدليل أنه لم يُثبت في المصاحف (^٦).
والمشهور عن أبي حنيفة وأصحابه: أنه يقولها الإمام ويخفيها، ثم السنة فيها إخفاء عندنا، وفي رواية عن مالك (^٧)، والشافعي في الجديد، والأظهر عن
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٢).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٣٢)، والمجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٤).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٢٦١).
(٥) قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (١/¬٢٧) غريب بهذا اللفظ. وبنحوه أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٧، رقم ٧٩٦١) موقوفا على أبي ميسرة. وفي معناه ما رواه مرفوعا ابن عدي في الكامل (١٩٢٨) من حديث أبي هريرة: «آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين».
(٦) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/¬١٨).
(٧) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٦)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ١٧٨).
[ ١ / ٦٤٦ ]
وَالسَّلَامُ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ» مِنْ حَيْثُ القِسْمَةُ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَإِنَّ الإِمَامَ يَقُولُهَا، قَالَ: (وَيُخْفُونَهَا) لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁،
مالك: لا يقولها الإمام.
وقال الشافعي: يجهر الإمام به في صلاة الجهرية (^١)، وبه قال أحمد (^٢)، وعطاء، وداود؛ لما روي عن أبي هريرة أنه قال: كان إذا أمن النبي ﵇ أمن من كان خلفه، حتى كان للمسجد ضجة، وفي رواية: لجة (^٣)؛ وهو اختلاط الأصوات.
وروي عنه بعض أصحابه أنه قال: كنت أسمع الأئمة - ابن الزبير ومن بعده - يقولون: (آمين)، ويقول من خلفهم: (آمين) حتى يكون للمسجد ضجة (^٤)، وكذا روي عن عكرمة.
ولأن المقتدي تابع للإمام في التأمين، إنما يؤمن لقراءته فيتبعه في الجهر كما يتبعه في التأمين.
وفي الكشاف (^٥): عن وائل بن حجر أنه ﵇ كان إذا قرأ (ولا الضالين) قال: (آمين) مادًا بها صوته (^٦).
ولأنه ﵇ لما حث على التأمين عند تأمين الإمام علم أنه مسموع. كذا في الخلاصة الغزالية (^٧).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٣١)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١١١).
(٢) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٢)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٧).
(٣) قال ابن حجر في (١/ ٥٨٣، رقم ٣٥٤): لم أره بهذا اللفظ، وأفاد أن معناه عند ابن ماجه (١/ ٢٧٨، رقم ٨٥٣) من حديث أبي هريرة، قال: ترك الناس التأمين، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: قال: «آمين» حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتج بها المسجد ثم قال ابن حجر في سنده: وبشر بن رافع ضعيف.
(٤) أخرجه الشافعي في المسند - ترتيب سنجر - (١/ ٢٦٥، رقم ٢١٧).
(٥) تفسير الزمخشري الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/¬١٨).
(٦) أخرجه أبو داود (١/ ٢٤٦، رقم ٩٣٢) وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٤/ ٩٠، رقم ٨٦٣).
(٧) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ١٢٠).
[ ١ / ٦٤٧ ]
وَلِأَنَّهُ دُعَاءُ فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى الإِخْفَاءِ، وَالمَدُّ وَالقَصْرُ فِيهِ وَجْهَانِ،
ولنا: حديث ابن مسعود: «أربع يخفيها الإمام …» الحديث (^١)، وما روى وائل بن حجر أنه ﵇ أخفى بها (^٢)، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود.
ولأن التأمين دعاء، فإن (آمين) صوت يسمى به الفعل الذي هو استجب كرويد، حتى قال ابن عباس: سألت رسول الله ﷺ عن معنى قوله (آمن) فقال: «افعل» (^٣).
وقيل: هو تعريب (همين، أي همين مي خواهم، أو همين مي بايد) وهو اسم من أسماء الله تعالى؛ فمعناه: يا آمين استجب.
والدليل عليه: قصة موسى وهارون ﵉.
والأصل في الدعاء: الإخفاء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال ﵇: «خيرُ الدّعاءِ الخَفِيّ، وخير الرزق ما يكفي» (^٤)، ولأن بإخفائها يقع التمييز بين القرآن وغيره، فإنه إذا أجهر بها مع الجهر بالفاتحة يلتبس بأنها منها، وأما الأخبار والآثار إذا تعارضت يعمل بالأصل، والأصل في الدعاء الإخفاء كما ذكرنا، أو يحمل ما روى الخصم على أنه وقع اتفاقا، أو على التعليم، أو على ابتداء الأمر.
وقد رد النخعي حديث وائل، وحديث أبي هريرة معارض بما روي عن عمر وعلي وابن مسعود، وأما قوله ﵇: «أنه مسموع»؛ فقلنا: يمكن أن يعرف تأمين الإمام من غير أن يجهر به؛ لأنه إذا قال: (ولا الضالين) فقد جاء أوان تأمين الإمام، فيعرف بهذا الطريق. كذا في الأسرار، ومبسوط شيخ
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) الترمذي (١/ ٣٣١ - ٣٣٢، رقم ٢٤٨) وقال: حديث حسن.
(٣) أخرجه الثعلبي في التفسير (١/ ١٢٥) وفي سنده محمد بن السائب الكلبي ضعيف جدا.
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ وبنحوه أخرجه أحمد (١/ ١٧٢، رقم ١٤٧٧) من حديث سعد ﵁ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨١، رقم ١٦٧٩٤): وفيه محمد بن عبد الرحمن ابن لبيبة، وقد وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح، وقبله المنذري في الترغيب (٢/ ٣٤١، رقم ٢٦٤١).
[ ١ / ٦٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإسلام (^١).
وفي المحيط، وفتاوى الظهيرية: لو سمع المقتدي من الإمام (ولا الضَّالِّين) في صلاة لا يجهر فيها، هل يؤمن؟
قال بعض مشايخنا: [ل] يؤمن؛ لأن ذلك الجهر لغو، فلا يتبع.
وعن الهندواني: يؤمن؛ لظاهر الحديث (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: لا خلاف أن (آمين) ليس من القرآن، حتى قالوا بارتداد من قال أنه منه، وأنه مسنون في حق المنفرد والإمام والمأموم والقارئ خارج الصلاة (^٣).
واختلف القراء في التأمين بعد الفاتحة إذا أراد ضم سورة إليها، والأصح: أن يأتي بها، ثم فيه لغتان: مد الألف بدلًا عن ياء النداء، قال الشاعر (^٤):
يا رَبِّ إِنَّكَ ذو مَنْ وَمَغفِرَةِ … ثَبِّتْ بِعافِيَةِ لَيلَ المُحِبّينا
يا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدًا … وَيَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قَالَ آمَينَا
وقصر الألف، كما قال الشاعر:
تباعد مني فُطَحل (^٥) إذ دعوته … آمين، فزادَ الله ما بَينَنا بعدا (^٦)
وعلى اللغتين مبني على الفتح، مثل: كيف وأين؛ لاجتماع الساكنين،
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢١٨).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٥٩).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٤).
(٤) البيتان من البسيط، وهما لمجنون ليلى في ديوانه (ص ٢١٩)؛ ولعمرو بن أبي ربيع في لسان العرب (١٣/¬٢٧) (أمن)، وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في إصلاح المنطق (ص ١٧٩)؛ وإنباه الرواة (٣/ ٢٨٢)؛ وشرح الأشموني (٢/ ٤٨٥)؛ وشرح المفصل (٤/¬٣٤)؛ وشرح شذور الذهب (ص ١٥١).
(٥) في حاشية الأصل كتب في الهامش: (فطحل) اسم رجل.
(٦) البيت من الطويل، وهو لجبير بن الأضبط في تهذيب إصلاح المنطق (٢/¬٤٢)؛ وبلا نسبة في إصلاح المنطق (ص ١٧٩)؛ وشرح الأشموني (٢/ ٤٨٥)؛ وشرح شذور الذهب (ص ١٥٢)؛ وشرح المفصل (٤/¬٣٤)؛ ولسان العرب (١١/ ٥١٨) (فحطل)، (١١/ ٥٢٨) (فطحل)، (١٣/¬٢٧) (أمن). انظر: المعجم المفصل في شواهد العربية (٢/ ١٩٢).
[ ١ / ٦٤٩ ]
وَالتَّشْدِيدُ فِيهِ خَطَأً فَاحِشٌ.
قَالَ: ﴿ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ﴾ وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَيُكَبِّرُ مَعَ الأَنْحِطَاطِ لِأَنَّ النَّبِيَّ
ويجوز سكون النون فيهما، وتشديد الميم خطأ تفسد به الصلاة عندهما.
وفي التجنيس: لو قال (آمين) بتشديد الميم في صلاته تفسد؛ لأنه ليس بشيء.
وقيل: عندهما لا تفسد؛ لأنه يوجد في القرآن، وعليه الفتوى (^١).
وأصل (آمين): يا أمين استجب دعاءنا، وهو اسم من أسماء الله تعالى، إلا أنه أسقط ياء النداء، فأقيم المد مقامه.
وفي الخبازية: فيه أربع لغات: فتح الألف، ومدها، وقصرها، وفتح النون في الوجهين وتسكينه (^٢)، ومعنى قوله: (والتشديد فيه خطأ فاحش) أنه ليس بشيء.
وقيل: معناه: قاصدين الصلاة لذكره.
وقوله: (ولا الضالين): وعن الحلواني: له وجه؛ لأنه حينئذ معناه: ندعوك قاصدين إجابتك؛ صيانة لصلاة العامة (^٣).
وعن جعفر الصادق والحسين بن الفضل أنهما قرآه هكذا.
وفي الخلاصة: المد اختيار الفقهاء؛ لموافقة المروي عن النبي ﵇، والقصر اختيار الأدباء (^٤).
ثم لفظ المؤتم مشترك بين اسم الفاعل والمفعول، فإن كان اسمًا للفاعل يكون أصله مؤتمم، وإن كان اسمًا للمفعول يكون أصله مؤتمم، ونظيره المختار؛ فإنه مشترك أيضًا بينهما.
قوله: (وفي الجامع): من دأب هذا الكتاب إذا وقع نوع المخالفة بين رواية الجامع الكبير ورواية القدوري؛ التصريح بذكر الجامع، ثم المخالفة هاهنا؛ هي
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١١٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢١٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢١٨).
(٣) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١١٤)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٩٦).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢١٨).
[ ١ / ٦٥٠ ]
﵊ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعِ …
أن الأول يقتضي التكبير في محض القيام، وبه قال بعض مشايخنا؛ لأنه أحد وجهي الواو؛ لأنه قال: ثم يكبر ويركع، والثاني يقتضي مقارنة التكبير مع الانحطاط؛ لأن مع محكم في المقارنة، وبه قال البعض. كذا في المحيط (^١).
قال الطحاوي (^٢): وهو الصحيح؛ لأنه ﵇ يكبر عند كل خفض ورفع.
وفي شرح الإرشاد: ينبغي أن يكون حالة الانحطاط وحالة الرفع، لا في حالة الاستواء ولا في حالة تمام الانحناء؛ لأن هذا التكبير يفعل للانتقال، فهو في حالة الانتقال أولى (^٣).
وقال بنو أمية: لا يكبر حال ما يركع، بل يكبر حال ما يرفع رأسه من الركوع؛ لأنه روي أنه ﵇ فعل هكذا، ولأن التكبير حال الانتقال ما شرع مقصودًا بنفسه، وإنما شرع للإعلام، بدليل سنية الجهرية، وإنما يحتاج إلى الإعلام حال الرفع؛ لأن القوم لا يعاينون رفع الإمام رأسه من الركوع والسجود، فيحتاج إلى الإعلام، بخلاف حالة الخفض؛ فإنهم يعاينون خفضه فاستغني عنه.
ومن الناس من قال: إنه يقولها حالة الخفض ولا يجهر؛ لأنه ذكر مسنون، والسنن في الأذكار المخافتة إلا لعذر، والعذر فيه تكبيرات حالة الرفع إعلام الانتقال، ولا حاجة إليه حالة الخفض فيخافت.
ولنا: ما روينا «أنه ﵇ يُكبّر مع كلِّ خفض ورفع» (^٤).
والمعنى: أن الانتقال من ركن إلى ركن بمعنى الركن؛ لأنه لا يمكن تحصيل ما بعده من الركن إلا به، وما يتوسل إلى الفرض إلا به كان فرضًا، فوجب أن يحله ذكر مسنون كما حل سائر الأركان.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٩٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢١٩).
(٢) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٩٦).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢١٩).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٦٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما ما رووا فنقول: أنه ﵇ كان يكبر، إلا أنه لم يسمعه الراوي - وهو عبد الرحمن بن أبزى - وسمعه غيره، أو نرجح فنقول: المصير إلى ما روينا أولى؛ لأنه أثبت متنًا وأتقن رواة، وأما من قال: الجهر لا يحتاج إليه؛ فقلنا: قد يحتاج إليه؛ لأنه قد يكون خلفه أعمى، فلا يعاين خفض الإمام، كما يسر الجهر بالتكبيرة الأولى مع رفع اليدين لهذا المعنى. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
وفي الْمُجْتَبى: واختلف في وقت الركوع، والأصح: أنه بعد الفراغ من القراءة.
وقيل: إن بقي في حالة الخرور حرف أو كلمة من القراءة؛ فلا بأس به (^٢).
قلت: وقول القدوري (ثم يكبر ويركع)؛ يشير إلى أنه يكبر حالة القيام، وهكذا ذكر في المحيط مستدلا بقول محمد (إذا أراد أن يركع يكبر) (^٣).
وقيل: يكبر عند الخرور وانتهاؤه عند انتهائه. وبه قال الشافعي.
وقال الطحاوي: يخر راكعا مكبرا (^٤).
وفي خزانة الأكمل: لا يكره وصل القراءة بتكبير الركوع (^٥).
وعن أبي يوسف: ربما وصلت وربما تركت.
قال أبو جعفر: يصلها وصلًا، وربما ترك أبو يوسف الأفضل؛ تعليما للرخصة (^٦).
ثم هذه التكبيرات كلها سنة عند الجمهور من الصحابة والتابعين من العلماء، وقالت الظاهرية، وأحمد في رواية (^٧): أنها واجبات.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٩٦).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٥).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٥٩).
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢٠).
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢٠).
(٦) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢٠).
(٧) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٠)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٥٧).
[ ١ / ٦٥٢ ]
(وَيَحْذِفُ التَّكْبِيرَ حَذْفًا) لِأَنَّ المَدَّ فِي أَوَّلِهِ خَطَأً مِنْ حَيْثُ الدِّينُ، لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا،
(ويحذف)؛ أي: لا يمد التكبير.
قوله: (لكونه استفهامًا)؛ فهذا يقتضي أن لا يثبت عنده كبرياء الله تعالى وهو كفر، هذا من حيث الظاهر؛ فإن الهمزة للإنكار وضعًا، ولكن من حيث إنها يجوز أن تكون للتقرير لا يلزم الكفر، وما ذكره المصنف وهو أنه قال: خطأ من حيث الدين؛ فحسن.
وفي الخلاصة: لو قال (الله أكبر) بمد ألف (أكبر) تكلموا في كفره، ولا تجوز صلاته، ولأنه إن لزم الكفر فظاهر، وإن لم يلزم يكون كلاما فيه احتمال الكفر، فيخشى عليه الكفر، وهو خطأ أيضًا شرعًا؛ لأن الهمزة إذا دخلت على كلام منفي كما في قوله ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] الآية؛ تكون للتقرير، لا نفي كلام مثبت ظاهرًا (^١). كذا [قيل] (^٢).
وفيه ضعف من حيث اللغة؛ وذلك لأن أفعل التفضيل لا يحتمل المد، حتى قال مشايخنا: لو أدخل المد بين الباء والراء في لفظ أكبر عند افتتاح الصلاة لا يصير شارعًا، بخلاف ما لو فعل المؤذن؛ حيث لا يجب إعادة الأذان، وإن كان خطأ؛ لأن أمره أوسع. كذا في جامع المحبوبي (^٣).
ثم لفظ (أوله وآخره) يحتمل أن يرجع إلى لفظ أكبر، بخلاف ما ذكر في كشف الغوامض؛ أي: لا يمد في كلمة (الله) ولا في كلمة (أكبر)، وفصله في الفوائد الظهيرية فقال: وأما إذا مد بهمزة (الله) تفسد صلاته، وكذا يصير شارعًا؛ لأنه شك، وأما إذا مد آخره؛ بأن خلل الألف بين اللام والهاء؛ فلا يضر لأنه إشباع، ولكن الحذف أولى، وأما إذا مد الهمزة من (أكبر)؛ فتفسد أيضًا لمكان الشك، وأما إذا مد الآخر؛ بأن خلل الألف بين الباء والراء؛ قال بعضهم: تفسد صلاته، وقال بعضهم: لا تفسد، ويجزم الراء من أكبر، وإن كان
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢١).
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من النسخة الثالثة.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢١).
[ ١ / ٦٥٣ ]
وَفِي آخِرِهِ لَحْنُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ (وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) لِقَوْلِهِ
أصله الرفع بالخبرية؛ لأنه روي عن إبراهيم النخعي موقوفا عليه، ومرفوعًا إلى النبي ﵇ أنه قال: «الأذان جزم والإقامة جزم والتكبير جزم» (^١).
وقال الحلواني: وإن شاء فخم التكبير.
وفي المبسوط: ولو مد ألف (الله) لا يصير شارعًا، وخيف عليه الكفر إن كان قاصدًا، وكذا لو مد ألف (أكبر)، وكذا بمد بائه لا يصير شارعًا؛ لأن أكبار جمع الكبر، فكان فيه إثبات الشركة (^٢).
وقيل: (أكبار) اسم الشيطان، ولو مد هاء (الله) فهو خطأ لغة، وكذا لو مد راء (أكبر)؛ لأنه يصير صيغة جمع الأخبار، ولو مد لام (الله) فهو صواب، ولو قال (الله) بجزم الهاء فهو خطأ؛ لأنه لم يجيء إلا في ضرورة الشعر.
وفي البدرية (^٣): ومعنى شرعية التكبير عند الانتقال من ركن إلى ركن؛ أنه أكبر من أن يؤدى حقه بهذا القدر من العبادة، فالله تعالى أعلى من أن يعبده أحد كما هو مستحقه، أو يثني عليه حق ثنائه، فإن معنى قوله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] في حق المؤمنين؛ أي: ما أثنوا عليه حق ثنائه، وفي حق الكفار؛ ما عرفوه حق معرفته، وهذا كما قالت الملائكة: ما عبدناك حق عبادتك.
قوله: (ويعتمد): في المبسوط (^٤): كان ابن مسعود وأصحابه يقولون بالتطبيق، وصورته: أن يضم إحدى كفيه إلى الأخرى، ويرسلهما بين فخذيه، ورأى سعد بن [أبي] (^٥) وقاص ابنه يطبق فنهاه، فقال: رأيت عبد الله بن مسعود
_________________
(١) ذكر الموقوف الترمذي في السنن (١/ ٣٨٦) والمتقي الهندي في كنز العمال (٨/ ٣٥١، رقم ٢٣٢١٢) وعزاه لسعيد بن منصور. قال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص: ٢٦٣): لا أصل له في المرفوع. وفي معناه ما أخرجه الترمذي (١/ ٣٨٦، رقم ٢٩٧) عن أبي هريرة موقوفا: حذف السلام سنة، ومعناها عدم مد السلام كما قال ابن المبارك.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢١)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٩٧).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٩٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢١٩).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬٢٠).
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل والنسخة الثانية ولا بد من إثباته.
[ ١ / ٦٥٤ ]
﵊ لِأَنَسِ ﵁: «إِذَا رَكَعْت فَضَعْ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَفَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ» وَلَا يُنْدَبُ إِلَى التَّفْرِيجِ إِلَّا فِي هَذِهِ الحَالَةِ، لِيَكُونَ أَمْكَنَ مِنَ الْأَخْذِ، وَلَا إلى الضَّمِّ إِلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ، وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يُتْرَكُ عَلَى العَادَةِ (وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ)
يفعل هكذا، فقال: رحم الله ابن أم عبد كنا أمرنا بهذا ثم نهينا عنه (^١). وفي حديث الأعرابي حين علمه النبي ﷺ الصلاة [قال] (^٢) «ثم اركع وضع يديك على ركبتيك» (^٣).
وفي شرح الإرشاد: عن ابن عمر أنه ﵇ ما فعل التطبيق إلا مرة واحدة.
وفي الآثار: روي أن أبا حميد الساعدي لما وصف صلاة رسول الله ﷺ في عشرة من الصحابة؛ وضع الراحتين على الركبتين، فلما فرغ من صلاته قالوا له: صدقت (^٤)، فكان التطبيق مكروهًا.
أمكن من الأخذ؛ أي: أخذ الركبة لما روي عن عمر، ﵁ أنه قال: يا معشر الناس أمرنا بالركب خذوا بالركب (^٥) إلا في حالة السجود أي يتكلف بضم الأصابع فيها لأن اليد أقوى في الاعتماد عليه وتزداد قوتها عند الضم ولتقع رؤوس الأصابع مواجهة إلى القبلة فقد قال ﵇: «إذا سجد أحدُكُم فَلْيُوضع من أعضائه إلى القبلة ما استطاع» وفيما وراء ذلك أي حالة الركوع وحالة السجود وحالة الافتتاح وغيرها.
(وبسط ظهره): في المبسوط (^٦): روى أبو هريرة (^٧)
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٣٧، رقم ١٢٨٢) من حديث ابن مسعود ﵁ وقال: إسناد ثابت صحيح. وبنحوه من حديث سعد أخرجه مسلم (١/ ٣٨٠، رقم ٥٣٥)
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٣) أخرجه أبو داود (١/¬٢٢٧، رقم ٨٥٩) من حديث رفاعة بن رافع وحسنه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٤/¬٩، رقم ٨٠٥).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٠، رقم ٢٥٣٠).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬٢٠).
(٧) لم أقف عليه وقد ذكر له ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥٩٦) ثمان طرق لم يذكر منها طريقا
[ ١ / ٦٥٥ ]
لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إِذَا رَكَعَ بَسَطَ ظَهْرَهُ»، (وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إِذَا رَكَعَ لَا يُصَوِّبُ رَأْسَهُ وَلَا يُقَنِّعُهُ
وعائشة (^١) أنه ﵇ كان إذا ركع بسط ظهره، حتى لو وضع على ظهره قدح ماء لاستقر وما يصب، وفي رواية: «لو صب على ظهره قطرة لم تزل (^٢).
وفي الإيضاح: لو صب على ظهره ماء ما انصب قطرة» (^٣).
قوله: (ولا ينكسه) نكست الشيء؛ قلبته على رأسه، والناكس: المطأطئ رأسه، وصَوَّب رأسه خفضه، وأقنع رأسه إذا رفعه، ومنه قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم:: ٤٣]. كذا في الصحاح. (^٤)
والاعتدال في الركوع: أن يكون ظهره مستويًا من الجانبين، لا يرفع رأسه أعلى من عجزه، ولا عجزه أعلى من رأسه. كذا في المبسوطين (^٥)
روت عائشة ﵂ «أنه ﵇ كان إذا ركع لم يُشخص رأسه ولم يُصَوِّبْهُ» (^٦)، وروي أنه ﵇ قال: «إذا ركع أحدكم فلا يَدْبَحْ تدبيح الحمار» (^٧) أي لا يخفض.
_________________
(١) = لأبي هريرة، وهذا الحديث له طرق عدة من أحسنها طريق أبي برزة ﵁ كان رسول الله ﷺ إذا ركع لو صب على ظهره ماء لاستقر أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (٢/ ١٢٣، رقم ٢٧٣٨) قال الهيثمي: رجاله ثقات. قال ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٥٨٩، رقم ٣٦١): إسناده حسن.
(٢) لم أقف عليه من طريق عائشة ﵂. قال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥٩٦): وهذا الحديث يحضرني له ثمان طرق، ولم أر في شيء منها روايته عن عائشة ﵂. وبمعناه أخرجه مسلم (١/ ٣٥٧، رقم ٤٩٨) وابن ماجه (١/¬٢٨٢، رقم ٨٦٩) من حديث عائشة
(٣) قريب من هذه الرواية حديث علي ﵁ كان النبي ﷺ إذا ركع لو وضع قدح ماء على ظهره لم يهرق أخرجه عبد الله بن أحمد (١/ ١٢٣، رقم ٩٩٧) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٢٣، رقم ٢٧٣٩): فيه رجل لم يسم وسنان بن هارون اختلف فيه.
(٤) انظر تخريج الحديث الذي قبله.
(٥) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٣/ ١٢٧٤).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢٣).
(٧) تقدم تخريجه قريبا.
(٨) جزء من حديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٨٥، رقم ٢٦٥٥) من حديث أبي سعيد الخدري، وفي سنده طريف بن شهاب أبو سفيان السعدي متروك، وأخرجه بنحوه من حديث علي الدارقطني (١/ ٢١٣، رقم ٤٢٦) وفيه الحارث الأعور ضعيف.
[ ١ / ٦٥٦ ]
(وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا
كذا في الإيضاح (^١).
وفي شرح الوجيز التذبيح بالذال والدال المهملة، والأول أشهر؛ وهو أن يبسط ظهره ويطأطئ رأسه، فيكون رأسه أشد انحطاطًا من إليته (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: ويكره أن يحني ركبتيه شبه القوس، والسنة في الركوع إلصاق الكعبين واستقبال الأصابع القبلة، وهذا كله في حق الرجال، فأما المرأة تنحني في الركوع يسيرًا ولا تعتمد، ولا تفرج أصابعها، ولكن تضم يدها، وتضع على ركبتيها وضعًا، وتحني ركبتيها، ولا تجافي عضديها؛ لأن ذلك أستر لها (^٣).
وفي شرح الوجيز: والخنثى كالمرأة (^٤).
قوله: (وذلك أدناه): وذلك في رواية ابن مسعود، وروى عقبة أنه ﵇ يقول في ركوعه: «سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ، ثَلَاثًا»، وفي سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، ثَلَاثًا» (^٥).
وقوله: (وذلك أدناه) ليس بمثبت في روايته، وإنما قال (أدناه)؛ لأن الزيادة مستحبة، وفي بعض النسخ: أدنى كمال السنة، ولكن الأول أولى؛ لأنه موافق للفظ المبسوطين؛ فإنه ذكر في مبسوط السَّرَخْسِي: لم يرد بهذا اللفظ أدنى الجواز، إنما المراد أدنى الكمال؛ لجواز الركوع والسجود بلا ذكر، إلا على قول [ابن] (^٦) أبي مطيع البلخي؛ فإن عنده الثلاث فرض (^٧).
وفي مبسوط شيخ الإسلام يريد به أدنى من حيث جمع العدد؛ فإن أقل
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٣٦).
(٢) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٣٧٧).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٦).
(٤) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٣٨١).
(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٢٣٠، رقم ٨٧)، وقال أبو داود: وهذه الزيادة نخاف أن لا تكون محفوظة. وضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (٢/¬٤٠، رقم ٣٣٤).
(٦) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها النص.
(٧) المبسوط للسرخسي (١/¬٢١).
[ ١ / ٦٥٧ ]
رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» أَيْ أَدْنَى كَمَالِ الجَمْعِ
جمع العدد ثلاثة، ثم المصنف جمع بين هذين اللفظين فقال: أدنى كمال الجمع (^١).
قال مولانا فخر الدين المايمرغي: إنما نحمله على أدنى كمال الجمع المسنون، لا لبيان الجمع الحقيقي؛ فإنه ﵇ بعث لبيان الشرائع لا الحقائق والضمير في أدناه راجع إلى المصدر الذي في (يقول)؛ أي: أدنى القول المسنون. كذا سمعت عن شيخي (^٢).
وفي المستصفى (^٣): راجع إلى الاستحباب أو الندب؛ أي: أدنى الاستحباب أو الندب، فإن الركوع بدون هذا الذكر جائز.
وقيل: أدنى كمال التسبيح المسنون.
وقيل: أدنى التسبيح المسنون.