قيل: يقوم المولى بإزاء العبد فينصب أصبعه أولا ويشير بأصبعيه، ثم ينصب أربع أصابع ويشير بأصابعه.
والعبد المشترك إذا سافر مع مولييه، ثم نوى أحدهما الإقامة؛ قيل: لا يصير العبد مقيما؛ لوقوع الشك في كونه مقيمًا.
وقيل: يصير مقيمًا؛ ترجيحا للإقامة احتياطا.
والغريم المفلس، يصير مقيمًا بنية صاحب الدين، والأعمى إن كان له قائد في السفر، فإن كان أجيرًا؛ تعتبر نية الأعمى، وإن متطوعًا؛ تعتبر نيته.
صلى الظهر في الوقت وسافر، ثم صلى العصر في وقته، ثم ترك السفر قبل الغروب، ثم علم أنه صلاهما بغير وضوء؛ يصلي الظهر ركعتين، والعصر أربعًا، ولو صلاهما في وقتهما ثم سافر قبل الغروب، ثم علم أنه صلاهما بغير وضوء؛ يصلي الظهر أربعًا، والعصر ركعتين.
(باب الجمعة)
تناسب البابين من حيث إن كلا منهما يتصف بواسطة؛ الأول: بواسطة السفر، والثاني: بواسطة الخطبة، إلا أن الأول شامل في كل ذوات الأربع. والثاني خاص في الظهر، والخاص بعد العام.
وفي المغرب: الجمعة من الاجتماع، كالفرقة من الافتراق، والنجعة من الانتجاع، وهو طلب الكلأ، والجمعة - بسكون الميم- في استعمال أهل اللسان، والقراء يضمون الميم، فيقرأون بعضهم بضمها، ثم أضيف إليها اليوم والصلاة، ثم كثر الاستعمال حتى حذف منها المضاف (^١).
وصلاة الجمعة فريضة محكمة، جاحدها كافر بالإجماع، وهي فرض عين؛ إلا عند ابن كج من أصحاب الشافعي؛ فإنه يقول: فرض كفاية، وهو غلط. ذكره في الحلية، وشرح الوجيز (^٢).
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٤٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٣٩)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٥١).
(٢) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٤٨٤)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٢٢).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتثبت فرضيتها بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، ونوع من المعنى.
أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاوةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، والمراد من الذكر في الآية: الخطبة باتفاق المفسرين، والأمر للوجوب، فإذا فرض السعي إلى الخطبة التي هي شرط جواز الصلاة؛ فإن أصل الصلاة كان أوجب.
ثم أكد الوجوب بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فحرّم البيع بعد النداء، وتحريم المباح لا يكون إلا من واجب.
وأما السنة؛ فحديث جابر وأبي سعيد قالا: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أَيُّها النَّاسُ، تُوبوا إلى ربِّكُم قبل أن تموتوا، وتقرَّبوا إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة قبل أن تَشغَلُوا، وتَحبَّبوا إليه بالصدقة في السِّرِ والعلانية؛ تُجْبَرُوا وَتُنْصَرُوا وتُرْزَقُوا، واعلموا أنَّ الله تعالى فرض عليكم الجمعة في يومي هذا، في شهري هذا، في مقامي هذا، فمن تركها تهاونا بها واستخفافا بحقها وله إمام عادل أو جائرٌ؛ ألا فلا جَمَعَ الله شمله، ولا بارك لَهُ في أمره، وإلا فلا صلاة له، ألا فلا زكاة له، ألا فلا صوم؛ إلَّا أن يتوب، فمن تاب تاب الله عليه» (^١) وفي رواية: قال: «فريضة واجبة إلى يوم القيامة» (^٢) (^٣).
وروى ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وأبو قتادة، وأبو هريرة، وجابر،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٣٤٣، رقم ١٠٨١) متفردا به من حديث جابر وحده، وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٤٣٤) بعبد الله العدوي فإنه كذاب. وأما حديث أبي سعيد الخدري رواه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٩٢، رقم ٧٢٤٦) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٦٩ - ١٧٠، رقم ٣٠٢٩): وفيه موسى بن عطية الباهلي ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات.
(٢) أخرج هذه الرواية ابن عدي في الكامل (٣/ ٤٨٠، رقم ٦٠١) وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٨٠، رقم ٢٩٧) فيه خالد بن عبد الدائم مصري يروي عن نافع بن يزيد المناكير التي لا تشبه حديث الثقات ويلزق المتون الواهية.
(٣) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٨١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٥٠)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٠٣).
[ ٢ / ٢٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأنس ﵃ أنه قال: «من ترك ثلاث جمع متواليات من غير عذر؛ طبع الله على قلبه، ومن يطبع الله على قلبه؛ يجعله في أسفل درك جهنم» (^١).
وبرواية أسامة: «من ترك الجمعة ثلاثا من غير علة؛ كتب من المنافقين» (^٢).
وقال ابن عباس، وابن عمر: سمعنا رسول الله ﷺ يقول على أعواد المنبر: «لينتهين أقوام عن ترك الجمعة، أو ليختمن الله على قلوبهم، وليكونن من الغافلين» (^٣).
وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا على فرضيتها من غير إنكار أحد، ولكن اختلفوا في أصل الفرض في هذا الوقت على ما يجيء.
وأما المعنى؛ فلأنا أمرنا بترك الظهر لإقامة الجمعة، والظهر فريضة، ولا يجوز ترك الفرض إلا لفرض هو آكد وأولى منه؛ فدل على أن الجمعة آكد من الظهر في الفريضة. كذا في المبسوطين (^٤).
اختلف العلماء في أصل الفرض في هذا الوقت؛ فقال الشافعي في
_________________
(١) أما حديث عائشة رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٢٨٦). وحديث أبي قتادة رواه أحمد (٥/ ٣٠٠، رقم ٢٢٦١١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٩٢، ٣١٧٣): إسناده حسن. وحديث أبي هريرة رواه ابن ماجه (١/ ٣٥٧، رقم ١١٢٧) وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٣٦، رقم ٤٠٧) بمعدي بن سليمان. وحديث جابر رواه أحمد (٣/ ٣٣٢، رقم ١٤٥٩٩) وسنده حسن وصححه لغيره الشيخ شعيب الأرنؤوط. وحديث أنس لم أقف عليه بعد البحث.
(٢) رواه الطبراني في الكبير (١/ ١٧٠، رقم ٤٢٢) وضعفه قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٩٣، رقم ٣١٧٨) بجابر الجعفي.
(٣) رواه ابن أبي شيبة (١/ ٤٨٠، ٥٥٣٤) من حديث ابن عباس وابن عمر، وهو عند مسلم (١/ ٥٩١، رقم ٨٦٥) من حديث ابن عمر وأبي هريرة ﵄.
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٢).
[ ٢ / ٢٨٤ ]
(لَا تَصِحُ الجُمُعَةُ إِلَّا فِي مِصْرِ جَامِعٍ، أَوْ فِي مُصَلَّى المِصْرِ، وَلَا تَجُوزُ فِي القُرَى) لِقَوْلِهِ
الجديد (^١)، وزفر، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣)، ومحمد في رواية: فرض الوقت الجمعة، والظهر بدل عنه. وقال أبو يوسف، والشافعي في القديم: فرض الوقت الظهر، وإنما أمر غير المعذور بإسقاطه بأداء الجمعة.
وقال محمد في رواية: فرضه أحدهما غير عين، والتعيين إليه، ولكن رخص في أداء الظهر.
وفائدة الخلاف: تظهر في حرمتهم، أدى الظهر في أول الوقت؛ يجوز مطلقا، حتى لو خرج بعد أداء الظهر إليها أو لم يخرج إليها؛ لم يبطل فرضه، وعندهم: لا يجوز الظهر، سواء أدرك الجمعة أو لا، خرج إليها أو لا، والمسألة مستقصاة في الأصول.
وإنما ذكر قوله: (ولا تجوز في القرى) مع أنه مستفاد من قوله: (لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع)؛ نعتا لمذهب الشافعي ﵀؛ فإنه لا يشترط المصر، بل يجوزها في كل موضع إقامة يسكنه أربعون رجلًا أحرارًا، لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا (^٤)، وبه قال أحمد (^٥). وقال مالك: تقام مع أقل من أربعين (^٦).
وعن الحسن بن زياد ولو نزل الخليفة أو أمير العراق في المنازل التي بطريق مكة كالثعلبية ونحوها جمع.
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٥٢٣)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٠٧)، والمجموع للنووي (٤/ ٤٩٦).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٥٢، ٣٥٣)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٧٢)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٥٧).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٥٤)، والفروع لابن مفلح (٣/ ١٤١)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٢٠٣).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٢١)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٠٤)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٤٧٨)
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٤٦)، والفروع لابن مفلح (٣/ ١٣٦)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٩٦).
(٦) انظر: التاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٢٣)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٧٦)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ١٦٢).
[ ٢ / ٢٨٥ ]
﵊: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا فِطْرَ وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» وَالمِصْرُ الجَامِعُ: كُلُّ مَوْضِعِ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ … … … … .
وعن ابن عمر: أنه كان يرى أهل المياه والمناهل يجمعون، فلا يعيب ذلك.
احتجوا بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]، فإنه لم يُفَصِّل. وبما روي أن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد المدينة بجواثاء؛ قرية من قرى عامر ابن عبد القيس بالبحرين.
وكتب أبو هريرة إلى عمر يسأله عن الجمعة بها، فكتب إليه أن جمع بها وحيث ما كنت.
وروى أبو داود وابن ماجه (^١)، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك - وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره عن أبيه - عن كعب ابن مالك: أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زيادة، فقلت له: مالك إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زيادة؟، قال: لأنه أول من جمع بنا في هذا البيت من حرة بني بياضة.
قلت له: كم أنتم؟ قال: أربعون.
وقال أبو ثور: الجمعة كسائر الفرائض؛ إلا أنه يعتبر فيها الخطبة، فإن كان هناك مأموم وخطيب؛ أقيمت الجمعة لما روينا (^٢).
ولنا: الحديث المذكور في الكتاب، ولأن الصحابة حين فتحوا الأمصار والقرى؛ ما اشتغلوا بنصب المنابر وبناء الجمع إلا في الأمصار، وذلك اتفاق منهم على أن المصر شرطها.
وروي أنه ﵊ قال: «فُرِضَتِ الجُمعَةُ عَلى أَهلِ الأمصار
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٨٠، رقم ١٠٦٩) وابن ماجه (١/ ٣٤٣، رقم ١٠٨٢) وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ٦٦، رقم ٦٠٠).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٥٦٠)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٢٩).
[ ٢ / ٢٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دون أهل القرى إلا على أربعة: المريض، والخائف، والمسافر، والمرأة» (^١)، وفي رواية: «العبد» أيضا.
وأما الآية ليست بحجة له؛ لأن المكان مضمر فيها بالإجماع، حتى لا يجوز إقامة الجمعة في البوادي بالإجماع، فنحن نضمر المصر وهو موضع إقامة أربعين أحرارًا، وتسميته جمعة يرجح قولنا؛ لأنها جامعة للجماعات، حتى وجب ترك الجماعات يوم الجمعة، وفي قرية يسكنها أربعون رجلا لا يتصور جمع الجماعات؛ لأن جماعتهم واحدة غالبًا.
وأما جواثاء فمصر بالبحرين، واسم القرية ينطلق على البلدة كما قال الله تعالى: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]. ومعنى قول عمر ﵁: (حيث ما كنت)؛ أي: من مثل جواثاء من الأمصار.
وأما حديث أسعد بن زرارة؛ فالظاهر: أنه جمع بهم بعد رسول الله ﷺ؛ لأن في زمانه ﵊ لم تقم جمعة إلا في مسجده ﵊.
يؤيد هذا: أن عائشة قالت: كان الناس يأتون الجمعة من منازلهم من العوالي، وأقرب العوالي من المدينة على ثلاثة أميال، وهزم النبيت على ميل، فإذا جاؤوا من العوالي، فمن هزم النبيت أولى، ولا يقال: لم لم تقم في قرى المدينة لينالوا فضيلة الجماعة مع النبي ﷺ؟ لأنه لا يجوز؛ لأنا نقول: لأنه ﵊ لم يأمر بها في القرى النائية عن المدينة، مع تعذر الحضور والمشقة فيه، ولو جاز لأمر بها كما أمر بالجماعة في مساجد المدينة، مع فوات فضيلة الصلاة معه ﵊، وبقولنا قال سحنون من أصحاب مالك (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٨٠، رقم ١٠٦٧) من حديث طارق بن شهاب ﵁، وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وبنحوه رواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٨٣، رقم ٥٨٤١) من حديث تميم الداري ﵁.
(٢) انظر: التاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥١٩).
[ ٢ / ٢٨٧ ]
يُنَفِّذُ الأَحْكَامَ وَيُقِيمُ الحُدُودَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْهُ: أَنَّهُمْ إِذَا
ثم اختلف في تفسير المصر؛ فعن أبي يوسف: كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود؛ فهو مصر، مع أنه يستفاد من قوله: (ينفذ الأحكام)؛ لزيادة خطر الحدود وعلو شأنها، أو لأنه لا يلزم من تنفيذ الأحكام إقامة الحدود؛ لجواز قضاء المرأة في كل شيء إلا الحدود.
(وعنه)؛ أي: عن أبي يوسف (أنهم)؛ أي: من تجب عليهم الجمعة، لا كل من يسكن في ذلك الموضع من الصبيان والنسوان، فإنه نسب في المبسوط هذا القول إلى ابن شجاع؛ أحسن ما قيل فيه: أنه إذا كان أهلها بحيث لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يُسمِعْهُم، حتى احتاجوا إلى بناء مسجد آخر للجمعة (^١).
وإنما يكون هذا الاحتياج غالبًا عند اجتماع من عليه الجمعة؛ لأنهم هم الذين يجتمعون عادة.
اختيار البلخي؛ قال أبو عبد الله البلخي: هذا أحسن ما قيل فيه (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: وعليه أكثر الفقهاء، وروى أبو بكر عن أبي حنيفة: أن المصر الجامع؛ ما يجتمع فيه مرافق أهلها دينا ودنيا (^٣).
وقال سفيان الثوري: ما يعده الناس مصرا.
وقيل: ما له رساتيق.
وقيل: ما لا ينسب إلى غيره.
وقيل: ما يمكن كل صانع أن يعيش بصنعته فيه، ولا يحتاج إلى التحول إلى صنعة أخرى.
وفي المستصفى: وأحسن ما قيل فيه: إذا يوجد فيه حوائج الدين؛ وهو القاضي، والمفتي، والسلطان، ويوجد فيه عامة حوائج الدين؛ فهو مصر جامع،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٣).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٤٥).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٤٥).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
اجْتَمَعُوا فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِمْ لَمْ يَسَعْهُمْ، وَالأَوَّلُ اخْتِيَارُ الكَرْخِي وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الثَّلْجِيِّ (*)، وَالحُكْمُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى المُصَلِّي، بَلْ تَجُوزُ فِي
وإلا فلا. كذا قاله فخر الإسلام (^١).
وفي شرح الإرشاد: روى ابن شجاع عن أبي يوسف: كل قرية اجتمع فيها عشرة آلاف رجل أو أكثر؛ فهو مصر جامع (^٢).
وظاهر المذهب مأخذه الكتاب، ثم إقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين لا تجوز عند أبي حنيفة، ولو صلوا فالجمعة لأسبقهم، وإن وقعتا معًا؛ فسدت صلاتهم، وبه قال الشافعي (^٣)، ومالك (^٤). كذا في المحيط (^٥)، والحقائق.
وفي واقعات قاضي خان، وشرح الإرشاد: لا رواية عن أبي حنيفة (^٦).
وجهه: أنه ﵊ والخلفاء بعده ما أقاموها إلا في مسجد واحد، مع امتداد الزمان واختلاف الأوقات، ولو كان جائزا لفعلوها في بعض الأوقات؛ تعليمًا للجواز.
وعن ابن عمر أنه قال: لا جمعة إلا في المسجد الأكبر الذي فيه الإمام، ولأن المقصود من الجمعة جمع الجماعات، حتى يظهر لأعداء الدين اجتماع كلمة المسلمين، فإذا أديت في موضعين؛ ربما أدى إلى الفتنة ووقوع العداوة بين المسلمين.
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة، قال أبو حنيفة: المصر كل بلدة فيها سكك وأسواق ولها سراتيق ووال ينصف المظلوم من الظالم، وعالِمُ يُرْجَعُ إليه في الحوادث.
(٢) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٨٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٤٥).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٥٢).
(٤) انظر: الإقناع للماوردي (ص ٥١، ٥٢)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٤٧، ٤٤٨)، والبيان للعمراني (٢/ ٦١٩).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٢٠)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٥٦).
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٦).
(٧) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٢٠)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٠٦)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٤٥).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
جَمِيعِ أَفْنِيَةِ المِصْرِ؛
وقال أبو يوسف: لا تجوز في موضعين في المصر، إلا أن يكون فيه نهر جار كبغداد؛ فيجوز في جانبيه، وجعل كالمصرين للحاجز، وقد كان يأمر بقطع الجسر ليتحقق الفصل (^١).
وعنه: إنما تجوز في موضعين إذا كان المصر عظيمًا، وبه قال أحمد (^٢)، وثلاثة أيضًا في رواية؛ لأنا لو كلفناهم الاجتماع في مسجد واحد أدى إلى المشقة، وربما لا يحتملهم المكان فتفوتهم الصلاة.
وقال محمد: يجوز في موضعين وأكثر، وبه قال أحمد، وهو رواية عن أبي حنيفة؛ لما روي عن علي ﵁ أنه كان يخرج إلى المصلى يوم العيد ماشيًا بالكوفة، ويستخلف بالكوفة من يصلي بضعفة الناس، فدل على جواز صلاة العيد في موضعين، والخلاف فيها وفي الجمعة واحد.
ولأنه قد يكون المصر متباعد الأطراف، فينبغي أن يجوز في المواضع دفعًا للحرج. كذا في شرح الإرشاد (^٣).
وفي المبسوط: والصحيح من مذهب أبي حنيفة ومحمد؛ جواز إقامتها في المواضع، وبه يأخذ شمس الأئمة؛ لقوله ﵊: «لا جمعة ولا تشريق ولا أضحى إلا في مصر جامع» (^٤)؛ شرط المصر لإقامتها، وهو موجود في حق كل فريق (^٥).
قال المحسن: لما ابتلى أهل مرو بإقامة الجمعة في الموضعين مع اختلاف العلماء في جوازها، والجمعة السابقة أو المسبوقة باطلة، وكذا لو وقعتا معًا
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٢٠)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٦٠)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٩).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٤٨)، والشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ١٩٠)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٦٨).
(٣) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٨٣)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٤٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٨).
(٤) تقدم تخريجه قريبًا.
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٢١).
[ ٢ / ٢٩٠ ]
لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَتِهِ فِي حَوَائِجِ أَهْلِهِ.
فسدتا عند البعض، أُمِرَ أَئِمَّتُهُمْ بأداء الأربع بعد الجمعة حتما احتياطا (^١)، ثم اختلفوا في نيتها؛ قيل: ينوي ظهر يومه. وقيل: آخر ظهر عليه، وهو الأحسن.
والأحوط أن يقول: آخر ظهر أدركت وقته ولم أُصَلِّهِ بعد، ثم يصلي أربعًا بنية السنة.
واختلفوا في قراءة السورة في الأخريين، وكذا في كل صلاة تقضى احتياطا؛ وقيل: يقرأ.
وقيل: لا يقرأ، والمختار عندي: أنه يحكم برأيه.
واختلفوا في مراعاة الترتيب بين الأربع بعد الجمعة وبين العصر؛ حيث اختلافهم في نيته.
واختلفوا بماذا يعتبر سبق الجمعة؟
قيل: بالشروع، وبه قال الشافعي في قول (^٢)، مالك (^٣).
وقيل: بالفراغ، وبه قال الشافعي في قول آخر، وأحمد (^٤).
وقيل: بهما، والأول أصح. كذا في القنية (^٥).
(لأنها)؛ أي: الأفنية.
(بمنزلته)؛ أي: بمنزلة المُصلّى، وبه قال أحمد (^٦).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٥٤).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٥١)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٢١)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥٠٢، ٥٠٣).
(٣) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٧٥)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٣٧٤)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٠٠).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٤٩)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٦٩)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٠٢).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٤)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٥٤)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٤٥).
(٦) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة، (٢/ ٢٤٦)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ١٧٣).
[ ٢ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشافعي: لا تجوز إقامتها في مصلى العيد، وفي الموضع الذي إذا انتهى إليه من ينشئ السفر من البلد؛ كان له القصر، قياسًا على الموضع البعيد من البلد (^١).
ثم اختلف أصحابنا في قدر الفناء؛ فقدره محمد في النوادر بالغلوة، وأبو يوسف بميل أو بميلين، وبعضهم بمنتهى حد الصوت، واختار شيخ الإسلام، وشمس الأئمة قول محمد (^٢).
والغلوة: مقدار ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع. كذا في المحيط (^٣).
وقال أبو بكر: لا يجوز في موضع يكون منقطعًا عن العمران. قال أبو الليث: وبه نأخذ (^٤).
أما القرى الخارجة عن المصر؛ فقال أبو حنيفة: يجب على القرى التي يجيء خراجها مع خراج المصر دون غيرها؛ للتبعية.
وقال أبو يوسف: يجب على من هو في المصر دون غيرها للتبعية، ببعد ثلاثة فراسخ. وعنه: أنها تجب على كل من كان داخل الحد؛ الذي لو فارقه يثبت له حكم الفطر، ومن وصل إليه؛ يثبت له حكم الإقامة، وهو أصح ما قيل فيه؛ لأن الجمعة على أهل المصر بالنص، وأهله من كان في هذا الحد.
وقال محمد: تجب الجمعة على أهل قرية، يسمعون أذان الجمعة من أعلى موضع في الجامع، وهو رواية عن أبي يوسف، وبه قال
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٥٦٠)، والمجموع للنووي (٤/ ٥٠١).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٦)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٨)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٣٧).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/¬٢٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٥٦٧)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/¬٣١).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٧)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٢٣).
[ ٢ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافعي (^١)، وأحمد (^٢)؛ لعموم قوله ﵊: «الجمعة على من يسمع النداء» (^٣).
وقال مالك: تجب على من كان بقدر ثلاثة أميال من المصر (^٤).
وفي الحقائق: والفتوى على قوله.
وعن الزهري: بقدر ستة أميال.
وعن ربيعة: بقدر أربعة أميال.
وعن أبي يوسف، وأبي ثور: تجب على من يبيت في أهله بعد أداء الجمعة، وإلا فلا، وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس ﵃.
وقال بعض المشايخ: إذا كان بينه وبين الجامع مقدار فرسخين؛ تجب.
وقال الحسن البصري ﵀: تجب من مقدار أربعة فراسخ.
وفي فتاوى العصر: مصلي الجمعة في الرستاق لا ينوي الفرض؛ بل ينوي صلاة الإمام، ثم يصلي الظهر، وأيهما قدم؛ جاز في الرستاق الذي لا تجب فيه الجمعة بالاتفاق (^٥).
قال صاحب القنية: وفيه إشارة إلى أنه يؤخر الظهر فيما اختلف [منه] (^٦) في وجوبها.
قال: ويلزمه حضور الجمعة في القرى، ويعمل بقول علي ﵁: إياك وما
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢١٩)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٠٤)، والمجموع للنووي (٤/ ٥٠١).
(٢) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٤٢)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٩٦).
(٣) رواه أبو داود (١/ ٢٧٨، رقم ١٠٥٦) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁، وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ٥٨).
(٤) انظر: التلقين لعبد الوهاب الثعلبي (١/ ٥٢)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٤٨)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٣٤).
(٥) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٥٣).
(٦) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
(وَتَجُوزُ بِمِنَى إِذَا كَانَ الأَمِيرُ أَمِيرَ الحِجَازِ، أَوْ كَانَ الخَلِيفَةُ مُسَافِرًا عِنْدَ أَبِي
يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل سامع نكرًا يطيق أن يسمعه عذرًا.
قوله: (أو كان الخليفة مسافرًا)؛ قيد به؛ إما للتنبيه على أنه لو كان مقيمًا كان الجواز بالطريق الأولى؛ لما أن المسافر لا جمعة عليه، وأما لنفي شبهة؛ وهي أن الخليفة إذا كان مسافرًا لا يقيم الجمعة، كما إذا كان أمير الموسم مسافرًا، فذكره ليعلم أن حكم الخليفة على خلاف حكم أمير الموسم؛ لكن شرط أن يكون الإمام مقيمًا أو خليفة، أو الخليفة والسلطان إذا طاق ولايته؛ يجب عليه الجمعة في كل مصر دخل؛ لأن إمامة غيره بأمره تجوز، فإمامته أولى وإن كان مسافرًا.
وفيها وجه آخر: وهو أن من فناء مكة، فإنه من الحرم، قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ سماه باسم الكعبة؛ لكونه تبعًا، لما أن الهدايا والضحايا تنحر بمنى لا بمكة.
وإقامة الجمعة كما تجوز في المصر؛ تجوز في فنائه، وأما عرفات: فليس من فناء مكة، بل هي من الحلّ، وبينها وبين مكة أربعة فراسخ. ذكره في جامع قاضي خان، والفوائد الظهيرية (^١)، فلا تجب الجمعة فيها بإجماع الأئمة الأربعة.
وفي المحيط: من المشايخ من قال: إنما تجوز الجمعة بمنى عندهما؛ لأنها من أفنية مكة (^٢)، وهو فاسد؛ إلا على قول مَنْ يُقَدِّر الفناء بفرسخين؛ [لأن بين مكة ومنى فرسخين] (^٣).
وقال محمد في الأصل: إذا نوى الإقامة بمكة ومنى خمسة عشر يومًا؛ لا يصير مقيمًا (^٤)، فعلم بهذا أنهما موضعان، إنما الصحيح أنهما بمصر في أيام
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٤٨).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٧).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) الأصل للشيباني (١/ ٢٦٧).
[ ٢ / ٢٩٤ ]
حنيفة وأبي يوسف، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا جُمُعَةَ بِمِنّى (*) لِأَنَّهَا مِنْ القُرَى، حَتَّى لَا يُعَيَّد بِهَا. وَلَهُمَا: أَنَّهَا تَتَمَصَّرُ فِي أَيَّامِ المَوْسِمِ، وَعَدَمُ التَّعْبِيدِ لِلتَّخْفِيفِ، وَلَا جُمُعَةَ بِعَرَفَاتٍ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهَا قَضَاءٌ وَبِمِنّى أَبْنِيَةٌ. وَالتَّقْبِيدُ بِالخَلِيفَةِ وَأَمِيرِ الحِجَازِ؛ لِأَنَّ الوِلَايَةَ لَهُمَا، أَمَّا أَمِيرُ المَوْسِمِ، فَيَلِي أُمُورَ الحَجِّ لَا غَيْرُ.
(وَلَا يَجُوزُ إِقَامَتُهَا إِلَّا لِلسُّلْطَانِ أَوْ لِمَنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ) لِأَنَّهَا تُقَامُ بِجَمْعِ الموسم، فلهذا اختاره المصنف.
(وعدم التعييد)؛ أي: لا يصلي فيها صلاة العيد.
(للتخفيف)؛ لاشتغال الحاج بأعمال المناسك؛ من الرمي، والذبح، والحلق في ذلك اليوم، فرفع عنهم صلاة العيد بخلاف الجمعة؛ لأنها لا يتفق كل سنة مجيء الجمعة في أيام الموسم بمنى. كذا في جامع البرهاني (^١)، وبقول محمد قال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣).
قوله: (إلا للسلطان)؛ المراد من السلطان الخليفة؛ لأنه أراد به الوالي الذي ليس فوقه والي، وهو الخليفة.
قال الشافعي: السلطان وإذنه ليس بشرط لصحتها، ولكن السنة لا تقام إلا بإذن السلطان (^٤)، وبه قال مالك (^٥)، وأحمد ﵏ في رواية.
وفي رواية أخرى عن أحمد: أنه شرط (^٦)، كمذهبنا.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٧).
(٣) انظر: البيان للعمراني (٤/ ٣١٠)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٧/ ٣٥٣)، والمجموع للنووي (٨/ ٨٤).
(٤) انظر: الفروع لابن مفلح (٣/ ١٣٧)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٤٧)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/¬٢٣).
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٤٦)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥٣٥)، والمجموع للنووي (٤/ ٥٠٩).
(٦) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٨٤)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٩٤).
(٧) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٤٥)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ١٨٨)، والفروع لابن مفلح (٣/ ١٥٤).
[ ٢ / ٢٩٥ ]
عَظِيمٍ، وَقَدْ تَقَعُ المُنَازَعَةُ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّقْدِيمِ،
للشافعي: ما روي أن عليا ﵁ صلى الجمعة بالناس حين كان عثمان محصورا، ولم يرو أنه صلى بإذن عثمان ولأنها مكتوبة كسائر الصلوات؛ فلا يشترط لإقامتها السلطان كما في سائر الصلوات.
ولنا: قوله ﵊: «أربع إلى الولاة: الفيء، والصَّدقَاتُ، والحدود، والجمعات» (^١)، وفي رواية: ذكر العيدين. وما روي في حديث جابر أنه ﵊ قال: «من تركها استخفافا بها وله إمام عادل أو جائر» (^٢)؛ ألحق الوعيد الشديد بتركها بشرط أن يكون له إمام، والمراد به: السلطان؛ لأنه وصفه بالعدل أو الجور، وذلك إنما يتحقق بالسلطان.
وأما الاحتجاج بحديث علي؛ فلا يصح؛ لاحتمال أنه فعل ذلك بإذن عثمان ﵁ وإن لم ينقل، والمحتمل لا يصلح حجة، ولو فعل بغير إذنه إنما فعل؛ لأن الناس اجتمعوا عليه، وعند ذلك يجوز حتى روى ابن سماعة عن محمد مات والي المصر، فولى أهله رجلا يصلي بهم الجمعة والعيد حتى يقوم عليهم وال آخر؛ جاز ذلك، وكذا لو قهرهم رجل ظلمًا وجمع معهم؛ جاز، فإجماعهم على الحق، وتوليتهم عليا ﵁ أولى أن يجوز. كذا روي عن أبي موسى، والحسن البصري.
وفي فتاوى الكبرى: صلاة الجمعة خلف المتغلب الذي لا منشور له من الخليفة؛ تجوز إن كانت سيرتة سيرة الأمراء، يحكم فيما بين رعيته بحكم الولاية؛ لأن بهذا يثبت السلطنة (^٣). وفي فتاوى العتابي: لكن الأنكحة لا تجوز بتزويجه (^٤).
وفيه: اجتمع الناس على رجل يجمع بهم بغير أمر القاضي وصاحب الشرط؛ لا يجوز، وعن محمد: يجوز.
_________________
(١) قال الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٣٢٦): غريب. ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٥، رقم ١٠١٩٨) من قول الحسن.
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٧٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٥١).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٥١).
[ ٢ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الْمُجْتَبى: قال أبو بكر: لا يعرف جواز الجمعة خلف المتغلب عن أصحابنا، وإنما هو شيء ذكره الطحاوي، لكن السلطان إذا كان فاسقا؛ جاز أن يجتمعوا على رجل يجمع بهم بعد موته (^١).
قال الجلابي: ما ذكره من رواية ابن سماعة عن محمد موافق لقول الطحاوي.
وقال أصحابنا: لو مات سلطان بلد، فولَّى أهله أميرًا ينفذ الأحكام والحدود، أو قاضيًا؛ جاز، وصار سلطانا أو قاضيا بإجماعهم.
ولو غلب عليهم الخوارج، فولُّوا رجلا من أهل العدل للقضاء؛ جاز أحكامه.
وفي فتاوى الحصري: لو أقدم أهل بلد مهملة على رجل يرفعون إليه الحوادث، ويلتمسون منه فصل الخصومات؛ صار قاضيًا وأميرًا، وهذا جواب واقعة ابتلي به المسلمون بعد هذا الاستيلاء العام؛ أن من يلي أمرهم ينفذ أحكامهم فيرفعون إليه الحوادث، واتفاقهم عليه يصير قاضيًا وأميرًا بإجماعهم، لا ينصب من ليس له ولاية النصب والتولية.
وفي الملتقط: البلاد التي في أيدي الكفار؛ بلاد سلام لا بلاد حرب؛ لأنها غير مباحة بدار الحرب، ولأنهم لم يظهروا فيها حكم الكفر؛ بل القضاة مسلمون، والولاة مسلمون، يطيعونهم عن ضرورة، وإن كان عن غير ضرورة فكذلك أيضًا، وكل مصر فيه وال من جهتهم؛ يجوز له إقامة الجمعة والأعياد، وجمع الخراج وتقليد القضاة؛ لاستيلاء المسلم عليهم، وأما طاعتهم فموادعة ومخادعة.
وأما بلاد عليها ولاة كفار؛ يجوز للمسلمين إقامة الجمعة، ويصير القاضي قاضيًا بتراضي المسلمين، ويجب عليهم أن يلتمسوا واليا مسلما (^٢).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٥١).
(٢) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٤٤).
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وَقَدْ تَقَعُ فِي غَيْرِهِ، فَلَا بُدَّ مِنهُ تَتْمِيمًا لِأَمْرِهِ.
وفي المجرد عن أبي حنيفة: لو مات والي مصر، فاجتمعت العامة على تقديم رجل يصلي بهم الجمعة بلا أمر الخليفة والقاضي وصاحب الشرط، الخليفة ميت؛ فلا جمعة لهم (^١).
وفي نوادر ابن رستم: صحت جمعتهم.
وفي المبسوط: هو الصحيح؛ لاجتماع الناس على علي ﵁ حين أحصر عثمان ﵁ (^٢).
وفي فتاوى الظهيرية: الإمام إذا منَعَ أهل المصر أن يجمعوا؛ لم يجمعوا (^٣).
قال الهندواني: هذا إذا منعهم بسبب من الأسباب، أما إذا منعهم تعتًّا أو إضرارًا بهم؛ يجوز أن يجتمعوا على رجل ليصلي بهم الجمعة.
(في غيره)؛ أي: في غير أمر التقدم والتقديم؛ كالأداء في أول الوقت أو آخره، ونصب الخطيب. (فلا بدَّ منه)؛ أي: من الإمام. (تتميما لأمره)؛ أي: لأمر أداء الجمعة أو لأمر الإمام؛ لأنه فرض عليه إقامتها.
وفي المبسوط: يشترط الإذن العام، حتى إن السلطان إذا صلى بحشمه في قصره، فإن فتح باب القصر وآذن للناس إذنًا عامًا؛ جازت الصلاة، شهدها العام أو لا، وقد أساء، فإن لم يفتح باب قصره، ولم يأذن لهم بالدخول؛ لا يجزئه؛ لأن اشتراط السلطان للتحرز عن تفويتها على الناس؛ بوقوع المنازعة في التقدم والتقديم، وذلك لا يحصل إلا بالإذن العام، فكما تحتاج العامة إلى السلطان في إقامتها؛ يحتاج السلطان إليهم بأن أذن لهم إذنًا عامًا، بهذا يعتدل النظر من الجانبين (^٤).
وذكر في الجامع، والتحفة: أمير جمع جنده في الحصن وغلق أبوابه، ولم
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٩).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٤).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٥١)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٥٧).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٥).
[ ٢ / ٢٩٨ ]
(وَمِنْ شَرَائِطِهَا: الوَقْتُ، فَتَصِحُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَلَا تَصِحُ بَعْدَهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا مَالَت الشَّمْسُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ الجُمُعَةَ» (وَلَوْ خَرَجَ الوَقْتُ
يأذن للعامة بالدخول؛ لا يجوز جمعته (^١).
وفي الْمُجْتَبى: لو أمر إنسانًا يجمع بهم في الجامع، وجمع هو في مسجد آخر؛ جاز لأهل الجامع دون المسجد، إلا إذا علم بذلك (^٢).
قوله: (ولا تصح بعده): وكان مالك يقول: تجوز إقامتها في وقت العصر؛ بناء على تداخل الوقتين على مذهبه (^٣)، وعند أحمد: يجوز إقامتها قبل الزوال (^٤).
وقال بعض أصحابه: أول وقتها؛ وقت صلاة العيد (^٥).
وقال بعضهم: تجوز في الساعة السادسة؛ لما روى ابن مسعود أنه ﵊ أقام الجمعة ضحى (^٦).
ولنا، وللشافعي، وللجمهور: ما روي أنه ﵊ كان بعث مصعب بن عمير إلى المدينة قبل هجرته، وقال له: «إذا مالت الشمس صل بالنَّاسِ الجمعة» (^٧).
قيل: هذا الحديث ما وجد في كتب الحديث؛ بل روى البخاري عن أنس قال: إنه ﵊ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، وهذا هو المشهور عن فعل السلف والخلف.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٢٠).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٦٣).
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٣٩)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥١٩)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٣٧٣).
(٤) انظر: الكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٢٤)، والفروع لابن مفلح (١٣٣٣)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٢٠٨).
(٥) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٦٤)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٣٧٥).
(٦) انظر: المحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ١٤٣)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٥١).
(٧) قال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٩٥) غريب. وتقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وَهُوَ فِيهَا اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ وَلَا يَبْنِيهِ عليهِ) لِاخْتِلَافِهِمَا.
أجيب: وجد أنه في كتب الحديث ليس بشرط، ويجوز النقل بالمعنى، ولأنه ظهر مقصود لقول عائشة ﵂: إنما قصرت الصلاة لمكان الخطبة، فيكون مؤقتا بوقته.
وما روى ابن مسعود أنه ﵊ صلاها ضحى؛ معناه بالقرب منه؛ لأنه ﵊ يصليها بعد الزوال، وكذا أمر مصعبا، ومقصود الراوي: أنه ﵊ صلى بعد الزوال وما أخرها. كذا في المبسوطين (^١).
(وهو فيها)؛ أي: في الجمعة.
(وَلَا يَبْنِيهِ عليهِ)؛ أي: لا يبني الظهر على الجمعة.
(لاختلافهما)، أي: الظهر والعصر، فإن العبد إذا أذن له مولاه؛ يخير بين الظهر والجمعة، مع تعيين يسر القلة في الجمعة، ولو لم يكونا مختلفين؛ لما خير بين الكثير والقليل العبد، كما في جناية المدبر؛ حيث يجب على مولاه الأقل من الأرش والقيمة من غير خيار؛ لاتحادهما في المالية، ولأنهما يختلفان حالا؛ فإن الجمعة تتوقف على شروط لا يتوقف الظهر عليها، وقد علم في باب صفة الصلاة: أن الفرض لا يبنى على تحريم فرض آخر على أصح الروايات.
وقال أحمد (^٢)، ومالك (^٣) - رحمهما الله-: يتمها جمعة؛ فإن ابتداءها يجوز في وقت العصر عندهما، فكذا بقاؤهما.
وقال الشافعي: يتمها ظهرًا؛ لأنها غير مقصورة، قصر كما يقصر في السفر، فجاز بناء أكملها على أقصرها فعلا، كما لو نوى المسافر الإقامة في الصلاة؛ يلزمه إتمامها (^٤).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٤).
(٢) انظر: الهداية لأبو الخطاب الكلوذاني (ص ١١١)، والمغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٣٥).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٣٢)، وحاشية العدوي على شرح مختصر خلل (٢/ ٧٢).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٣٥)، والبيان للعمراني (٢/ ٥٦٨)، والمجموع للنووي (٤/ ٥١٣).
[ ٢ / ٣٠٠ ]
(وَمِنهَا: الخُطْبَةُ)؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا صَلَّاهَا بِدُونِ الخُطْبَةِ فِي عُمُرِهِ (وَهِيَ
وعلى قول آخر منه: تبطل وتنقلب نفلا كمذهبنا؛ لأنها فرض آخر؛ ولهذا لا يجوز له أن يصلي في الوقت أربعًا، وإذا كان كذلك؛ يجب الاستئناف؛ لأنه لا يجوز الانتقال من فرض إلى فرض قبل تمام الأول. كذا في تتمتهم (^١).
قوله: (ومنها)؛ أي: من شروط الجمعة الخطبة، وهو قول فقهاء الأمصار. وروي عن عبد الملك المالكي (^٢)، والظاهرية (^٣)، والحسن البصري: ليست بفرض، حتى يجوز الجمعة بدونها.
فإن قيل: ينبغي أن تكون الخطبة ركنا لا شرطًا؛ لأنها أقيمت مقام ركعتين، والركعتان من الظهر ركن لا شرط، فكذا ما قام مقامه، وفائدة هذا: أنه هل تتأدى الخطبة بدون الطهارة أم لا؟ ولأنها لو كانت شرطا لشرط قيامها حال أداء الجمعة، كالطهارة وستر العورة.
قلنا: إنها شرط؛ لأنه لم يشترط لإقامتها سائر شرائط الركن، فإنها تتأدى مستدبر القبلة.
وأما قوله: يشترط قيامها حال الأداء؛ قلنا: الشرط كونها مؤداه بالقراءة قبل الأداء، لا بالقراءة حال الأداء، كما في الطهارة؛ الشرط حصول الطهارة لا فعل يحصل به الطهارة حالة الأداء، فكذا هذا كذا ذكره شيخ الإسلام.
قوله: (بدون الخطبة في عمره): فإن قيل: هذا لا يدل على أنها شرط الجواز؛ فإنه ﵊ كما لم يصل الجمعة بلا خطبة، لم يصل صلاة بدون رعاية سننها، كرفع اليدين عند التحريمة، والتكبير عند كل خفض ورفع وغيره، فإنه لم ينقل عدم الرفع وعدم التكبير عند الانتقال أحد، ولم يدل ذلك على أنها شرط الجواز، فكذا هذا؛ فإنه ﵊ كما كان يواظب على الفرائض؛ يواظب على الواجبات والسنن.
_________________
(١) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٤٩٠)، والمجموع للنووي (٤/ ٥١٠).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٤٦).
(٣) انظر: المحلى بالآثار (٣/ ٢٦٢).
[ ٢ / ٣٠١ ]
قَبْلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الزَّوَالِ) بِهِ وَرَدَت السُّنَّةُ (وَيَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةِ) بِهِ
قلنا: بينهما فرق، وذلك أن سقوط الظهر من الأربع إلى الركعتين بالجمعة عرف بخلاف القياس، وفي مثله يراعى ما ورد به الشرع، فلو جازت بلا خطبة؛ لفعلها مرة تعليمًا للجواز ولإزالة الشبهة، أما الرفع كان لإعلام الأصم في الشروع، والتكبير للانتقال، وغالب أحواله ﵊ الإمامة، وما كان شرعيته لإعلام غيره لا يكون شرطًا للجواز في نفسه، كالأذان وجهر التكبيرات، ولأن المراد من الذكر في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ الخطبة باتفاق أئمة التفسير، فقد فرض بالسعي إلى الجمعة والذكر؛ فدل أنه لابد منها. كذا ذكره شيخ الإسلام (^١)، وفيه نوع تأمل.
قوله: (يفصل بينهما بقعدة): وفي المبسوط: هذه القعدة عندنا للاستراحة، وليس بشرط، ولكنه سنة (^٢)، وبه قال مالك (^٣)، وأحمد (^٤).
وقال الشافعي: هي شرط حتى لا يكتفي بخطبة واحدة عنده وإن طالت؛ لمواظبة النبي ﵊، والتوارث كالتواتر (^٥).
ولنا: حديث جابر بن سمرة، أنه ﵊ كان يخطب في الابتداء قائما خطبة واحدة، فلما أسنّ جعلها خطبتين، وجلس بينهما جلسة، فدل أنه إنما فعل ذلك ليكون أروح عليه، لا لأنه شرط، ثم لفظ التوارث إنما يستعمل في أمر له خطر وشرف، يقال: توارثوا المجد كابرًا عن كابر. وقيل: هو حكاية العدل عن العدل.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٦٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٦).
(٣) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٥١)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٢٨)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٨٢).
(٤) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٢٧)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٦٤)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٣٩٧).
(٥) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٥٤٣)، والوسيط للغزالي (٢/ ٢٨٠)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥٨٠).
[ ٢ / ٣٠٢ ]
جَرَى التَّوَارُثُ (وَيَخْطُبُ قَائِمَا عَلَى طَهَارَةِ)؛ لِأَنَّ القِيَامَ فِيهِمَا مُتَوَارَثٌ، ثُمَّ هِيَ شَرْطُ الصَّلَاةِ، فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا الطَّهَارَةُ كَالأَذَانِ (وَلَوْ خَطَبَ قَاعِدًا أَوْ عَلَى غَيْرِ
قوله: (ويخطب قائما على الطهارة): والقيام فيها سنة، وبه قال أحمد (^١)، وحكي ذلك عن مالك (^٢)، وقال الشافعي (^٣)، ومالك في رواية: شرط عند عدم العذر؛ لأن الخطبة قائم مقام ركعتين فيشترط فيها ما يشترط في الصلاة، وكذلك الطهارة شرط عنده في قوله الجديد، لما ذكرنا.
وعندنا الطهارة فيها سنة، وبه قال في القديم (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦).
وقلنا: إنها ذكر شرط للصلاة، فتسن فيها الطهارة؛ كالأذان، والإقامة، وتجوز قاعدًا، لكن السنة فيها القيام للتوارث.
قوله: (كالأذان): وجه التشبيه بالأذان والخطبة: ذكر لها شبه بالصلاة؛ من حيث إنها أقيمت مقام شطرها، وتقام بعد دخول الوقت، والأذان أيضًا يقام بعد دخول الوقت؛ لحصول المقصود وهو الذكر والوعظ.
وفي المحيط، والمبسوطين: الخطبة ذكر، والمحدث والجنب لا يمعنان، ما خلا قراءة القرآن للجنب، وليست الخطبة كالصلاة ولا كشطرها، بدليل أنها تؤدى غير مستقبل القبلة، ولا يفسدها الكلام (^٧).
_________________
(١) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٢٤)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٦٤)، وكشاف القناع للبَهوتي (٢/¬٣٦).
(٢) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٥٦)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٧٩)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٧٤).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٣٣)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٥٤٣)، والبيان للعمراني (٢/ ٥٦٩)
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٤٣، ٤٤٤)، والمُهذب للشيرازي (١/ ٢٠٩)، والبيان للعمراني (٢/ ٥٧١).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٤٣)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٥٦)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٨٧).
(٦) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٢٧)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/¬١٨٠)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٦٢).
(٧) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٧٨).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
طَهَارَةِ جَازَ) لِحُصُولِ المَقْصُودِ، إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَارُثَ، وَلِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ (فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ طَوِيلٍ يُسَمَّى خُطْبَةً) (*)؛ لِأَنَّ الخُطْبَةَ هِيَ الوَاجِبَةُ، وَالتَّسْبِيحَةُ أَوْ التَّحْمِيدَةُ لَا تُسَمَّى خُطْبَةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ حَتَّى يَخْطُبَ خُطْبَتَيْنِ اعْتِبَارًا لِلْمُتَعَارَفِ.
وَلَهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَأُرتِجَ عَلَيْهِ فَنَزَلَ وَصَلَّى.
وتأويل الأثر: أنها في حكم الثواب كشطر الصلاة، لا في اشتراط سائر الشرائط، ولكن ينبغي أن تعاد خطبة الجنب استحبابا، كإعادة أذانه. وذكر البقالي: يخطب بالسيف في بلدة فتحت بالسيف (^١).
قوله: (ولو اقتصر على ذكر الله تعالى؛ جاز)؛ وبه قال مالك في رواية (^٢).
ثم إطلاق قوله: (على ذكر الله)؛ يقتضي أن تجوز بمجرد قوله: سبحان الله، والحمد لله، ولكن ذكر في المحيط، والمبسوط وغيرهما: إذا خطب بتسبيحة واحدة، أو تهليل، أو تحميد؛ أجزأه في قوله: سبحان الله، والحمد لله (^٣).
والمستحب عنده: ما قالا، ولكن الشرط عنده: أن يكون قوله: (الحمد لله) على قصد الخطبة، حتى لو قاله يريد الحمد على عطاسه؛ لا ينوب عن الخطبة. وقيل: ينوب، والأول أصح. ونظيره: التسمية على الذبيحة؛ فالحل لها إذا كان قاصدا للذبح. كذا في الخبازية (^٤).
وفي الكافي: التكرار شرط بالحمد لله يسمى خطبة (^٥).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٦٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٦٠).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٤٤).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٠)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٧٦).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٥٩).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٥٩).
[ ٢ / ٣٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال القاضي الإمام أبو بكر الرازي: أقل ما يسمى خطبة عندهما: مقدار التشهد من قوله: (التحيات لله)، إلى قوله: (عبده ورسوله)، وكذا في المنافع (^١).
وفي التجنيس: مقدار الجلوس بين الخطبتين، وعند الطحاوي: بمقدار ما يمس موضع جلوسه المنبر، وفي ظاهر الرواية: مقدار ثلاث آيات (^٢).
وعند الشافعي: يخطب خطبتين (^٣)، وبه قال أحمد (^٤)، ومالك في رواية (^٥).
وفي الخلاصة الغزالية: في الخطبة الأولى أربع فرائض: التحميد، والصلاة على النبي ﷺ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية، وكذا في الثانية، إلا أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الثانية بدل قراءة الآية في الأولى (^٦).
وفي الحلية: قيل: تجب القراءة في أوّل الخطبتين. وقيل: لا تجب فيهما.
وقيل: تجب في إحداهما، في أيهما قرأ جاز (^٧)، والدعاء في الثانية مستحب، وقيل: واجب.
وبقوله أخذ أحمد؛ لأنه ﵊ واظب عليه، وجرى التوارث كذلك من لدن رسول الله ﷺ.
وجه قولهما: ما روي عن عمر وعائشة ﵄ أنهما قالا: إنما قصرت الصلاة لمكان الخطبة، ومعلوم أن قصر الصلاة لا يكون بالتسبيحة الفردة، ولا
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٥٩).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٨٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٥٩).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٢٣)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٠٩)، والبيان للعمراني (٢/ ٥٦٧).
(٤) انظر: الكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٢٧)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٥٩)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٣١٥).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٤١)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٧٨)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٧٣).
(٦) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ٢٧٨).
(٧) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٣٥).
[ ٢ / ٣٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالتحميدة الفردة؛ فوجب إيجاب ما يسمى خطبة. كذا في الفوائد الظهيرية (^١).
(وله)؛ أي: لأبي حنيفة ﵁ قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، والمراد: الخطبة باتفاق أئمة التفسير، ولا فصل فيه بين ذكر وذكر.
وما روي عن عثمان ﵁ أنه لما صعد المنبر في أول جمعة ولي، قال: الحمد لله فأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المكان مقالا، وأنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إليّ إمام قوّال، وستأتي الخطب من بعد، الله أكبر ما شاء الله فعل، ونزل وصلى الجمعة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فحل محل الإجماع.
وروي أن الحجاج أتى العراق وصعد المنبر، وقال: الحمد لله، فأرتج عليه، وقال: إن لي غنمًا في بني فلان، فإذا قضيتم الصلاة فانتهبوها، ونزل وصلى معه نفر من الصحابة كابن عمر، وأنس.
ثم المراد من قوله: (وأنتم إلى إمام فعال) إلى آخره؛ أن الخطباء الذين يأتون بعد الخلفاء الراشدين يكونون على كثرة المقال مع قبح الفعال، وإنما لم أكن قوالا مثلهم، فإنا على الخير دون الشرفا، أما على أن يريد بهذا القول تفضيل نفسه على الشيخين؛ فلا. كذا في المحيط (^٢).
وفي المغرب: أرتج الباب: أغلقه إغلاقًا، والرتاج: الباب المغلق، ومنه قولهم: أرتج على الخطيب أو القارئ - مبنيا على المفعول - إذا استغلق عليه القراءة؛ ولهذا قال للمرشد: فتح على القارئ.
والعامة تقول: ارتج بالتشديد، ولكن أولى بالتخفيف (^٣).
وقيل: هذه المسألة بناء على أن الحقيقة المستعملة عنده؛ أولى من المجاز المتعارف، وعندهما على العكس.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٦٠).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٧٧).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب لبرهان الدين الخوارزمي (ص ١٨٢، ١٨٣).
[ ٢ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المبسوط: الذكر يحصل بالحمد لله، فما زاد عيه شرط الكمال، وهو نظير ما قال أبو حنيفة: إن فرض القراءة يتأدى بآية واحدة، ثم قوله: (الحمد) كلمة وجيزة تحتها معان جمة، تشمل على قدر الخطبة وزيادة، فالقائل بها كالقائل كل ذلك، فتكون خطبة وجيزة (^١).
وقصر الخطبة مندوب إليه، قال ابن مسعود: طول الصلاة وقصر الخطبة مئنة فقه الرجل.
والكلام الوجيز في مثل هذه الحالة يعد طويلا؛ لأن المكان أعد للخطبة، والوقت وقت الخطبة، والخطيب هيأ نفسه، فإذا جاء يذكر وإن قل؛ يكون خطبة، ولا يبعد أن يختلف الكلام باختلاف المحل؛ ألا ترى أن قوله: (نعم) ابتداء لغو، فإذا قال غيره: لي عليك كذا، فقال: نعم؛ كان ذلك منه إقرارًا ولزمه المال. كذا في المحيط (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: الكلام الوجيز يسمى خطبة (^٣)؛ لما روي أنه ﵊ قال لأصحابه: «ليقم كلُّ واحدٍ منكم وليخطب خُطبة»، فقام أبو بكر وعمر وغيرهما وتكلموا بكلمات وجيزة، وطول بعضهم وبالغ، فنهاه النبي ﵊، ثم قال لابن مسعود: قم فاخطب فقام خطيبًا فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا والسلام عليك، ثم جلس، فقال ﵊: «رضيتُ لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد» (^٤)، فجعله ﵊ ممثلا أمره بالخطبة بهذا القدر.
فإن قيل: لم وجبت الخطبة بالسنة، كما وجبت الفاتحة بالسنة؟.
قلنا: الخطبة هنا شرط جواز الصلاة لا ركنها، والشرط أدنى رتبة من
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣١).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٧٧).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٦٠).
(٤) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٢١) من حديث أبي الدرداء وهو منقطع فإن فيه سعيد بن جبير لم يدرك أبا الدراء كما قال ابن عساكر.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الركن، فلو جعلنا الخطبة الطويلة واجبة بالسنة؛ لكان الملحق بالشرط مساويًا للملحق بالركن. كذا في الخبازية، وفيه تأمل.
والأولى أن يقال: إن السنة غير قطعية الدلالة؛ لتعارضها بخبر عثمان، فلا يثبت بها الوجوب لما عرف في الأصول.
وفي الْمُجْتَبى: الكلام في الخطبة في أربعة مواضع: في الخطبة، والخطيب، وشهود الخطبة، والمستمع (^١).
أما الخطبة: تشتمل على فرض وسنة، والفرض بيان الوقت، وهو ما بعد الزوال قبل الصلاة، حتى لو قدّم الصلاة وأخرها؛ لا يعيد بها.
والثاني: ذكر الله تعالى، وقد بينا الخلاف فيه.
وأما سنتها: فخمسة عشر أحدها: الطهارة، حتى كره للمحدث والجنب، وقال أبو يوسف، والشافعي (^٢): لا يجوز. وثانيها: القيام. وثالثها: استقبال القوم بوجهه ورابعها ما قال أبو يوسف في الجوامع: التعوذ قبل الخطبة.
وخامسها: أن يُسمِعَ القوم الخطبة، وإن لم يسمع أجزأه. وسادسها ما روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يخطب خطبة خفيفة، وهو يشتمل على عشر سنن؛ إحداها: البداية بحمد الله وثانيها: الثناء بما هو أهله. وثالثها: الشهادتين.
ورابعها: الصلاة على النبي ﵊ وخامسها: العظة والتذكر. وسادسها: قراءة القرآن، وتاركها مسيء.
وقال الشافعي: لا يجوز، وقدرها بثلاث آيات (^٣).
وعنه ﵊ قرأ فيها سورة العصر، ومرة: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ﴾ إلى آخره، ومرة: ﴿وَنَادَوْا يَمْلِكُ﴾. وسابعها: الجلوس بين الخطبتين.
وثامنها: أن يعيد في الخطبة الثانية الحمد والثناء، والصلاة على النبي عليه
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٥٩).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٤٤)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٠٩).
(٣) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ٢٧٩)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥٧٨)، والمجموع للنووي. (٤/ ٥١٦)
[ ٢ / ٣٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصلاة والسلام. وتاسعها: أن يزيد فيها الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. وعاشرها: تخفيف الخطبتين بقدر سورة من طوال المفصل، ويكره التطويل.
وأما الخطيب فيشترط فيه: أن يتأهل للإمامة في الجمعة، وطهارته واستقباله بوجهه إلى القوم، وترك السلام من خروجه إلى دخوله في الصلاة، وترك الكلام، وبه قال مالك (^١).
وقال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣): السنة أن يسلم على القوم إذا استقبلهم بوجهه. كذا روى ابن عمر عن النبي ﵊.
فالحجة عليه: قوله ﵊: «إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام»، وما رواه يحتمل أن يكون قبل هذا القول، مع أن البيهقي قال: ليس بقوي (^٤).
قال عبد الحق في الأحكام الكبرى: هو مرسل، وليس بحجة عنده، وإن أسنده أحمد من حديث عبد الله ابن لهيعة، وهو معروف في الضعفاء؛ فلا يحتج به.
وفي المبسوط: يستحب للقوم أن يستقبلوا الإمام عند الخطبة (^٥)، وبه قال الشافعي (^٦)، ومالك (^٧)، وأحمد (^٨).
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٣١)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٣٨).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٧٢)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤٤)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٥٤٦).
(٣) انظر: المحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ١٥١)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ١٨٥)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٣٩٥).
(٤) انظر: السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢٩٠).
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٠).
(٦) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٣٤)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥٨٦)، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ٢٥٨).
(٧) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٣٠)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٢٩، ٥٣٠)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٣٧٩).
(٨) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٢٥)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٦٦)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/¬٣٧).
[ ٢ / ٣٠٩ ]
(وَمِنْ شَرَائِطِهَا: الجَمَاعَةُ)؛ لِأَنَّ الجُمُعَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنهَا (وَأَقَلُّهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثًَا سِوَى الإِمَامِ، وَقَالَا: اثْنَانِ سِوَاهُ) قَالَ: وَالأَصَحُ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ
قال ابن المنذر: وهذا كالإجماع (^١).
قال النواوي: يكره في الخطبة: ما فعله الجهلة في الخطبة من الدق بالسيف على درج المنبر، وكذا المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم، وكذا كذبهم السلطان العالم العادل بلا خلاف (^٢). وفي خزانة الفقه: الخطب ثمانية: يبدأ في ثلاث بالتحميد: خطبة الجمعة والاستسقاء، والنكاح.
وفي الخمس يبدأ بالتكبير في خطبة العيدين، والخطب الثلاثة في الموسم (^٣).
وأما شهود الخطبة؛ فتشترط في حق الإمام دون المأموم، فلو أحدث الإمام بعد الشروع، فقدم من لم يشهد الخطبة؛ جاز.
وقال الشافعي: شرط في استماع الخطبة؛ العدد المعتبر في الجمعة، حتى لو انفضوا في أثناء الخطبة وعادوا، وقد طال الفصل؛ يجب عليه استئناف الخطبة، وعليه جمهور أصحابه؛ لأن الخطبة ذكر واجب في الجمعة، فيشترط حضور العدد فيه، كما في تكبيرة الإحرام (^٤).
وقلنا: إنها ليست من الصلاة؛ فلا يشترط فيها ما يشترط في الصلاة.
وأما المستمع؛ فيجيء أحكامه.
قوله: (لأن الجمعة مشتقة منها)؛ أي: من الجماعة، ولما كانت مشتقة منها؛ لا يتحقق بدونها، كالضارب لما كان مشتقا من الضرب؛ لا يتحقق بدونه، وكذا في سائر المشتقات.
وقوله: (والأصح)؛ احتراز عما وقع في عامة نسخ القدوري والمختصر،
_________________
(١) انظر: الأوسط لابن المنذر (٤/ ٧٤).
(٢) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٥٢٩).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١١٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٦١)، ودرر الحكام محمد بن فرامرز (١/ ٢٢٥).
(٤) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥١٨، ٥١٩)، والمجموع للنووي (٤/ ٥٢١)، وروضة الطالبين للنووي (٢/¬٨).
[ ٢ / ٣١٠ ]
وَحْدَهُ (*). لَهُ: أَنَّ فِي المُثَنَّى مَعْنَى الاجْتِمَاعِ هِيَ مُنْبِئَةٌ عَنْهُ. وَلَهُمَا: أَنَّ الجَمْعَ الصَّحِيحَ إِنَّمَا هُوَ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ تَسْمِيَةٌ وَمَعْنَى، وَالجَمَاعَةُ شَرْطُ عَلَى حِدَةٍ، وَكَذَا الإِمَامُ فَلَا يُعْتَبَرُ مِنْهُمْ.
وبقول أبي يوسف قال الأوزاعي، والشافعي في القديم (^١).
(وهي)؛ أي: الجمعة منبية عن الاجتماع، وهو يتحقق بالمثنى؛ ولهذا يتقدم الإمام عليهما، وعن أبي سعيد الخدري أنه ﵊ قال: «إذا كانوا ثلاثة؛ فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرأهم».
(ولهما)؛ أي: لأبي حنيفة، ومحمد، وهو قول الثوري (^٢).
(لأنه)؛ أي: الثلاث.
(جمع تسمية)؛ أي: لغة.
(ومعنى)؛ فإن الجمع يبعث بثلاث، يقال: رجال ثلاثة، ولا يقال: رجال اثنان، وفيه تأمل قد ذكر في الأصول.
(فلا يعتبر)؛ أي: الإمام.
(منهم)؛ أي: من الجماعة.
وفي المبسوط: وجه قولهما: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ فإنها تقتضي مناديًا وهو المؤذن، وذاكرًا وهو الإمام، ثم قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾؛ خطاب جمع، وأقله المتفق عليه اثنان، فيثبت الثلاثة سوى الإمام بها، ثم يشترط في الثلاثة: أن يكونوا بحيث يصلحون للإمامة في صلاة الجمعة، حتى إن نصاب الجمعة لا يتم بالصبيان والنساء، ويتم بالعبيد والمسافرين؛ لصلاحيتهم للإمامة فيها (^٣).
_________________
(١) (*) الراجح قول الطرفين.
(٢) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٥٠٢)، (٥٠٣)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٤٨١).
(٣) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٥٠٢).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٤، ٢٥).
[ ٢ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشافعي (^١)، وعمر ابن عبد العزيز، وأحمد (^٢)، ومالك في رواية أخرى (^٣): لا تنعقد الجمعة بما دون الأربعين الرجال، الأحرار البالغين، غير المسافرين.
وقال مالك في رواية أخرى: تنعقد بما دون الأربعين؛ إذا كانوا عددا بعد الموضع به قرية، ويمكنهم الإقامة فيه، وفيهم البيع والشراء (^٤).
وعن بعض أصحاب الشافعي: لا تصح الجمعة حتى يكون العدد زائد على الأربعين.
وجه قول الشافعي ﵀: ما روي عن جابر أنه قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة.
وما روي أن أبا هريرة أقام الجمعة بجواثاء بإذن عمر، وفيها أربعون رجلًا.
وعن النبي ﵊ أنه قال: «إذا اجتمع أربعون؛ فعليهم الجمعة» (^٥).
وروي عن أبي أمامة أنه ﵊ قال: «لا جمعة إلا بأربعين» (^٦). كذا في شرح الوجيز (^٧).
وأيضًا: لم ينقل على عهد النبي ﵊ والخلفاء بعده؛
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢١٩)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٠٩)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٤٨١).
(٢) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٤٢)، والفروع لابن مفلح (٣/ ١٢٨)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٩٣).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٣٢).
(٤) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٤٩)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ١٦٢)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٧٢).
(٥) لم أقف عليه قال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٥٩٦): غريب، لم أر من خرجه بعد البحث عنه، ولغرابته عزاه الرافعي في الكتاب إلى صاحب التتمة.
(٦) قال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ١٣٧، رقم ٦٢٢): لا أصل له.
(٧) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥١١).
[ ٢ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجمعة بأقل من أربعين نقلا ظاهرا، والجمعة قد عدل بها عن الأصل، فيتبع فيها ما ورد.
ولأن الجمعة في الحقيقة جمع الجماعات، والمقصود منه: إظهار شعائر الإسلام؛ ليتبين للأعداء أن كلمة المسلمين واحدة ولهم شوكة، وذا لا يحصل بأقل من أربعين.
وقال الحسن ابن صالح، وأبو ثور: تنعقد باثنين؛ إمام ورجل، كما في سائر الصلوات.
وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا؛ لأن مصعب ابن عمير أقام الجمعة بالمدينة باثني عشر رجلا.
وما ذكره الشافعي غير قوي؛ لما ذكرنا مما روي عن المصعب.
وروي أن سعد بن زرارة أقامها بسبعة عشر رجلا. ولأنه ﵊ أقامها حين نفر الناس عنه إلى العير باثني عشر رجلا. رواه البخاري، ومسلم.
وقيل: بستة عشر، وقيل: بثمانية والأخبار مختلفة فيها متعارضة، فيعمل بظاهر قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وبالقياس على سائر الصلوات، مع أن ما رواه من حديث جابر، وأبي هريرة -إن ثبت؛ لا يدل على نفي الجواز بما دون الأربعين.
وحديث أبي أمامة وغيره يحتمل أن يكون في اعتبار عد الموضع الذي يجب عليهم الجمعة، وحديث أبي سعيد فيما سوى الجمعة؛ فإن الإمام من الجماعة، أما في الجمعة لا بالنص، ولا معنى لاشتراط الإقامة والحرية فيهم؛ لأن درجة الإمام أعلى، فإذا لم يشترط هذا في الصلاحية للإمامة؛ كيف يشترط فيمن يكون مؤتما؟ ولا وجه لمنع هذا؛ فإنه ﵊ أقام الجمعة بمكة وهو كان مسافرًا، حيث قال: «يا أهل مكة، أتموا صلاتكم؛ فإنا قوم
[ ٢ / ٣١٣ ]
(وَإِنْ نَفَرَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الإِمَامُ وَيَسْجُدَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِذَا نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَمَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ صَلَّى الجُمُعَةَ، فَإِنْ نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَمَا رَكَعَ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَةً بَنَى عَلَى الجُمُعَةِ) خِلَافًا لِزُفَرَ. وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّهَا شَرْطُ فَلَا بُدَّ مِنْ دَوَامِهَا كَالوَقْتِ. وَلَهُمَا: أَنَّ
سفر» (^١) كذا في المبسوط (^٢).
قوله: (وقالا)؛ أي: أبو يوسف، ومحمد، وهو قول الشافعي (^٣)، وأحمد (^٤).
ثم للشافعي فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: إن بقي بعد الانفضاض عدد أربعين؛ يتم جمعه في الأظهر، وهو قول أحمد.
والثاني: إن بقي معه اثنان؛ أتمها جمعة.
والثالث: إن بقي معه واحد؛ أتمها جمعة.
وخرج المزني قولين آخرين؛ أحدهما: أنه يتمها جمعة وإن بقي وحده، وهو قول أبي يوسف، ومحمد.
والثاني: أنه إن كان قد صلى ركعة ثم انفضوا؛ أتمها جمعة (^٥)، وهو قول مالك (^٦)، وعند أبي حنيفة: بعد أن سجد سجدة واحدة وقبلها يستقبل الظهر.
وقال زفر: لو نفروا قبل قعوده قدر التشهد؛ لم يجمع، بل يستقبل الظهر.
(أنها)؛ أي: المذكور، وهو الجماعة.
(شرط)؛ أي شرط للأداء؛ بدليل أن القوم إذا أحرموا بعد
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٥).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٢٠)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤١٣)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٠٨).
(٤) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٤٧)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ١٧٧).
(٥) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٢٠)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٠٨)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٤٨٤).
(٦) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٥١)، والمقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٢٢٤).
[ ٢ / ٣١٤ ]
الجَمَاعَةَ شَرْطُ الإِنْعِقَادِ، … … …
تحريم الإمام جاز، فلو كانت المشاركة شرطًا للانعقاد لا للأداء؛ لكان يشترط التحريم منهم بصفة القرآن، فكان اشتراط الجماعة للجمعة كاشتراط الوقت لها، فيشترط دوامها كالوقت.
وقالا: (الجماعة شرط للانعقاد)؛ بدليل أن الرجل إذا كان مسبوقًا بركعة في صلاة الجمعة؛ فإنه يتمها جمعة بالاتفاق، ولقوله ﵊: «من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فقد أدركها» (^١)، فلو كان شرطًا للأداء كالوقت؛ لما جاز ذلك منه؛ لأنه لا يجوز أداء الجمعة من الجمعة إذا خرج الوقت في جزء منها.
ولكن أبو حنيفة يقول: الجماعة شرط للأداء وللشروع في الصلاة، ولا يتم ذلك إلا بتمام الركعة؛ لأن ما دون الركعة معتبر من وجه، حتى لو تحرّم ثم قطع؛ يلزمه القضاء، وغير معتبر من وجه؛ فإنه لو أدرك الإمام في السجود؛ لا يصير مدركًا لتلك الركعة، وصلاة الجمعة تغيرت من الظهر إلى الجمعة، فلا يتغير إلا بيقين، ولا يتيقن إلا بأن توجد ركعة، وذلك لأن الجماعة شرط لصلاة الجمعة، ولا يصير مصليًا ما لم يقيد بالسجدة؛ لأنه إذا لم يقيد بالسجدة؛ فهو مفتتح لكل ركن، فكان ذهاب الجماعة قبل تقييدها بالجمعة بسجدة؛ كذهابها قبل التكبير، بخلاف ما بعد تقييدها؛ فإنه معيد للأركان لا مفتتح، وليس المقتدي كالإمام في حق شرط الجمعة؛ لما أن الإمام أصل في افتتاح الأركان، فلا بد من وجود شرط الجمعة عند كل ركن في حقه. كذا في المبسوطين وغيرهما (^٢).
وفي التجنيس: خطب وفرغ منها، فذهب القوم كلهم، فجاء آخرون وصلّى بهم؛ أجزأه؛ لأنه خطب والقوم، حضور، وصلّى والقوم حضور، فيتحقق شرط جواز الخطبة (^٣).
_________________
(١) أخرجه الدراقطني (٢/ ٣٢٢، رقم ١٦٠٨) من حديث ابن عمر ﵁، وله شاهد عند البخاري (١/ ١٢٠، رقم ٥٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٤).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٦٨).
[ ٢ / ٣١٥ ]
فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا كَالخُطْبَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الاِنْعِقَادَ بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِتَمَامِ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا لَيْسَ بِصَلَاةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَوَامِهَا إِلَيْهَا بِخِلَافِ الخُطْبَةِ فَإِنَّهَا تُنَافِي الصَّلَاةَ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ النِّسْوَانِ، وَكَذَا الصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الجُمُعَةُ فَلَا تَتِمُّ بِهِمْ الجَمَاعَةُ.
(وَلَا تَجِبُ الجُمُعَةُ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا امْرَأَةِ وَلَا مَرِيضِ وَلَا عَبْدِ وَلَا أَعْمَى)؛ لِأَنَّ المُسَافِرَ يُخْرَجُ فِي الحُضُورِ، وَكَذَا المَرِيضُ وَالأَعْمَى، وَالعَبْدُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ
وعند الشافعي: يجب استئناف الخطبة، ولو عاد ذلك القوم ولم يطل الفصل؛ لم يجب استئنافها، ولو طال الفصل؛ ففيه خلاف بين أصحابه.
قيل: يجب.
وقيل: لا يجب. كذا في شرح الوجيز (^١).
وفي الأجناس: لو خطب وحده، أو بحضرة النساء؛ لم يجز (^٢)، وبه قال الشافعي (^٣).
وقال أبو حنيفة: أجزأه وعندهما: فيه روايتان.
ولا معتبر ببقاء النسوان [وكذا الصبيان] (^٤)، وبه قال الشافعي (^٥)، وأحمد (^٦).
وأما تغيير بقاء المسافرين وأصحاب الأعذار خلافًا للشافعي، وأحمد.
قوله: (ولا تجب الجمعة على مسافر ولا امرأة) إلى آخره وبه قال
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥٢٠، ٥٢١).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٥٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٥٨).
(٣) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥١٦)، والبيان للعمراني (٢/ ٥٦٤)، والمجموع للنووي (٤/ ٥١٣)
(٤) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٥) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٥٦٤)، والغرر البهية لزكريا الأنصاري (٢/¬٨).
(٦) انظر: الهداية لأبو الخطاب الكلوذاني (ص ١١٠)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٩٣).
[ ٢ / ٣١٦ ]
المَوْلَى، وَالمَرْأَةُ بِخِدْمَةِ الزَّوْجِ، فَعُذِرُوا دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالضَّرَرِ (فَإِنْ حَضَرُوا وَصَلَّوْا
الشافعي (^١)، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣).
وقال النخعي، والزهري: يجب على المسافر؛ لإطلاق النص.
ولنا: حديث جابر ﵁ أنه ﵊ قال: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فعليه الجمعة، إلا مسافر، أو مملوك، أو صبي، وامرأة أو مريض» (^٤)، فمن استغنى عنها لهوا وتجارة؛ استغنى الله عنه، والله غني حميد. كذا في المبسوط (^٥).
وقال ﵊: «الجُمُعَة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد أو امرأةٌ، أو صبي أو مريض» (^٦)، والمعنى ما ذكره في الكتاب، بخلاف الظهر؛ حيث يجب عليهم؛ لتمكنهم من أدائه حيث كانوا.
أما للجمعة شرائط: من الإمام، والخطيب فيلزم الحرج في حضورهم.
وقال داود: تجب الجمعة على العبد (^٧). وعن أحمد فيه روايتان، والأصح: أنها لا تجب (^٨).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢١٨)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٠٥)، والمنهاج القويم لابن حجر الهيتمي (ص ١٧٢).
(٢) انظر: الفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٦٢)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٧٦).
(٣) انظر: الكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٢١)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٩٧)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٣٠٩).
(٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ٣٠٥، رقم ١٥٧٦) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٨٤، رقم ٥٨٤٢) من حديث جابر ﵁، وضعفه ابن حجر في الدراية (١/ ٢١٦)، وابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٦٤٢).
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٢).
(٦) أخرجه أبو داود (١/ ٢٨٠، رقم ١٠٦٧) من حديث طارق بن شهاب ﵁، وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وبنحوه رواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٨٣، رقم ٥٨٤١) من حديث تميم الداري ﵁.
(٧) انظر: المحلى لابن حزم (٣/ ٢٥٢).
(٨) انظر: الهداية لأبو الخطاب الكلوذاني (ص) (١٠٩)، والكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٢١)، والمغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٥٠).
[ ٢ / ٣١٧ ]
مَعَ النَّاسِ أَجْزَأَهُمْ عَنْ فَرْضِ الوَقْتِ)؛ لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوهُ فَصَارُوا كَالمُسَافِرِ إِذَا صَامَ.
وقال الحسن البصري، وقتادة: يجب على عبد يؤدي الضريبة، وأما الأعمى لا تجب عليه الجمعة، سواء وجد قائدًا أو لا عند أبي حنيفة، وكذلك على المقعد والعاجزين عن الوضوء، والتوجه مع مساعد.
وعندهما: تجب عليهم الجمعة مع وجود القائد والمساعد، وبه قال الشافعي (^١)؛ لأنه إن كان عاجزا بنفسه؛ لكن يصير قادرًا بواسطة المساعد، فيتوجه عليه الخطاب حينئذ.
وله: أنه عاجز بنفسه؛ فلا يكون قادرًا بغيره؛ لكون الغير مختارًا، فلا تتحقق القدرة؛ لإمكان ترك المساعدة فلا يتوجه الخطاب.
وفي الْمُجْتَبَى: ولا تجب الجمعة على الأجير إلا بإذن المستأجر، أما العبد: لو أذنه مولاه؛ فهو مخير بين الجمعة والظهر (^٢).
قوله: (لأنهم تحملوه)؛ أي: الضرر والحرج، فإذا تحملوه جازت الجمعة؛ لأن السقوط عنهم للتيسير، لا لعدم الأهلية ورفع الحرج، والقول بعدم الجواز يؤدي إلى الحرج، فيعود إلى موضوعه بالنقض.
وقوله: (فإن حضر)؛ قال: يتناول المرأة أيضًا، والتعليل عام أيضًا.
وفي المبسوط: وإذا شهدوا الجمعة فأدوها؛ جازت (^٣)، وبه قال الشافعي (^٤).
قال ابن المنذر، و[ابن] (^٥) قدامة الحنبلي: لا يعرف فيه خلافًا (^٦)؛ لحديث الحسن ﵁ في النساء يجتمعن مع رسول الله ﷺ، ويقال لهن: لا تخرجن إلا تفلات؛ أي: غير متطيبات، وإليه أشير في الإيضاح أيضًا (^٧).
_________________
(١) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ٢٠٥)، والمجموع للنووي (٤/ ٤٨٥)، وتحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي (٢/ ٤١٣).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٧١).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٣).
(٤) انظر: التنبيه للشيرازي (ص) (٤٣)، والمجموع للنووي (٤/ ٤٩٢).
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة يقتضيها النص.
(٦) انظر: الأوسط لابن المنذر (٤/¬١٦).
(٧) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٣).
[ ٢ / ٣١٨ ]
(وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ وَالعَبْدِ وَالمَرِيضِ أَنْ يَؤُمَّ فِي الجُمُعَةِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛
وقال زفر: لا يجوز، حتى لم يسقط عنهم فرض الظهر، ولو أدوا الظهر ثم حضروا الجمعة؛ لا يبطل ظهرهم؛ لأنهم أتوا بما أمروا به، فلا ينتقض بها ما لم يؤمروا به، كما لو صلوا الظهر ثم دخلوا المسجد وصلوا الظهر بالجماعة.
وعندنا: يبطل ظهرهم؛ لأن كل من خوطب بأداء الظهر جماعة في سائر الأيام؛ خوطب بأداء الجمعة في هذا اليوم، إلا أنهم سقط أداء الجمعة عنهم للحرج، فإذا تحملوا … إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
وفي المحيط: الجمعة فرض على المعذورين؛ كالظهر (^١).
وقال شيخ الإسلام يجتمع فرضان فيه في حق المسافر والمريض والعبد، إلا أنهما يسقطان بأداء أحدهما (^٢).
وفي النهاية: وما وقع في بعض حواشي الأصول: أنهم إذا أدوا الجمعة وحدها؛ لا يسقط فرض الوقت عند زفر؛ والشافعي لا يثبت صحته (^٣).
قوله: (أن يَؤُم في الجمعة)؛ أي: كل واحد، وبه قال الشافعي في أصح قوله، وفي قول آخر: إن كان صاحب العذر أحد من الأربعين رجلًا؛ لا تجوز (^٤).
وقال مالك: لا تصح إمامة العبد (^٥).
وقال أحمد: لا تصح الجمعة خلف العبد والمسافر (^٦).
وقال زفر: لا تصح خلف من لا يجب عليه الجمعة، وهو رواية عن أبي
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٤).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٥٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٧٢).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٥٦).
(٤) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥٣٩)، والمجموع للنووي (٤/ ٢٥٠).
(٥) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٢٣٥)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٠٦)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٠١).
(٦) انظر: المبدع لابن مفلح (٢/ ١٤٧)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٣١٥).
[ ٢ / ٣١٩ ]
لِأَنَّهُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالمَرْأَةَ. وَلَنَا: أَنَّ هَذِهِ رُخْصَةٌ، فَإِذَا حَضَرُوا يَقَعُ فَرْضًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَمَسْلُوبُ الأَهْلِيَّةِ، وَالمَرْأَةُ لَا تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ، وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ الجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَحُوا لِلْإِمَامَةِ فَيَصْلُحُونَ لِلاقْتِدَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
يوسف. ذكرها في جوامع الفقه (^١)؛ لأنه أشبه الصبي والمرأة؛ في أنه لم يخاطب بالجمعة كهما، فلا يجوز الاقتداء به فيها، كما في الصبي والمرأة. ولأن أداء الجمعة منهم على سبيل التبع؛ إذ لا يفرض عليهم أداؤها؛ فلا يجوز أن يكون أصلا بالإمامة.
وقلنا: الخطاب بأداء الجماعة عام فيتناولهم، إلا أنهم عذروا لدفع الحرج، فإذا حضروا زال الحرج كالمسافر إذا صام؛ زالت الرخصة، فوقعت جمعتهم فرضًا، وهم أهل الإمامة، فتجوز إمامتهم، بخلاف المرأة والصبي؛ لأنها لا تصلح لإمامة الرجال، وفعل الصبي لا يقع فرضًا، فلا يجوز بناء الفرض على النفل، وهذا معنى قوله: (وأما الصبي فمسلوب الأهلية) إلى آخره.
قوله: (وتنعقد بهم الجمعة) إلى آخره؛ هذه مسألة مبتدأة، وعند الشافعي: لا تنعقد (^٢)، وهو قول أحمد (^٣)، ومالك في رواية (^٤)؛ لأن من لا تلزمه الجمعة؛ لا تنعقد به الجمعة كالنساء.
ونقل ابن كج عن الشافعي: أنها لا تنعقد بأربعين مرضى، كالمسافرين والعبيد، والمشهور منه أنها تنعقد بهم؛ لكمال أهليتهم، ولم يجب عليهم الحضور للتخفيف. كذا في شرح الوجيز (^٥).
(لأنهم)؛ أي: المسافر والمريض والعبد.
(يصلحون)؛ لكمال أهليتهم، وعدم المانع، والسقوط عنهم رخصة، فإذا
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٦٢)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩٠).
(٢) انظر: الإقناع للماوردي (ص ٥١)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٥١٤)، والمجموع للنووي (٤/ ٥٠٣).
(٣) انظر: الكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٢١)، والمغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٥٣).
(٤) انظر: مواهب الجليل للحطاب (٢/ ١٦٤).
(٥) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥١٦).
[ ٢ / ٣٢٠ ]
(وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الإِمَامِ، وَلَا عُذْرَ لَهُ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الجُمُعَةَ هِيَ الفَرِيضَةُ أَصَالَةٌ. وَالظُّهْرُ كَالبَدَلِ عَنْهَا، وَلَا مَصِيرَ إِلَى البَدَلِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الأَصْلِ. وَلَنَا: أَنَّ أَصْلَ الفَرْضِ هُوَ الظَّهْرُ فِي حَقِّ الكَافَّةِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، إِلَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ
حضروا زالت رخصتهم، فتقع جمعتهم، فرضًا، فكانوا كمن لا عذر له.
قوله: (ومن صلى الظهر إلى آخره وبقولنا الشافعي في القديم (^١)، وأحمد في رواية، وقال في الجديد، ومالك (^٢)، وأحمد في رواية (^٣)، وإسحاق، وزفر: لا يجوز ظهره قبل فعل الإمام الجمعة، وتجب عليهم الإعادة بعد أداء الإمام؛ لما أن الجمعة هي الفريضة في هذا اليوم، والظهر بدل عنها في حق غير المعذور؛ لأنه مكلف بها، فلا يجوز اشتغاله بالظهر قبل أداء الإمام؛ لأنه اشتغال بالبدل قبل فوات الأصل؛ ولهذا يكره الاشتغال بالظهر قبل فوات الجمعة بالإجماع، إلا عند زفر، وأحمد في رواية: فوات الجمعة بفراغ الإمام لاشتراط السلطان، وعند الشافعي (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦): في فواتها بخروج الوقت لعدم اشتراط السلطان، ولكن عند مالك خروج وقتها بخروج وقت العصر؛ لأن وقت العصر وقتها عنده وقلنا: والشافعي في القديم.
(أصل الفرض الظهر في حق الكافة، هذا هو الظاهر)؛ أي: ظاهر مذهب أصحابنا؛ لأن الوقت وقت الظهر كسائر الأيام، والله تعالى جعل زوال الشمس
_________________
(١) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ٢٠٧)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٢٧).
(٢) انظر: التهذيب لأبو سعيد بن البراذعي (١/ ٣١٨)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٤٠).
(٣) انظر: الكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٢٢)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٢٠٣)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٤٨).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٢٣)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٢٨)، والمجموع للنووي (٤/ ٥١١).
(٥) انظر: مواهب الجليل للحطاب (١٣٩١)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥١٩).
(٦) انظر: الفروع لابن مفلح (٣/ ١٤٩)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/¬٢٦).
[ ٢ / ٣٢١ ]
بِإِسْقَاطِهِ بِأَدَاءِ الجُمُعَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَدَاءِ الظَّهْرِ بِنَفْسِهِ دُونَ الجُمُعَةِ، لِتَوَقُّفِهَا عَلَى شَرَائِطَ لَا تَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ، وَعَلَى التَّمَكُنِ يَدُورُ التَّكْلِيفُ.
(فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَحْضُرَهَا فَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا وَالإِمَامُ فِيهَا، بَطَلَ ظُهْرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
سببًا للظهر، قال تعالى: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، إلا أن غير المعذور مأمور بإسقاطه بأداء الجمعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ولهذا لو خرج الوقت يقضي الظهر لا الجمعة، ولأن التكليف بحسب الوسع، وهو متمكن من أداء الظهر بنفسه لا الجمعة؛ لتوفقها على شرائط خارجة عن قدرته، ومدار التكليف على التمكن إلا أنه لما أمر بإسقاطه بأداء الجمعة، ويكره أداؤه عند رجاء إدراكها؛ إذ الجمعة أفضل لكونها مأمورًا بها، ويسقط الظهر بها ولا تسقط هي بالظهر.
وأما الظهر لا يصلح بدلًا عنها؛ لأن بدل الشيء يكون مثله أو أقل منه، لا أكثر منه؛ لأنه الأخف والأقل للتوسعة. ذكره محمد في كتاب الحيض. والظهر أكثر منها بركعتين؛ فلا يكون بدلا عنها. كذا في الحميدية.
وعن محمد قال: لا أدري ما أصل فرض الوقت في هذا اليوم، ولكن يسقط الفرض بأداء أحدهما والمشهور منه: أن الفرض هو الجمعة، وله إسقاطها بالظهر رخصة، ولكن الإتيان بالبدل قبل الأصل يجوز؛ إذا عجز عن إقامة الأصل بعد، كالممتنع إذا صام ثلاثة أيام وهو موسر، ثم أعسر وقت الذبح؛ يجوز ذلك عن الصوم الواجب. كذا في الخبازية.
قوله: (بطل ظهره) إلى آخره في المحيط: ولو توجه إليها والإمام لم يؤدها إلا أنه لا يرجى إدراكها؛ لبعد المسافة؛ لم يبطل ظهره في قول أبي حنيفة عند العراقيين، ويبطل عند البلخيين، وهو الصحيح؛ لأنه توجه إليها ولم [تفت، ولو توجه إليها ولم] (^١) يصلها الإمام بعذر أو لغير عذر؛ اختلفوا في بطلان ظهره، والصحيح أنه لا يبطل (^٢).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩١)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٢).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
بِالسَّعْيِ، وَقَالَا: لَا يَبْطُلُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَ الإِمَامِ) (*)؛ لِأَنَّ السَّعْيَ دُونَ الظُّهْرِ، فَلَا يُنْقِصُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَالجُمُعَةُ فَوْقَهَا فَيُنْقِصُهَا، وَصَارَ كَمَا إِذَا تَوَجَّهَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ. وَلَهُ: أَنَّ السَّعْيَ إِلَى الجُمُعَةِ مِنْ خَصَائِصِ الجُمُعَةِ، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهَا فِي حَقِّ ارْتِفَاضِ الظُّهْرِ احْتِيَاطًا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الفَرَاغِ مِنهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَعْيِ إِلَيْهَا.
وعن الحلواني: لو لم يخرج من البيت، ولكن أداها قبل الخروج، إذا كان البيت واسعًا؛ لا تبطل ما لم يجاوز العتبة.
وقيل: تبطل إذا خطا خطوتين (^١).
وكذا الخلاف في المعذور، ولو صلى الظهر ثم توجه إليها. كذا ذكره التمرتاشي وشيخ الإسلام. وهذا إذا كان الإمام حين خرج في الصلاة ولم يدرك الصلاة، فإن لم يكن فيها حين خرج؛ لا يبطل ظهره بالاتفاق.
وقوله: (حتى يدخل مع الإمام)؛ يشير إلى أن الإتمام مع الإمام غير شرط؛ لبطلان الظهر عندهما، وهو المشهور منهما، وبه قال الشافعي في القديم.
أما إذا انتهى إلى الإمام، ولم يُحرم حتى سلم الإمام؛ يرتفض الظهر عندهما. كذا في الخلاصة (^٢).
وعنهما: ما لم يتمها مع الإمام؛ فقال شيخ الإسلام: يشترط الإتمام معه في حق ارتفاض الظهر على قولهما، حتى لو شرع فيها وقطعها؛ لا يرتفض عندهما. هكذا ذكره الحسن في كتاب صلاته.
(فوقها)؛ أي: فوق صلاة الظهر؛ لأنها أكمل وأفضل في هذا اليوم بالإجماع.
قوله: (ليس يسعى إليها)؛ أي: إلى الجمعة.
وفي الأسرار: الجمعة اختصت بمكان لا يمكن إقامتها إلا بالسعي إليها، فصار السعي مخصوصا بها دون سائر الصلوات، فإنه يصح أداؤها في كل
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٧٥).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٨٨).
[ ٢ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مكان، كالسفر في باب الحج شرط مخصوص؛ لتعلقه بمكان خاص، فصارت استطاعته للزاد والراحلة أمرًا مراعى لوجوب الحج، وإن أمكن أداؤها في الجملة بلا سفر كأهل مكة، فكذا السعي مع الجمعة (^١).
وإذا صار من خصائصها شرعًا اعتبر الاشتغال به، كالاشتغال بركن من أركانها؛ لأن الأركان لا تقع إلا مختصة بها، هذا هو الصحيح في بيان الاختصاص.
ولما صار مختصًا بها، فشروعه في السعي الواجب بالنص؛ كشروعه فيها، فينقض ظهره ضرورة؛ لامتناع بقاء الظهر بالاشتغال؛ لأنه كالجزء منها.
وفي مختلفات القاضي العيني: قال بعض المشايخ: هذه المسألة تبنى على مسألة أخرى، وهي أن بأداء بعض الجمعة يرتفض الظهر عنده خلافًا لهما، بأنه لو شرع فيها ثم تكلم؛ فإن الظهر يرتفض عنده خلافًا لهما (^٢).
وإذا ارتفع بأداء البعض يرتفض بالسعي؛ لأنه أدى بعض ما كان من خصائصها. والمراد من السعي المذكور في النص: نفس المشي، لا المشي بصفة الإسراع، [فإنه ﵊ نهى عن الإسراع] (^٣) في قوله: ﴿إذا أتيتمُ الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون﴾ (^٤). كذا في الفوائد الظهيرية (^٥).
وفي القنية: وسرعة المشي والعذر غير واجب عندنا، وعند عامة الفقهاء، واختلف في استحبابه، والأصح: أنه يمشي على السكينة والوقار (^٦).
فإن قيل: بعض الظهر إنما يثبت في ضمن أداء الجمعة؛ لأن بعض العبادة
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٦٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٧٦).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٥٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٧٥).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) أخرجه البخاري (١/ ١٢٩، رقم ٦٣٦)، ومسلم (١/ ٤٢١، رقم ٦٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٣٥)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١٨).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٧٧).
[ ٢ / ٣٢٤ ]
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ المَعْذُورُونَ الظُّهْرَ بِجَمَاعَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المِصْرِ، وَكَذَا
قصدا حرام، أما إذا لم يؤدها ينبغي ألا ينتقض كما لو كان جالسا في المسجد فسمع الخطبة، فقام وصلى الظهر، ولم يتابع الإمام في الجمعة؛ جاز ظهره.
قلنا: إنما لم ينتقض ظهره؛ لأنه لم يوجد منه السعي. كذا في جامع قاضي خان (^١)، وبالسعي يبطل ضمنا؛ لأنه كالشروع فيها.
فإن قيل: يرد على أصل أبي حنيفة مسألة القارن؛ فإنه إذا وقف بعرفات قبل أن يطوف بعمرته؛ يصير رافضًا عمرته، ولو سعى إلى عرفات لا يصير رافضا.
قلنا: في القياس يرتفض بمجرد السعي كما في الجمعة. وفي الاستحسان: لا يرتفض؛ لأن السعي فيها منهي عنه قبل طواف العمرة، فضعف في نفسه، وهاهنا السعي مأمور به فكان قويا في نفسه. كذا في المبسوط (^٢).
فإن قيل: الظهر حسن لمعنى في عينه، والسعي حسن لمعنى في غيره، فكان الظهر أقوى منه، فينبغي أن لا ينتقض القوي بالضعيف.
قلنا: لما قام مقام القوي وهو الجمعة؛ صار قويًّا في نفسه، كالتراب لما قام مقام الماء؛ يعمل عمله لا عمل نفسه.
فإن قيل: السعي الموصل إليها مأمور به، والسعي الغير الموصل وهو الذي لا يدرك به الجمعة، فيجب أن لا يبطل به الظهر.
قلنا: دار البطلان مع الإمكان يكون الإمام في الجمعة، والإدراك ممكن بإقدار الله تعالى إياه.
قوله: (ويكره أن يصلي المعذورون) إلى آخره في الحلية: قال الشافعي: المستحب لأصحاب الأعذار أن يؤخروا الظهر إلى فوات الجمعة ثم يصلونها، ولكن وجب عليهم إخفاءها؛ لكيلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام (^٣).
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٦٥).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٣).
(٣) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٢٧).
[ ٢ / ٣٢٥ ]
أَهْلُ السِّجْنِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الإِخْلَالِ بِالجُمُعَةِ، إِذْ هِيَ جَامِعَةٌ لِلْجَمَاعَاتِ، وَالمَعْذُورُ قَدْ يَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ بِخِلَافِ أَهْلِ السَّوَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ (وَلَوْ صَلَّى قَوْمٌ.
وفي شرح الوجيز فيه وجهان، أحدهما: أنه لا يستحب؛ لأن الجماعة في هذا المقام شعار الجمعة (^١)، وهو قول مالك (^٢)، وأبي حنيفة، وأصحهما: أنه يستحب، وبه قال أحمد (^٣)، والثوري؛ لعموم الرغبات الواردة في صلاة الجماعة.
ولو صلّى المعذور ظهره في بيته، ثم حضر وصلى الجمعة؛ فجمعته تطوع في الجديد، وبه قال زفر، لما ذكرنا من الأصل.
وقال الشافعي في القديم: يحتسب الله تعالى بأيهما شاء (^٤).
وعندنا: فرضه الجمعة لما بينا، وهكذا أهل السجن، وعلى هذا الخلاف المسافرون؛ فعندنا يكره، وعنده لا يكره؛ لكن ذكر التمرتاشي: لو صلى المريض الظهر بجماعة؛ فحسن، بخلاف المسجونين؛ حيث لا يباح لهم ذلك؛ لأن المرضى عاجزون، فيجوز أن يؤدون الصلاة على وجه الكمال، بخلاف المسجونين؛ لأنهم إن كانوا ظلمة قدروا على إرضاء الخصوم.
وإن كانوا مظلومين أمكنهم الاستعانة، فكان عليهم الحضور للجمعة، وإليه أشير في المبسوطين (^٥).
وقيل: رخص مالك لأهل السجن وللمرضى والمسافرين أن يجمعوا (^٦).
(قد يقتدي به)؛ أي: بالمعذور.
(غيره)؛ أي: غير المعذور، ولا يذهب إلى الجمعة، فيخل بالجمعة، بخلاف السواد؛ إذ لا جمعة عليهم.
_________________
(١) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٦١١).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٣٨)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٥٢).
(٣) انظر: الكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٢٢)، والفروع لابن مفلح (٣/ ١٤٣)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٣٧٣).
(٤) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ٢٠٦)، والمجموع للنووي (٤/ ٤٩٣).
(٥) الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩١)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٦٦).
(٦) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٣٨).
[ ٢ / ٣٢٦ ]
أَجْزَاهُمْ) لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلَّى مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ وَبَنَى عَلَيْهِ الجُمُعَةَ) لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» (وَإِنْ كَانَ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُدِ أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، بَنَى عَلَيْهَا الجُمُعَةَ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ أَكْثَرَ
وفي الْمُجْتَبى: من لا تجب عليه الجمعة لبعد المواضع؛ صلوا الظهر بالجماعة (^١).
أما المسافرون في المصر أو المعذورون، أو لم يجمع أهل المصر لمانع أو ظهر فساد جمعتهم؛ صلوا الظهر فرادى.
واختلف قول مالك في قوم تفوتهم الجمعة؛ حكى ابن القاسم عنه: أنهم يصلون فرادى أربعًا (^٢).
وفي خزانة الأكمل: يصلي المعذور الظهر في بيته بأذان وإقامة (^٣).
وفي الولوالجي: بغير أذان وإقامة (^٤).
وفي المبسوط: صلى الإمام الظهر بأهل مصر؛ جاز وأساء (^٥).
قوله: (إن أدرك معه)؛ أي: مع الإمام أكثر الركعة الثانية، فإن أدركه في الركوع؛ لأن الركعة عبارة عن قيام وركوع وسجود، والركوع والسجود أكثرها. وإنما لم يقل: وإن أدرك الركعة الثانية؛ لئلا يتوهم أنه لو أدركه في القيام في الركعة الثانية من الجمعة، وإلا فلا.
ويفهم من هذا ثلاث مسائل؛ أحدها: أنه لو أدركه في القيام في الركعة الثانية قبل القراءة أو بعدها؛ يكون مدركًا للجمعة.
والثاني: أنه لو أدركه في الركوع؛ يكون مدركًا أيضًا.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٧٨).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٣٨).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٧٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٧٨).
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٥).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَنَى عَلَيْهَا الجُمُعَةَ، وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّهَا بَنَى عَلَيْهَا الظُّهْرَ) (*)؛ لِأَنَّهُ جُمُعَةٌ
والثالث: أنه لو أدركه في القومة أو في السجود في الركعة الثانية؛ لا يبني الجمعة؛ لأنه لم يدرك الأكثر.
(وإن أدرك أقلها)؛ أي: أقل الركعة الثانية.
(بني عليها)؛ أي: على الجمعة أو الركعة الثانية، وبقول محمد قال
الزهري، وزفر، والشافعي (^١)، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣) إلا أن الأربع ظهر محض عند الشافعي، حتى لو أدرك القعدة الأولى؛ لا يضره عنده، ويقعد لا محالة
على رأس الركعتين؛ لما ذكر أنه ظُهْرُ من وجه وجمعة من وجه، فيقعد ويقرأ في الآخرتين احتياطا، هذا على رواية الطحاوي للزومها كما في حق الإمام.
أما على رواية المعلا عنه: لا يلزمه القعدة الأولى؛ لأنه ظهر من وجه، فلا تكون القعدة الأولى واجبة. كذا في المبسوط (^٤).
لهم: ما روى الزهري بإسناده، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك ركعة من الجمعة ليضف إليها ركعة أخرى، وإن أدركهم جلوسًا صلى أربعًا» (^٥).
وفي رواية: «من أدرك دونها صلَّى أربعًا» (^٦).
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٣٦)، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ٢٥٢).
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٢٩)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٣٦٢)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٤٠).
(٤) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٣٢)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٨٦)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٣٨٠).
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٥).
(٦) بنحوه أخرجه الدارقطني (٢/ ٣٢٠، رقم ١٦٠١) من حديث أبي هريرة وضعفه الدارقطني بياسين بن معاذ، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ٨٤، رقم ٦٢٢) بعد بحث طويل، وفي معناه ما أخرجه البخاري (١/ ١٢٠، رقم ٥٨٠) من حديث أبي هريرة مرفوعا: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة».
(٧) جزء من حديث أخرجه الدارقطني (٢/ ٣١٩، رقم ١٦٠٠) من حديث أبي هريرة ﵁ وانظر تخريج الحديث الذي قبله.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
مِنْ وَجْهِ، ظُهْرٌ مِنْ وَجْهِ لِفَوَاتِ بَعْضِ الشَّرَائِطِ فِي حَقِّهِ، فَيُصَلِّي أَرْبَعًا اعْتِبَارًا لِلظَّهْرِ، وَيَقْعُدُ لَا مَحَالَةَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، اعْتِبَارًا لِلْجُمُعَةِ، وَيَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ لِاحْتِمَالِ النَّفْلِيَّةِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ حَتَّى يَشْتَرِطَ
وفي رواية: «من فاتته الركعتان صلَّى أربعًا» (^١)، ولأنه جمعة من وجه؛ وهو أن تحريمته تحريمة الجمعة، وظُهْرُ من وجه؛ لفوات بعض شرائطه وهو الجماعة؛ لأن المسبوق منفرد فيما سبق، فيكون شبهة كون الظهر موجودا.
(فيصلي أربعا)؛ أي: بنية الجمعة؛ ولهذا لو نوى الظهر لم يصح اقتداؤه، وجاز أن يؤدي الظهر بنية الجمعة؛ لأن الظهر ليس بأجنبي عن الجمعة، بدليل سقوط الظهر بنية الجمعة، فيصلي أربعًا احتياطا. وفي أصح قول الشافعي (^٢)، وأحمد في رواية (^٣): ينوي الظهر.
(ولهما)؛ أي: لأبي حنيفة وأبي يوسف، قوله ﵊: «ما أدركتم فصلوا» الحديث، وهو عام في الصلوات كلها.
وعن ابن مسعود ومعاذ ﵄ مثل قولهما.
قال ابن المنذر: وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين (^٤)، والمعنى: أنهما فرضان مختلفان لاختلاف شروطهما وقدرهما فلا يبنى أحدهما على الآخر. كذا في الإيضاح (^٥).
وفي المبسوط: ثم هو بإدراك التشهد مدرك للجمعة؛ بدليل أنه ينويها دون الظهر بالاتفاق، ثم الغرض بالاقتداء تارة إلى الزيادة، كما في حق المسافر إذا اقتدى بالمقيم، وتارة إلى النقصان، كما في الجمعة اقتداء المسافر بالمقيم، لا
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه الدارقطني (٢/ ٣٢٠، رقم ١٦٠١) من حديث أبي هريرة ﵁ وانظر تخريج الحديث الذي قبله.
(٢) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٦٠١)، والمجموع للنووي (٤/ ٥٥٦).
(٣) انظر: الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ١٧٨)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٥٧).
(٤) انظر: الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٠١).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٦٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٨١)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٥٨).
[ ٢ / ٣٢٩ ]
نِيَّةَ الجُمُعَةِ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فَلَا يَبْنِي أَحَدَهُمَا عَلَى تَحْرِيمَةِ الْآخَرِ.
فرق بين الركعة وما دونها في تغير الفرض به، فكذا هاهنا.
وتأويل الحديث: وإن أدركتم جلوسا قد سلّموا، والقياس ما قالا. كذا في المبسوط (^١)، مع أن ما رواه أبو حنيفة وأبو يوسف؛ وهو قوله ﵊: «ما أدركتم …» الحديث (^٢) وهو مشهور، وما رواه محمد؛ غريب، وأن لفظ الجمع في قوله: «وإن أدركتهم جلوسًا صَلّى أربعًا» (^٣)، نقله ضعفاء أصحابه. هكذا قال الحاكم الشهيد (^٤).
وأما الثقات من أصحاب الزهري؛ كعمر، والأوزاعي، ومالك، رووا عنه: من أدرك ركعته من الصلاة فقد أدركها، وأما إدراك ما دونها فما حكمه؟، فهو مسكوت عنه، فكان موقوفا على قيام الدليل، وقد قام؛ وهو قوله ﵊: «ما أدركتُم فصلوا» الحديث، وكل واحد من الفريقين ترك القياس.
أما أبو حنيفة ﵀ فيقول بجواز الجمعة وإن كان عادمًا للشرائط، وأما محمد: فقد جمع بين الظهر والجمعة بتحريمة واحدة، وهما فرضان مختلفان كما ذكرنا، فلا يبني أحدهما على الآخر، إلا أن ما قاله أبو حنيفة مما يوجد له نظير، فإن جواز الشيء بدون شرائطه موجود حالة العذر، وكما لو أدرك الركعة الثانية، أو وجود الشرائط في حق الإمام يجعل موجودًا في حق المسبوق، كما تجعل القراءة وهي ركن، فهاهنا أولى.
فأما الجمع بين صلاتين مختلفتين بتحريمة فيهما لا يوجد، فكان ما قاله أبو حنيفة أولى.
وقيل: فيما روى محمد اضطراب؛ لأنه أسنده إلى الزهري، والزهري
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٥).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) جزء من حديث أخرجه الدارقطني (٢/ ٣١٩، رقم ١٦٠٠).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٨٢).
[ ٢ / ٣٣٠ ]
(وَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ تَرَكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَالكَلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ) قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: لَا بَأْسَ بِالكَلَامِ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ (*)، وَإِذَا نَزَلَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ؛ لِأَنَّ الكَرَاهَةَ لِلْإِخْلَالِ بِفَرْضِ
أسنده إلى رأيه؛ فإنه قال: أرى الجمعة من الصلاة، فمن أدرك ركعة من الجمعة؛ فقد أدركها، وإن أدرك ما دونها وفيها؛ يصلي أربعًا. كذا في جامع الكردري (^١).
وفي المبسوط: ولا معنى للاحتياط؛ لأنه إن كان ظهرا فلا يمكنه أن يبنيها على تحريمة عقدها للجمعة، وإن كان جمعة فلا تكون الجمعة أربعًا (^٢).
وفي المحيط: قال الشيخ الإمام أبو حفص الكبير: قلت لمحمد: يصير مؤديا الظهر بتحريمة الجمعة؛ قال: ما يصنع، وقد جاءت به الآثار (^٣).
قوله: (وإذا خرج الإمام): ثم المراد بخروجه صعوده على المنبر، وبقوله قال مالك (^٤).
(وقالا: لا بأس بالكلام): وبه قال الشافعي (^٥)، وأحمد ﵏ (^٦).
وقيد بالكلام؛ لأن الصلاة في هذين الوقتين.
(يكره بالإجماع)؛ أي: صلاة التطوع.
ثم اختلف المشايخ على قوله؛ قال بعضهم: يكره كلام الناس، أما التسبيح وأمثاله فلا.
وقال بعضهم: يكره الكل، والأول أصح. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٧).
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٦٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٨٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٥).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٩٠).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٢٩)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٣١٣)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٥٠).
(٦) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٥٩٦)، والمجموع للنووي (٤/ ٥٥٥).
(٧) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٤٠)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٢٢٠).
(٨) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٨٤).
[ ٢ / ٣٣١ ]
الاسْتِمَاعِ، وَلَا اسْتِمَاعَ هُنَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَمْتَدُّ. وَلِأَبِي
وعند الشافعي ﵀: يصلي تحية المسجد في حالة الخطبة (^١)، وبه قال أحمد (^٢). وعندنا، ومالك: يكره (^٣).
والكلام حرام في حالة الخطبة، والإنصات واجب عند الكل، وقال الشافعي في الجديد: مستحب (^٤)، وهو قول الثوري.
للشافعي: حديث سليك الغطفاني، أنه دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب، فجلس، فقال النبي ﵊: «أركعت ركعتين؟»، فقال: لا، فقال ﵊: «قم فاركعهما» (^٥).
ودخل أبو الدرداء المسجد ومروان يخطب، فركع ركعتين تحية المسجد، ثم قال: لا أتركهما بعد ما سمعت النبي ﵊ يقول فيما قال. كذا في تتمتهم (^٦).
وقلنا: تأويل حديث الغطفاني؛ أنه كان قبل وجوب الاستماع، وقبل نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
قيل: نزلت في الخطبة.
وقيل: لما دخل وعليه هيئة رثة؛ ترك النبي ﵊ الخطبة لأجله، وانتظره حتى قام وركع ركعتين.
والمراد: أن يرى الناس سوء حاله، ليعلموا حاله ويتصدقوا عليه، وفي زماننا لا يترك الخطيب الخطبة لأجل الداخل، ولا يستقبل الداخل الصلاة. كذا في المبسوط (^٧).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٢٩)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤٥)، والبيان للعمراني (٢/ ٥٩٦).
(٢) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٣٦)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٢١٤).
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٣٠)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٣٦٧).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٣٠)، والبيان للعمراني (٢/ ٥٩٨).
(٥) أخرجه البخاري (٢/¬١٢، رقم ٩٣٠) ومسلم (٢/ ٥٩٧، رقم ٨٧٥) من حديث جابر ﵁.
(٦) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٥٣).
(٧) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٩).
[ ٢ / ٣٣٢ ]
حَنِيفَةَ ﵀: قَوْلُهُ ﵊: «إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلِأَنَّ الكَلَامَ قَدْ يَمْتَدُّ طَبْعًا فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ.
وروى الطحاوي عن عبد الله ابن بشر أنه قال: كنت جالسًا إلى جنبه يوم الجمعة، فقال: جاء رجل يتخاط رقاب الناس يوم الجمعة؛ فقال له النبي ﵊: «اجلس فقد آذَيْتَ» (^١)، فقد أمره بالجلوس ولم يأمره بالصلاة.
وعن عقبة ابن عامر أنه قال: الصلاة والإمام على المنبر معصية، وأما فعل الصحابي؛ فليس بحجة عنده، خصوصا إذا وقع معارضًا للنص.
ولهما: ما روى أنس عن النبي ﵊: كان إذا نزل عن المنبر يسأل الناس عن حوائجهم، وعن أسعار السوق، ثم يصلي.
وعن عمر وعثمان ﵄: أنهما كانا إذا صعد المنبر يسألان الناس عن أسعار السوق.
وقال ابن عمر ﵄ (^٢): خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام (^٣)، ولأن حرمة الكلام لإحلال فرض الاستماع؛ إذ الكلام في نفسه مباح، ولا خلاف عند شروعه في الخطبة، بخلاف الصلاة؛ لأنها قد تمتد، فلا يمكن قطعها حين أخذ الكلام في الخطبة، والكلام يمكن قطعه متى شاء.
ولأبي حنيفة: حديث علي، وابن عباس ﵄، أنه ﵊ قال: «إذا خَرجَ الإمامُ فلا صلاة ولا كلام» (^٤) من غير فصل.
وقال عمرو بن عبد البر: كان ابن عباس، وابن عمر يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام، ولا مخالف لهما.
وفي المبسوط: استدل أبو حنيفة بما روي أنه ﵇ قال:
_________________
(١) رواه أبو داود (١/ ٢٩٢، رقم ١١١٨) والنسائي (٣/ ١٠٣، رقم ١٣٩٩) من حديث عبد الله بن بسر ﵁، وأخرجه ابن ماجه (١/ ٣٥٤، رقم ١١١٥) من حديث جابر ﵁، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٤/ ٢٨١، رقم ١٠٢٤).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٩٢، رقم ٥٨٩٤).
(٣) ليست في النسخ، وأثبتناها من المصادر.
(٤) سبق تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«إذا كان يوم الجمعة؛ بقيت الملائكةُ على أبواب المساجد يكتبون الناس، الأول فالأول إلى أن قال: فإذا خرج الإمامُ طَوَوُا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر» (^١).
وإنما يطوون الصحف إذا طوى الناس الكلام، فأما إذا كانوا يتكلمون؛ فهم يكتبون؛ قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وفيه نوع تأمل.
ولأن الإمام إذا صعد المنبر ليخطب فكان مستعدا لها، فيجعل كالشارع فيها من وجه؛ ألا ترى في كراهية الصلاة جعل الاستعداد كالشروع فيها في كراهية الكلام (^٢).
ووجوب الإنصات غير مقصور على حال تشاغله بالخطبة، حتى يكره الكلام في حال الجلسة بين الخطبتين، ولكن ذكر في الْمُجْتَبى: حال الجلسة بينهما لا يكره عند أبي يوسف، ويكره عند محمد (^٣).
وأما الجواب عما رويا: فهو أنه كان في ابتداء الإسلام، كان الكلام مباحًا في الصلاة، فكان يباح في الخطبة أيضًا، ثم نهي بعد ذلك عن الكلام فيهما. ولأنه ﵊ كان إماما وخطيبًا؛ فلا بأس له أن يتكلم؛ لأنه يخطب، والخطبة من أولها إلى آخرها كلام.
وأما ابن عمر، وعثمان، فمعارض بحديث ابن عمر، وابن عباس ﵄.
وأما قولهما: (إنما حرم الكلام لأجل الاستماع)؛ قلنا: بلى، إلا أنه ألحق هذه الحالة بحالة الخطبة؛ تعظيما لأمر الخطبة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٤).
فإن قيل: جاء في الحديث أن الدعاء يستجاب وقت الإقامة في يوم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١١١، رقم ٣٢١١) ومسلم (٢/ ٥٨٧، رقم ٨٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٠).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٨٤).
(٤) انظر: البحر الرائق لابن نجم (١/ ٢٧٣).
[ ٢ / ٣٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجمعة، فكيف يسكت عند أبي حنيفة؟
قلنا: يقرأ الدعاء بقلبه لا بلسانه، ثم إذا اشتغل بالخطبة؛ ينبغي للمستمع أن يجتنب مما يجتنب في الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
وقوله ﵊: «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» (^١)؛ ولهذا يكره له رد السلام، وتشميت العاطس، إلا في القول الجديد للشافعي؛ فإنه يرد ويشمت (^٢).
قال شيخ الإسلام والأصح: أن الاستماع إلى الخطبة من أولها إلى آخرها، وإن كان فيه ذكر الولاة والدنو من الإمام (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: قيل: وجوب الاستماع مخصوص بزمان الوحي (^٤).
وقيل: في الخطبة الأولى دون الثانية؛ لما فيه من مدح الظلمة.
وقيل: في الحمد والثناء.
وقيل: التباعد من الخطيب في زماننا أولى، حتى لا يسمع مدح الظلمة.
وعن أبي حنيفة: إذا سلم عليه يرد بقلبه.
وعن أبي يوسف: يرد السلام، ويشمت العاطس فيها، وعن محمد: يرد ويشمت بعد الخطبة.
وقيل: بالإشارة بيده ورأسه عند رؤية المنكر مكروه.
والأصح: أنه لا بأس به؛ لأن عمر ﵁ كان يشير في خطبته لأمره ونهيه، ويصلي على النبي ﵊ في نفسه؛ عند ذكره ﵊.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢/ ٥٨٣، رقم ٨٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٢١)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٤٥)، وروضة الطالبين للنووي (٢/¬٢٩)
(٣) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٤٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٨٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٨٨).
[ ٢ / ٣٣٥ ]
(وَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُونَ الأَذَانَ الأَوَّلَ، تَرَكَ النَّاسُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَتَوَجَّهُوا إِلَى
واختلف المتأخرون فيمن كان بعيدًا لا يسمع الخطبة؛
قال محمد بن سلمة: المختار: السكوت، وهو الأفضل، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (^١).
وقال نصر بن يحيى: يسبح ويقرأ القرآن، وهو قول الشافعي (^٢)، وأجمعوا على أنه لا يتكلم.
وقيل: الاشتغال بالذكر وقراءة القرآن أفضل من السكوت.
وأما دراسة الفقه، والنظر في كتب الفقه وكتابته؛
قيل: يكره. وقيل: لا بأس به.
قال شيخ الإسلام: الاستماع إلى خطبة النكاح والختم وسائر الخطب واجب.
وفي الكامل: ويقضي الفجر إذا ذكره في الخطبة، ولو تغدى بعد الخطبة أو جامع فاغتسل؛ يعيد الخطبة، وفي الوضوء في بيته لا يعيد (^٣).
ولو صلى ركعتين؛ فالأفضل أن يعيدها، ويستحسن ذكر الخلفاء الراشدين. وعن أبي حنيفة: أنه لا يستقبل الإمام، فإذا اشتغل بالخطبة انحرف إليه فاستقبله، ويستحب أن يقعد فيها كما يقعد في الصلاة؛ لقيامها مقام ركعتين، ولا بأس أن يقعد محتبيًا؛ لأنه منتظر للصلاة، يقعد كيف شاء، والنوم مكروه فيها إلا إذا غلب.
قوله: (وإذا أذن المؤذنون): ذكر بلفظ الجمع، وإن كان لا يحتاج إليه؛ إخراجًا للكلام مخرج العادة، فإن التوارث اجتماع المؤذنين ليبلغ أصواتهم إلى أطراف المصر الجامع.
وفي أذان المبسوط: اختلفوا في الأذان المعتبر الذي يحرم عنده البيع
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٢٠٣)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥٨٥).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٣٤).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٨٩).
[ ٢ / ٣٣٦ ]
الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
والشراء ويجب السعي، فقال الطحاوي: هو الأذان عند المنبر بعد خروج الإمام، فإنه هو الأصل الذي كان للجمعة على عهد رسول الله ﷺ، وكذا في عهد أبي بكر وعمر ﵄ (^١).
وفي فتاوى العتابي: هو المختار، وبه قال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣)، وأكثر فقهاء الأمصار، ثم أحدث الأذان على الزوراء -أي: الصومعة- في عهد عثمان ﵁، وهو الذي يبدأ، ولم ينكره أحد من المسلمين.
قال البخاري: الزوراء اسم موضع بالسوق في المدينة.
وفي المحيط: اسم المأذنة (^٤). وفي البدائع: اسم المنارة (^٥). وقيل: اسم حجر كبير عند باب المسجد.
وفي المغرب: الأَزْوَرُ من الرجال الذي مال أحد شقي صدره، وبمؤنثه سميت دار عثمان بالمدينة، ومنها قولهم: أحدث الأذان بالزوراء (^٦).
وعن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: هو أذان المنارة؛ لأنه لو انتظر الأذان عند المنبر يفوته أداء السنة وسماع الخطبة، وربما يفوته أداء الجمعة إذا كان المصر بعيد الأطراف.
والأصح: أن كل أذان يقع قبل الزوال فذلك غير معتبر، وما وقع بعد الزوال هو المعتبر، سواء كان على المنارة أو غيره. كذا في المبسوط (^٧)، وهذا أوفق وأحوط.
وقيل: وأما أذان السنة بدعة، أحدثه الحجاج بن يوسف.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٤).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٢٤)، والحاوي للماوردي (٢/ ٤٢٨).
(٣) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٢٠)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٦٨).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٩٣).
(٥) بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٥٢).
(٦) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٢١٣).
(٧) المبسوط للسرخسي (١/ ١٣٤).
[ ٢ / ٣٣٧ ]
(وَإِذَا صَعِدَ الإِمَامُ المِنبَرَ جَلَسَ وَأَذَّنَ المُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدِي الْمِنبَرِ) بِذَلِكَ جَرَى
وإذا فرغ من خطبته أقاموا كسائر الصلوات المفروضات. ولو سمع النداء عند العشاء، إذا خاف فوت الجمعة يتركه كخروج وقت المكتوبات، بخلاف الجماعة في سائر الصلوات.
قوله: يتعلق بصلاة الجمعة:
وفي المجتبى: يستحب لمن حضر الجمعة أن يغتسل ويدهن ويمس طيبا إن وجده، ويلبس أحسن ثيابه إن كان له (^١)؛ لما روى سلمان الفارسي ﵁ أنه ﵊ قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، ويمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم يسكت إذا تكلم الخطيب؛ إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» رواه البخاري (^٢).
ويستحب الثياب الأبيض؛ لما روى ابن عباس أنه ﵊ قال: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من أحسن ثيابكم» (^٣). ذكره الغزالي (^٤)، وأبو طالب المكي لباس السواد، وخالفهما الماوردي في الحاوي؛ لما أنه ﵊ خطب وعليه عمامة سوداء، ودخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، وعلى علي وابن عمر عمامة سوداء يوم قتل عثمان (^٥).
وأحدث بنو العباس لباس السواد شعارا لهم؛ لأن الراية التي عقدت للعباس يوم الفتح ويوم خيبر كانت سوداء، وقد مر الكلام في غسل يوم الجمعة.
ويستحب أن يجلس في الصف الأول، وتكلموا في الصف الأول.
قيل: هو الذي خلف الإمام في المقصورة.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢/¬٣، رقم: ٨٨٣).
(٣) رواه أبو داود (٤/¬٨، رقم ٣٨٧٨) والترمذي (٢/ ٣١١، رقم ٩٩٤) وابن ماجه (١/ ٤٧٣، رقم ١٤٧٢) قال الترمذي: حسن صحيح.
(٤) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي (١/ ١٨١).
(٥) الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٤٠).
[ ٢ / ٣٣٨ ]
التَّوَارُثُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا هَذَا الْأَذَانُ، وَلِهَذَا قِيلَ: هُوَ المُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ وَحُرْمَةِ البَيْعِ، وَالأَصَحُ: أَنَّ المُعْتَبَرَ هُوَ الْأَوَّلُ إِذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِحُصُولِ الإِعْلَامِ بِهِ، (وإذا فرغ من خطبته أقاموا) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقيل: مما يلي المقصورة، وبه أخذ أبو الليث.
وفي خزانة الأكمل هذا في حق العامة؛ لأنهم كانوا ممنوعين من دخول المقصورة، أما في زماننا فلا منع، والصف الأول الصف الذي يلي الإمام (^١).
وفيه، وفي الينابيع، وفي جوامع الفقه: يستحب للإمام أن يقرأ في الأولى سورة الجمعة، وفي الثانية سورة المنافقين (^٢)، وبه قال الشافعي (^٣)، وأحمد (^٤).
وقال مالك: أما الذي جاء به الحديث: هل أتاك حديث الغاشية مع سورة الجمعة، والذي أدركت عليه الناس (^٥).
ومن مات يوم الجمعة يُرجى له فضل، وكذا من مات بمكة. كذا في المحيط (^٦).
مصلي الجمعة سجد على ظهر آخر للزحام، إذا كان ركبتاه على الأرض؛ جاز، وإلا فلا.
وعن صدر القضاة يجزئه وإن لم يكن ركبتاه على الأرض، وبه قال الشافعي (^٧)، وأحمد (^٨)؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: إذا زوحم أحدكم فليسجد على ظهر أخيه.
وعن بعض أصحاب الشافعي أنه قال في القديم: إن شاء سجد على ظهره،
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٣).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٦)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٦٩).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٣٥)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤٤).
(٤) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٣٠)، والمحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ١٥٣).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٣٧)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٥١).
(٦) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٦٩).
(٧) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٦٠٤)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٥٦٣).
(٨) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢) ٢٣٢، (٢٣٣)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٥٧).
[ ٢ / ٣٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن شاء ترك حتى يزول الزحام (^١)، وهو قول الحسن البصري. وقال مالك: يلزمه أن يؤخر السجود حتى يسجد على الأرض (^٢)، وبه قال عطاء.
وإن لم يتمكن من السجود انتظر حتى زال الزحام، فإذا زال الزحام والإمام في القيام في الثانية؛ سجد ويتبعه، ولو كان في الركوع في الثانية؛ يشتغل بقضاء ما فاته، وهو أحد قولي الشافعي.
وفي قول منه: يتابعه في الركوع (^٣).
ولو سجد على ظهر الثالث؛ قيل: لا يجزئه إلا إذا سجد الثاني على الأرض، ولو وقف حتى سلم الإمام فهو لاحق، يمضي في صلاته بلا قراءة.
وفي المبسوط: أحدث الإمام بعد الخطبة، فأمر آخر أن يصلي بالناس، فإن كان الرجل يشهد الخطبة؛ جاز ذلك، سواء كان الإمام مأذونا بالاستخلاف أو لا، بخلاف القاضي، فإنه إذا لم يكن مأذونا في الاستخلاف لا يستخلف؛ لأن القضاء غير مؤقت لا يفوت بتأخيره عند العذر، والجمعة مؤقتة تفوت بالتأخير (^٤).
وإن لم يكن المأمور يشهد الخطبة؛ لم يجز له أن يصلي بالناس الجمعة؛ لأن الخطبة من شرائط افتتاح الجمعة، وهو المفتتح لها، فلم يجز له افتتاحها كالأول إذا لم يخطب، بخلاف ما لو افتتحها ثم سبقه المحدث، فاستخلف من لم يشهد؛ حيث يجوز؛ لأن الخليفة ليس بمفتتح.
وللشافعي في الاستخلاف بعد الشروع قولان؛ ففي الجديد: يجوز
_________________
(١) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٥٥٩).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٢٨).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٢٠)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٠٨)، والمجموع للنووي (٤/ ٥٥٩، ٥٦٠).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/¬٢٦، ٢٧).
[ ٢ / ٣٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كمذهبنا (^١)، وبه قال مالك (^٢)، وأحمد (^٣).
وعلى القديم: لا يجوز.
ولو استخلف قبل الإحرام بعد الخطبة من حضر الخطبة؛ في الجديد: كقولنا (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦)، وفي استخلاف من لم يسمع الخطبة؛ قال بعض أصحابه: فيه وجهين.
ولو ذكر في الجمعة أن عليه الفجر، فإن كان لا يخاف فوت الجمعة يقطعها ويبدأ بالفجر، ولو خاف فوت الوقت يتم الجمعة؛ لسقوط الترتيب لضيق الوقت.
أما لو خاف فوت الجمعة لا الوقت؛ فعندهما يبدأ بالفجر.
وعند محمد: يتم الجمعة، وقد مرت المسألة.
ولو خطب فقدم أمرًا آخر، فإن صلى القادم بخطبة الأول صلى الظهر، وإن خطب خطبة أخرى صلى الجمعة.
ولو عزل الأول انتقض حكم الخطبة، وإن لم يحضر الثاني وصلى الأول الجمعة مع علمه بقدوم الثاني؛ جاز ما لم يكن من الثاني جلوس في الحكم، أو ما يستدل به على العزل، ولو أمر رجلًا بالخطبة ثم أمر غيره بالصلاة؛ جاز كما لو أمر أحدهما بالخطبة والآخر بالصلاة.
ولو قال: اخطب لهم ولا تصلّي بهم؛ له أن يصلي بهم.
مات الخليفة، فالقاضي على قضائه، والوالي على ولايته حتى يعزله القادم بعده.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٢٠)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٥٠٤).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٤٣)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٤٧٩).
(٣) انظر: الكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٢٧)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٦٢).
(٤) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٦١٥)، والمجموع للنووي (٤/ ٥٧٧، ٥٧٨).
(٥) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٨٢)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٧٥).
(٦) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٢٨)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ١٨٤).
[ ٢ / ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَو مَاتَ أَمِيرُ نَاحِيَةٍ أَوْ قَاضِيهَا؛ انعَزَلَ خُلَفَاؤُه وَقُضَاتُهُ.
خَطَبَ صَبِيٌّ لَهُ مَنشُورٌ لِلجُمُعَةِ، فَجَمَعَ بِهِمْ بَالِغٌ؛ جَازَ، وَيُعزَلُ القَاضِي وَلَا يَنعَزِلُ فِيهِ سُلطَانٌ فَاسِقٌ، وَتَعَذَّرَ التَّوَصُّلُ إِلَى استِئذَانِ الإِمَامِ؛ جَازَ لِأَهلِ المِصرِ أَنْ يَجتَمِعُوا عَلَى رَجُلٍ يَجمَعُ بِهِمْ.
وَفِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: خَطَبَ وَحدَهُ أَوْ بِحَضرَةِ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ (^١).
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: لَو خَطَبَ وَحدَهُ يَجُوزُ، وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (^٢).
البَيعُ بَعدَ الزَّوَالِ قَبلَ الأَذَانِ المُعتَبَرِ لَا يُكرَهُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَكرَهُ (^٣)، وَبَعدَ الأَذَانِ وَظُهُورِ الإِمَامِ حَرَامٌ؛ لَكِنَّهُ يَصِحُّ. وَعِندَنَا، وَالشَّافِعِيُّ (^٤)، وَالجُمهُورُ: مَكرُوهٌ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ (^٥)، وَأَحمَدَ (^٦)، وَدَاوُدَ ﵏: لَا يَصِحُّ البَيعُ.
وَفِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: الرُّستَاقِيُّ سَعَى إِلَى المِصرِ يَومَ الجُمُعَةِ؛ يُرِيدُ بِهِ إِقَامَةَ الجُمُعَةِ وَإِقَامَةَ حَوَائِجِهِ، وَمُعظَمُ مَقصُودِهِ إِقَامَةُ الجُمُعَةِ؛ يَنَالُ ثَوَابَ السَّعيِ، وَلَو كَانَ مَقصُودُهُ إِقَامَةَ الحَوَائِجِ لَا غَيرَ، أَوْ مُعظَمُ مَقصُودِهِ إِقَامَةُ الحَوَائِجِ؛ لَا يَنَالُ ثَوَابَ السَّعيِ (^٧).
قَالَ شَيخُ الإِسلَامِ: قَالَ مَشَايِخُنَا: لَو تَلَا آيَةَ السَّجدَةِ فِي الجُمُعَةِ أَوْ العِيدِ لَا يَسجُدُهَا (^٨)، وَكَذَا لَو وَجَبَ عَلَيهِ سَهوٌ مَخَافَةَ التَّشوِيشِ، وَالمَرِيضُ لَا يُصَلِّي
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٥٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٥٨).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٥٦١).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٢٤)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٠٧).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٥٦).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٣٤)، والكافي لابن عبد البر (٢/ ٧٢٢).
(٦) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٢٠)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٦٨).
(٧) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٩٠)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩١)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٦٦).
(٨) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٧٦).
[ ٢ / ٣٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الظهر قبل الجمعة؛ لرجاء البرء في كل زمان، وبه قال الشافعي (^١). شرع في الأربع قبل الظهر، فافتتح الخطيب الخطبة؛ قال بعض المشايخ - منهم الإمام السرخسي والإسبيجابي -: يصلي ركعتين. وقال بعضهم - منهم عصام وأبو عاصم والحلواني -: أربعًا. وفي فتاوى البقري: وبه يفتي (^٢).
وفي شرح الطحاوي: يجهر بالخطبة الأولى، وفي الثانية يجهر دون ذلك (^٣).
وفي الجامع: يتقلد الخطيب السيف في كل بلدة فتحت بالسيف (^٤). ويكره أن يخطب متكئًا على عصا، أو قوس مستقبل القبلة.
أمر النصراني ثم أسلم؛ ليس له أن يصلي الجمعة حتى يؤمر بعد الإسلام. وكذا الصبي إذا أمر ثم أدرك؛ ليس له أن يصلي الجمعة [حتى يُؤمر بعد الإسلام، وكذا الصبي إذا أُمر ثم أدرك؛ ليس له أن يصلي] (^٥) بلا تجديد الولاية.
ولو استفتى صبي أو نصراني ثم أسلم وأدرك؛ لم يجز حكمهما. للمولى أن يمنع عبده عن الجمعة والجماعات والعيدين، وعلى المكاتب الجمعة، وكذا على معتق البعض إذا كان يسعى، والعبد الذي حضر مع مولاه باب المسجد، ولا يجب على العبد المأذون ولا على عبد يؤدي الضريبة.
وقال أبو حفص: للمستأجر أن يمنع الأجير عن حضور الجمعة. وقال أبو علي الدقاق: ليس له منعه، ولكن يسقط منه الأجر بقدر اشتغاله بذلك إن كان بعيدًا، وإن كان قريبًا لا يحط عنه شيء.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٢٣)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٠٦).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٦٧).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٨٩)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٦٠).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٦٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٦٠).
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصاب الناس المطر الشديد يوم الجمعة؛ فهم في سعة من التخلف.
يباح للمختفي من السلطان الظالم ألا يخرج إلى الجمعة، وكذا في الوحل. ذكره المرغيناني (^١).
ولا يحل للرجل أن يعطي سواك المساجد.
وفي فتاوى قاضي خان: قال أبو نصر العياضي: مَنْ أخرجهم من المسجد أرجو أن يغفر الله له (^٢).
وقال بعض العلماء: من تصدّق بفلس في المسجد، ثم تصدق بعد ذلك أربعين فلسا؛ لم يكن كفارة لذلك الفلس.
وعن خلف بن أيوب: لو كنت قاضيًا لا أقبل شهادة من تصدق على هؤلاء في المسجد الجامع.
وعن أبي بكر بن إسماعيل: هذا فلس يحتاج إلى سبعين فلسا كفارة له، ولكن تصدقوا قبل أن يدخلوا المسجد، أو بعد ما يخرج عنه.
وعن ابن المبارك: يعجبني أن السائل إذا سأل لوجه الله لا يعطى له شيء؛ لأن الدنيا خسيسة، فإذا سأل لوجه الله تعالى فقد عظم ما حقره، فلا يعطى له زجرا.
وعن الحسن البصري أنه قال: ينادي مناد يوم القيامة: ليقم بَغِيضُ اللَّهِ، فيقوم سُؤَال المساجد. وقال أبو مطيع: لا يحل للرجل أن يعطي سؤال المساجد.
قال الصدر الشهيد: إن السائل إذا كان لا يمر بين يدي المصلي، ولا يتخطى رقاب الناس، ولا يسأل الناس إلحافًا، ويسأل لأمر لابد له منه؛ لا بأس بالسؤال، وإلا فلا (^٣).
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٧١).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٤).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٤)، والبحر الرائق لابن نجم (٢/ ١٧٠).
[ ٢ / ٣٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حضر والمسجد الجامع ملآن، إن تخطى يؤذي الناس؛ لم يتخط، وإن كان لا يؤذي أحدًا، ولا يطأ ثوبًا ولا جسدًا؛ فلا بأس بأن يتخطى، فيدنوا من الإمام ما أمكن. كذا ذكره الهندواني: لا بأس بالتخطي ما لم يأخذ الإمام في الخطبة.
وعن أبي يوسف: لا بأس ما لم يخرج الإمام. كذا في الخلاصة (^١).
والسنة أن يبكر ويدنو من الإمام ما أمكن من غير أن يؤذي أحدًا، وبه قال الشافعي (^٢)؛ لما روي أنه ﵊ قال: «من بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا ولم يَلْغُ؛ كُتِبَ له بكل خطوة عمل سنة أجر قيامها وصيامها» (^٣).
وقال ﵊: «إذا كان يوم الجمعة؛ وقفت الملائكة على باب المسجدِ، فيكتبون الأول فالأولَ، فمثلُ المُهجر - أي مثل المبكر - كمثل المهدي بدَنَةً، ثم الذي يليه كالمُهدِي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي شاة، ثم الذي يليه كالمهدي دجاجة، ثم الذي يليه كالمهدي بيضة، فإذا خرج الإمام؛ طَوَوُا صُحُفَهم وجلسوا يستمعون الذكر» (^٤). كذا في الروضة، وجامع الكردري (^٥).
يكره السفر بعد الزوال يوم الجمعة لا قبله. وفي شرح الأقطع: لا يكره لا قبله ولا بعده (^٦).
وفي الذخيرة: ذكر محمد في السير الكبير: لا بأس قبل الزوال بلا خلاف؛ لعدم وجوبها، وبعد الزوال إن أمكنه الخروج من المصر قبل خروج وقت الظهر؛ لا بأس به قبل الصلاة وإقامة الجمعة، وإن كان لا يمكنه الخروج
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٩١)، وفتاوى قاضي خان (١/ ٨٧).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٢٥)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤٤)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٥٢).
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٩٥، رقم ٣٤٥) والنسائي (٣/ ٩٥، رقم ١٣٨١) وابن ماجه (١/ ٣٤٦، رقم ١٠٨٧) وصححه ابن حبان (٧/¬١٩ - ٢٠، رقم ٢٧٨١).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٥١٧).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٤).
[ ٢ / ٣٤٥ ]