(إِذَا اشْتَدَّ الخَوْفُ جَعَلَ الإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ إِلَى وَجْهِ العَدُوِّ، وَطَائِفَةٌ
الاستسقاء في مصلى العيد؛ لما روي أنه ﵊ خرج إلى المصلى.
ويستحب إخراج الأطفال والشيوخ الكبار، والعجائز اللاتي لا هيئة لهن؛ لما روي أنه ﵊ قال: «لولا شيوخ ركع، وصبيان رضع، وبَهَائِمَ رُتَّع، لَصُبَّ عليكم العذاب صبا» (^١)، ولعل الله تعالى ينظر إلى ضعفهما فيرحم. كذا في تتمتهم (^٢).
باب صلاة الخوف
مناسبة هذا الباب بالاستسقاء من حيث إنهما شرعا بالعارض، لكن قدم الاستسقاء؛ لأن العارض فيه سماوي، وهو انقطاع المياه، وفيه اختياري؛ وهو الجهاد الذي سببه كفر الكافر، فيقدم السماوي.
قوله: (وإذا اشتد الخوف): اشتداد الخوف ليس بشرط عند عامة المشايخ، فإنه جعل في التحفة سبب جوازها نفس قرب العدو من غير ذكر خلاف، ومن غير ذكر الاشتداد. وكذا في المبسوط، والمحيط (^٣).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: المراد بالخوف: حضرة العدو لا حقيقة الخوف؛ لأن حضرة العدو أقيم مقام الخوف على ما عرف من أصلنا في تعليق الرخص بنفس السفر (^٤).
قوله: (جعل الإمام …) إلى آخره ثم اعلم أن هذا الفعل المذكور في صلاة الخوف إنما يحتاج إليه؛ أن لو تنازع القوم في الصلاة خلف إمام واحد فأما إذا
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (١١/ ٢٨٧، رقم ٦٤٠٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٤٥، رقم ٦٦١٧) من حديث أبي هريرة ﵁، وفي سندهما إبراهيم بن خثيم بن عراك ضعيف وبه أعله البيهقي والهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٧، رقم ١٧٦٩٠).
(٢) انظر: المجموع للنووي (٥/ ٦٦)، ونهاية المحتاج للرملي (٢/ ٤١٩).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٢٥).
(٤) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٣١)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٩٧).
[ ٢ / ٤٠٦ ]
خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِهَذِهِ الطَّائِفَةِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مَضَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إِلَى وَجْهِ العَدُوِّ وَجَاءَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ، فَيُصَلِّي بِهِمْ الإِمَامُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسَلِّمُوا، وَذَهَبُوا إِلَى وَجْهِ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُولَى فَصَلُّوا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ وُحْدَانَا بِغَيْرِ قِرَاءَةِ)؛ لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ (وَتَشَهَّدُوا وَسَلَّمُوا وَمَضَوْا إِلَى وَجْهِ العَدُوِّ، وَجَاءَت الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، وَصَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ بِقِرَاءَةِ)؛ لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ (وَتَشَهَّدُوا وَسَلَّمُوا) وَالأَصْلُ فِيهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قُلْنَا.
لم يتنازعوا؛ فالأفضل للإمام أن يجعل القوم طائفتين، فتصلي كل طائفة بإمام راغبون إليه. كذا في المبسوط، ومبسوط شيخ الإسلام (^١).
وإنما قال: (ركعة وسجدتين)؛ احترازًا عن قول بعض العلماء: إنه إذا سجد سجدة واحدة؛ يجوز الانصراف؛ عملًا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
وقلنا: السجدة المطلقة تنصرف إلى الكامل المعهود وهو السجدتين. كذا قاله شيخي العلامة (^٢).
وقيل: قوله: (سجدتين) تأكيد وإلا قوله (ركعة) كاف؛ إذ الركعة تتم بسجدة، فرفع هذا الاحتمال، وهذا أحسن.
قوله: (والأصل فيه …) إلى آخره: وفي المبسوط (^٣): روى سالم عن ابن عمر (^٤) ﵃ أنه ﵊ صلى بالطائفتين، كما روى ابن مسعود (^٥).
وقال مالك: يجعل الناس طائفتين، فيصلي بالطائفة الأولى بركعة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية انتظر حتى تصلي هذه الطائفة الركعة الثانية،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٦٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٦).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويسلمون ويذهبون، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعته الثانية، فإذا رفع رأسه من السجدة منها يتشهد ويسلّم ولا ينتظرهم، فيصلون بهم ركعتهم بعد تسليمة (^١).
وعند الشافعي: انتظر لهم حتى يصلوا ركعتهم الثانية وتشهد وسلّم وسلموا معه (^٢).
وفي المستصفى: للشافعي في صلاة الخوف ثلاثة أقوال: في قول مثل قولنا. وفي قول: يصلي بالطائفة التي معه تمام الصلاة، ثم تجيء الطائفة الأخرى فيصلي بهم مرة أخرى، فإن عنده اقتداء المفترض بالمتنفل جائز.
وفي قول -وهو المشهور عنه-: يصلي بالطائفة الأولى ركعة، فيقوم ويقف ولا يقرأوا هذا القيام في انتظار الطائفة الأخرى. كذا ذكره المزني (^٣)، وتصلي هذه الطائفة تمام صلاتهم؛ لكن ينبغي أن ينووا مفارقته ويسلمون، ثم تجيء الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا يسلّم، بل يمكث جالسًا حتى تصلي هذه الطائفة تمام صلاتهم من غير نية المفارقة، ثم يسلّم الإمام ويسلمون معه. كذا في خلاصتهم، والوجيز، والمختلفات (^٤).
وفي المحيط: لو كانت الطائفة الثانية قضوا ركعتهم في مكانهم حين سلّم الإمام جاز، ولكن الأفضل أن ينصرفوا.
وفي الحلية: مذهب أحمد (^٥)، وابن أبي ليلى مثل مذهب الشافعي.
واستدلوا برواية [أبو عياش] (^٦) الزرقي (^٧)، واستدل مالك برواية صالح بن
_________________
(١) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٥٨)، ومواهب الجليل للخطاب (٢/ ١٨٧).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٤٣)، والحاوي للماوردي (٢/ ٤٦٠).
(٣) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٢٢).
(٤) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ٣٠٠)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٦٢٦).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣١٦)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٣٠٢).
(٦) في النسخ ابن عباس والتصويب من تهذيب الكمال (١٠/ ١٠١).
(٧) رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن عياش قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، =
[ ٢ / ٤٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خوات (^١)، وروايتنا أرجح؛ لعدم مخالفتها الأصل، فإن سبق الموهم في التحليل عن الصلاة وانتظار الإمام للمأموم خلاف موضوع الإمامة، وأما المشي في الصلاة فقد ورد الشرع به في سبق الحدث، ولأن ما ذكرنا أولى؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، والفاء للوصل مع التعقيب، فدل على أن الطائفة الأولى ينصرفون عقيب السجدة الثانية من الركعة الأولى كما هو مذهبنا، وعند الشافعي، ومالك: تنصرف الطائفة الأولى بعد تمام صلاتهم، فيكون المراد من السجود الصلاة، وهو خلاف ظاهر الكتاب.
وذكر في شرح أبي نصر البغدادي: والكل جائز، والكلام في الأولى والأقرب من ظاهر القرآن. كذا في المستصفى (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: قال أبو الحسن - بعد ما حكى المذاهب-: فالآثار تدل على جواز الكل، وإنما الكلام في الأولى، فظاهر القرآن يدل على أولوية ما
_________________
(١) = وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصَبْنا غرّة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر، قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة، والمشركون أمامه، فصف خلف رسول الله ﷺ صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ، وركعوا جميعا، ثم سجد، وسجد الصف الذين يلونه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا، سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذي يليه، سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعا فسلم عليهم جميعا، فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم. أخرجه أبو داود (٢/¬١١، رقم ١٢٣٦) والترمذي (١/ ٧٠٣، رقم ٥٦٤) والنسائي (٣/ ١٧٦، رقم ١٥٤٩) قال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) حديث صالح بن خوات يرويه عن سهل بن أبي حثمة عن النبي ﷺ يقوم الإمام مستقبل القبلة، وطائفة منهم معه، وطائفة من قبل العدو، وجوههم إلى العدو، فيصلي بالذين معه ركعة، ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة، ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثم يذهب هؤلاء إلى مقام أولئك، فيركع بهم ركعة، فله ثنتان، ثم يركعون ويسجدون سجدتين أخرجه البخاري (٥/ ١١٣، رقم ٤١٢٩) ومسلم (١/ ٥٧٥، رقم ٨٤١).
(٣) المستصفى للنسفي (ص ٦٤٣).
[ ٢ / ٤٠٩ ]
وَأَبُو يُوسُفَ وَإِنْ أَنْكَرَ شَرْعِيَّتَهَا فِي زَمَانِنَا فَهُوَ مَحْجُوجٌ عَلَيْهِ
ذكرنا (^١).
قوله: (وأبو يوسف وإن أنكر) إلى آخره: قال أبو يوسف أولا مثل ما قالا، ثم رجع، وقال: كانت صلاة الخوف في حياة النبي ﵊، ولم يبق مشروعًا بعده، وبه قال الحسن بن زيادة (^٢)، والمزني (^٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، فقد شرط كونه ﵊ فيهم لإقامتها، ولأن الناس كانوا يرغبون في الصلاة خلفه ما لا يرغبون خلف غيره، فشرعت بصفة الذهاب والمجيء على خلاف القياس؛ لينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه، وقد ارتفع هذا المعنى بعده، فلا يجوز أداؤها بصفة الذهاب والمجيء.
وحجتنا في ذلك: أن الصحابة أقاموها بعد النبي ﵊، فإنه روي أن سعد بن أبي العاص [حارب المجوس بطبرستان، ومعه الحسن بن علي، وحذيفة، وعبد الله بن عمرو بن العاص صلى بهم صلاة الخوف، ولم ينكر عليه أحد، وروي عن سعيد بن أبي وقاص] (^٤)، وأبي عبيدة بن الجراح، وأن سعيد بن العاص سأل عنها أبا سعيد الخدري فعلمه، فأقامها بأصبهان ولم ينكر عليه أحد، فحلّ محل الإجماع، وسنة الخوف تتحقق بعده ﵊ كما في حياته، ولم يكن ذلك لنيل فضيلة الصلاة خلفه؛ لأن ترك المشي وترك الاستدبار فريضة، والصلاة خلفه فضيلة، فلا يجوز ترك الفريضة لإحراز الفضيلة، ثم الآن يحتاجون إلى فضيلة تكثير الجماعة، فإنها كلما كانت أكثر كانت أفضل.
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] معناه: أنت أو من يقوم مقامك في الإمامة، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]،
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٤٩٩).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٤٢)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٩٨).
(٣) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٤٥٩)، والبيان للعمراني (٢/ ٥٠٠).
(٤) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٤١٠ ]
بِمَا رَوَيْنَا.
وقد يكون الخطاب مع النبي ﵊ ولا يختص هو به، كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] كذا في المبسوط المحيط (^١)، مع أن الأصل عندنا أن تعليق الحكم بالشرط لا يوجب عدمه عند عدم الشرط؛ بل هو موقوف إلى قيام الدليل، وقد قام الدليل وهو فعل الصحابة بعد وفاته ﵊ على وجود الحكم.
(بما روينا): وهو أنه ﵊ صلى صلاة الخوف، لما أن الأصل قيام نائبه مقامه، فيكون ﵊ بين أمته، يكون نائبه بينهم، وإقامته للصلاة فيهم، فيتحقق الشرط عملا بالأصل، وفعله ﵊ يوجب شرعيتها، فيكون مشروعًا عاما، وكونه ﵊ شرطًا بالنص يقتضي جوازها، ولا يقتضي عدم الجواز عند عدم الشرط كما بينا، لما جاز للنبي ﵊ لعذر؛ فجاز لغيره بذلك العذر كصلاة المريض.
وفي شرح الأقطع: كان أبو يوسف يقول بهذا أولا، وقد رجع عنه لغيره بذلك العذر لصلاة المريض (^٢).
وقال المزني: يستحب صلاة الخوف في عهد النبي ﵊؛ لأنه ﵊ لم يصلها في حرب الخندق، فلو لم ينسخ لما أخر الصلاة عن وقتها (^٣).
ولنا: ما ذكرنا من فعل الصحابة، وقال أبو سعيد الخدري: نزلت آية صلاة الخوف بعد حرب الخندق، ولا يؤثر الخوف في نقصان عدد الركعات إلا عند ابن عباس، والحسن البصري، وطاووس؛ حيث قالوا: إنها ركعة، واستدلوا بما روي أنه ﵊ صلّى صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع بكل
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٢٥).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٦٦)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٩٨).
(٣) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٤٠٥)، والغرر البهية لزكريا الأنصاري (٢/¬٣٤).
[ ٢ / ٤١١ ]
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ مُقِيمًا صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ
طائفة ركعة، فكان له ركعتان، ولكل طائفة ركعة.
وقلنا: لكل طائفة ركعة مع النبي ﵊، وركعة أخرى صلوها وحدها. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (وإن كان الإمام مقيمًا) إلى آخره: وإنما اختص الإمام؛ لأنه لو كان مقيمًا تصير صلاة من اقتدى به أربعًا، ولأن الإمام هو الخليفة أو السلطان، وفي الأداء يعتبر نيته لا نية الجندي. كذا في الخبازية (^٢)، وبقولنا قال الشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، وأحمد في المشهور (^٥).
وعن مالك: لا تجوز صلاة الخوف في الحضر؛ لأن الشرع ورد بانتظار القوم معه مقدار ما يصلون ركعتين، وهاهنا تحتاج أن ينتظر مقدار ما يصلون ركعتين (^٦).
ولنا: إطلاق الآية.
وقال أصحاب مالك: يجوز (^٧)، وعند الشافعي: جعلهم أربع فرق، وصلى بكل فرقة ركعة، وانتظر حتى أتموا لأنفسهم ثلاث ركعات (^٨).
قال الإسْبِيجابي: لو كان الإمام مسافرًا والقوم مقيمين؛ فالحال في الفجر والمغرب لا يتفاوت، وفي ذوات الأربع: يصلي بكل طائفة ركعة ويسلّم، ثم تجيء الطائفة الأولى فيصلون ثلاث ركعات بغير قراءة، والثانية ثلاثًا بقراءة (^٩).
قال أبو بكر: وجعلهم أربع طوائف يؤدي إلى فساد صلاة الطوائف الثلاث
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٦٦).
(٣) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٤٦٠)، والبيان للعمراني (٢/ ٥٠١).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٤١)، والتلقين للثعلبي (١/ ٥٢).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٠٢)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٢٤٥).
(٦) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٤٠).
(٧) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٥٨)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ٢٦٨).
(٨) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٤٥)، والحاوي للماوردي (٢/ ٤٦٦).
(٩) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١٠٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٦٧).
[ ٢ / ٤١٢ ]
رَكْعَتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى الظَّهْرَ بِالطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ» (وَيُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الأُولَى مِنْ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ تَنْصِيفَ الرَّكْعَةِ الوَاحِدَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَجَعْلُهَا فِي الأُولَى أَوْلَى بِحُكْمِ السَّبْقِ.
(وَلَا يُقَاتِلُونَ فِي حَالِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ فَعَلُوا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ)؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
الأول دون الرابع؛ لانفرادهم في موضع الابتداء وهو مفسد للصلاة، إلا أن لا يكون مفسدًا عندهم. كذا في الْمُجْتَبى (^١).
قوله: (ركعتين من المغرب) وبه قال أكثر أهل العلم، وقال الثوري: يصلي بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين، وبه قال الشافعي في قول (^٢)، وأصح قوليه كقولنا، وبه قال مالك (^٣).
وجه قول الثوري: ما روي عن علي ﵁ أنه صلى ليلة كذلك بأصحابه في حرب صفين، ولأن فرض القراءة في الركعتين الأوليين، فينبغي أن يكون لكل طائفة في ذلك حظ.
وقلنا: مبنى صلاة الخوف على التخفيف لا التطويل، وفيما ذكر يلزم ذلك؛ لأنه يزيد في الطائفة الثانية تشهد غير محسوب؛ لاحتياجهم إلى الجلوس مع الإمام في الركعة الثانية وهو غير محسوب لهم؛ لأنها الركعة لهم، ورواية عليٍّ شاذ، فلا يعتبر في مقابله الرواية المعتبرة المشهورة، ولأنه يصلي بكل طائفة شطر الصلاة، وشطر المغرب ركعة ونصف، فثبت حقهم في كلها بالسبق؛ لأن الركعة الثانية الواحدة لا تتجزأ. كذا في المبسوط (^٤).
قوله: (فإن فعلوا بطلت صلاتهم): وقال مالك (^٥)، وأحمد (^٦)، والشافعي (^٧): لا تبطل؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]،
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٤٩٩).
(٢) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٤٦٥)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٥٧٦).
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٤٠)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٥٣).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٨).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٤٢)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٥٦٥).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٢٠)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٠٥).
(٧) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٥٩١)، والحاوي للماوردي (٢/ ٤٧١).
[ ٢ / ٤١٣ ]
وَالسَّلَامُ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَلَوْ جَازَ الأَدَاءُ مَعَ القِتَالِ لَمَا تَرَكَهَا.
(فَإِنْ اشْتَدَّ الخَوْفُ صَلَّوْا رُكْبَانًا فُرَادَى يُؤْمِنُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى أَيْ جِهَةٍ
والأمر بأخذ السلاح لا يكون إلا للقتال؛ ولهذا يجب أخذ السلاح في صلاة الخوف عنده في قول، إن كان في وضعه خطر، وإن كان الظاهر السلامة يستحب، وهو قول داود، وأصح قوليه أنه يستحب، وبه أخذ أحمد، وعلماؤنا.
ولنا: ما ذكر في المتن حديث الخندق؛ إذ لو جاز الأداء مع القتال لما تركها، وفيه تأمل؛ لأنه ذكر قبل أن صلاة الخوف نزلت بعده.
وفي المبسوط: القتال عمل كثير ليس من أعمال الصلاة، فكان مفسدًا كسائر الأعمال، والأمر بأخذ الأسلحة؛ لكيلا يطمع فيهم العدو، وإذا رأوهم مستعدين للقتال أو ليقاتلوا عند الحاجة، وهذه المصلحة تحصل للأخذ قبل الشروع في الصلاة، فلا يحتاج إليه فيها، وأخذها عمل مناف لها فتبطل به (^١).
وفي المختلفات: لو كانوا في المسابقة قبل الشروع وكاد الوقت يخرج؛ يؤخرون الصلاة إلى أن يفرغوا من القتال (^٢)، وعند الشافعي: يصلّون بها ويعيدون (^٣).
وقال ابن شريح: لا يعيدون، وبه قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥).
قوله: (فإن اشتد الخوف …) إلى آخره: معنى اشتداد الخوف: هو أن لا يدعهم العدو بأن يصلّون نازلين، بل يهجمون هم بالمحاربة فرجالا، قيل: مشاة على أرجلكم.
(أو ركبانًا)؛ أي: على ظهور دوابكم، ولأن الصلاة على الدابة تجوز بعذر دون هذا العذر، فلأن يجوز بهذا العذر أولى، ثم إنما يجزئه ذلك إذا كانت
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٨).
(٢) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٨٨).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ١١٧)، والبيان للعمراني (٢/ ٥٢٧).
(٤) انظر: التلقين للثعلبي (١/ ٥٣)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٥٧).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٠٩)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٥٢٦).
[ ٢ / ٤١٤ ]
شَاؤُوا إِذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى التَّوَجْهِ إِلَى القِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وَسَقَطَ التَّوَجُهُ لِلضَّرُورَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ بِجَمَاعَةٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِانْعِدَامِ الاتِّحَادِ فِي المَكَانِ.
الدابة تسير سير نفسها، أما إذا كانت سيرها صاحبها لا يجزئه هذا في الفرائض، أما في النوافل يجوز كيف ما كان سواء قدر على النزول أو لا، وقد مر.
ولو كان الرجل ماشيًا هاربًا من العدو فحضرته الصلاة، ولم يمكنه الوقوف؛ لا يصلي ماشيًا عندنا، وعند الشافعي: يصلي بالإيماء في تلك الحالة ويعيد (^١).
وفي الْمُجْتَبى: الراكب إذا كان مطلوبًا فلا بأس بأن يصلي وهو يسير، ولو كان طالبا فلا (^٢).
وعن عطاء، وطاووس، والحسن، ومجاهد، وحماد، وقتادة: أنه تكفيه ركعة واحدة بالإيماء عند اشتداد الخوف.
ولا تجوز الجماعة ركبانًا، وكذا راجلًا إلا إذا كان المقتدي على دابة الإمام.
وقال محمد (^٣)، والشافعي (^٤): يجوز، فقال محمد: استحسن ذلك؛ لينال فضيلة الجماعة، ولهذا جوزنا لهم ما هو أعظم من ذلك وهو الذهاب والمجيء، ولإحراز فضيلة الجماعة.
وقلنا: ما أثبتنا من الرخصة أثبتناه بالنص، ولا مدخل للرأي في إثبات الرخص، ولأن بينهم وبين الإمام طريقا فيمنع الاقتداء، بخلاف ما لو كان المقتدي على دابة الإمام؛ إذ لا مانع بينهما. كذا في المبسوط (^٥).
_________________
(١) انظر: حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٣/¬١٧)، وحاشية البجيرمي على الخطيب (٢/ ٢٥٥).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٠٠).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٤٥)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٠٢).
(٤) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٤٢٦)، وروضة الطالبين للنووي (٢/ ٦٠).
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٩).
[ ٢ / ٤١٥ ]