قبل خروج وقت الجمعة؛ فلا ينبغي أن يخرج (^١).
وفي النوادر: لا بأس به قبل الصلاة من غير فصل (^٢).
قال الحلواني: لا ينبغي أن يخرج بعد الزوال قبل أداء الجمعة.
وقال الشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، وأحمد (^٥): لا يجوز إنشاء السفر بعد الزوال قبل أداء الجمعة (^٦).
ولو خطب واحد وصلى غيره؛ جاز، وبه قال مالك (^٧)، والشافعي (^٨) وأحمد في أحد قولهما (^٩)، والله أعلم بالصواب.
باب العيدين
هذا من باب حذف المضاف؛ أي: صلاة العيدين وتناسب البابين ظاهر؛ لما أنهما يقاما بجمع عظيم، ويجهر فيهما بالقراءة، ويشترط لأحدهما ما يشترط للأخرى سوى الخطبة.
العيد: يوم مجمع سمي بذلك؛ لأنه من العود، وهم يعودون إليه مرة بعد أخرى، وهو من الأسماء الغالبة على يوم الفطر والأضحى، وجمعه أعياد.
في الصحاح: كان من حق جمعه أن يقال: أعواد؛ لأنه من العود، ولكن
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٥١)، وفتاوى قاضي خان (١/ ٨٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٤).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٢٥)، والوسيط للغزالي (٢/ ٢٨٧)، والإقناع للخطيب الشربيني (١/ ١٧٩).
(٤) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٥٦)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٥٩)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٥٦).
(٥) انظر: الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ١٦٢)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٣٧٣)، والإقناع للحجاوي (١/ ١٩١).
(٦) وقع تكرار في الأصل.
(٧) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٧٧)، ومنح الجليل لمحمد عليش (١/ ٤٣٢).
(٨) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٢١)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٥٠٤).
(٩) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٢٨)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٨٠).
[ ٢ / ٣٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جمع بالياء؛ للزومها في الواحد، أو جمع بالياء؛ للفرق بينه وبين أعواد الخشبة (^١).
وفي المبسوط: الأصل فيه حديث أنس ﵁، قال: قدم النبي ﵊ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال ﵊: «قد بدَّلَ الله لكم بهما خيرا منهما: الفطر والأضحى» (^٢).
أشبه المذهب في صلاة العيد أنها واجبة أو سنة، فروى الحسن عن أبي حنيفة أنها تجب على من تجب عليه الجمعة (^٣).
وقال في الأصل: لا يصلي التطوع بجماعة ما خلا قيام رمضان وكسوف الشمس (^٤)، فهو دليل على أنها واجبة، والمذكور في الجامع الصغير أنها سنة؛ حيث قال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فالأول سنة والثاني فريضة (^٥).
والأظهر أنها سنة، ولكنها من معالم الدين، أخذها هُدْيٌ وتركها ضلالة.
وفي الْمُجْتَبى: ذكر محمد في الأصل: رأيت العيدين هل يجب الخروج فيهما على أهل القرى والجبال والسواد؟، قال: لا، إنما تجب على الأمصار والمدائن (^٦)، فنص على الوجوب.
وذكر الكرخي في مختصره وتجب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة (^٧).
وفي المحيط: عن أبي يوسف: أنها سنة واجبة؛ أي: وجوبها طريقة
_________________
(١) الصحاح للجوهري (٢/ ٥١٥).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢٩٥، رقم ١١٣٤) والنسائي (٣/ ١٧٩، رقم ١٥٥٦) وصححه الحاكم (١/ ٤٣٤، رقم ١٠٩١).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٧).
(٤) الأصل للشيباني (١/ ٤٤٣، ٤٤٤).
(٥) الجامع الصغير للشيباني (ص ١١٣).
(٦) الأصل للشيباني (١/ ٣٧٠، ٣٧١).
(٧) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٨٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٣)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٧٠).
[ ٢ / ٣٤٧ ]
قَالَ: (وَتَجِبُ صَلَاةُ العِيدِ عَلَى كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الجُمُعَةِ) وَفِي
مُستقيمة (^١).
وقال أبو موسى في مختصره: وهي فرض على الكفاية (^٢)، وبه قال الإِصْطخري من أصحاب الشافعي (^٣)، وأحمد (^٤).
ووجهه: أنها صلاة يتوالى فيها بالتكبيرات؛ فشابهت صلاة الجنازة.
وقال أبو جعفر النسفي: هي واجبة على الأعيان؛ لأنها من الشعائر كالجمعة، فيكون فرضًا كهي.
وقال شيخ الإسلام: والصحيح أنها سنة مؤكدة، وبه قال الشافعي (^٥)، ومالك (^٦)، لكنها من الشعائر، فعبر عنها بالوجوب مبالغة.
وقال الأكثرون: إنها واجبة، وهو الأصح؛ لظهور علامات الوجوب من الوقت المقصود، والجماعة والإمام، والمصر بوصف اللزوم، ويصح بما تصح به الجمعة، إلا الخطبة، فوجب القول بوجوبها قياسًا على الجمعة.
ثم يفهم من قوله: وتجب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة؛ أنها لا تجب على العبد والمسافر والمريض كالجمعة.
فإن قيل: ينبغي أن تجب على العبد عند إذن المولى بالصلاة؛ لأن المانع حق المولى، وقد أسقطه بالإذن، وإنما قال: لا تجب الجمعة مع قيام الإذن؛ لقيام الظهر مقامها، وهاهنا ليس كذلك.
قلنا: لا تجب صلاة العيد مع الإذن؛ لأن المنافع بالإذن لا تصير ملكا
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٩٥).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢٧٥١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٥)، ومنحة الخالق لابن عابدين (٢/ ١٧٠).
(٣) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٦٢٥)، والمجموع للنووي (٢/¬٥).
(٤) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٧٢)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٨٠)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٢٠).
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٤٨٢٢)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٢١)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/¬٤).
(٦) انظر: التلقين لعبد الوهاب الثعلبي (١/ ٥٣)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٦٣).
[ ٢ / ٣٤٨ ]
الجَامِعِ الصَّغِيرِ: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمِ وَاحِدٍ، فَالأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالثَّانِي فَرِيضَةٌ،
للعبد؛ لأنها غير مستثناة على المولى، فإذا لم يصر مملوكًا له بقي الحال بعد الإذن كما كان قبله؛ ألا ترى أن العبد لو حنث في يمينه، فكفر بالمال بإذن المولى؛ لا يجوز؛ لأنه لا يملكه بإذنه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
وقال الشافعي في الجديد: لا يشترط لها ما يشترط للجمعة، حتى يجوز أن يصلي العيد العبدُ والمسافرُ، والمرأة والمنفرد حيث شاء، وأهل القرى؛ لأنها نافلة، فأشبهت صلاة الاستسقاء والخسوف (^٢).
وقال في القديم وهو رواية عن أحمد (^٣): كقولنا.
وإنما ذكر المصنف رواية الجامع بعد رواية القدوري؛ لما فيها نوع مخالفة؛ فإنه أطلق لفظ الوجوب في رواية القدوري، ولفظ السنة في رواية الجامع، وتغليب لفظ العيد على لفظ الجمعة؛ إما لقلة الحروف كما في القمرين، أو لتغليب المذكر كما في القمرين، أو لأن الجمعة عيد المؤمنين، باعتبار ما لهم من وعد المغفرة والكفارة.
وسمي يوم العيد بالعيد؛ لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان إلى العباد، وكذلك في يوم الجمعة للمؤمنين عوائد من الله تعالى، أو تبركا بقول النبي ﵊؛ فإنه قال: «لكل مؤمن في كل شهر أربعة أعياد أو خمسة أعياد» (^٤). كذا ذكره الإمام المحبوبي (^٥).
وفي جامع الكردري: سميت الجمعة يوم عيد؛ لأن العيد عند العرب يوم سرور، وسرور المؤمنين في الصلاة على ما قاله ﵊: «جُعِلَت قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» (^٦)؛ إذْ مقصود المؤمن نيل الثواب والخلاص من العقاب،
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٦).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٨٣)، والمجموع للنووي (٥/¬٢٥).
(٣) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٩١)، والفروع لابن مفلح (١٩٩٣).
(٤) لم أجده في كتب الحديث، ويذكره بعض الحنفية في كتبهم مثل كتاب درر الحكام (١/ ١٤٢)
(٥) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٤٢)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٢٧).
(٦) أخرجه النسائي (٧/ ٦١، رقم ٣٩٣٩) من حديث أنس ﵁، وصححه الحاكم (٢/ ١٧٤، رقم ٢٦٧٦) وأقره الذهبي.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وَلَا يُتْرَكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. قَالَ ﵁: وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى السُّنَّةِ، وَالأَوَّلُ عَلَى الوُجُوبِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَجْهُ الأَوَّلِ مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا، وَوَجْهُ الثَّانِي قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الأَعْرَابِي عَقِيبَ سُؤَالِهِ قَالَ: «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ فَقَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَالأَوَّلُ أَصَحُ، وَتَسْمِيَتُهُ سُنَّةٌ لِوُجُوبِهِ بِالسُّنَّةِ.
وذلك في صلاة الجماعة أكثر، وإنما حملناه على ذلك توفيقا بين الروايتين، وهذا الحمل أولى من العكس، بقرينة قوله: (ولا يترك واحد منهما)؛ لأن مثل ذلك الكلام في الرواية يذكر في الواجب غالبًا (^١).
فإن قيل: كيف قال: (ولا يترك واحد منهما)، ومعلوم أن الجمعة فرض عين، وفرائض الأعيان لا تترك؟
قلنا: احترز به عن قول عطاء؛ حيث تجوز بصلاة العيد عن الجمعة عنده، ومثله عن علي، وابن الزبير. قال ابن عبد البر: سقوط الجمعة بالعيد قول مهجور (^٢)، وتأويل ما روي عن علي؛ أن ذلك في حق أهل البادية، ومن لا تجب عليه الجمعة.
(لوجوبه)؛ أي: لثبوته بالسنة؛ إطلاقًا لاسم السبب على المسبب.
وجه الأول: أي: الوجوب: مواظبة النبي ﵊ من غير ترك؛ إذ نفس المواظبة لا تدل على الوجوب؛ ولهذا ذكر في بعض النسخ: من غير ترك.
واستدل في الإيضاح بقوله: وإنما تقام على سبيل إظهار شعائر الإسلام بالجماعة في أعظم الجمع، وهي ملحقة بالجمعة في اعتبار شرائطها إلا الخطبة، فيلحق بها في صفة الوجوب (^٣).
فإن قيل: يلزم عليه الأذان والإقامة في سائر الصلوات، فإنها من الشعائر، وتقام على سبيل الإظهار مع أنها سنة.
_________________
(١) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٢٨).
(٢) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٠/ ٢٦٨).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٨).
[ ٢ / ٣٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا: أصل صلاة العيد شعار شرعت مقصودة بنفسها، والأذان والإقامة والجماعة شرعت تبعًا لغيرها وهو الصلاة، فانحطت درجتها عن درجة صلاة العيد. كذا ذكره شيخ الإسلام (^١).
واستدل شيخ الإسلام على وجوبها بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقيل: المراد صلاة العيد، والأمر للوجوب.
وفي الفوائد الظهيرية: الأمر باللام إنما يكون للمعاينة، وهذا مخاطبة؛ لكن روي في قراءة النبي ﷺ «فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» بتاء الخطاب، فيحمل هذا على ذلك (^٢).
أو جعل الإخبار من الأمر مجازًا؛ لأنه يستفاد معنى الوجوب من الإخبار أيضًا، وفيه تأمل؛ لأنه نقل عن ابن عباس: أن المراد به تكبيرات ليلة الفطر، بدليل عطفه على إكمال رمضان.
وقيل: المراد بالآية التعظيم. وقيل: تكبيرات صلاة العيد.
وقيل في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]؛ المراد: صلاة العيد. ذكره في أكثر التفاسير، فتجب بالأمر، ولأنها من الشعائر، فلو كانت سنة عسى لا تقام، فلا يحصل معنى الشعائر. كذا في المحيط (^٣).
وجه الثاني - وهو كونها سنة-: عقيب سؤاله - أي سؤال الأعرابي- وهو أن الأعرابي سأل النبي ﵊ وقال: هل غير الصلوات الخمس؟، قال: «لا، إلا أن تطوع» (^٤)، وتأويله مر في باب الوتر، أو نقول: إن صلاة العيد لا تجب على البدوي، والسائل من الأعراب والبدوي.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٩٨).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٧٥).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٣٥١ ]
(وَيُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الفِطْرِ أَنْ يَطْعَمَ قَبْلَ الخُرُوجِ إِلَى المُصَلَّى وَيَغْتَسِلَ وَيَسْتَاكَ وَيَتَطَيَّبَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَطْعَمُ فِي يَوْمِ الفِطْرِ قَبْلَ أَنْ
قوله: (ويستحب في يوم الفطر) إلى قوله: (ويتوجه إلى المصلى): وبه قال الشافعي (^١)، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣)؛ لما روي أنه ﵊ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى.
وفي حديث أنس ﵁: حتى يأكل تمرات، ولأن الفطر ضد الصوم، والصوم من أول اليوم يكون، فكذا الفطر الذي هو ضده.
فإن قيل: عند الاغتسال للعيدين هنا مستحبا، وفي الطهارة سنة.
قلنا: اختلفت عبارات المشايخ؛ ففي بعضها جعله سنة، وفي بعضها مستحبا، والصحيح أنه سنة، وسماه مستحبا؛ لاشتمال السنة على المستحب، وعد سائر المستحبات هنا سنة في بعضها.
وفي جمع النوازل: ويستحب يوم الفطر الاغتسال والسواك، ولبس أحسن الثياب، والتختم والتطيب والابتكار إلى المصلى، وتعجيل الإفطار قبل الصلاة، ولو لم يأكل قبلها لا يأثم، ولو لم يأكل في يومه ذلك ربما يعاقب، وأن يكون الإفطار بالحلو، ويؤدي صدقة الفطر، وأن يصلي الفجر في مسجد حيه، ويخرج إلى المصلي ماشيًا ولا يركب إلا لعذر (^٤).
وفي الذخيرة، والمرغيناني: لا بأس بالركوب في الجمعة والعيدين، والمشي أفضل (^٥)، وبه قال الشافعي (^٦)، والثوري، وأحمد (^٧).
وينصرف في طريق آخر؛ كما فعل النبي ﷺ جميع ذلك.
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٦٦)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٢٣).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٤٨)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٢٢).
(٣) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٧٥)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٣٢٥).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٠١).
(٥) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ١١٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٠٢).
(٦) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/¬٤١)، والمجموع للنووي (٥/¬١٠).
(٧) انظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٢٢)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/ ٥١).
[ ٢ / ٣٥٢ ]
يَخْرُجَ إِلَى المُصَلَّى، وَكَانَ يَغْتَسِلُ فِي العِيدَيْنِ» وَلِأَنَّهُ يَوْمُ اجْتِمَاعِ فَيُسَنُّ فِيهِ الغُسْلُ وَالطَّيبُ كَمَا فِي الجُمُعَةِ (وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَتْ لَهُ جُبَّةٌ فَنَكِ أَوْ صُوفٍ يَلْبَسُهَا فِي الأَعْيَادِ (وَيُؤَدِّي صَدَقَةَ الفِطْرِ) إِغْنَاءَ لِلْفَقِيرِ لِيَتَفَرَّغَ
وفي شرح الإرشاد: روي أن من كان لا يتختم من أصحاب النبي ﵊ في سائر الأيام؛ يتختم يوم العيد (^١). وكان عليه أن يتطيب بطيب له ريح، لا لون له كالبخور والمسك، والمسك حلال للرجال، وقد غلط من قال بنجاسته.
وروي أنه ﵊ كان يخرج ماشيًا (^٢)، وعن علي ﵁ أنه خرج إلى المصلى ماشيًا، وراحلته تقاد إلى جنبه، وكان النبي ﵊ يقول عند خروجه: «اللَّهُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ إِلَيْكَ مُخْرِجَ العَبْدِ الذَّلِيلِ» (^٣)، وفي غداة الأضحى يفعل ذلك كله أيضًا، غير أنه يترك الأكل، وهو سنة عند بعض علمائنا؛ لتواتر الأخبار عن النبي ﵊.
وروي أن الصحابة يمنعون صبيانهم من الأكل، وأطفالهم من الرضاع، غداة الأضحى حتى ينصرفوا.
وقال بعضهم: هذه سنة لمن أراد أن يضحي بعد الأضحى، حتى يكون أول أكله من لحم الأضحية، فأما من لم يضح؛ فقبل الصلاة وبعدها في حقه سواء.
وقيل: في انصراف النبي ﵊ عن الطريق الذي خرج؛ أقوال، منها: أنه إنما فعل ذلك ليكون للطريق الآخر حظا من العبادة.
وقيل: إنما فعل ذلك؛ لأن الناس يسألونه عن الشرائع، وما كانوا يقدرون له على الوقوف في الطريق الواحدة.
وقيل: كل واحد يتمنى النظر إلى وجهه، ولا يتيسر له في طريق واحد.
_________________
(١) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٣٠)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٦٩).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٨١، رقم ٦٣٦٤) من حديث ابن عمر وقال: قوله ماشيا غريب لم أكتبه من حديث ابن عمر إلا بهذا الإسناد، وليس بالقوي فأما سائر ألفاظه فمشهورة.
(٣) لم أجده في كتب الحديث ولكن يذكره بعض الحنفية في كتبهم.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
قَلْبُهُ لِلصَّلَاةِ (وَيَتَوَجَّهُ إِلَى المُصَلَّى، وَلَا يُكَبِّرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي طَرِيقِ المُصَلَّى،
وقيل: ليتبين أن ذلك كله حسن مختار.
وقيل: كان يفعله احتياطا وتحرزا من كيد الكفار.
وفي جمع النوازل: يستحب أن يقرّب الإمام، وإن لم يخرج الإمام بعد ارتفاع الشمس قدر رمح؛ لئلا يحتاج إلى انتظار القوم، وفي عيد الفطر يؤخر الخروج عنه قليلا؛ لأنه ﵊ كتب إلى عمرو بن حزم: أن عجل الضحى وأخر الفطر، قيل: ليؤدي الفطرة ويعجل إلى الأضحية (^١).
قوله: (ولا يكبر)؛ أي: لا يكبر جهرًا. به صرّح المصنف في تجنيسه (^٢).
وفي مبسوط شيخ الإسلام، وتحفة الفقهاء، وزاد الفقهاء، والخلاصة: وفي تعليل الكتاب إشارة إليه، ففي مبسوط شيخ الإسلام يروي المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة؛ أنه لا يكبر جهرًا (^٣).
وروى الطحاوي عن أبي عمران البغدادي إسناده عن أبي حنيفة؛ أنه يكبر، وهو قولهما.
وقال الشافعي: يكبر في العيدين، وأول وقته من غروب الشمس في آخر يوم من رمضان (^٤)، وبه قال مالك (^٥)، وأحمد (^٦)، إلا أن أحمد يقول: لا يكبر ليلة الفطر.
لهم: قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قال ابن عباس: هذا ورد في عيد الفطر، بدليل عطفه على قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والمراد بإكمال العدة: إكمال صوم رمضان.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٧٣).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٧٢)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩٣).
(٣) انظر: تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ١٧٠)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٧٢)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٧٠).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٧٥)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٨٤).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٤٥)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٢٨٧)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٧٧).
(٦) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٧٣)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/ ٥٧).
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وَعِنْدَهُمَا: يُكَبِّرُ) (*) اعْتِبَارًا بِالأَضْحَى وَلَهُ: أَنَّ الأَصْلَ فِي الثَّنَاءِ الإِخْفَاءُ،
وعن ابن عمر ﵄، أنه ﵊ كان يخرج يوم الفطر والأضحى؛ رافعا صوته بالتكبير (^١).
واختلف أصحاب الشافعي في انقطاع هذا التكبير، فقال المزني: يكبرون حتى يخرج الإمام (^٢).
وقال البويطي: حتى يفتتح الصلاة (^٣).
وقال في القديم: حتى ينصرف من الصلاة (^٤).
وعندنا: إذا بلغ المصلى قطع. وفي رواية: إذا شرع في الصلاة. كذا في الكافي (^٥).
وعن أبي حنيفة: أن الأصل في الذكر والثناء الإخفاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقال ﵊: «خيرُ الذكرِ الخَفي، وخير الرزق ما يَكْفِي» (^٦). وقال ﵊ لمن رفع صوته بالذكر: «إنك لا تَدْعُ أَصَما ولا غائبا» (^٧)، ولأنه أقرب من الآداب والتضرع، وأبعد من الرياء، ولأنها من الشعائر؛ فتكون على السكينة والوقار كالجمعة.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة
(٢) قال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ١٩٢، رقم ٦٧٤): ذكر المجد بن تيمية في شرح الهداية أن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن الزهري قال كان النبي الله يخرج يوم الفطر فيكبر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى قلت وهو عند ابن أبي شيبة عن يزيد عن ابن أبي ذئب عن الزهري مرسلا بلفظ فإذا قضى الصلاة قطع التكبير.
(٣) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٢٤).
(٤) انظر: مختصر البويطي (ص ١٨٢).
(٥) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٦١٣)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٥٣).
(٦) انظر: المعتصر من المختصر لجمال الدين أبو المحاسن (١/ ٨٩).
(٧) أخرجه أحمد (١/ ١٧٢، رقم ١٤٧٧) من حديث سعد ﵁ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨١، رقم ١٦٧٩٤): وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، وقد وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح، وقبله المنذري في الترغيب (٢/ ٣٤١، رقم ٢٦٤١).
(٨) أخرجه البخاري (٤/ ٥٧، رقم ٢٩٩٢) ومسلم (٤/ ٢٠٧٦، رقم ٢٧٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ فِي الأَضْحَى؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ تَكْبِيرِ، وَلَا كَذَلِكَ يَوْمَ الْفِطْرِ
ولما روي عن ابن عباس ﵄ أن قائده حمله يوم الفطر إلى العيد، فسمع الناس يكبرون، فقال لقائده: أخبر الإمام، قال: لا، قال: أَفَجُنَّ الناس، إلا أن الشرع ورد بالتكبير في الأضحى؛ لأنه يوم تكبير، ولا كذلك الفطر - أي يومه- فإنه ليس يوم تكبير؛ لعدم ورود يوم الشروع به فيه.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥] في عيد الفطر، على ما قاله ابن عباس، وما روي عن ابن عمر ﵄ نص في الباب.
قلنا: الآية محتملة للوجوه كما قلنا، فلا يدل على ذلك، وقول ابن عباس مخالف لتأويله، ولكن قيل فيه: يحتمل أن تجنبه الناس لتكبيرهم قبل الإمام، وغير مشروع باتفاق أصحابنا.
وأما حديث ابن عمر؛ فمداره على الوليد بن محمد عن الزهري، والوليد متروك الحديث، ولأن هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى، فلا يقبل لو كان طريقه صحيحًا، فكيف إذا كان فاسدًا. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
وفي الْمُجْتَبى: قال الكرخي: يكبر في عيد الفطر لا في عيد الأضحى (^٢).
وقال قاضي خان عكسه (^٣)، وعن أبي حنيفة أنه يكبر في عيد الفطر خفية.
وفي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ: روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة؛ أنه لا يكبر في يوم الفطر (^٤).
[قال الرازي: والقول الصحيح من قول أصحابنا: ما ذكر ابن أبي عمران ولم يعرف عنهم ما رواه المعلى.
وفي الخلاصة (^٥): والأصح ما رواه المعلى؛ أنه لا يكبر في عيد الفطر] (^٦).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٠٤).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (٤٧٩، ٤٨٠).
(٣) انظر: فتاو قاضي خان (١/ ٨٩).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٠٣).
(٥) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٧٢)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدن (٢/ ١٧٠).
(٦) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
(وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي المُصَلَّى قَبْل صَلاةِ العِيدِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَفْعَلْ
وفي جمع النوازل: قال أبو بكر: قال مشايخنا: التكبير جهرا في غير هذه الأيام لا يسن؛ إلا بإزاء العدو أو اللصوص مهيبا لهم (^١).
وقيل: وكذا في التحريق والمخاوف كلها.
وفي جمع النوازل: ويكبر كلما لقي جمعًا أو هبط واديًا كالتلبية (^٢).
قوله: (ولا يَتَنَفَّلُ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ صلاة الْعِيدِ): قال الشافعي: يكره التنفل للإمام قبل الصلاة وبعدها دون القوم؛ بل يستحب للقوم كما في سائر الأيام؛ لقوله ﵊: «الصّلاةُ خيرٌ موضوع» (^٣) الحديث، إلا أنه يكره للإمام مخافة التشويش ولما روي عن رافع ابن خديج، وسهل بن سعد، أنهما كانا يصليان قبل الصلاة وبعدها (^٤).
وقال مالك (^٥)، وأحمد (^٦): يكره للكل قبلها وبعدها، وعن مالك: لو صلّى العيد في المسجد روايتان (^٧). وعندنا: يكره قبلها لا بعدها.
لنا: ما روي عن علي (^٨) ﵁، أنه رأى في المصلى قوما يصلّون قبل الإمام، فقال: ما هذه الصلاة، لم نكن نعرفها على عهد رسول الله ﷺ، فقيل له: أفلا تنهاهم، فقال: أكره أن أكون من الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿أَرَوَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٠٤)، والبحر الرائق لابن نجم (٢/ ١٧٢).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٠٤)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٣٧).
(٣) تقدم تخريجه أكثر من مرة.
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٦٨)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٩٤)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٦٢٠).
(٥) انظر: مواهب الجليل للحطاب (٢/ ١٩٨، ١٩٩)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٧٢).
(٦) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٨٧)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٩١).
(٧) انظر: التاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٨٣)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٩٣).
(٨) أخرجه البزار (٢/ ١٢٩، رقم ٤٨٧) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٠٣، رقم ٣٢٣٦): فيه من لم أعرفه.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
ذَلِكَ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ قِيلَ: الكَرَاهَةُ فِي المُصَلَّى خَاصَّةٌ، وَقِيلَ: فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ عَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَفْعَلْهُ.
قيل: قال واحد منهم: أنا أعلم أن الله تعالى لا يعذب أحدًا على الصلاة، فقال علي: أنا أعلم أن الله تعالى لا يثيب على مخالفة الرسول ﵊.
وروى جابر ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: «لا صلاة في العيدين قبل الإمام» (^١)، ولأنه لا أذان فيه، فربما شرع الإمام في الصلاة، فيحتاج إلى قطعها أو ترك بعض صلاة العيد.
وقال محمد بن مقاتل: يكره في المصلى؛ كيلا يشبه على الناس. كذا في المبسوط (^٢).
وفي المختلفات: قال أبو بكر الرازي: معنى قول أصحابنا: أنه لا يصلي قبل صلاة العيد؛ أي: ليس فيها صلاة مسنونة، لا أنها تكره؛ لأنه ﵊ لم يفعله. هذا دليل الكراهة؛ إذ لو جاز لفعل تعليمًا للجواز، مع حرصه على الصلاة (^٣).
وفي فتاوى الكبرى، والولواجي: وعليه الفتوى (^٤).
وقوله: (خاصة وعامة): نصب على الحال من الكراهة، والعامل فيهما: قيل.
وفي الزاد، والخلاصة: يستحب أن يصلي بعد صلاة العيد أربع ركعات (^٥)؛ لحديث علي ﵁ أنه ﵊ قال: «مَنْ صَلَّى بعد
_________________
(١) رواه ابن بشران في أماليه (ص: ١٢٠، رقم ٢٥٣) من حديث جرير بن عبد الله ﵁، وفي سنده مقاتل بن سليمان قال ابن حجر في التقريب (ص: ٥٤٥ رقم ٦٨٦٨): كذبوه.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٨).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٠٥).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٠٦).
(٥) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٧٢)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١٤٣).
[ ٢ / ٣٥٨ ]
[وَقْتُ صَلاةِ العِيدِ]
(وَإِذَا حَلَّت الصَّلَاةُ بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ دَخَلَ وَقْتُهَا إِلَى الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ
خَرَجَ وَقْتُهَا) لِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُصَلِّي العِيدَ وَالشَّمْسُ عَلَى قِيْدِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ»،
العيد أربع ركعات؛ كتب الله له بكلٍّ بيت بيت في الجنة (^١)، وبكل ورقة حسنة» (^٢).
وقيل: يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة؛ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بعد الفاتحة؛ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾
وفي الثالثة بعدها ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وفي الرابعة بعدها ﴿وَالضُّحَى﴾.
وفي فتاوى قاضي خان، والتحفة: أطلق جواز التطوع في الجبانة بعد الصلاة بغير كراهية، ومن غير ذكر استحباب (^٣). ومسألة خروج النساء في العيد مرت في باب الإقامة.
قوله: (قيد رمح)؛ أي: قدره، وبه قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥)، وأكثر أهل العلم.
وقال الشافعي: أول وقتها بطلوع الشمس، ويستحب تأخيرها قيد رمح (^٦).
ولنا: ما روي أنه ﵊ صلاها حين ترتفع الشمس قيد رمح
_________________
(١) كذا في النسخ التي اعتمدنا عليها، والذي في المبسوط: [نبت نبت] والسياق به أفضل.
(٢) لم أقف عليه في كتب الحديث، ويذكره السادة الحنفية في كتبهم مثل المبسوط (١/ ١٥٨) وعلامات الضعف الشديد عليه واضحة فقد جعل ثوابا عظيما جدا لعمل بسيط جدا، بل صحت السنة بأنه لم يصل قبلها ولا بعدها كما عند البخاري (٢/¬١٩، رقم ٩٦٤) ومسلم (٢/ ٦٠٦، رقم ٨٨٤) من حديث ابن عباس.
(٣) فتاوى قاضي خان (١/ ٨٩، ٩٠).
(٤) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٩٩)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٧٠)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٢٤).
(٥) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٧٩)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٣٢٤)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/¬٥٠).
(٦) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٨٧)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٢٦)، والمجموع للنووي (٤/¬٥).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
«وَلَمَّا شَهِدُوا بِالهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ أَمَرَ بِالخُرُوجِ إِلَى المُصَلَّى مِنْ الغَدِ».
(وَيُصَلِّي الإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي الأُولَى لِلِافْتِتَاحِ وَثَلَاثًا بَعْدَهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ وَسُورَةَ، وَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ يَبْتَدِئُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا بَعْدَهَا، وَيُكَبِّرُ رَابِعَةً يَرْكَعُ بِهَا) وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَوْلُنَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكَبِّرُ فِي الأُولَى لِلِافْتِتَاحِ وَخَمْسًا بَعْدَهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ يُكَبِّرُ خَمْسًا ثُمَّ يَقْرَأُ. وَفِي رِوَايَةٍ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، وَظَهَرَ عَمَلُ العَامَّةِ اليَوْمَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَمْرِ بَنِيهِ الخُلَفَاءِ. فَأَمَّا المَذْهَبُ فَالقَوْلُ الأَوَّلُ؛
أو رمحين. قال سبط بن الجوزي: متفق عليه. ويصلي بلا أذان ولا إقامة ونداء. رواه مسلم، والترمذي، وأبو داود، وأحمد، وغيرهم.
وقال الشافعي (^١)، وبعض الحنابلة (^٢): ينادى لها: الصلاة جامعة، أو هلموا إلى الصلاة.
(شهدوا بالهلال بعد الزوال)؛ يعني: رأوه في وقت المغرب أمس، فشهدوا في اليوم الثاني بعد الزوال؛ أمر بالخروج إلى المصلى من الغد، فلو جاز بعد الزوال لما أخرها.
قوله: (وظهر عمل العامة) إلى آخره: وذلك أن الولاية لما انتقلت إلى بني العباس، أمروا الناس بالعمل في التكبيرات بقول جدهم، وكتبوا في مناشرهم ذلك، وهو تأويل ما روي عن أبي يوسف: أنه قدم بغداد فصلى العيد، وخلفه هارون الرشيد، وكبّر تكبير ابن عباس، وهكذا روي عن محمد أيضًا.
وتأويله: أن هارون أمرهما بذلك. كذا في المبسوط، والمحيط (^٣)، والمسألة مجتهد فيها، وطاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة، وهذا ليس بمعصية؛ لأنه قول بعض الصحابة؛ فلهذا ظهر عمل العامة بقول ابن عباس.
(فأما المذهب: فالقول الأول): وهو قول ابن مسعود، ثم اعلم أن الصحابة
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٨٩)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤٥)، والمجموع للنووي (٥/¬١٤).
(٢) انظر: الهداية لأبو الخطاب الكلوذاني (ص ١١٣)، والمغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٨١)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٢٣٦).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٩٧).
[ ٢ / ٣٦٠ ]
لِأَنَّ التَّكْبِيرَ وَرَفْعَ الأَيْدِي خِلَافُ المَعْهُودِ، فَكَانَ الْأَخْذُ بِالأَقَلِّ أَوْلَى، ثُمَّ بِالتَّكْبِيرَاتِ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ حَتَّى يَجْهَرَ بِهِ، فَكَانَ الأَصْلُ فِيهِ الجَمْعُ، وَفِي الرَّكْعَةِ الأُولَى يَجِبُ إِلْحَاقُهَا بِتَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ لِقُوَّتِهَا مِنْ حَيْثُ الفَرِيضَةُ وَالسَّبْقُ، وَفِي
اختلفوا في تكبيرات الزوائد؛ فمذهبنا مذهب ابن مسعود، والمشهور من مذهب أبي موسى الأشعري ﵁، وأبي ابن كعب، وأبي سعيد، وأنس، وعبد الله ابن الزبير ﵃، وإحدى الروايات عن ابن عباس.
وعن ابن عباس أنه يكبر في الأولى سبعًا سوى تكبيرة الافتتاح والركوع، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة القيام، وهو قول الشافعي (^١)، ورواية عن أحمد (^٢)، والليث، وداود (^٣)؛ لما روي أنه ﵊ كبر في الأولى سبعًا، في الفطر والأضحى، وفي الثانية خمسا.
وروي أنه ﵊ كبّر اثنتي عشرة تكبيرة، سوى تكبيرة الافتتاح والركوع.
وقال مالك (^٤)، وأحمد (^٥)، والمزني (^٦): التكبيرات الزوائد في الأولى ست، وفي الثانية خمس، وهو رواية عن ابن عباس.
وعن علي ﵃ أنه كان يكبر في عيد الفطر إحدى عشر تكبيرة، ثلاث أصليات، وثمان زوائد في كل ركعة أربع، وكان يقدم القراءة على التكبيرات، وفي عيد الأضحى خمس ثلاث أصليات، واثنتان زائدتان.
وفي المحيط: عمل علماؤنا برواية الزيادة في عيد الفطر، وبرواية النقصان
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٥١٧)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٢٥)، وروضة الطالبين للنووي (٢/ ٧١).
(٢) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٨٢)، والعدة لبهاء الدين المقدسي (ص ١٢١)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٨٦).
(٣) انظر: المحلى لابن حزم (٣/ ٢٩٥).
(٤) انظر: التلقين لعبد الوهاب الثعلبي (١/ ٥٣)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٧٠)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ١٩١).
(٥) انظر: الهداية لأبو الخطاب الكلوذاني (ص ١١٣)، والكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٤١).
(٦) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٢٥).
[ ٢ / ٣٦١ ]
الثَّانِيَةِ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ فَوَجَبَ الضَّمُّ إِلَيْهَا، … … … ..
في عيد الأضحى على مذهب ابن عباس؛ ليكون عملا بالروايتين، وإنما اختاروا النقصان للأضحى؛ لاشتغال الناس بالقرابين (^١).
وفي الْمُجْتَبى: وعن ابن عباس في رواية: ثنتي عشرة تكبيرة، ثلاث أصليات، وتسع زوائد، خمس في الأولى، وأربع في الثانية (^٢).
وعن أبي يوسف: أنه رجع إلى هذا، وفي رواية عنه: ثلاث عشر، ثلاث أصليات، وعشر زوائد خمس في الأولى، وخمس في الثانية، ويقدم التكبيرات على القراءة في الركعتين على قول الشافعي (^٣)، وأحمد في رواية (^٤)؛ لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه ﵊ كبر في الأولى سبعًا ثم قرأ، وفي الثانية خمسا ثم قرأ.
وعندنا: يقدم القراءة على التكبيرات في الثانية، وهو رواية عن أحمد (^٥).
وأبي يوسف ومحمد: يأخذ بأي هذه التكبيرات شاء.
وقال في الموطأ بعد ذكر الروايات: فما أخذت به فهو حسن (^٦)، ولو كان فيها ناسخ ومنسوخ؛ لكان محمد بن الحسن أولى بمعرفته؛ لتقدمه في معرفة الحديث والفقه.
وقيل: الآخر ناسخ للأول، والصحيح مذهبنا؛ لأن الأخذ بتكبير ابن مسعود أولى؛ لما روي أنه ﵊ صلّى العيد فكبر أربعًا ثم أقبل بوجهه وقال: أربع كأربع الجنائز لا يسهو، وأشار بإصبعه، وحبس بإبهامه، ففيه قول وعمل، وإشارة واستدلالا، وتأكيد ورد إلى الأصل؛ لأن التكبير ورفع
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٩٧).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٨٢).
(٣) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٦٣٧)، والمجموع للنووي (٥/¬١٥)، وكفاية الأخيار لتقي الدين الحصني (ص ١٥٠).
(٤) انظر: الهداية لأبو الخطاب الكلوذاني (ص ١١٣)، والإقناع للحجاوي (١/ ٢٠١).
(٥) انظر: المحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ١٦٢).
(٦) موطأ مالك، رواية محمد بن الحسن (ص ٨٩).
[ ٢ / ٣٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأيدي خلاف المعهود، وهذا غاية التأكيد.
وعن مكحول قال: أخبرني أبو عائشة جليس أبي هريرة، أن سعيد بن العاص سأل أبو موسى الأشعري، وحذيفة اليمان: كيف كان يكبر رسول الله ﷺ في عيد الأضحى والفطر؟
فقال أبو موسى: كان يكبر أربعًا تكبيره على الجنائز، فقال أبو حذيفة: صدق.
وما روى ابن ماجه، وأبو داود (^١) عن عائشة أنه ﵊: يكبر في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسا سوى تكبير الركوع؛ في إسناده عبد الله ابن لهيعة، ولا يحتج بحديثه.
وفي المبسوط: فإن قيل: الخبر متروك الظاهر عندكم؛ لأنه قال: أربع كأربع الجنائز، فإن كان المراد المجموع فهي خمسة، وإن كان الزوائد فهي ثلاثة عندكم.
قلنا: أراد به الأربع المتوالي في حالة واحدة، ما عدا تكبيرة الافتتاح (^٢).
وفي الجامع الكبير: الأخذ بالأقل أولى؛ لأن الأخبار تواترت فيه، فيكون ثبوته بيقين (^٣).
وفي الإيضاح: وإنما قلنا بالموالاة بين القراءتين؛ لأن التكبير من باب الثناء، والثناء في الركعة الأولى، حيث شرع شرعًا مقدما على القراءة كالاستفتاح (^٤).
وفي الثانية حيث شرع شرعًا مؤخرًا عن القراءة كالقنوت، فألحقنا التكبيرة
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٩٩، رقم ١١٤٩) وابن ماجه (١/ ٤٠٧، رقم ١٢٨٠) من حديث عائشة، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ١٠٦، رقم ٦٣٩).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٨).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٧٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٧٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١١٤).
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٥).
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وَالشَّافِعِيُّ أَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِلَّا أَنَّهُ حَمَلَ المَرْوِيَّ كُلَّهُ عَلَى الزَّوَائِدِ فَصَارَتِ التَّكْبِيرَاتُ عِنْدَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ أَوْ سِتَّ عَشْرَةَ.
قَالَ: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرَاتِ العِيدَيْنِ) … … ..
به، أما الروايات عنه ﵊ مختلفة كما ذكرنا، فنأخذ برواية ابن مسعود، فإنه الأقل ويوافق للقياس، ولما ذكرنا من الاستدلال.
قوله: (حمل أي الشافعي - المروي): وهو ما رواه عوف المزني أنه ﵊ كبّر اثني عشر، وما رواه عمرو بن العاص.
(على الزوائد عنده)؛ أي: عند الشافعي (^١) (خمسة عشر)؛ أي: مع الثلاث الأصليات. (أو ستة عشر): على رواية ثلاث عشر مع الثلاث الأصليات.
قوله: (ويرفع يديه) إلى آخره وبه قال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣).
وقال أبو يوسف في رواية، ومالك (^٤)، والثوري، وابن أبي ليلى: لا يرفع إلا في تكبيرة الافتتاح؛ لعموم قوله ﵊: «مالي أراكم رافعي أيديكم كأذناب خيل شُمْسٍ، اسكنوا في الصلاة» (^٥)، والرفع ضد السكون.
ولحديث براء أنه ﵊ يرفع يديه عند الافتتاح ثم لا يرفع، ولأن الرفع سنة الافتتاح، وهذه التكبيرات مما لا يفتتح بها؛ ألا ترى أن تكبيرة الركوع فيها ولا يرفع فيها، وهي أصلية، ففي الزوائد أولى.
قلنا: القياس متروك بالأثر. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٦).
وأما الحديث: فلا يبقى على عمومه بالاتفاق، وحديث براء محتمل؛ لأنه
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٧٠)، والحاوي للماوردي (٢/ ٤٩٠).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٧١)، والحاوي للماوردي (٢/ ٤٩١)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٣٨).
(٣) انظر: الكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٤١)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٢٢٣)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٨٦).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٤٦)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٧٨)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ١٠٣).
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٢، رقم ٤٣٠) من حديث جابر بن سمرة رضي عنه.
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١١٦).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يحتمل عدم الرفع في غير صلاة العيد، وما روينا محكم فكان أولى.
ثم لا خلاف أنه يأتي بالافتتاح قبل الزوائد إلا في قول ابن ليلى؛ فإنه يقول: يأتي بالثناء بعد الزوائد، فأما التعوذ يأتي به عند أبي يوسف عقيب الثناء قبل الزوائد؛ لأنه شرع بهذا الافتتاح قبل القراءة، فيقدم على الزوائد كثناء الافتتاح.
وقال محمد، وأبو حنيفة في رواية، والشافعي (^١)، وأحمد (^٢): يأتي به بعد الزوائد عند افتتاح القراءة؛ لأن التعوذ لافتتاح القراءة يكون قبلها، بلا فصل كالتسمية، وعند مالك: لا يتعوذ؛ لما مرّ في صفة الصلاة (^٣).
وفي المبسوط: لا ذكر بين التكبيرات مسنون ولا مستحب؛ لأنه لم ينقل (^٤).
وعن أبي حنيفة: أنه يسكت بين كل تكبيرتين مقدار ثلاث تسبيحات؛ لأن صلاة العيد تقام بجمع عظيم، فلو والى بين التكبيرات لاشتبه على من كان نائيًا عقيب الإمام، والاشتباه يزول بهذا القدر من المكث.
ثم قال: هذا القدر ليس بلازم؛ بل يختلف ذلك بكثرة الزحام وقلته؛ لأن المقصود إزالة الاشتباه عن القوم، وذلك يختلف بكثرتهم وقلتهم، وبقولنا قال مالك (^٥).
وقال الكرخي: التسبيح أولى. ذكره في القنية (^٦).
وقال الشافعي: يحمد ويهلل بين كل تكبيرتين مقدار آية لا طويلة ولا
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٩١)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٣٧)، والمجموع للنووي (٥/¬٢٠).
(٢) انظر: المبدع لابن مفلح (٢/ ١٨٧)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٢٧)، والإقناع للحجاوي (١/ ٢٠١).
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٦٢)، والذخيرة للقرافي (١٨١٢)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٢٥٢).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٩٩)، وحاشية الشِّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٢٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١١٦).
(٥) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (١٠٠٢)، والشرح الصغير للدردير (١/ ٥٢٥)، ومنح الجليل لمحمد عليش (١/ ٤٦٠).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١١٦)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١٤٤).
[ ٢ / ٣٦٥ ]
يُرِيدُ بِهِ مَا سِوَى تَكْبِيرَتَي الرُّكُوعِ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُرْفَعُ الأَيْدِي
قَصِيرَةٌ (^١).
ولو قال: «الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا» حسن، وقد روي مثل ذلك عن ابن مسعود قولًا وفعلًا، ولأن سائر التكبيرات المشروعة في الصلاة يتعقبها ذكر، فكذا هذا.
وقلنا: لم ينقل في الأخبار المستفيضة، وما روي عن ابن مسعود شاذ فيما تعم به البلوى، ولا تقاس هذه التكبيرات على غيرها؛ لأنها شرع على خلاف الأصل.
قوله: (سوى تكبيرتي الركوع): وإنما لم يرفع في تكبير الركوع وإن كان ملحقًا بتكبيرات العيد عندنا، حتى قلنا بوجوبه كما في تكبيرات العيد؛ لأن المقصود منه إعلام من لا يسمع التكبير، أما تكبير الركوع يؤتى به في حالة الانحناء والانتقال، فلا حاجة إلى رفع اليد للإعلام، ولأنه لم ينقل فيه الرفع بالإجماع.
وفي المبسوط: أدرك الإمام وقد كبّر بعض التكبيرات؛ تابعه فيما أدرك، ويقضي ما فاته في الحال، ثم يتابع إمامه (^٢)، وبه قال الشافعي في القديم، ومالك (^٣)، وأحمد (^٤).
وقال في الجديد: لا يقضي ما فاته، ولو أدركه بعد الفراغ من التكبيرات؛ لا يأتي بها في الجديد؛ لفوات محلها.
وفي القديم: يأتي بها ثم يشتغل بالقراءة. كذا في تتمتهم (^٥).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٧٠)، والحاوي للماوردي (٢/ ٤٩١)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٣٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١١٧)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٣٤).
(٣) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٦٧)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٧٣)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٧٢).
(٤) انظر: الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٢٤٥)، والفروع لابن مفلح (٣/ ٢٠٣)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٣٣).
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٤٩٢)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٤٠)، والمجموع للنووي (٥/¬١٩).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا تَكْبِيرَاتِ الْأَعْيَادِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ (*)، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا.
ولو أدركه في القراءة كبر على رأي نفسه ثلاثا؛ لأنه مسبوق فيها، وكذا لو أدركه في الركوع، وإن لم يخف فوت الركوع؛ يأتي بها في الركوع عندهما؛ لأنه محلها من وجه.
وفي رفع اليدين كلام فلو رفع الإمام رأسه قبل أن يتمها تابعه ويتركها؛ لأنها في غير محلها.
وقال أبو يوسف، والشافعي (^١)، وأحمد (^٢): لا يأتي بها في الركوع كالقنوت.
وقلنا: للركوع حكم القيام لما عرف والتكبير ثناء كالتسبيح، بخلاف القنوت؛ لأنه قرآن عند البعض، والركوع ليس بمحل للقراءة.
ولو سها الإمام عن التكبيرات فذكرها في الركوع؛ يعود إلى القيام فيكبر فيه ويعيد الركوع دون القراءة، ولو كبّر بعد الفاتحة قبل السورة يعيد الفاتحة؛ لأنه لم يفرغ من القراءة، أصله من قدَّم المؤخر أو أخر المقدم ساهيًا أو اجتهادا، فإن لم يفرغ عما دخل فيه يعود، وإن كان فرغ لا يعود، ولو أدرك الإمام بعد رفع رأسه من الركوع؛ لم يكبر لفوات محلها من كل وجه.
والمسبوق بركعة فيما يقضي؛ يكبر على رأي نفسه كالمنفرد.
وفي حمل النوازل: واللاحق يتبع رأي الإمام فيها (^٣).
وقال الشافعي: لو تذكرها قبل الركوع؛ في الجديد: لا يأتي بها سواء كان بعد القراءة وفي أثنائها؛ لأن التكبير ذكر مسنون قبل القراءة، فصار كالاستفتاح.
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٦٤٠)، والمجموع للنووي (٥/¬١٩)، وروضة الطالبين للنووي (٢/ ٧٣).
(٣) انظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٣٣)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/ ٥٥)، ومطالب أولي النهى لمصطفى السيوطي (١/ ٨٠١).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١١٧).
[ ٢ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي القديم: يأتي بها؛ لأنها ذكر، فيأتي بها قبل الركوع كقراءة (^١)، فعلى هذا لو كان في أثناء الفاتحة؛ يأتي بها ويستأنف القراءة لوقوع الفصل، ولو كان بعد الفراغ منها فالقراءة وقعت محتوية فيأتي بالتكبيرات، والمستحب أن يعيد القراءة؛ ليكون بعدها، وأي سورة قرأ في العيد جاز، ولو قرأ سبح اسم ربك الأعلى والغاشية تبركا بقراءة النبي ﵊؛ فحسن. كذا في المبسوط (^٢).
وعند الشافعي: يستحب أن يقرأ في الأولى سورة (ق)، وفي الثانية (اقتربت الساعة) (^٣). وقال مالك (^٤)، وأحمد (^٥): يقرأ ﴿سَبَّحَ﴾، والغاشية.
ثم تكبيرات العيد واجبة عندنا، حتى السهو بتركها؛ لكن لا يأتي بالسهو للزوم التشويش كما مر، وعند الشافعي: لا سهو عليه كما في ترك تكبيرات الانتقال والتسبيحات (^٦)، وقد مرّت المسألة في السهو.
وفي المبسوط: يتابع الإمام في التكبيرات ما لم يجاوز أقوال الصحابة وهي ستة عشر تكبيرة؛ لأن الإمام مجتهد، فلعله ذهب إلى أن مراد ابن عباس ثلاث عشر تكبيرة زوائد، فإذا ضمت إليها تكبيرة الافتتاح وتكبيرتي [الركوع؛ صارت ست عشرة تكبيرة، ولاحتمال هذا التأويل لا يتيقن بخطابه فيتابعه، وهذا
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٦١٦)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٦١)، والمجموع للنووي (٥/¬١٨).
(٢) المبسوط للسرخسي (٤٠/¬٢).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٧/¬٢١٥)، والحاوي للماوردي (٢/ ٤٩١، ٤٩٢)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٢٥)
(٤) انظر: التلقين لعبد الوهاب الثعلبي (١/ ٥٣)، وبداية المجتهد لابن رشد (١/ ٢٢٧)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٩٠).
(٥) انظر: الكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٤١)، والفروع لابن مفلح (٣/ ٢٠٣)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٢٢٠).
(٦) انظر: الأم للشافعي (٢٧١١)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٦١٦)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٦١).
[ ٢ / ٣٦٨ ]
قَالَ: (ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ) بِذَلِكَ وَرَدَ النَّقْلُ المُسْتَفِيضُ (يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا صَدَقَةَ الفِطْرِ وَأَحْكَامَهَا)؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ.
إن كان] (^١) يسمع التكبير من الإمام، فإن كان يسمع من المنادي؛ لا ينبغي أن يدع ستا وإن كثرن؛ لجواز أن هذا الخطأ من المنادي، [وقد قالوا: الأحوط عند الاشتباه أن ينوي الصلاة عند كل تكبيرة؛ لجواز أن ما تقدم منه كان خطأ من المنادي،] (^٢) وإنما كبر الإمام للافتتاح الآن (^٣).
قوله: (وَرَدَ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ)؛ أي: المشهور.
وفي المبسوط: روي أن مروان لما خطب في العيد في المدينة -وهو أمير المدينة- قبل الصلاة، قام رجل وقال: أخرجت المنبر يا مروان، ولم يخرجه رسول الله ﷺ، وخطبت قبل الصلاة، وكان النبي ﵊ يخطب بعدها، فقال مروان: ذاك شيء قد تُرك.
فقال أبو سعيد الخدري: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكرا فليغيره بيده فإن لَم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (^٤)؛ أي: أضعف أفعاله، فقد كانت الخطبة في عهد رسول الله ﵇ والخلفاء الراشدين بعد الصلاة، وإنما أحدث بنو أمية الخطبة قبلها؛ لأنهم كانوا يتكلمون في خطبتهم بما لا يحل (^٥).
قال ابن حزم: كانوا يلعنون عليا، فكان الناس لا يجلسون بعد الصلاة لسماعها، فأحدثوها قبلها ليسمعوها (^٦).
وفي فتاوى قاضي خان: فلو قدم الخطبة؛ جاز ولا تعاد بعد الصلاة (^٧).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/¬٤٢).
(٤) رواه مسلم (١/ ٦٩، رقم ٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵃.
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٧).
(٦) انظر: المحلى لابن حزم (٣/ ٢٩٩).
(٧) فتاوى قاضي خان (١/ ٨٩).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الخلاصة: ولا يخرج المنبر إلى الجبانة يوم العيد، والمستحب الخروج إليها (^١).
واختلف المشايخ في بناء المنبر في الجبانة؛ قال بعضهم: يكره، وقال بعضهم: لا يكره.
قال شيخ الإسلام: هذا حسن في زماننا، وعن أبي حنيفة: أنه لا بأس به.
ولو أدرك الإمام في صلاة العيد بعد ما تشهد قبل أن يسلّم، أو بعد ما سلّم قبل أن يسجد للسهو، فدخل معه ثم سلم؛ فإنه يقوم ويقضي صلاة العيد بالإجماع برأي نفسه، بخلاف الجمعة [عند محمد.
وفي المجتبى: وهو الأصح، وقيل: على الخلاف في الجمعة، وفيه وفي جمع النوازل: يبدأ بالتحميد في خطبة الجمعة] (^٢) والاستسقاء والنكاح، وبالتكبير في خطبة العيدين (^٣).
ويستحب أن يفتتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات سوى، والثانية بسبع، وبه قال الشافعي (^٤).
قال عبيد الله بن عبد [الله] بن عيينة بن مسعود: وهو من السنة.
وفي النتف: التوارث في الخطبة افتتاحها بالتكبير، ويكبر قبل أن ينزل عن المنبر أربع عشرة، وإذا صعد المنبر لا يجلس عندنا، وعند بعض أصحاب الشافعي، وفي رواية عن مالك؛ لأن الجلوس لانتظار فراغ المؤذن من الأذان، وهو غير مشروع في العيد، فلا حاجة إلى الجلوس (^٥).
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ١٠١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١١٨)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٤٢).
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٨٤).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٧٣)، والحاوي للماوردي (٢/ ٤٩٣)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٢٥).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١١٨).
[ ٢ / ٣٧٠ ]
(وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العِيدِ مَعَ الإِمَامِ لَمْ يَقْضِهَا)؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إِلَّا بِشَرَائِطَ لَا تَتِمُّ بِالْمُنْفَرِدِ.
وقال بعض أصحاب الشافعي (^١)، ومالك في رواية (^٢): يجلس كما في الجمعة.
قوله: (مع الإمام): كلمة (مع) متعلقه بالصلاة.
(لا بفائتة؛ أي: أدّى الإمام صلاة العيد وفاتت عند المقتدي؛ لأنها لو فاتت عن الإمام والمقتدي؛ يقضي صلاة العيد في اليوم الثاني.
إلا بشرائط): من المصر والجماعة والسلطان، وليس في وسعه تحصيلها فيسقط.
فإن قيل: إنها صلاة أقيمت مقام صلاة الضحى، حتى قالوا: هي صلاة الضحى تقام بالجماعة، فينبغي أن يؤديها إذا فاتت؛ كالجمعة إذا فاتت يؤمر بأداء الظهر.
قلنا: بل الأمر يرجع إلى الأصل أيضًا؛ لكن صلاة الضحى مستحبة، فإذا عجز عن صلاة العيد يستحب له أن يصلي ركعتين؛ لكن لا تجب، والظهر كانت فريضة، فإذا فاتت الجمعة يفترض عليه الظهر. كذا في المبسوط (^٣).
وعند الشافعي: يقضيها؛ لعدم اشتراط شرائط الجمعة (^٤)، وقد مر.
وفي الْمُجْتَبى: قال أبو بكر: أجمعوا أن إقامة صلاة العيدين في موضعين من المصر جائز، وإنما الخلاف في الجمعة (^٥)، وعن مالك: لا تصلى في الموضعين كالجمعة (^٦).
_________________
(١) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٤٩٣)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٤٣)، والمجموع للنووي (٥/¬٢٢).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١) (٢٣١)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٦٥)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٣٤١)
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/¬٣٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٧٩).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٧٥)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤٥)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٥١).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٨٥).
(٦) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٤٨)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٢٠)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٧٨).
[ ٢ / ٣٧١ ]
(فَإِنْ غُمَّ الهِلَالُ وَشَهِدُوا عِنْدَ الإِمَامِ بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ، صَلَّى العِيدَ مِنْ الغَدِ)؛ لِأَنَّ هَذَا تَأْخِيرُ بِعُذْرٍ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الحَدِيثُ (فَإِنْ حَدَثَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ
وعن علي ﵁ لما قدم الكوفة؛ استخلف من صلى العيد في المصر بالضعفة، وخرج هو مع الناس إلى الجبانة.
قوله: (فإن غُمَّ عليهم الهلال) إلى آخره: ذكر الطحاوي في شرح الآثار أن هذا قول أبي يوسف (^١)، وهو أصح قولي الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣).
وقال أبو حنيفة: إذا فاتت في اليوم الأول لم تقض، وهو أحد قولي الشافعي.
وقول مالك لأبي يوسف حديث أنس أنه قال: أخبرني عمومتي من الأنصار أن الهلال خفي على الناس آخر ليلة من رمضان، فأصبحوا صياما، فشهدوا عند النبي ﵊ بعد الزوال أنهم رأوا الهلال في الليلة الماضية، فأمرهم بالفطر فأفطروا، وخرج بهم من الغد فصلى بهم صلاة العيد.
ولأبي حنيفة: الأصل أن لا تقضى كالجمعة؛ لكنا تركنا في الجمعة الأضحى؛ لخصائص العيد ثمة وهو جواز النحر، وحرمة الصوم، وفيما عداه جريا على الأصل.
قال الطحاوي: في حديث أنس: وليخرجوا لعيدهم من الغد، وليس فيه أنه ﵊ صلى بهم صلاة العيد، فيحتمل أن يكون خروجهم إظهارا لسواد المسلمين، وإرهابا لعدوهم. كذا في الْمُجْتَبى (^٤).
قوله: (فإن حدث عذر …) إلى آخره: في الْمُجْتَبَى: قيد بالعذر؛ لأنه لو تركها بغير عذر لم يصلها بعد، بخلاف عيد الأضحى. هكذا ذكره الجلابي في صلاته (^٥).
_________________
(١) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٣٨٦).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٦٣)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٢٦).
(٣) انظر: الكافي لموفق الدين بن قدامة (١/ ٣٣٩)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٢٢٥)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٨١).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٨٦).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٨٦).
[ ٢ / ٣٧٢ ]
الصَّلَاةِ فِي اليَوْمِ الثَّانِي لَمْ يُصَلِّهَا بَعْدَهُ)؛ لِأَنَّ الأَصْلَ فِيهَا أَنْ لَا تُقْضَى كَالجُمُعَةِ، إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالحَدِيثِ، وَقَدْ وَرَدَ بِالتَّأْخِيرِ إِلَى اليَوْمِ الثَّانِي عِنْدَ العُذْرِ.
(وَيُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الأَضْحَى أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَسْتاكَ وَيَتَطَيَّبَ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ (وَيُؤَخِّرَ الأَكْلَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ لَا يَطْعَمُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ» (وَيَتَوَجَّهَ إِلَى المُصَلَّى وَهُوَ يُكَبِّرُ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الطَّرِيقِ (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَالْفِطْرِ) كَذَلِكَ نُقِلَ (وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَذَلِكَ فَعَلَ (وَيُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا الأُضْحِيَّةَ وَتَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ)؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعُ الوَقْتِ، وَالخُطْبَةُ مَا شُرِعَتْ إِلَّا لِتَعْلِيمِهِ.
وفي الإيضاح: لو تركها بعذر وبغير عذر؛ صلاها في اليوم الثاني في الأضحى (^١).
قوله: (وهو يكبر)؛ أي: حالة الذهاب بلا توقف. كذا في التحفة (^٢).
وقوله: (في الطريق): يشير إلى أنه إذا انتهى إلى الجبانة يقطعها، وهو رواية، وفي رواية: حتى يشرع الإمام في الصلاة. كذا في الكافي (^٣).
ولو قال يوم العيد لغيره: تقبل الله منا ومنك؛ في القنية: اختلف الناس فيه، ولم تذكر الكراهة عن أصحابنا (^٤).
وقال مالك: يكره؛ لأنه من فعل الأعاجم (^٥)، وقال أحمد: لا بأس به؛ لأن أبا أمامة الباهلي، وواثلة بن الأسقع كانا يقولان ذلك (^٦).
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٦)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٩٥).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٢).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٢)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١٤٤).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٢)، والبحر الرائق لابن نجم (٢/ ١٧١).
(٥) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١٨/ ٤٥٢)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٢٦). وقال القرافي: «سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ يَوْمَ الْعِيدِ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ؛ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ وَلَا أُنْكِرُهُ، وَكَرِهَهُ غَيْرُهُ».
(٦) انظر: المغني لموفق الدين بن قدامة (٢/ ٢٩٥)، والفروع لابن مفلح (٣/ ٢١٥)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٤١).
[ ٢ / ٣٧٣ ]
(فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الأَضْحَى صَلَّاهَا مِنْ الغَدِ وَبَعْدَ الغَدِ، وَلَا يُصَلِّيهَا بَعْدَ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتِ الأُضْحِيَّةِ، فَتَتَقَيَّدُ بِأَيَّامِهَا، لَكِنَّهُ مُسِيءٌ فِي التَّأْخِيرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِمُخَالَفَةِ المَنْقُولِ.
(وَالتَّعْرِيفُ الَّذِي يَصْنَعُهُ النَّاسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ) وَهُوَ: أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ تَشْبِيهَا بِالوَاقِفِينَ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّ الوُقُوفَ عُرِفَ عِبَادَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِمَكَانٍ مَخْصُوصِ، فَلَا يَكُونُ عِبَادَةٌ دُونِهِ كَسَائِرِ المَنَاسِكِ.
قال الأوزاعي: بدعة، وقال الحسن البصري: محدث.
قوله: (والتعريف الذي يصنعه الناس): وإنما قيده بصنع الناس؛ لأن التعريف يجيء لمعان: الإعلام، وللتطيب من العرق وهو الريح، ولإنشاد الضلالة، وللوقوف بعرفات، وللتشبيه بأهل عرفة، والأخير هو المراد هنا؛ وهو أن يجتمع الناس يوم عرفة في موضع ويدعوا ويتضرعوا تشبها بالحاج.
(ليس بشيء معتبر)؛ يعني: غير مسنون ولا مستحب يتعلق به الثواب.
وسئل مالك عن ذلك؛ قال: وإنما مفاتيح هذه الأشياء البدع (^١).
وفي المحيط: لم يرد محمد به نفي شرعية أصلًا؛ لأنه دعاء وتسبيح؛ بل أراد به نفي وجوبه، كما قيل في سجدة الشكر عن أبي حنيفة (^٢).
وعن أبي يوسف ومحمد في غير رواية الأصول: لا يكره، وبه قال أحمد (^٣)؛ لما روي عن ابن عباس أنه فعل ذلك بالبصرة.
وقلنا: ذاك محمول على أنه ما كان للتشبيه؛ بل كان للدعاء والتضرع؛ ولهذا لو طاف حول مسجد ينوي الكعبة؛ يخشى عليه الكفر، حتى لو اجتمعوا لشرف ذلك اليوم لا للتشبيه؛ جاز. كذا في جامع قاضي خان، والتمرتاشي (^٤).
وفي جمع التفاريق: عن أبي يوسف: يكره أن يجتمع قوم فيعتزلوا في
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٢٧٤)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٣٦٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٣).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٩٦)، والفروع لابن مفلح (٣/ ٢١٦).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٢٣).
[ ٢ / ٣٧٤ ]