باب صلاة الكسوف
لما كانت هذه الأبواب متشاركة في كونها تصلى بالنهار بالجماعة، بلا أذان وإقامة، وهي صلاة العيد والكسوف والاستسقاء؛ أوردها متتابعة على حسب رتبها.
وقيل: قدّم العيد؛ لكثرة وقوعها، وكذا قدم الكسوف على الاستسقاء؛ لهذا، ولأن للإنسان حالتين: حالة السرور والفرح، وحالة الحزن والترح، فقدم حالة السرور على حالة الترح.
وفي الصحاح: كُسِفَتِ الشمس: تُكْسَفُ كسوفًا، وكسفها الله كسفًا، يتعدّى ولا يتعدى (^١).
وفي المحيط، والتحفة: قال بعض مشايخنا: صلاة الكسوف واجبة؛ لقوله ﵊: «فافترعوا إلى الصّلاةِ» (^٢)، والأمر للوجوب، واختاره في الأسرار (^٣).
وقال بعضهم: إنها سنة، وبه قال الشافعي (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦)؛ لأنها ليست من شعائر الإسلام، وفعلها النبي ﵊ فكانت سنة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: وينبغي أن تصلى في المسجد الجامع، أو في مصلى العيد، في غير الأوقات المكروهة (^٧)، وبه قال مالك (^٨)، وقال الشافعي: لا تكره في الأوقات المكروهة؛ لما عرف من مذهبه أن ما له سبب لا يكره.
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة للجوهري (٤/ ١٤٢١).
(٢) أخرجه البخاري (٢/¬٣٥، رقم ١٠٤٦) ومسلم (٢/ ٦١٩، رقم ٩٠١) من حديث عائشة ﵂.
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٣٤)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٠).
(٤) انظر: التنبيه للشيرازي (ص ٤٦)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٢٨).
(٥) انظر: التلقين للثعلبي (١/ ٥٤)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٦٥).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٤٤)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٤٣).
(٧) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٢)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٢٨).
(٨) انظر: بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٢٢٣)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ١٠٨).
[ ٢ / ٣٨٧ ]
قَالَ: (إِذَا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ كَهَيْئَةِ النَّافِلَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةِ رُكُوعٌ وَاحِدٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رُكُوعَانِ. لَهُ: مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، وَلَنَا: رِوَايَةُ
فِيهَا (^١)، وعندنا: هو تطوع كسائر التطوعات.
والأصل فيها: حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي ﵊، فقال الناس: إنما انكسفت لموته، فقال ﵊: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتُم من هذه الأهوال شيئًا فافزعوا إلى الصلاة» (^٢) كذا في المبسوط (^٣).
وفي المستصفى: والحكمة في الفزع إلى الله تعالى: أن الحواس مثل العقل؛ إذ العقل يأخذ صور المحسوسات جزئيًا وكليا، وأقوى الحواس: البصر، وللباصرة شرط وهو الضوء المناسب، وقد وقع الخلل في هذه الحاسة بواسطته، فيفزع إلى الله تعالى؛ لئلا يقع الخلل في العقل الذي هو منتهى الحواس. كذا نقل عن الكردري (^٤).
(كهيئة النافلة)؛ أي: بلا أذان وإقامة.
وفي الْمُجْتَبى: يحتمل أن يكون هذا احتراز عن قول أبي يوسف؛ فإنه قال: كهيئة صلاة العيد، ويحتمل أن يريد به تطويل القيام الذي يكره في جماعة المكتوبات، وتطويل الركوع والسجود، وذكر ما شاء من الدعوات المأثورة والاستغفار، والابتهال والتضرع إلى الله تعالى، حتى قيل: يطول قدر قراءة مائة آية، وأنها من خصائص النوافل دون الفرائض (^٥).
قوله: (وقال الشافعي) إلى آخره في شرح الوجيز: أقل هذه الصلاة يتحرم
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٦٣٥)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ١٩٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢/¬٣٤، رقم ١٠٤١) ومسلم (٢/ ٦٢٨، رقم ١٠٤١) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﷺ.
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٤).
(٤) المستصفى للنسفي (ص ٦٣٠).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٩٠).
[ ٢ / ٣٨٨ ]
ابْنِ عُمَرَ، وَالحَالُ أَكْشَفُ عَلَى الرِّجَالِ لِقُرْبِهِمْ فَكَانَ التَّرْجِيحُ لِرِوَايَتِهِ … … … … .
بنية صلاة الكسوف ويقرأ الفاتحة، ويركع ثم يرفع رأسه ويقرأ الفاتحة، ثم يركع ويطمئن ثم يسجد، ثم يفعل كذلك في الركعة الثانية.
وأكملها: أن يقرأ في القيام بعد الفاتحة سورة البقرة أو بقدرها، ثم يركع ويسجد ويسبح بقدر مائة آية، ثم يرفع رأسه ويقرأ في القيام الثاني بقدر مائتي آية من سورة البقرة، ثم يركع ويُسَبِّح بقدر ثمانين آية، ثم يسجد [كما يسجد] (^١) في غيرها (^٢).
وقال ابن سريج: يطيل السجود على حسب ما قبله من الركوع (^٣)، وقال غيره: لا يطيل؛ بل هو كالسجود في جميع الصلوات، والأول أصح.
ثم يقرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة مائة وخمسين آية، ثم يركع ويسبح بقدر سبعين آية، ثم يرفع ويقرأ بعدها بقدر مائة آية، ثم يركع ويسبح بقدر خمسين آية، ثم يرفع ويسجد، وهذا اختيار المزني (^٤)، وصاحب الحلية (^٥)، وبقول الشافعي قال مالك (^٦)، وأحمد (^٧)، ومن الصحابة: عثمان، وابن عباس ﵄.
وعن أحمد: يركع في كل ركعة ثلاث ركوعات (^٨)، وهو قول إسحاق.
للشافعي: ما روي عن ابن عباس وعائشة (^٩) أنه ﵊ صلى الكسوف ركعتين، فقام قيامًا طويلا نحو سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وفعل في الركعة الثانية مثل ذلك.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٦٩).
(٣) انظر: حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٦٧)، والمجموع للنووي (٥/ ٥١).
(٤) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٢٦).
(٥) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٦٨).
(٦) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٦١)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ١٠٧).
(٧) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣١٣)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٤٢).
(٨) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٤٥)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٢٠٠).
(٩) تقدم تخريج حديثهما قريبا.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولنا: ما روى ابن عمر (^١)، والنعمان بن بشير (^٢)، وأبي بكرة (^٣)، وسمرة بن جندب (^٤)، بألفاظ مختلفة: أنه ﵊ صلّى ركعتين في الكسوف، ركعتين كأطول صلاة يصليها، فانحلت الشمس مع فراغه منها، وذكر في حديث إبراهيم أنه ﵊ صلى ركتعين في الكسوف، ثم كان الدعاء حتى انجلت الشمس، وقد كان مقدمًا في باب الأخبار، وإنما يعتمد على ما يصح منها؛ فدلّ أن الصحيح أنها كسائر الصلوات. وروى عن ابن عمر؛ الترمذي والنسائي، وأبو داود وابن ماجه (^٥)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ولأنها صلاة كالمكتوبات والنوافل فلا يشرع فيها تكرار الركوع، ولو جاز الأخذ بما روي عن ابن عباس؛ لجاز بما روى جابر ﵁ أنه ﵊ صلى في الكسوف ركعتين، بست ركعات وست سجدات (^٦)، وبما روي أنه ﵊ صلى في الكسوف بثمان ركعات وأربع سجدات (^٧)، وهذا غير مأخوذ بالإجماع لمخالفته المعهود، فكذلك ما روت عائشة، وابن عباس ﵃.
وتأويل ما رواهما: أنه ﵊ طوّل الركعة فيها، فإن الجنة والنار عرضتا عليه فيها، فمن بعض القوم رفعوا رؤوسهم، فظن من خلفهم أنه ﵊ رفع رأسه فرفعوا رؤوسهم، ثم عاد الصف الأول إلى الركوع اتباعًا للنبي ﵊ فركع من خلفهم أيضًا، وظنوا أنه
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٣١٠، رقم ١١٩٣) وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود - الأم (٢/¬٢٤، رقم ٢١٧).
(٣) أخرجه البخاري (٢/¬٣٣، رقم ١٠٤٠).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) أخرجه النسائي (٣/ ١٢٥، رقم ١٤٦١) وانظر: سنن الترمذي (١/ ٦٩٧).
(٦) أخرجه مسلم (٢/ ٦٢٣، رقم ٩٠٤) وأبو داود (١/ ٣٠٦، رقم ١١٧٨).
(٧) أخرجه مسلم (٢/ ٦٢٧، رقم ٩٠٨) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﵊ ركع ركوعين، ومثل هذه الأشياء تقع لمن كان في آخر الصفوف.
وعائشة ﵂ كانت واقفة في صف النساء، وابن عباس في صف الصبيان في ذلك الوقت، فنقلا كما وقع عندهما، ولو كان هذا صحيحًا؛ لكان الأمر واقعًا بخلاف المعهود، فتنقله الكبار من الصحابة الذين كانوا يلون النبي ﵊، وحيث لم يروها أحد منهم؛ دل أن الأمر كما قلنا. كذا في المبسوط (^١).
وفي شرح المجمع: ولقائل أن يقول: إن كان هذا الظن صادف الركعة الأولى، والظاهر ذلك، فكيف عادوا إلى ذلك في الركعة الثانية، ولم يتنبهوا على أنه ﵊ قصد إطالة الركوع، مع ما فيه من نسبة مخالفة الإمام ومسابقته، ونسبة الغفلة في الركعة الثانية مع النسبة في الركعة الأولى [إلى أجلاء الصحابة، وفي ذلك ما فيه، وإن كان هذا الظن صادف الركعة الثانية؛ فينبغي أن تكون الركعة الأولى] (^٢) بركوع واحد، والثانية بركوعين، ولم يقل به أحد.
على أنا نقول: لا يستقيم مثل هذا التأويل مع تصريح الرواية عن عائشة في الصحيحين: كسفت الشمس على عهد النبي ﵊، فقام بالناس وأطال القراءة، ثم ركع فأطال القراءة وهي دون الأولى، ثم ركع فأطال الركوع دون ركوعه الأول، ثم رفع رأسه فسجد سجدتين، ثم قام فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، ولكن معتمدنا: ما رواه البخاري عن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند النبي ﵊ فانكسفت الشمس، فقام فصلى بهم ركعتين حتى انجلت الشمس (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٥).
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
[ ٢ / ٣٩١ ]
(وَيُطَوِّلُ القِرَاءَةَ فِيهِمَا وَيُخْفِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَجْهَرُ) (*) وَعَنْ مُحَمَّدٍ
قيل: حديث أبي بكر الأول لا يدل على أنها بركوع واحد؛ لأنه قال: صلى ركعتين، ولم يتعرض أن كل ركعة بركوع واحد أو بركوعين.
وأجيب: أن ما ذكر المشايخ من التأويل بيان الاحتمال، فيرجح حديثنا لعدم الاحتمال، على أن ما رواه البخاري عن عائشة؛ يمكن أن عائشة ﵂ روت بناء على ظنها فبقي فيه الاحتمال كما كان، ومثل هذا لا يوجب قدحًا في الراوي.
وفي المستصفى: وإذا تعارض الخبران؛ يصار إلى القياس وهو معنى (^١).
ثم إنها ركعتين باتفاق الروايات والخلاف في ركوع واحد أو ركوعين، وروى الحسن عن أبي حنيفة تخلله: إن شاءوا صلوا ركعتين وإن شاءوا أربعًا، وإن شاؤوا أكثر، كل ركعتين بتسليمة، أو كل أربع، وإن شاءوا طولوا وإن شاؤوا خففوا، فيصلون حتى تنجلي الشمس (^٢).
وعند أبي يوسف (^٣)، والشافعي (^٤)، مالك (^٥): ركعتان.
قوله: (وَيُخْفِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ): وبه قال الشافعي (^٦)، ومالك (^٧).
(وقالا: يجهر): به قال أحمد (^٨)، ومالك في رواية.
وفي المحيط: قول محمد مضطرب (^٩).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) المستصفى للنسفي (ص ٦٣٢).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٠)، وحاشية الشِّلْبِيُّ على تبيين الحقائق (١/ ٢٢٨).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٤)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٠).
(٥) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٧٨)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤٦).
(٦) انظر: التاج والإكليل للمواق (٢/ ٥٨٦)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ٢٠٠).
(٧) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٧٩)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٢٩).
(٨) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٢٨)، التاج والإكليل للمواق (٢/ ٥٨٦).
(٩) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣١٣)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٩٨).
(١٠) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٣٦).
[ ٢ / ٣٩٢ ]
مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَمَّا التَّطْوِيلُ فِي القِرَاءَةِ فَبَيَانُ الأَفْضَلِ، وَيُخَفِّفُ إِنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ المَسْنُونَ اسْتِيعَابُ الوَقْتِ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ، فَإِذَا خَفَّفَ أَحَدَهُمَا طَوَّلَ الْآخَرَ. وَأَمَّا الْإِخْفَاءُ وَالجَهْرُ فَلَهُمَا رِوَايَةُ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ جَهَرَ فِيهَا»، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ
قال شمس الأئمة: الظاهر أنه مع أبي حنيفة، وذكره الحاكم مع أبي يوسف؛ لأنهما حديث علي وعائشة ﵂ أنه ﵊ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف (^١)، ولأنها صلاة مخصوصة تقام بجمع عظيم، فيجهر فيها بالقراءة كالجمعة والعيدين (^٢). ولأبي حنيفة حديث ابن عباس، والنعمان بن بشير، وسمرة بن جندب (^٣): أنه ﵊ لم يسمع من قراءته فيها حرف، ولأنها صلاة النهار.
وفي الحديث: «صلاة النهار عجماء» (^٤)؛ أي: ليس فيها قراءة مسموعة، وتأويل حديث علي: أنه وقع اتفاقًا أو تعليمًا للناس أن القراءة فيها مشروعة. كذا في المبسوط (^٥).
وفي الْمُجْتَبى: ويحمل حديثه على الخسوف والجهر مشروع في صلاة الليل (^٦).
وفي المستصفى: وإذا تعارض الخبران يصار إلى القياس، وهو أن صلاة النهار عجماء (^٧).
فإن قيل: قد خص من قوله ﵊: «صلاةُ النهارِ عَجْمَاءُ» (^٨) صلاة الجمعة والعيد.
_________________
(١) تقدم تخريجه من حديث عائشة ﵂.
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٦).
(٣) تقدم تخريج هذه الأحاديث.
(٤) قال الزيلعي في نصب الراية (٢٢): غريب. وقال النووي في الخلاصة (١/ ٣٩٤، رقم ١٢٤٣): باطل.
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٦).
(٦) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٩١).
(٧) المستصفى للنسفي (ص ٦٣٣).
(٨) قال الزيلعي في نصب الراية (٢٢): غريب. وقال النووي في الخلاصة (١/ ٣٩٤، رقم ٢٤٣): باطل.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَمُرَةَ ﵃، وَالتَّرْجِيحُ قَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، كَيْفَ وَأَنَّهَا صَلَاةُ النَّهَارِ وَهِيَ عَجْمَاءُ.
(وَيَدْعُو بَعْدَهَا حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَفْزَاعِ شَيْئًا فَارْغَبُوا إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ»، (وَالسُّنَّةُ فِي الْأَدْعِيَةِ تَأْخِيرُهَا عَنْ الصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ الإِمَامُ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ الجُمُعَةَ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ صَلَّى النَّاسُ فُرَادَى تَحَرُّزًا عَنِ الفِتْنَةِ. وَلَيْسَ فِي خُسُوفِ القَمَرِ جَمَاعَةٌ) لِتَعَذُّرِ الاجْتِمَاعِ فِي
قلنا: فحقهما الإخفاء أيضًا، لكنهما من الشعائر، وفي الشعائر الإظهار أولى، أما صلاة الكسوف للتضرع والدعاء، والأصل فيهما الإخفاء.
وفي الإيضاح: وأما قدر القراءة فيها؛ فروي أنه ﵊ قرأ في الركعة الأولى بقدر سورة البقرة، وفي الثانية بقدر سورة آل عمران، ولو طوّل القراءة خفف الدعاء، أو على العكس (^١).
قوله: (ويصلي بهم الإمام) إلى آخره: وفي المبسوط: لا يقيمها إلا إمام الجمعة والعيدين، فأما أن يكون يصلي كل قوم في مسجدهم فلا؛ لأن النبي ﵊ أقامها، فيقيمها من هو قائم مقامه، ولو لم يُقِمْهُما الإمام؛ صلى الناس فرادى ركعتين وإن شاءوا أربعًا، وذلك أفضل (^٢).
وإن شاؤوا طولوا القراءة وإن شاؤوا خففوا، والأفضل: تطويل القراءة.
وفي مبسوط بكر: عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: لكل إمام مسجد أن يصلي بجماعته في مسجده، وكذا في المحيط (^٣).
وقال الإسبيجابي: لكن بإذن الإمام الأعظم (^٤).
قوله: (وليس في خسوف القمر): وفي بعض النسخ: كسوف القمر، والأول أصح.
_________________
(١) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٧٠)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٩٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٥).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٣٥).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٣٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ١٤٦).
[ ٢ / ٣٩٤ ]
اللَّيْلِ أَوْ لِخَوْفِ الفِتْنَةِ، (وَإِنَّمَا يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ)؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وفي المبسوط: عاب أهل الأدب على محمد في هذا اللفظ، وقالوا: إنما يستعمل في القمر الخسوف لا الكسوف، قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾.
قلنا: الخسوف ذهاب [دائرته، والكسوف: ذهاب ضوءه، ومراد محمد هذا النوع، فكذا ذكر الكسوف، فإذا لا طعن عليه (^١).
وفي] (^٢) المغرب: عن العورفي: يقال: كسفت الشمس والقمر جميعا (^٣)، وكيف ما كان قول محمد؛ كسوف القمر صحيح.
وفي تتمتهم: قال الأزهري: يقال: كسفت الشمس وخسفت إذا ذهب ضوءها، وكذا يقال في القمر (^٤).
وقال أبو حاتم الرازي: لو ذهب بعض الضوء فهو كسوف، وإن ذهب جميعه فهو خسوف.
وقال الجوهري: الأفصح في الشمس الكسوف، وفي القمر الخسوف (^٥).
وعند الشافعي: يصلي صلاة الخسوف بالجماعة كما في الكسوف (^٦)؛ لما روي عن الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس بالبصرة، فصلى بنا ركعتين، في كل ركعة ركوعان، فلما فرغ خطب وقال: صليت بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا وتقام في الجماعة لا في الصحراء.
وقال مالك: لا صلاة فيه؛ لعدم شهرة النقل (^٧).
وقلنا: الصلاة حسنة؛ لقوله ﵊: «إذا رأيتم …»
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٥).
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٤٠٨).
(٤) انظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي للأزهري (ص ٨٤).
(٥) انظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٤/ ١٣٥٠).
(٦) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٥١٠)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٦٤٣).
(٧) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٤٣)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٣٠).
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وَالسَّلَامُ: «إِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَالِ … ..
الحديث (^١)، ولكن لا يصلي بالجماعة؛ لتعذر الاجتماع بالليل، ولخوف الفتنة، ولم ينقل أنه ﵇ صلاها بالجماعة، [مع أن الخسوف في عهده ﵇ أكثر من الكسوف.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: الأصل في التطوع ترك الجماعة] (^٢) ما خلا قيام رمضان وكسوف الشمس باتفاق الصحابة، فكان القياس يأبى جوازها، إلا أنا تركناه في الكسوف بالنص الظاهر، ولم يرد مثله في الخسوف، ولا يمكن الإلحاق بالدلالة؛ لأن القول في الكسوف فوق الهول في الخسوف (^٣).
وما روي عن ابن عباس شاذ فيما تعم به البلوى، فإن الخلفاء الراشدين لم يصلوها بالجماعة مع وقوع الخسوف في عهدهم.
وقيل: الجماعة جائزة عندنا؛ لكنها ليست بسنة.
قوله: وليس في الكسوف خطبة: وبه قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥).
وقال الشافعي: يخطب خطبتين كما في العيدين والجمعة (^٦)؛ لأن عائشة ﵂ روت أنه ﵊ لما صلى انجلت الشمس، فانصرف فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يَنْخَسفان لموت أحد ولا لحياتِه، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله تعالى بالصلاة، وادْعُوا وكبروا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» (^٧)، ولأنها صلاة نافلة تفردت بوقت، وشرعت لها الجماعة؛ فكانت من سننها الخطبة كصلاة العيد.
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٣٨).
(٤) انظر: التلقين للثعلبي (١/ ٥٤)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٢٩).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٤٦)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٩٩).
(٦) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٦٤٢)، والبيان للعمراني (٢/ ٦٦٨).
(٧) أخرجه البخاري (٢/¬٣٤، رقم ١٠٤٤) من حديث عائشة ﵂.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولنا: ما روي في المتن من الحديث، وعدم النفل، ولأنها شرعت لأحد الأمرين: إما شرط الجواز كما في الجمعة، وإما للتعليم كما في العيدين، والتعليم هاهنا يحصل من حديث الفعل، وأما تعلقه بحديث عائشة ﵂؛ فيحمل أنه ﵊ احتاج إلى الخطبة بعد الصلاة؛ لأن الناس كانوا يقولون: إنها كسفت لموت إبراهيم، فأراد أن يخطب حتى يرد عليهم ذلك، لا للصلاة.
أو المراد من قولها: (خطب) دعا؛ إذ الدعاء يسمى خطبة، ثم الإمام في هذا الدعاء بالخيار، إن شاء جلس مستقبل القبلة، وإن شاء قام، وإن شاء استقبل الناس بوجهه، ودعا ويؤمن القوم. قال الحلواني: هذا حسن، ولو قام واعتمد على عصاه أو على قوس له ودعا؛ كان حسنًا أيضًا. كذا في المحيط، ومبسوط شيخ الإسلام (^١).
وقال شيخ الإسلام: الصلاة في الأهوال مثل: الريح الشديد والظلمة، والزلزلة والخوف الغالب؛ حسنة؛ لقوله ﵊: «إذا رأيتم …» الحديث (^٢)، وعن ابن عباس أنه صلى الزلزلة بالبصرة كهيئة الكسوف (^٣)، وكذا روي عن أحمد أنه يصلي بالجماعة في كل آية، والمشهور عنه أنه لا يصلي لغير الزلزلة (^٤)، وعند الشافعي (^٥)، ومالك (^٦): لا يسر في كل آية، وعند الشافعي، ومالك غير الكسوفين.
وفي الحاوي: حكى الشافعي في اختلاف على أنه يصلي في زلزلة، وعن الشافعي أنه قال: إن صح قلت به (^٧)، والأصح الأول، ولكن يستحب أن يصلي
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٣٦).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٨٢)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٩٦).
(٤) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ١١٥)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/ ٦٦).
(٥) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٨١)، والمجموع للنووي (٥/ ٥٥).
(٦) انظر: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد (١/ ٢٢٤)، ومنح الجليل لعليش (١/ ٤٦٩).
(٧) الحاوي للماوردي (٢/ ٥١٢).
[ ٢ / ٣٩٧ ]
فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ» (وَلَيْسَ فِي الكُسُوفِ خُطْبَةٌ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ.