(إِذَا عَجَزَ المَرِيضُ عَنِ القِيَامِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
فالمسبوق إن لم يقيد ركعته بالسجدة يتابعه. ولو قيد المسبوق ركعته بالسجدة، ثم تذكر الإمام أن عليه سجدة التلاوة فعاد فسجدها، فإن عاد المسبوق إلى متابعته؛ فسدت صلاته، وإن مضى على صلاته؛ ففي فسادها روايتان.
وفي الروضة: فالواجب على المسبوق بعد صلاة الإمام القعود، ولم يقم إلى قضاء ما سبق؛ حتى يوجد من الإمام ما يفسد صلاته من الانحراف والكلام، والشروع في صلاة أخرى؛ كيلا يقع المسبوق فيما ذكرنا. كذا في شرح المجمع (^١).
باب صلاة المريض
ذكرها عقيب سجود السهو؛ لأن كل واحدٍ منهما من العوارض السماوية، إلا أن الأول أكثر وقوعًا وأعم موقعًا؛ لأنه يتناول صلاة المريض والصحيح فقدمه؛ لشدة مساس الحاجة إلى بيانه.
وإما لأن السهو تقصير، وله جبر بقدر الإمكان، فأتبعه صلاة المريض؛ لأنها صلاة مع قصور شرعت بقدر الإمكان، وأنه من باب إضافة الفعل إلى فاعله أو إلى محله كتحرك الخشب، وأنه شائع كقولهم: جرح زيد لا يندمل. كذا في البدرية (^٢).
وتفسير المرض مذكور في الأصول.
قوله: (إذا عجز المريض …) إلى آخره؛ لم يرد بهذا العجز؛ العجز أصلا، بحيث لا يمكنه القيام بأن يصير مقعدًا؛ بل عجزًا يقدر على القيام، إلا أنه يضعفه ضعفًا شديدًا، أو يجد وجعًا. كذا في المحيط (^٣).
وقيل: بحال لو قام سقط من ضعف، أو دوران رأس.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٤).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٠).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ١٤١).
[ ٢ / ١٧٥ ]
وَالسَّلَامُ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁:
وقيل: بحيث يصير صاحب فراش.
وقيل: ما يبيح الإفطار به.
وقيل: ما يبيح التيمم به.
وقيل: ما يعجزه عن القيام بحوائجه.
وأصح الأقاويل: أن يلحقه بالقيام ضرر. كذا ذكره التمرتاشي (^١).
وفي الفتاوى الظهيرية: وعليه الفتوى (^٢).
وعن أبي جعفر الهندواني: لو قدر على بعض القيام ولو قدر آية أو تكبيرة؛ يقوم ذلك القدر، وإذا عجز قعد، وإن لم يفعل ذلك خفت أن تفسد صلاته، هذا هو المذهب ولا يروى عن أصحابنا خلافه. وكذا إن عجز عن القعود وقدر على الاتكاء أو الاستناد إلى إنسان أو حائط أو وسادة؛ لا تجزيه إلا كذلك، ولو استلقى لا يجزيه خصوصًا على قولهما؛ فإنهما يجعلان قدرته على الوضوء بغيره كقدرته بنفسه، فكذا هنا. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٣).
وفي المبسوط: فرق بين هذا وبين الصوم، فإن المريض إذا كان قادرا على الصوم في بعض اليوم ثم عجز؛ فإنه لا يصوم أصلا، وهاهنا يصلي قائما بقدر ما قدر.
والفرق: أنه لما أفطر في آخر اليوم؛ لم يكن فعله معتدًا به في أول اليوم فلا يشتغل به، وفي الصلاة قيامه في أولها؛ يكون معتدًا به وإن قعد في آخرها (^٤).
وفي المحيط، والمجتبى: لو تكلف المريض الخروج إلى الجماعة، فعجز
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٤/¬٤٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٥)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٧٩).
(٢) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٩٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٥).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٠).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٣).
[ ٢ / ١٧٦ ]
«صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى الجَنْبِ تُومِيُّ إِيمَاءً»؛ وَلِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ.
قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْمَا إِيمَاءَ) يَعْنِي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ وُسْعُ
عن القيام؛ قيل: لا يخرج؛ مخافة فوت الركن (^١).
والأصح: أن يخرج؛ لأن الغرض القدرة على الاقتداء.
وفي الخلاصة: وعليه الفتوى (^٢).
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، قال ابن مسعود، وجابر، وابن عمر ﵃: الآية نزلت في الصلاة؛ أي: قياما إن قدروا، أو قعودا إن عجزوا عنه، وعلى جنوبهم إن عجزوا عن القعود.
وقوله ﵊ لعمران بن حصين: «صل قائما …» الحديث (^٣)، روي أنه كان به باسور، فدخل عليه النبي ﵊ ليعوده فقال: «صل قائما …» الحديث (^٤).
وروي أنه لما مرض كانت الملائكة يحضرونه ويصافحونه (^٥)، فلما صح انقطع عنه حضورهم، فتأسف من ذلك، ولأن الطاعة بحسب الطاقة، والشرع رفع عن المتعسر؛ كما رفع عن المتعذر.
(أومى) أصله (أومأ) بالهمز، لينت همزته.
ولم تذكر في الأصل ما إذا قدر على القعود مستويا وقدر عليه متكئًا أو مستندا إلى إنسان أو حائط؛ قال مشايخنا ينبغي أن يصلي قاعدًا مستندا، ولا يجزئه أن يصلي مضطجعًا، وهو نظير ما ذكرنا في القيام. كذا في المحيط (^٦).
فإن قيل: إذا قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود؛ ينبغي أن لا
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ١٥٢).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٦)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٠٨).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: ترجمته في أسد الغابة (٤/ ٢٦٩، ترجمة رقم ٤٠٤٨).
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ١٤٢).
[ ٢ / ١٧٧ ]
مِثْلُهُ (وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ)؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُمَا فَأَخَذَ حُكْمَهُمَا (وَلَا يَرْفَعُ إِلَى وَجْهِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنْ قَدَرْت أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ وَإِلَّا فَأَوْمِي بِرَأْسِكَ» فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ يَخْفِضُ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ، لِوُجُودِ الإِيمَاءِ، فَإِنَّ وَضْعَ ذَلِكَ عَلَى جَبْهَتِهِ لَا يُجْزِئُهُ لِانْعِدَامِهِ (فَإِنْ لَمْ
يسقط عنه فرض القيام ويصلي قائمًا، يومئ بالركوع والسجود، وهو قول الشافعي (^١)؛ لحديث عمران بن حصين؛ فإنه نقل الحكم من القيام إلى القعود بشرط العجز عن القيام.
قلنا: ذلك محمول على ما إذا كان قادرًا على الركوع والسجود حالة القيام؛ بدليل أنه ذكر الإيماء حال ما يصلي على الجنب؛ دل أن المراد بحالة القيام القدرة على الأركان. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٢).
(لأنه)؛ أي: الإيماء.
(فأقيم مقامهما)؛ أي: الركوع والسجود، فأخذ حكمهما، فيكون السجود أخفض من الركوع، وبه قال الشافعي (^٣)؛ لقوله ﵊، روي أنه ﵊ دخل على مريض يعوده، فوجده يصلي كذلك؛ فقال له: «إن قدرت».
وروي أن ابن مسعود دخل على أخيه عقبة يعوده، فوجده يصلي، ويرفع إليه عود يصلي عليه ويسجد عليه، فنزع ذلك من يد من كان في يده، وقال: هذا شيء عرض لكم الشيطان، فأَوْمِ بسجودك.
(أجزأه)؛ أي: يخفضه للركوع والسجود، لا توضع الرأس على العود.
(لانعدامه)؛ أي: لانعدام الإيماء.
وفي الْمُجْتَبى: كيفية الإيماء بالركوع والسجود مشتبهة علي؛ في أنه يكفي
_________________
(١) انظر: أسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ١٤٦)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٢١٤)، وحاشية العبادي على تحفة المحتاج (٢/¬٢٣).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٦).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ١١٨)، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ١٤٨)، والبيان للعمراني (٢/ ١٥٣)
[ ٢ / ١٧٨ ]
يَسْتَطِعِ القُعُودَ
بعض الانحناء أم أقصى ما يمكن، فظفرت على الرواية؛ فإنه ذكر شيخ الإسلام: المومئ إذا خفض رأسه للركوع شيئًا ثم للسجود؛ جاز، ولو وضع بين يديه وسائد فألصق جبهته بها، فإن وجد أدنى الانحناء؛ جاز، وإلا فلا. وكذا في التحفة (^١).
وفي المبسوط: لو كانت الوسادة على الأرض وسجد عليها؛ جازت صلاته؛ لأن أم سلمة فعلت هكذا، ولم يمنعها النبي ﵊ (^٢).
وقال أبو بكر: إذا كان بجبهته أو أنفه عذر؛ يصلي بالإيماء، ولا يلزمه تقريب الجبهة إلى الأرض بأقصى ما يمكنه، وهذا نص في الباب (^٣).
وفي المحيط: لو كان على جبهته عذر دون الأنف؛ لم يجزه الإيماء، ويسجد على أنفه؛ لأنه كالجبهة (^٤).
ثم اختلف في قعود المريض؛ فعن أبي حنيفة ﵀: يتربع، وهو قولهما رواه الحسن عنه، وبه قال مالك (^٥)، وأحمد (^٦)، والشافعي في قول (^٧)، فإذا أراد الصلاة والركوع جلس كجلوسه في الصلاة.
ووجهه: أن الركوع والسجود ركنان مختلفان، فإذا انتقل إلى بدلهما وجب أن [لا] (^٨) يخالف بين البدلين في الهيئة كما يختلفان في الأصل. كذا في شرح الإرشاد، وفيه نوع تأمل.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٢٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٨)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٨).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٠)، والبناي شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٨).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ١٤٦).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦١)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/¬٤)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٤٠).
(٦) انظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ٣٠٦)، والمبدع لابن مفلح (٢/¬٢٨)، والفروع لابن مفلح (٣/ ٦٧).
(٧) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٢١٤)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٢٨٧).
(٨) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ١٧٩ ]
اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى القِبْلَةِ وَأَوْمَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «يُصَلِّي المَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، … … …
والأولى: أن يتمسك فيه بما روي أنه ﵊ لما صلّى جالسًا تَرَبَّع (^١).
وعن أبي حنيفة: أنه يجلس كجلوس الصلاة، وهو قول زفر؛ لأن هذه جلسة في الصلاة، فتعتبر بجلسة الصحيح، وبه أفتى أبو الليث.
وفي الأصل: يقعد كيف يشاء (^٢)، وبه قال الشافعي في قول؛ لأن المرض سبب التخفيف له في القعود بترك هيئته.
وعنه أنه يحتبي، وعند الشافعي: الاحتباء مكروه (^٣).
وعن الشافعي -وهو قول عمر، وابنه، وسعيد ابن جبير، وآخرين-: أنه يفترش (^٤)، وهو رواية عن زفر.
قوله: (استلقى على ظهره)، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (^٥).
وفي البدرية: أراد بهذا أن يوضع له وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد؛ ليتمكن من الإيماء بالركوع والسجود؛ إذ حقيقة الاستلقاء تمنع الأصحاء عن الإيماء فكيف بالمرضى؟ (^٦).
وقال الشافعي: يضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع استلقى على ظهره ويستقبل القبلة برجليه (^٧)، … … …
_________________
(١) رواه النسائي (٣/ ٢٢٤، رقم ١٦٦١) من حديث عائشة ﵂. قال النسائي: لا أحسب هذا الحديث إلا خطأ، وصححه الحاكم (١/ ٣٨٩، رقم ٩٤٧) على شرط الشيخين وأقره الذهبي وتعقبهما الشيخ الألباني أصل صفة الصلاة (١/ ١٠٦) فقال: إنما هو على شرط مسلم.
(٢) الأصل للشيباني (١/ ٢١٤).
(٣) انظر: حاشية البجيرمي على الخطيب (٢/ ٧٥).
(٤) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٢١٤).
(٥) انظر: فتح الوهاب لزكريا الأنصاري (١/¬٤٧)، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج (١/ ١٩٢).
(٦) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٤)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٨٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٣٩).
(٧) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٩٧)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤٠).
[ ٢ / ١٨٠ ]
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إِيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِقَبُولِ
وبه قال مالك (^١)، وأحمد (^٢)؛ لحديث عمران بن الحصين، ولأنه لو اضطجع على جنبه يكون وجهه إلى القبلة فهو أولى، كما إذا احتضر وجه إلى القبلة على شقه الأيمن، وكذا في القبر.
وقال علماؤنا، وأبو علي من أصحاب الشافعي (^٣): استلقى؛ لما روي عن عبد الله بن عمر، أنه ﵊ قال: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قفاه» (^٤)، ولأن الشرط أن يصلي إلى القبلة، والصلاة بالإيماء حالة فعل من الإيماء، والإيماء إنما يقع إلى الكعبة فيما قلنا؛ ألا ترى أنه لو حققه كذلك كان سجودًا إلى القبلة، وعلى ما قاله الخصم لو حققه كان إلى يسار الكعبة.
وإنما يقع توجه البدن إلى الكعبة، والشرط أداء الصلاة إلى الكعبة لا البدن بدون الأداء، فالخصم مال إلى ظاهر التوجه ببدنه كما في الميت، ونحن إلى التوجه مصلّيًا، وهذا أولى؛ لأنه شرط الصلاة وما به من العجز على شرف الزوال، بخلاف ما إذا احتضر وما بعد الموت؛ لأنه ليس حالة الصلاة.
وحديث عمران ابن الحصين؛ قيل: كان به باسور فلا يمكنه أن يستلقي على قفاه.
وقيل: معنى قوله ﵊: «فَعلَى الجَنْبِ» (^٥)؛ أي: ساقطا على الأرض، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: سقطت، والمستلقي ساقط على الأرض. كذا في المبسوطين والأسرار (^٦)؛ لما روينا، وهو حديث عمران ابن الحصين، إلا أنّ الأولى، أي: الرواية أو الهيئة أو
_________________
(١) انظر: التلقين لعبد الوهاب الثعلبي (١/ ٥١)، والمدخل لابن الحاج (٤/ ٢٠٦)، والقوانين الفقهية لابن جزي الكلبي (ص ٤٣).
(٢) انظر: الفروع لابن مفلح (٣/ ٧٠)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٠٧)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٣٠٦).
(٣) انظر: حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٨٩).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦١٤).
[ ٢ / ١٨١ ]
العُذْرِ مِنهُ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَلْقَى عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إِلَى القِبْلَةِ فَأَوْمَا جَازَ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، إِلَّا أَنَّ الأُولَى هِيَ الأَوْلَى عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ إِشَارَةَ المُسْتَلْقِي تَقَعُ إِلَى هَوَاءِ الكَعْبَةِ، وَإِشَارَةَ المُضْطَجِعِ عَلَى جَنْبِهِ إِلَى جَانِبِ قَدَمَيْهِ، وَبِهِ تَتَأَدَّى الصَّلاة.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الإِيمَاءَ بِرَأْسِهِ أُخْرَتِ الصَّلَاةُ عَنْهُ، وَلَا يُؤْمِيُّ بِعَيْنِهِ وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ) خِلَافًا لَزُفَرَ (*) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَلِأَنَّ نَصْبَ الإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ
الفعلة الأولى أولى؛ يعني: لما تعارض النصّان والحالة حالة العذر؛ جاز كل منهما، إلا أن الاستلقاء أولى؛ لما ذكر في الكتاب، ولأن ما روينا محكم، وحديث عمران محتمل كما ذكرنا، والعمل بالمحكم أولى.
قوله: (خلافا لزفر)؛ فإنه قال: يومئ بحاجبيه، فإن عجز فبعينيه، فإن عجز فبقلبه؛ لوجود فهم الخطاب، وسبب الوجوب، وصلاحية الذمة، وهو وسع مثله (^١).
وقال الحسن: بحاجبيه وقلبه؛ لأنه وسع مثله.
وقال الشافعي (^٢)، ومالك (^٣): يومئ بعينيه، فإن عجز فبقلبه؛ لأنه وسع مثله، ولما روي عن علي ﵁، أنه ﵊ قال: «فإن لم يستطع القُعود أومأ، وجعل سجودَهُ أخفض من الركوع» (^٤)، فإن لم يستطع؛ فعلى جنبه الأيمن مستقبل القبلة وأومأ بطرفه، ويعيد إذا صح في قول الكل.
ولنا: حديث عمران بن حصين وابن عمر ﵃، وهو قوله ﵊: «فالله تعالى أحقُّ بقبولِ العُذْرِ مِنهُ» (^٥)، ولأن فرض السجود تعلق
_________________
(١) (*) الراجح: قول علمائنا الثلاثة.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠١).
(٣) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٣١٦)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤٠)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٢٩١)
(٤) انظر: الفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٤٢)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٦١)، ومنح الجليل لمحمد عليش (١/ ٢٧٩).
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ١٨٢ ]
مُمْتَنِعٌ، وَلَا قِيَاسَ عَلَى الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ رُكْنُ الصَّلَاةِ دُونَ العَيْنِ وَأُخْتَيْهَا. وَقَوْلُهُ: «أُخْرَتْ عَنْهُ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ العَجْزُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِذَا كَانَ مُفِيقًا، هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يَفْهَمُ مَضْمُونَ الخِطَابِ، بِخِلَافِ
بالرأس دون العين والقلب والحاجب؛ فلا ينتقل إليهم كاليد، واعتبارًا بالصوم والحج حيث لا ينتقلان إلى القلب بالعجز، ولأن الإيماء بالرأس إنما عرف صلاة شرعًا بخلاف القياس؛ بدليل أن التطوع حالة الاختيار لا يوجد به، والتطوع أصل الصلاة، وما شرع بخلاف القياس لا يقاس عليه غيره.
ولا إيماء بالعين؛ بل إيحاء؛ أي: إشارة بالقلب نية، والصلاة لا تتأدى بمجرد النية.
وعن أبي يوسف: أنه يومئ بعينيه عند عجزه ولا يومئ بقلبه.
وسئل محمد عن ذلك؛ فقال: لا أشك أن الإيماء بالرأس يجوز، ولا أشك أن الإيماء بالقلب لا يجوز، وأشك أن الإيماء بالعينين هل يجوز. كذا في المبسوطين، والمحيط (^١)، وما رويناه شاذ ومعارض بما روينا من الحديثين.
قوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عن قول شيخ الإسلام، وفخر الإسلام، وقاضي خان؛ فإنهم قالوا: الصحيح أنه يسقط (^٢)، وبه قال مالك (^٣).
وفي الفتاوى الظهيرية: وهو ظاهر الرواية، وعليه الفتوى؛ لأن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب، [فإنّ محمدا ذكر في النوادر (^٤): من قطعت يداه إلى المرفقين ورجلاه إلى الساقين؛ لا صلاة عليه، فعلم أن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب] (^٥).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ١٤٣).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٣)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٣٤)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٠٧).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٦)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٤٢)، ومنح الجليل لمحمد عليش (١/ ٢٧٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٣)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٢٩).
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ١٨٣ ]
المُغْمَى عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى القِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لَمْ يَلْزَمُهُ القِيَامُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ إِيمَاءً) لِأَنَّ رُكْنِيَّةَ القِيَامِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إِلَى السَّجْدَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ
وفي المحيط: قال بعض المشايخ لو كانت أكثر من يوم وليلة لا يجب عليه القضاء، وإن كان أقل من ذلك فعليه القضاء كالجنون والإغماء (^١)، وهو الصحيح.
فعلى هذا: معنى قوله ﵊: «أحق بقبول العذر» (^٢)؛ أي: عذر السقوط.
وفي مختصر الكرخي: لا يسقط عنه الفرض؛ لوجود فهم الخطاب، وسبب الوجوب، وصلاحية الذمة، واختاره صاحب الكتاب؛ فقال: (وهو الصحيح) إلى آخره، فعلى هذا: معنى قوله ﵊: «أحقُّ بقبولِ العُذْرِ» (^٣)؛ أي: عذر التأخير (^٤).
وفي مسألة: من قطعت يداه ورجلاه؛ في ظاهر الرواية يجب عليه الصلاة، ويجب في الوضوء غسل موضع القطع في اليدين والرجلين. كذا في فتاوى الولواجي (^٥).
قوله: (يصلي قاعدا يومئ إيماء)، هذا لبيان الأفضلية؛ فإنه قال أبو بكر: لو صلّى قائما؛ يومئ بالركوع والسجود كما قال زفر، والشافعي أجزأه (^٦)؛ لحديث عمران بن الحصين وابن عمر (^٧)؛ لأن القيام ركن فلا يسقط بالعجز عن أداء ركن آخر.
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ١٤٣).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠١)، وفتاوى قاضي خان (١/ ٨٤).
(٥) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠١).
(٦) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٢١٤)، والمنهاج القويم لابن حجر الهيتمي (ص ٨٩)، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/¬٢٢).
(٧) تقدم تخريجهما قريبا.
[ ٢ / ١٨٤ ]
نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، فَإِذَا كَانَ لَا يَتَعَقَّبُهُ السُّجُودُ لَا يَكُونُ رُكْنًا فَيَتَخَيَّرُ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الإِيمَاءُ قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ.
(وَإِنْ صَلَّى الصَّحِيحُ بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ، يُتِمُّهَا قَاعِدًا
ولنا: أن ركنية القيام للتوسل إلى السجدة؛ لأن معنى الصلاة الخضوع والخشوع، وأصله يوجد في القيام، ويزداد بالركوع، ويتناهى بالسجود؛ ولهذا كان السجود معتبرًا بدون القيام كما في سجدة التلاوة، والقيام لم يشرع بدونه، فكان القيام كالتابع للسجود، فإذا سقط الأصل سقط التابع فيتخير، ولأن بالإيماء قاعدًا تصير رأسه أقرب إلى الأرض من الإيماء قائما.
وعن هذا قلنا: إن المومئ يجعل سجوده أخفض من الركوع؛ لأن ذلك أشبه بالسجود. كذا في المبسوط والإيضاح (^١).
وفي الْمُجْتَبى: وحديث عمران وابن عمر؛ محمول على القدرة على القيام والركوع والسجود، والأفضل هو الإيماء قاعدًا؛ لأنه أشبه بالسجود (^٢).
قال شيخ الإسلام: لو أومى بالركوع قائمًا يجوز، ولو أومى بالسجود قائما لا يجوز (^٣).
قلت: وهذا أحسن وأقيس؛ كما لو أومى بالركوع جالسًا لا يصح على الأصح.
وفي الإيضاح: لو صلى قائمًا بإيماء أجزأه، ولا يستحب ذلك؛ لأن القيام بدون السجود غير مشروع (^٤).
فإن قيل: قد جاء في الحديث: «أفضل الصلاة طول القنوت (^٥)» يعني: القيام.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢١٣).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٢)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٦)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٢٦).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٢).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٠٧).
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٥٢٠، رقم ٧٥٦) من حديث جابر ﵁.
[ ٢ / ١٨٥ ]
يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، أَوْ يُومِئُ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ، أَوْ مُسْتَلْقِيًا إِنْ لَمْ يَقْدِرُ) لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْأَدْنَى عَلَى الأَعْلَى فَصَارَ كَالِاقْتِدَاءِ.
(وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِمَرَضِ ثُمَّ صَحَّ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ قَائِمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: اسْتَقْبَلَ) (*) بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الاقْتِدَاءِ
قلنا: إنه اسم مشترك، على أنا نقول: يحتمل أن فضله باعتبار قراءة القرآن، فيكون جامعًا بين الركنين، وذلك حاصل في القعود الذي يقوم مقام القيام. كذا في الخبازية (^١).
قوله: (أو يومئ إن لم يقدر عليهما)، وفي فتاوى قاضي خان ما يخالف هذا؛ حيث قال: تفسد صلاته عند أبي حنيفة ﵀ في هذه الصورة، ذكره في النوادر؛ لأن تحريمته انعقدت للركوع والسجود، فلا تجوز بدونهما (^٢).
(أو مستلقيا إن لم يقدر)؛ أي: على القعود.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يستقبل؛ لما ذكرنا أن تحريمته انعقدت لكذا واختلافهم في الاقتداء، فإن عند محمد لا يقتدي القائم بالقاعد، فكذا لا يبني في حق نفسه وعندهما يقتدي، فكذا يبني، ولا يلزم ما لو افتتح الصحيح التطوع قاعدًا وأدى بعضه، ثم بدا له أن يقوم فقام؛ أنه يجوز بالإجماع، مع أن اقتداء القائم بالقاعد لا يجوز عند محمد، وهاهنا يجوز بناء آخر الصلاة على أولها عنده؛ لأن المريض ما كان قادرًا على القيام وقت الشروع في الصلاة، كما انعقدت تحريمته للقيام، فلو أنه افتتح التطوع قائما، فلما جاء أوان الركوع قام وقرأ ما بقي من القراءة وركع؛ جاز، وهكذا ينبغي أن يفعل في التطوع؛ لأنه ﵊ كان يفعل كذلك، فدل أن ذلك جائز في التطوع. كذا في المحيط (^٣)، وقد بيناه في النوافل.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٤).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٤).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ١٤٤، ١٤٥).
[ ٢ / ١٨٦ ]
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (وَإِنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ بِإِيمَاءِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الرَّاكِعِ بِالمُومِئِ، فَكَذَا البِنَاءُ (وَمَنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَائِمًا ثُمَّ أَعْيَا، لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَكًَّا عَلَى عَصَا أَوْ حَائِطِ أَوْ يَقْعُدَ)؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ، وَإِنْ كَانَ الاتِّكَاءُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إِسَاءَةٌ فِي الْأَدَبِ. وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَعَدَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَجُوزُ، فَكَذَا لَا يُكْرَهُ الاتِّكَاءُ، وَعِنْدَهُمَا: يُكْرَهُ (*)؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ القُعُودُ عِنْدَهُمَا: فَيُكْرَهُ الاتِّكَاءُ وَإِنْ
(عندهم)؛ أي: عند علمائنا الثلاثة.
وقال زفر، والشافعي (^١)، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣): يجوز أن يبني محافظة على عمله؛ لما أن اقتداء الراكع بالمومئ يجوز، فكذا البناء؛ لأنه يصير بناء القوي على الضعيف.
قوله: (ثم أعيا)، وفي الصحاح: الإعياء لازم ومتعد، يقال: أعيا الرجل في المشي إذا تعب، وأعياه الله كلاهما بالألف (^٤)، والمراد هنا اللازم؛ لأن معناه بالفارسية مائدة سد.
وفي بعض النسخ: ثم يَعْيَ.
وفي المغرب الصواب: أعيى أو يعيي (^٥).
فكذا لا يكره الاتكاء؛ لأن بالاتكاء ينتقص القيام، وبالقعود يترك كله. كذا في الكافي (^٦).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٤٤٧)، والمجموع للنووي (٤/ ٣١٨)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤٠).
(٣) انظر: مواهب الجليل للحطاب (١/ ٤٧٢)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف الغرناطي (٢/ ١٤٤)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٢٩٨).
(٤) انظر: الكافي لابن قدامة المقدسي (١/ ٣١٥)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١١٠)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (٢/ ٨٨).
(٥) الصحاح للجوهري (٦/ ٢٤٤٣)، ومختار الصحاح لأبي بكر الرازي (ص ٢٢٣).
(٦) المغرب في ترتيب المعرب لبرهان الدين الخوارزمي (ص ٣٣٥).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٥).
[ ٢ / ١٨٧ ]
قَعَدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ بِالاتِّفَاقِ) وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ النَّوَافِلِ.
(وَمَنْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ أَجْزَاهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالقِيَامُ أَفْضَلُ. وَقَالَا: لَا يُجْزِتُهُ إِلَّا مِنْ عُذْرِ) (*)؛ لِأَنَّ القِيَامَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ إِلَّا
قوله: يكره بالاتفاق، ثم عندهما لا يجوز، فكيف يوصف بالكراهة؟
عن العلامة مولانا حميد الدين: يجوز أن يراد به أنه صلى ركعة قائما ثم قعد في الثانية ليقرأ لإعيائه، ثم قام وأتم الثانية؛ فإن هذه الصلاة جائزة مع صفة الكراهة (^١).
وفي الخبازية، والكافي قوله: (يكره بالاتفاق)؛ يخالف ما ذكر قبل هذا بقوله: (لو قعد عنده يجوز) (^٢)، فإن سوقه ينفي كراهة القعود بلا عذر، وكذا إطلاق ما ذكر في باب النوافل.
وذكر في مبسوط شيخ الإسلام، وجامع أبي المعين: لو قعد في النفل لا يكره عنده في الصحيح؛ لأن الابتداء على هذا الوجه مشروع بلا كراهة، فالبقاء أولى؛ لأن حكم البقاء أسهل من حكم الابتداء؛ ألا ترى أن الحديث يمنع ابتداء الصلاة ولا يمنع بقائها (^٣).
قوله: (ومن صلى في السفينة) قيد بها؛ لأنه لو صلى على العجلة وهي على الدابة لا يجوز، أما لو كانت على الأرض يجوز.
وقيد بقوله: (قاعدًا)؛ لأنه لو صلى مسافرًا فيها بالإيماء لا يجوز، سواء كانت مكتوبة أو نافلة؛ لأنه يمكنه أن يسجد فيها فلا يعذر، والإيماء شرع عند العجز.
وقيد بقوله: (من غير عذر)؛ لأن عند العذر تجوز الصلاة قاعدًا بالاتفاق،
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٧، ٨).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/¬٦٤٦).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٦، ٦٤٧).
[ ٢ / ١٨٨ ]
لِعِلَّةٍ. وَلَهُ:
وينبغي للمصلي فيها أن يتوجه إلى القبلة كيف ما دارت السفينة؛ لأن التوجه فيها إلى القبلة فرض بالنص عند القدرة، وهذا قادر، بخلاف راكب الدابة؛ لأنه عاجز عن استقبالها، حتى إن الراكب يسير نحو القبلة فأعرض عن القبلة؛ لم تجز صلاته. كذا ذكره الإمام السرخسي (^١).
ثم قولهما: وهو قول الشافعي (^٢)، ومالك (^٣)، وأحمد قياس (^٤).
ووجهه: أن السفينة كالبيت في حق راكبها؛ بدليل أنه يلزمه استقبال القبلة حال الابتداء وحال البقاء كيف ما دارت السفينة، ولا يجوز التطوع فيها بالإيماء مع القدرة على الركوع كما في البيت، وسقوط القيام للمكتوبة للعجز، وهو منتف لقدرته على القيام، وكذا روي عن ابن عمر أنه قال: سئل النبي ﷺ عن الصلاة في السفينة؟ قال: «صل فيها قائما إلا أن تخافَ الغَرَق» (^٥)، وقال مثله لجعفر ابن أبي طالب ﵁ حين بعثه إلى الحبشة.
وقول أبي حنيفة استحسان، ووجهه أن الغالب من حال راكبها دوران الرأس واسوداد العينين إذا قام، والحكم يبنى على الغالب لا النادر، كنوم المضطجع جعل حدثًا؛ بناء على الغالب من حاله أنه يخرج منه لزوال الاستمساك، وسكوت البكر جعل رضًا بناء على الغالب، وكذا السفر علة للرخصة؛ لأن مبناه على المشقة غالبًا. كذا في المحيط (^٦).
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٣).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٤٤٠)، والمجموع للنووي (٣/ ٢٤٢).
(٣) انظر: المدونة لمالك بن أنس (١/ ٢١٠)، والبيان والتحصيل لابن رشد القرطبي (١/ ٢٤٢)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ٥١٦).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ١٠٧)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (٢/ ٨٩)، وكشاف القناع للبهوتي (١/ ٥٠٢).
(٥) رواه الدارقطني (٢/ ٢٤٦، رقم: ١٤٧٤) والحاكم (١/ ٤٠٩، رقم ١٠١٩)، والبيهقي (٣/ ١٥٥، رقم ٥٦٩٨) وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وحسنه النووي في خلاصة الأحكام (١/ ٣٤٢، ١٠٣٠).
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٥٩).
[ ٢ / ١٨٩ ]
أَنَّ الغَالِبَ فِيهَا دَوَرَانُ الرَّأْسِ وَهُوَ كَالمُتَحَقِّقِ، إِلَّا أَنَّ القِيَامَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ
(وهو)؛ أي: الغالب كالمتحقق.
وذكر الشيخ أبو المعين: الأصل في هذا: أن العلة متى دارت بين الوجود والعدم، فإن كان يمكن الوقوف على حقيقتها، لا يقام السبب الدال عليها مقامها؛ بل يدور الحكم معها، كما في خروج المني مع القبلة والمس؛ لانعدام الحاجة إلى إقامة السبب مقامها، وإن كان لا يمكن الوقوف عليها؛ تعلق الحكم بالسبب الدال عليها؛ لانعدام الوقوف عليها، كما في النوم مضطجعًا مع خروج النجس؛ فإنه يتعلق الحكم بالنوم مضطجعًا لا على الخارج حقيقية.
وإن كان السبب مما لا يخلو عن العلة في الأعم والأغلب، مع إمكان الوقوف على حقيقتها، وكان بحال يكون الانفكاك بينهما في حد الندرة بدون الحكم مع السبب؛ لأن عدمها مع وجود السبب نادر، فسقط اعتبار عدم المشقة، فألحق بالوجود، ودوران الرأس مع القيام في السفينة من هذا القبيل، فإن الدوران غالب، وعدمه نادر؛ فألحق النادر بالموجود، فجعل كالمتحقق.
وقال شيخ الإسلام: ما روي من حديث ابن سيرين، وحديث جنادة؛ لا يجيئان حجة لأبي حنيفة، وله طريق أخرى؛ أن السفينة تشبه الأرض من حيث إنه يباح الجلوس عليها للقرار، ولم يجز ترك الركوع والسجود في التطوع فيها.
ولو تلا آية سجدة مرتين؛ يكفيه سجدة واحدة، وكونها على الأرض لا يكون سببًا لدوران الرأس حتى يقوم مقام العجز.
وتشبه الدابة من وجه؛ لأنها تسير كالدابة، فوفرنا على الشبهين حظهما؛ فلشبهها بالأرض لا يسقط الركوع والسجود والاستقبال، ولشبهها بالدابة يسقط القيام؛ عملا بالشبهين بقدر الإمكان، أبعد عن شبهة الخلاف، فإن عندهما لا يجوز قاعدًا، ولو صلَّى قائمًا يخرج عن العهدة بيقين، فكان أفضل؛ لأنه أسكن لقلبه مع أن فيه خروجا عن العهدة بيقين.
وفي المحيط: ولو صلَّى مع إمكان الخروج منهما؛ جاز؛ لحديث ابن سيرين أنه قال: صلينا مع أنس ابن مالك في السفينة قعودًا، ولو شئنا لخرجنا
[ ٢ / ١٩٠ ]
عَنْ شُبْهَةِ الخِلَافِ، وَالخُرُوجُ أَفْضَلُ إِنْ أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِقَلْبِهِ، وَالخِلَافُ فِي غَيْرِ المَرْبُوطَةِ، وَالمَرْبُوطَةُ كَالشَّطٌ، هُوَ الصَّحِيحُ.
إلى الجمد (^١).
وقال قتادة: صلينا مع جنادة ابن أمية - وهو صحابي في السفينة قعودًا، ولو شئنا لقمنا.
وعن أبي سعيد الخدري، وحذيفة مثله، وحديث ابن عمر، وجعفر؛ محمول على الندب.
وقوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عن قول بعض المشايخ؛ حيث قالوا: يجوز الصلاة فيها قاعدًا وإن كانت مربوطة؛ لأن الرباط تفتح ساعة فساعة، أو ينفتح بهيحان الريح؛ فكان في الخروج خطر عظيم (^٢).
ولكن الصحيح: أنه لا يجوز على قولهم؛ لأن دوران الرأس غالبًا حالة الجري مع أنه يمكن الخروج؛ لأن المربوطة على الشط كالمستقرة على الأرض؛ لإمكان الخروج، فلا يجوز كما في الصلاة على الدابة.
وقال التمرتاشي: هذا إذا كانت مربوطة على الشط، فإن كانت موثوقة بالبحر في لجة البحر وهي تضطرب؛ قيل: تحتمل وجهين، والأصح: أنه إن كانت الريح تحركها تحريكا شديدًا فهي كالسائرة، وإن كان حركتها قليلًا فهي كالواقفة (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: والخلاف في السائرة.
وقيل: في الساكنة أيضًا؛ أما في المربوطة على الشط لا يجوز إلا قائما بالإجماع، وعند الدوران يجوز قاعدًا (^٤).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٥٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٨)، والاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٧٨)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٣).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٨).
[ ٢ / ١٩١ ]
(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ أَوْ دُونَهَا قَضَى، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانُ،
وفي المحيط: لا تجوز الفرائض والنوافل فيها بالإيماء إلا بعذر (^١)، ومتى قدر على الخروج؛ فالمستحب أن يخرج، وإلا فلا، وتجوز الجماعة فيها، وكذا في السفينتين المقرونتين دون الدابة، والدابتين المربوطتين.
ولو اقتدى في الحدة بإمام في السفينة أو على العكس، وليس بينهما طريق أو طائفة من النهر؛ جاز، وإلا فلا.
ولو انفلتت السفينة وهو يصلي بالجمد، فخاف غرقها أو سرقة ماله، أو فوت شيء من متاعه، أو انقلبت دابته، أو خاف الراعي على غنمه من سبع أو عدو، أو رأى أعمى على شفير بئر؛ فله القطع.
وفي الكفاية: وأكثر المشايخ قدروا ذلك المال بدرهم فصاعدا، ولكن ذكر في الكفاية: الحبس بالدانق يجوز، فقطع الصلاة أولى (^٢).
قال في شرح بكر: هذا في مال غيره، أما في مال نفسه؛ لا يقطع، والأصح: جواز القطع فيهما، ولو شدّ السفينة أو الدابة، أو أخذ المتاع بعمل يسير؛ لم تفسد صلاته (^٣).
وفي المبسوط: رجلان في محمل، اقتدى أحدهما بالآخر في التطوع؛ يجوز؛ لعدم ما يمنع الاقتداء (^٤). وعن محمد: استحسن أنه يجوز اقتدائهم؛ إذا كانت دوابهم بالقرب من دابة الإمام، على وجه لا تكون الفرجة بينهم وبين الإمام إلا بقدر الصف؛ بالقياس على الصلاة على الأرض (^٥).
قوله: (وإن كان أكثر من ذلك لا يقضي)، وقال بشر: عليه القضاء وإن
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٥٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٩).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٤٩).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٥١).
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٠٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٥٧)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/¬٤٢).
[ ٢ / ١٩٢ ]
وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِذَا اسْتَوْعَبَ الْإِغْمَاءُ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا، لِتَحَقُّقِ.
طالت مدة الإغماء؛ لأنه مرض، ولا تأثير للمرض في تساقط أصل الصلاة، وقاس الإغماء بالنوم (^١).
(والقياس: ألا قضاء) إلى آخره، وبه قال الشافعي (^٢)؛ لأن وجوب القضاء مبني على وجوب الأداء، ولم يجب الأداء للعجز؛ فلا يجب القضاء، بخلاف النوم؛ لأنه أمر اختياري، فكان كالقادر حكما؛ ولهذا قال أحمد: الإغماء لا يمنع وجوب القضاء بحال؛ لأنه كالنوم (^٣).
وعند الشافعي: إذا كان بمعصية لم يمنع الوجوب أصلا، وإن كان بغير معصية واستوعب وقت صلاة؛ يمنع وجوب القضاء (^٤)، وبه قال مالك (^٥). كذا في الحلية (^٦).
ولكنا استحسنا بحديث علي ﵁؛ أنه أغمي عليه في أربع صلوات فقضاهن، وعمار أنه أغمي يوما وليلة فقضاهن، وابن عمر أغمي عليه يومين.
وقيل: ثلاثة أيام فلم يقض، ولأن الإغماء إذا قصر؛ اعتبر بما قصر عادة وهو اليوم، فلا يسقط القضاء، وإن طال؛ اعتبر بما يطول عادة وهو الجنون والصغر.
وفرق ما بين الطويل والقصير: الزيادة على يوم وليلة؛ لتدخل بها الصلوات في حد التكرار. كذا في المبسوط (^٧)؛ فأشبه الجنون. كذا في بعض الروايات.
والجنون إذا استوعب وقت صلاة كامل؛ يسقط القضاء، بخلاف الإغماء؛ لأن بالجنون يزول العقل الذي هو أصل الأهلية، وبالإغماء لا.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٠٨).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٢/¬١٣)، والمجموع للنووي (٣/¬٦)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ١٩٠).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٩٠)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٣٧٧).
(٤) انظر: البيان للعمراني (٢/¬١٣)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ١٩٠، ١٩١)، والمجموع للنووي (٣/¬٦).
(٥) انظر: الفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٣٥)، ومواهب الجليل للحطاب (١/ ٤٦٩).
(٦) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/¬٨).
(٧) المبسوط للسرخسي (٣/ ٨٨).
[ ٢ / ١٩٣ ]
العَجْزِ فَأَشْبَهَ الجُنُونَ. وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: أَنَّ المُدَّةَ إِذَا طَالَتْ كَثُرَتِ الفَوَائِتُ فَيَتَحَرَّجُ فِي الأَدَاءِ، وَإِذَا قَصُرَتْ قَلَّتْ فَلَا حَرَجَ، وَالكَثِيرُ أَنْ تَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ، وَالجُنُونُ كَالإِغْمَاءِ: كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ ﵀ بِخِلَافِ النَّوْمِ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَهُ نَادِرٌ فَيَلْحَقُ بِالقَاصِرِ، ثُمَّ الزِّيَادَةُ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ
ولهذا لا يجوز وصف الأنبياء ﵈ بالجنون، وواصفهم به كافر، وجاز وصفهم بالإغماء، فكأن المصنف سوّى بينهما في وجه القياس معتمدًا على هذه الرواية.
ثم فرّق بينهما في وجه الاستحسان والأصح: أنه لا فرق بينهما في الصلاة في اشتراط الامتداد للسقوط؛ لأن بالجنون لا تزول الأهلية كما لا تزول بالإغماء؛ لأنه ثبتت بالذمة على ما عرف، والسقوط مبني على الحرج، وذلك لا يحصل بدون الامتداد.
وقوله: (ثم الزيادة …) إلى آخره؛ اختلف في الزيادة على يوم وليلة؛ فاعتبر الكرخي بالصلوات، وذكر الفقيه أبو جعفر اختلافًا بين أبي يوسف ومحمد؛ فعند أبي يوسف: من حيث الساعات، وعند محمد: من حيث الصلوات، فما لم تصر الصلوات ستا؛ لا يسقط عنه القضاء، وهو الأصح (^١).
وثمرة الاختلاف: تظهر فيمن أغمي عليه عند الضحى، ثم أفاق من الغد قبل الزوال بساعة؛ لا قضاء عليه عندهما؛ لأنه أكثر من يوم وليلة من حيث الساعات.
وعند محمد: يجب عليه القضاء؛ لأن الصلوات لم تزد على خمس. هذا الذي ذكرنا: إذا دام الإغماء فلم يفق إلى تمام يوم وليلة، فإن كان يفيق ساعة ثم يعاوده الإغماء؛ لم يذكره محمد في الكتاب، وأنه على وجهين: إن كان لإفاقته وقت معلوم يجوز أن يخف مرضه عند الصبح؛ فهو إفاقة معتبرة يبطل حكم ما قبلها من الإغماء إن كان أقل من يوم وليلة.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ١٤٥)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٩، ١٠)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٨١).
[ ٢ / ١٩٤ ]
الأَوْقَاتُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَتَحَقَّقُ بِهِ، وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ (*) هُوَ المَأْثُورُ عَنْ عَلِيٌّ وَابْنِ عُمَرَ ﵄.
وأما إذا لم يكن لإفاقته وقت معلوم، لكنه يفيق بغتة يتكلم بكلام الأصحاء ثم يغمى عليه؛ فهذه الإفاقة غير معتبرة؛ ألا ترى أن المجنون قد يتكلم في جنونه بكلام الأصحاء ولا يعد ذلك منه إفاقة. كذا في المحيط (^١).
وذكر شيخ الإسلام: فمحمد اعتبر الكثرة بحقيقة التكرار، وحقيقة التكرار بفوات الست، وهما اعتبرا الأثر في ذلك، والعبرة في المنصوص عليه لعين النص لا للمعنى (^٢).