وذكر أبو بكر: والمرأة تصلح إماما للرجل فيها (^١).
مسألة غريبة، ذكرها في عدة المفتي.
رجل صلى الفجر بعشرين سجدة، فكيف هذا؟
قال الشهيد: هذا رجل أدرك الإمام في سجدتي الركعة الثانية، وعلى الإمام سهو، فسجد سجدتين، ثم تذكر الإمام أنه ترك سجدة تلاوة فسجد لها، وقعد وسلم وسجد للسهو سجدتين، ثم تذكر سجدة صلبية من الركعة الأولى، فسجدها ثم سجد للسهو، ثم قام المسبوق وقرأ آية السجدة، ونسي أن يسجد لها، وسجد سجدتي الركعة الثانية، ثم تذكر أنه قعد بين الركعتين ناسيا، فسجد للسهو سجدتين، ثم تذكر سجدة تلاوة فسجد لها، ثم تشهد وسلم، وسجد للسهو سجدتين، ثم تذكر سجدة تلاوة فسجد لها، ثم تشهد وسلم، وسجد للسهو سجدتين، والله أعلم (^٢).
(باب صلاة المسافر)
لما ناسب باب سجدة التلاوة بباب صلاة المسافر لما ذكرنا؛ ألحقه وقدم باب التلاوة؛ لأن تأثير التلاوة في أصل العبادة، وتأثير السفر في وصفها، فقدم الأصل على الوصف كما هو حقه، أو: لأن سبب السجدة التلاوة، وهي عبادة، وسبب صلاة المسافر، وهو من الأفعال المباحة؛ فقدم العبادة على المعاملة.
ثم السفر لغة: قطع المسافة، والجمع الأسفار، كذا في الصحاح (^٣).
وشريعة: هو الخروج على قصد السير، إلى موضع بينه وبين ذلك الموضع ثلاثة أيام.
وفي الإحياء (^٤): من آداب السفر قبله صلاة الاستخارة، ومتى عزم على
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٨٢)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٩٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٦٨١).
(٣) الصحاح تاج اللغة للجوهري (٢/ ٦٨٥).
(٤) إحياء علوم الدين للغزالي (٢/ ٢٥٣).
[ ٢ / ٢٣٤ ]
(السَّفَرُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الأَحْكَامُ: أَنْ يَقْصِدَ الإِنْسَانُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا
الخروج صلى للسفر؛ لما روى أنس أنه ﵊ قال لرجل يريد السفر: «ما استخلف عبد من خليفة في أهله أحب إلى الله تعالى من أربع ركعات يصليهن في بيته، يقرأ فيهن فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد، ثم يقول: اللهم إني أتقرب بهن إليك، فاخلفني بهن في أهلي ومالي، فهو خليفته في أهله وماله وحرز داره حتى يرجع» (^١).
ويستحب أن يخرج أول النهار يوم السبت أو الخميس؛ لقوله ﵊: «اللهم بارك لأمتي في بكورها يومَ السَّبتِ» (^٢)، وفي حديث آخر لأبي هريرة: «يوم الخميس» (^٣).
قوله: (السفر) الذي يتغير به الأحكام قيد به؛ لأن السفر لغة: سير أدنى المسافة؛ لأنه عبارة عن الظهور؛ ولهذا حمل أصحابنا قوله ﵊: «ليس على الفقير والمُسافرِ أُضحية» (^٤)؛ على الخروج من بلده أو قريته، حتى تسقط الأضحية بذلك القدر.
(أن يقصد): قيد بالقصد؛ لأنه لو طاف جميع الدنيا بلا قصد ثلاثة أيام؛ لا يكون مسافرًا، والاعتبار للقصد مع السير، لا السير المجرد والقصد المجرد.
والإقامة: ضد السفر، تثبت بمجرد النية؛ لأن الحاجة فيه إلى ترك الفعل، وفي الترك يكفيه مجرد النية.
أما السفر؛ فإنشاء فعل، فلا يكفيه مجرد النية. كذا في المبسوط (^٥).
(مسيرة ثلاثة أيام)؛ أي: مع الاستراحات التي تتخللها، أي: من أقصر أيام
_________________
(١) رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق (ص: ٧٢٣، رقم ٦) من حديث أنس ﵁ قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٧٢٣): فيه من لا يعرف.
(٢) بنحوه رواه أبو داود (٣/¬٣٥، رقم ٢٦٠٦) والترمذي (٢/ ٥٠٨، رقم ١٢١٢) من حديث صخر بن وداعة الغامدي ﵁، وقال: حديث حسن.
(٣) رواه الطبراني في الأوسط (٥/ ١٥٥، رقم ٥٢٤٤) من حديث عائشة ﵂ وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٣٢، رقم ٥٥٢) بأيوب بن سويد فقد كان يسرق الحديث.
(٤) قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٢١١): غريب. وقال ابن حجر في الدراية (٢/ ٢١٥): لم أجده.
(٥) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٠٦).
[ ٢ / ٢٣٥ ]
بِسَيْرِ الإِبِلِ وَمَشْيِ الأَقْدَامِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «يَمْسَحُ المُقِيمُ كَمَالَ يَوْمٍ
السُّنَّة. ذكره العتابي، وقاضي خان، وصاحب المحيط (^١).
وفي المبسوط: وفسره في الجامع الصغير: بمشي الأقدام وسير الإبل؛ لأنه الوسط، فإنّ أعجل السير سير البريد، وأبطأه سير العجلة، وخير الأمور أوساطها، وهو مذهب ابن عباس، وإحدى الروايتين عن ابن عمر (^٢).
وقوله: (سير الإبل): بالنصب على البدل من مسيرة، أو على عطف البيان منهما؛ لأن هذا تفسيرها، ولا يشترط في عطف البيان الإعلام؛ لأنه عبارة عن تابع غير صفة يوضح متبوعه، وهذا كذلك.
ثم الأصل في القصر: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] الآية، وقد انتسخ التعليق بخوف الفتنة بالإجماع، فبقي عاما، وبعمومه أخذ نقاد القياس؛ فلم يقدروه بمدة، وهو مذهب داود (^٣).
والصحيح: أنه مقدر؛ لأن مطلق الضرب في الأرض غير مراد بالإجماع، فعند الشافعي (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦): مقدر بمسيرة يومين، وهو ستة عشر فرسخا.
وقيل: بمرحلتين، كل مرحلة ثمانية فراسخ، وهما أربعة برد (^٧).
واحتجوا بأن ابن عباس وابن عمر ﵄ كانا يقصران في أربعة بُرد. رواه البخاري (^٨).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٢)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٧).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٣٥).
(٣) انظر: المحلى لابن حزم (٣/ ٢١٢).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٦٠)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٩٢)، والبيان للعمراني (٢/ ٤٥٣).
(٥) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد القرطبي (١/ ٤٣٠)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٤٨٨)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٧٤).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ١٨٨)، والفروع لابن مفلح (٣/ ٨١)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١١٣).
(٧) بُرد: أي: (٨٨ كم تقريبا).
(٨) رواه البخاري (٢/¬٤٣) معلقا.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وَلَيْلَةٍ، وَالمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» عَمَّتِ الرُّخْصَةُ الجِنْسَ. وَمِنْ ضَرُورَتِهِ عُمُومُ
وفي شرح الوجيز: السفر الطويل: ثمانية وأربعون ميلا بالهاشمي، وهي ستة عشر فرسخا، وهي أربعة برد مسيرة يومين (^١).
وأصل هذا الضبط: تحديد وتقريب وجهان أصحهما: تحديد، وفي قول: أقل مدته يوم وليلة، وفي قول: مقدّر بزمان يقطع فيه ستة وأربعون ميلا.
وجه هذه الأقوال: حديث مجاهد؛ أنه قال: سألت ابن عمر عن أدنى مدة السفر، فقال: أتعرف السويداء؟، قلت: قد سمعت قال: كنا إذا خرجنا إليها قصرنا (^٢)؛ وهي موضع بينه وبين المدينة ستة وأربعون ميلًا. وقيل: ثمانية وأربعون ميلا.
وقيل: عشرون فرسخا، والميل ثلث الفرسخ.
وما روى ابن عباس ﵄، أنه ﵊ قال: «يا أهل مكة، لا تُقْصرُوا الصَّلاة في أدنى من أربعة بُرُدٍ من مكة إلى عَسَفَان» (^٣)، وعندنا مقدر بمسيرة ثلاثة أيام؛ لقوله ﵊: «يمسحُ المقيم …» (^٤) الحديث.
(ومن ضرورته)؛ أي: من ضرورة الجنس: عموم التقدير بثلاثة أيام في حق كل مسافر؛ لأن الألف واللام دخل في المسافر، وأنه لاستغراق الجنس حال عدم المعهود، فيكون لكل مسافر مسح ثلاثة أيام، فلو كانت مدة المسافر أقل من ثلاثة أيام؛ لا يتصور مدة هذه الرخصة لكل مسافر. كذا في الكافي (^٥)، وفيه نوع تأمل.
ولأن الرخصة لمرارة الغربة ومشقة الوحدة، وكمالها: أن يكون الارتحال
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٤٥٣).
(٢) أخرجه محمد بن الحسن في الآثار (١/ ٥٠٠).
(٣) رواه الدارقطني (٢/ ٢٣٢، ١٤٤٧) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٣٧، رقم ٥٦١٠) وضعفه البيهقي وتبعه ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٥٤٢ - ٥٤٣) وصححا وقفه على ابن عباس ﵄.
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٢٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٦)، والبحر الرائق لابن نجم (٢/ ١٣٩).
[ ٢ / ٢٣٧ ]
التَّقْدِيرِ، وَقَدَّرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ بِيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرِ اليَوْمِ الثَّالِثِ، وَالشَّافِعِيُّ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي قَوْلِ، وَكَفَى بِالسُّنَّةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمَا (وَالسَّيْرُ المَذْكُورُ هُوَ الوَسَطُ) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: التَّقْدِيرُ بِالمَرَاحِلِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الأَوَّلِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالفَرَاسِخِ، … …
من غير أهله، والنزول في غير أهله، وذلك في اليوم الثاني، ولأن الثلاثة أقل الكثير وأكثر القليل، ولا يجوز له القصر في قليل السفر؛ فوجب أن يكون في أقل الكثير؛ وهو الثلاثة؛ لأن أكثر الكثير لا حد له، وكذا أوسطه.
والجواب عما تمسكوا: أن ذلك فعلهما، والشافعي ﵀ لا يرى قول الصحابي حجة، فكيف يعمل به، ولأن غيرهما من الصحابة خالفهما، وهو مشهور، ولأن الرواية عنهما مختلفة؛ فإنه روي عن ابن عمر أنه لا يقصر في أقل من ستة وتسعين ميلا.
وفي الينابيع: المراد بالأيام في الكتاب: النهار دون الليالي (^١).
وعن أبي يوسف: أنه قدّر بيومين وأكثر الثالث، وهو رواية عن أبي حنيفة ومحمد؛ لجواز أن يبلغ مقصده في اليوم الثالث بعد الزوال.
وعن أبي حنيفة ﵀: أنه يعتبر بثلاث مراحل.
(وهو)؛ أي: التقدير بالمراحل قريب من الأول؛ لأن المعتاد في كل يوم من السير مرحلة واحدة، خصوصًا في أقصر أيام السنة. كذا في المبسوط (^٢).
فإن قيل: على ما ذكر من التمسك بالحديث، يشكل بمسألة ذكرها في المحيط (^٣)؛ وهو أن المسافر إذا بكر في اليوم الأول، ومشي إلى وقت الزوال، ونزل وبات فيها، ثم بكر في اليوم الثالث، ومشى إلى وقت الزوال، فبلغ إلى المقصد؛ قال شمس الأئمة: الصحيح: أنه يصير مسافرًا عند النية، ومعلوم أنه لا يتمكن من استيفاء مسح ثلاثة أيام في هذه المسألة؛ لأنها ليست بثلاثة أيام كاملة، ومع ذلك أنه مسافر.
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٠٩).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٣٦).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٣).
[ ٢ / ٢٣٨ ]
هُوَ الصَّحِيحُ … … … …
قلنا: إن لم يتمكن حقيقة، قد تمكن منه تقديرًا؛ أن النزول للاستراحة ملحق بالسير في حق تكميل مدة السفر؛ لأن المسافر لا بد له من الاستراحة، وليس الشروط ذهابه من الفجر إلى الفجر؛ لأن الآدمي لا يطيق ذلك، وكذا الدابة؛ فلهذا كان المشي في بعض النهار كافيًا. كذا في المحيط (^١)، وإذا كان كذلك؛ كان نزوله في اليوم الثالث للاستراحة؛ كما في اليومين الأولين، فتلحق مدة الاستراحة بمدة السفر.
وقوله: (هو الصحيح): احتراز عن قول عامة المشايخ؛ فإنهم قدروها بالفراسخ، ثم اختلفوا فيما بينهم:
قيل: أحد وعشرون فرسخًا.
وقيل: ثمانية عشر.
وقيل: خمسة عشر، والفتوى على ثمانية عشر؛ لأنها أوسع الأعداد.
وفي الْمُجْتَبى: وفتوى أكثر أئمة خوارزم: على خمسة عشر (^٢).
وفي الأربعين للبقالي: السفر اثنى عشر فرسخا (^٣).
وفي جامع التاجري: قريب من هذا (^٤).
[وفي المحيط:] (^٥) وعن أبي حنيفة أنه اعتبر ثلاث مراحل، فعلى هذه الرواية: من بخارى إلى كرمسة مدة السفر، وبه أخذ مشايخ بخارى (^٦).
وفي الأنساب: أن الكرمنية من بخارى ثمانية عشر فرسخًا (^٧).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٣، ٢٤).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٤٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٨)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٢٣).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٨).
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٢).
(٧) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢٣٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٤).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
(وَلَا يُعْتَبَرُ السَّيْرُ فِي المَاءِ) مَعْنَاهُ: لَا يُعْتَبَرُ بِهِ السَّيْرُ فِي البَرِّ، فَأَمَّا المُعْتَبَرُ فِي البَحْرِ فَمَا يَلِيقُ بِحَالِهِ كَمَا فِي الجَبَلِ.
قَالَ: (وَفَرْضُ المُسَافِرِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَتَانِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا) وَقَالَ
وجه الصحيح: أن الفراسخ تختلف باختلاف الطريق في السهل والجبل، والبر والبحر، بخلاف المراحل. كذا في المبسوط (^١).
(لا يعتبر به السير في البر)؛ يعني: لو كان للموضع طريقان، أحدهما في الماء، وهو يقطع بثلاثة أيام، والثاني في البر، وهو يقطع بيومين؛ يترخص في طريق البحر لا في طريق البر، ولو انعكس التقدير؛ لانعكس الحكم. وكذا لو اختلف الطريقان في البر؛ يثبت الحكم فيه بحسب ذلك أيضًا. كذا في المحيط (^٢).
(وفي البحر ما يليق بحاله)؛ يعني: ينظر أن السفينة كم تسير في ثلاثة أيام ولياليها عند استواء الريح، يجعل ذلك أصلًا. كذا في جامع قاضي خان (^٣).
وعن أبي حنيفة ﵀: سفر البحر مقدّر بقدر سفر البر. كذا في الْمُجْتَبى والعيون (^٤).
قوله: (وفرض المسافر)؛ قيد بالفرض ليخرج السنن، فإنها لا تنتصف. وقيد بالرباعية؛ ليخرج الفجر والمغرب لا يزيد عليهما، ثم القصر للمسافر عزيمة عندنا، وهو رواية عن مالك، وأحمد (^٥).
وقال الشافعي (^٦)، وأحمد (^٧)، ومالك في رواية القصر (^٨): رخصة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٣٦).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٣).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٣)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٢٢).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٣)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٩٤).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ١٩٩)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٤٨).
(٦) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٦٤)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٤٢٣).
(٧) انظر: الكافي لابن قدامة المقدسي (١/ ٣٠٩)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١٩٨).
(٨) انظر: الفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٥٣)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٥٧).
[ ٢ / ٢٤٠ ]
الشَّافِعِيُّ ﵀: فَرْضُهُ الأَرْبَعُ: وَالقَصْرُ رُخْصَةٌ اعْتِبَارًا بِالصَّوْمِ.
وفائدة الخلاف: تظهر في افتراض القعدة على رأس الركعتين من الرباعية، حتى لو قام إلى الثالثة من غير قعدة؛ فسد فرضه عندنا، ولو أتم صلاته؛ فقد أساء لتأخر السلام.
احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ فإنه شرع القصر بلفظ: فليس عليكم جناح، وهو يذكر للإباحة لا للوجوب، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فدل أن القصر مباح، ولما كان مباحًا؛ كان المسافر فيه بالخيار.
وعن يعلى ابن أمية وقيل: علي ابن ربيعة: سألت عمر: ما بالنا نقصر الصلاة ولا نخاف، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾؟
فقال: أشكل علي ما أشكل عليكم، فسألت النبي ﵊؛ فقال: «هذه صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقْبلُوا صَدقَتُه» (^١)، فعلّق القصر بالقبول، وسماه صدقة، والمتصدق عليه مخير في قبول الصدقة، فلا يلزمه القبول حتما.
وعن عائشة ﵂ قالت: سافرت مع النبي ﷺ، فلما رجعت قال: «ما صنعتِ في سفرك»؟، قالت: أتممت الذي قصرت، وصمت الذي أفطرت، فقال: «أحسنت» (^٢).
ولأن هذه الرخصة شرعت للمسافر، فيتخير فيه كما في الصوم، وكما في الجمعة مع الظهر، ولأنه لو اقتدى بالمقيم يصير فرضه أربعًا، ولو كان فرضه ركعتين؛ لا يتغير بالاقتداء بالمقيم كما في الفجر.
ولنا: ما روي أنه ﵊ قال: «إِنَّ اللهَ تعالى فرضَ عَليكُم الصَّلاة على لسان نبيكم للمقيم أربعًا، وللمسافر ركعتين» (^٣)،، وروي أنه عليه
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٤٧٨، رقم ٦٨٦) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) رواه النسائي (٣/ ١٢٢، رقم ١٤٥٦) وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٥٢٦)، وضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/¬٨).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٤٧٩، رقم ٦٨٧) من حديث ابن عباس ﵁ من قوله.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وَلَنَا: أَنَّ الشَّفْعَ الثَّانِيَ لَا يُقْضَى وَلَا يَأْثَمُ عَلَى تَرْكِهِ،
والصلاة والسلام كان يقصر الصلاة في السفر إلا الفجر والمغرب (^١)، وفيه تأمل.
وعن ابن عمر أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تام غير قصر على لسان نبيكم، وفي رواية: تمام (^٢).
وعن ابن عمر أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، وصلاة الفجر ركعتان، فمن خالف السنة فقد كفر؛ يريد كفران النعمة (^٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قد فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين. رواه مسلم (^٤).
وعنه أنه قال حين سئل عن رجلين، أحدهما يقصر، والآخر يتم؛ فقال للذي يتم: قصرت، وللذي قصر: أكملت.
وعن عائشة ﵂: فرضت الصلاة في الأصل ركعتين، فلما قدم النبي صلى الله عليه والسلام المدينة؛ ضم إلى كل صلاة مثلها غير المغرب؛ فإنها وتر النهار، ثم زيدت في الحضر، وأقرت في السفر.
[وعنه ﵇: «إن الله تعالى وضع شطر الصلاة عن المسافر، وأرخص له الإفطار (^٥)». أخرجه الترمذي، وأبو داود، والنسائي (^٦)] (^٧).
والمعنى: أنه يجوز ترك الركعتين الأخيرتين بلا بدل يلزمه، ولا إثم يلحقه؛ فكان تطوعا كسائر التطوعات، وهو معنى قوله: إن الشفع الثاني لا يقضى ولا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤١، رقم ٢٦٠٨٤) وذكره بعدة ألفاظ الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٥٤، رقم ٢٩٣١، ٢٩٣٣) وقال: رجالها كلها ثقات. وضعف سنده شعيب الأرناؤوط.
(٢) من قول عمر ﵁ أخرجه النسائي (٣/ ١١١، رقم ١٤٢٠). وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ١٠٥، رقم ٦٣٨).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٥١٩، رقم ٤٢٨١).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) في النسخ الاختصار والمثبت هو الصواب الموافق لما في كتب الحديث.
(٦) رواه أبو داود (٢/ ٣١٧، رقم ٢٤٠٨) والترمذي (٢/ ٨٦، رقم ٧١٥) وابن ماجه (١/ ٥٣٣، رقم ١٦٦٧) والنسائي (٤/ ١٨٠، رقم ٢٢٧٥) أنس بن مالك رجل من بني عبد الأشهل، وحسنه الترمذي، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود - الأم - (٧/ ١٦٩، رقم ٢٠٨٣)
(٧) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يأثم على تركه.
وأما الجواب عما تعلقه؛ فقلنا: المراد من القصر المذكور فيها: هو القصر في الأوصاف من ترك القيام إلى القعود، أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لخوف العدو؛ بدليل أنه علّق ذلك بالخوف؛ إذ قصر الأصل غير متعلق بالخوف بالإجماع، بل متعلق بالسفر.
وعندنا قصر الأوصاف عند الخوف مباح لا واجب، مع أن رفع الجناح في النص؛ لدفع توهم النقصان في صلاتهم، بسبب دوامهم على الإتمام في الحضر، وذلك مظنة توهم النقصان، فرفع عنهم ذلك.
وأما تعلقه بحديث الصدقة؛ فقلنا: هو دليلنا؛ لأنه أمر بالقبول، والأمر للوجوب، ولأن هذه صدقة واجبة في الذمة؛ فليس له حكم المال، فيكون إسقاطا محضًا كما ذكر في الأصول، فلا يزيد بالرد؛ كالصدقة بالقصاص، والطلاق والعتاق يكون إسقاطا لا يرتد بالرد، فكذا هذا.
وأما تعلقه بقول عائشة ﵂ غير مستقيم؛ لأن الروايات تعارضت منها.
وقيل: إنها كانت تنتقل من بيت بعض أولادها إلى بعض، فلم تكن مسافرة شرعًا.
وفي شرح الإرشاد وهو محمول على إتمام الأركان، وكذا كل ما جاء في الأخبار من الإتمام؛ بدليل ما روي في حديث مشهور، أنه ﵊ صلّى الظهر بأهل مكة عام حجة الوداع ركعتين، ثم أمر مناديا ينادي: «يا أهل مكة، أتموا صلاتكم؛ فإنا قومٌ سَفَرٍ» (^١)، ولو كان فرض المسافر أربعًا؛ لم يحرمهم فضيلة الجماعة معه (^٢).
وأما اعتباره بالصوم؛ فقد بينا أن ترك الشيء لا إلى بدل دليل النقلية، وفيه
_________________
(١) رواه أبو داود (٢/¬٩، رقم ١٢٢٩)، والترمذي (١/¬٦٨٢، رقم ٥٤٥) من حديث عمران بن حصين ﵁ وقال: حسن صحيح.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬١١).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وَهَذَا آيَةُ النَّافِلَةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يُقْضَى (وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ قَدْرَ
بدل، وهو القضاء بالنص، فلا يلزمنا، ولأن جهة اليسر فيه مترددة غير متعينة في القصر لما عرف في الأصول، فتخير جهة اليسر فيها متعينة في القصر؛ فلم يتوجه التخيير لما عرف في الأصول.
وأما قوله: لو كان فرضه ركعتين لا يتغير؛ ينتقض بظهر المقيم، فإن فرضه بدون القوم أربع، وبسبب القوم وهو الجماعة يصير ركعتين؛ وهو الجمعة. كذا ذكره شيخ الإسلام (^١).
وفي المبسوط: لا يدخل القصر في غير الرباعية؛ لأن القصر عبارة عن سقوط شطر الصلاة، وفي الرباعية بعد سقوط شطرها؛ تبقى صلاة كاملة، بخلاف غير الرباعية؛ حيث لا تبقى بعد السقوط صلاة كاملة؛ فلهذا لا يدخله القصر (^٢).
وقوله: (وهذا)؛ أي: كون الشفع الثاني لا يقضى ولا تأثم على تركه.
فإن قيل: يشكل هذا بالزائد على قراءة آية أو ثلاث آيات؛ فإنه لو أتى به يثاب ويقع فرضًا، ولو تركه لا يعاقب، ولو فعله يثاب ويقع فرضًا، وكذا [بالزائد على قدر الفرض في الركوع والسجود؛ فإنه بهذه المثابة، وبصوم المسافر؛ فإنه لو تركه لا يعاقب، ولو فعله يثاب ويقع فرضًا، وكذا] (^٣) من له الاستطاعة على الحج؛ لو تركه لا يعاقب، ولو أتى به يثاب ويقع فرضًا.
قلنا: الزائد على آية أو ثلاث إنما يقع فرضًا بعد الإتيان به بدليل آخر؛ وهو أن الواجب في الأمر المطلق؛ ما ينطلق عليه اسم المأمور بحصول الامتثال به، ولكن لو أتى بالزيادة يقع فرضًا؛ لدخوله تحت الأمر، وتناول مطلق الأمر إياها على ما عرف تحقيقه في الأصول، فالأمر بالقراءة والركوع والسجود من هذا القبيل، فما وجد من هذه الأفعال يكون فرضًا، ولم يوجد مثله فيما نحن فيه؛
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬١١).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٨).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
التَّشَهُدِ أَجْزَأَتْهُ الأُولَيَانِ عَنْ الفَرْضِ، وَالأَخْرَيَانِ لَهُ نَافِلَةٌ) اعْتِبَارًا بِالفَجْرِ، وَيَصِيرُ
لأن الأمر بالظهر غير مطلق؛ بل هو مقيد بالأربع في حق المقيم، وبالركعتين في حق المسافر؛ ألا ترى أنه لو اكتفى بركعة لا يجوز مع أنها صلاة، ولو زاد على الأربع لا يجوز عن الفرض، ثم لما تعينت الركعتان للفرضية في حق المسافر؛ لخروجه عن العهدة بهما بالإجماع؛ لم يبق الأربع فرضًا؛ لأن الأمر لا يتناول إلا أحدهما.
أما الصوم، فقد دخل تحت الأمر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فالمأمور في حق المسافر والمقيم شيء واحد، إلا أنه رخص للمسافر بالإفطار؛ فلا يعاقب بالترك، ولو أتى به يقع فرضًا.
وأما الفقير، فإنما لا يعاقب على ترك الحج؛ لعدم شرطه وهو الاستطاعة، فأما إذا تحمل المشقة، وبلغ مكة، فقد حدثت له الاستطاعة؛ لأن الشرط عند قرب المسافة: الاستطاعة بالبدن وقد تحققت فيقع ما أداه فرضًا كما لو صار عينًا. كذا قرره شيخي العلامة (^١)، وفيه نوع تأمل.
وفي المحيط: اختلف في السنن، ولا قصر فيها بالاتفاق؛ لأنه شرع تحقيقا وهو في الفرائض؛ بل هو مخير بين الفعل والترك، فقيل: الترك أفضل ترخصا (^٢).
وقد روي عن أبي بكر وغيره من الصحابة ﵃ تركها.
وقيل: الفعل أفضل تقربا.
وقال الهندواني: حال النزول؛ الفعل أفضل، وحال السير؛ الترك أفضل (^٣).
وقيل: يصلي سنة الفجر لفوتها.
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١١).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢٢٢).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١١)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٣٤)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٤١).
[ ٢ / ٢٤٥ ]
مُسِيئًا لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ (وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ قَدْرَهَا بَطَلَتْ) لِاخْتِلَاطِ النَّافِلَةِ بِهَا قَبْلَ إِكْمَالِ أَرْكَانِهَا.
وقيل: سنة المغرب أيضًا.
وفي المبسوط: لا بأس بترك السنن (^١)، وهذا يدل على أن الفعل أفضل.
وتأويل ما روي عن بعض الصحابة: أنه حالة السنن على وجه لا يمكنه المكث لأدائها لتأخير السلام؛ إذ السلام واجب، ولأنه ترك واجب تكبيرة الافتتاح في الفعل.
بطلت لاختلاط إلى آخره: كما في الفجر.
وعند الشافعي، وأحمد، ومالك: لا تبطل؛ لما تقدم أن عندهم رخصة ترفيه.
وفي الْمُجْتَبى عن الحسن بن حي: لو افتتحها المسافر بنية الأربع؛ أعاد حتى يفتتحها بنية الركعتين (^٢).
قال الرازي: وهو قولنا؛ لأنه إذا نوى أربعًا؛ فقد خالف فرضه، كنِيَّتِهِ الفجر أربعًا، ولو نواها ركعتين ثم نواها أربعًا بعد الافتتاح؛ فهي ملغاة، كمن افتتح الظهر ثم نوى العصر (^٣).
فإن قيل: يشكل على هذه القراءة، فإن المسافر إذا لم يقرأ في الركعتين، وقام إلى الثالثة، ونوى الإقامة، وقرأ في الآخريين؛ تجوز صلاته عندهما خلافًا لمحمد، والمسألة في نوادر المبسوط، وركعتا المسافر كما تحتاجان إلى القعدة؛ تحتاجان إلى القراءة، ثم فسدت في حق القعدة هاهنا، ولم تفسد في حق القراءة.
قلنا: هذا لا يشكل؛ لما أنه لو ترك القعدة هنا، وقام إلى الثالثة، ونوى الإقامة فأتمها أربعًا؛ تجوز صلاته أيضًا؛ لبقاء التحريمة، فتؤثر النية. كذا في
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٨).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١١)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٣٤).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١١)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٣٤).
[ ٢ / ٢٤٦ ]
(وَإِذَا فَارَقَ المُسَافِرُ بُيُوتَ المِصْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ الإِقَامَةَ تَتَعَلَّقُ … … .
نوادر المبسوط (^١).
قوله: (فارق بيوت المضر صلى ركعتين)، وبه قال الشافعي (^٢)، وأحمد (^٣)، ومالك (^٤) ﵃ في رواية، ولكن الشرط عندهم: أن لا يحاذيه عن يمينه أو يساره شيء من البنيان.
وفي رواية: أن يكون من المصر ثلاثة أميال، وحكي عن عطاء أنه قال: إذا دخل عليه وقت صلاة بعد خروجه من منزله، قبل أن يفارق بيوت المصر؛ يباح له القصر.
وقال مجاهد: إذا ابتدأ السفر بالنهار؛ لا يقصر حتى يدخل الليل، وإن ابتدأ بالليل؛ لا يقصر حتى يدخل النهار.
ولنا: ما روي أنه ﵇ صلّى الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحُلَيْفَة ركعتين (^٥).
وروي أن عليًا ﵁ خرج من البصرة يريد الكوفة؛ صلى الظهر أربعًا، ثم نظر إلى خُص وهو بيت من قصب أمامه فقال: لو جاوزنا هذا الخص لقَصَرْنا. كذا في المحيط (^٦).
ولأن المسافر إذا وصل إلى عمارة بلده ترك الترخص، فالحصول في هذا الموضع لما قطع الترخص بالثانية، فلأن يمنع ابتداءه أولى، فهذا معنى قول المصنف: (لأن الإقامة تتعلق) إلى آخره.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٠٤).
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٠٩)، والبيان للعمراني (٢/ ٤٦٢).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ١٩٢)، والشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ٩٧)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١١٦).
(٤) المدونة لابن القاسم (١/ ٢٠٦)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٤٤)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٤٩٢).
(٥) رواه البخاري (٢/¬٤٣، رقم ١٠٨٩) ومسلم (١/ ٤٨٠، رقم ٦٩٠) من حديث أنس.
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٥).
[ ٢ / ٢٤٧ ]
بِدُخُولِهَا فَيَتَعَلَّقُ السَّفَرُ بِالخُرُوجِ عَنْهَا. وَفِيهِ الأَثَرُ عَنْ عَلِيٌّ ﵁: «لَوْ جَاوَزْنَا هَذَا
(بدخولها)؛ أي: بدخول بيوت المصر.
(بالخروج)؛ أي: بخروج بيوت المصر تحقيقا للمقابلة.
قال شيخ الإسلام: يعتبر مفارقة بيوت المصر من جانب خروجه، وإن كان بحذائه بيتان من الجانب الآخر؛ لأن المعتبر جانب الخروج (^١).
وذكر الصدر الشهيد: مسافر خرج من بخار، فلما بلغ إلى [أزبكستان] (^٢) قصر، أو إلى رباط وليان؛ اختلف المشايخ فيه، والمختار: أنه يقصر؛ لأنه جاوز الربط، ومتى جاوزه؛ فقد جاوز عمران البلد (^٣).
والصحيح: أنه يعتبر مجاوزة عمران المصر، إلا إذا كان ثمة قرية أو قرى متصلة بربض المصر؛ فحينئذ يعتبر مجاوزة القرى. كذا في المحيط (^٤).
وقال التمرتاشي: والأولى: أن ينفصل عن المصر قدر غلوة حتى يقصر (^٥).
وفي المبسوط: لو كان من جانب خروجه محلة منفصلة، وكانت متصلة بالقديم؛ قيل: لا يقصر حتى يجاوزها (^٦).
وفي المحيط: لا يقصر حتى يجاوزها؛ لأنها من المصر (^٧).
قال صاحب الْمُجْتَبى: وهذه واقعة جرجانية خوارزم (^٨)، فإنها بعد الغيبة العامة انقطعت بنيانها، والظاهر هو للقصر إذا انفصل المسافر عن جانبه؛ لأن النون بينهما أكثر من غلوة، واختيار صاحب المحيط ظاهرًا؛ فيما إذا بقي أصل
_________________
(١) انظر: مجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٦١)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ١٢١).
(٢) ما بين المعقوفتين: مثبت من المحيط البرهاني، وفي المخطوط: (رسكتسان).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢٥/¬٢).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٥).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٣٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬١٥)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٣٩).
(٦) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٥).
(٧) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٥).
(٨) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٤٠).
[ ٢ / ٢٤٨ ]
الخُصَّ لَقَصَرْنَا»
البلد وخرب طرف منه.
وجرجانية خربت بأسرها، ولم يبق فيها دار ولا ديار حتى التحقت بالموات، ثم عمرت بعد زمان، فكل قطعة منها منسوبة إلى وال وقوم، فكانت كل واحدة بمنزلة قرية على حدة.
وفي المبسوط: ولو كانت القرى متصلة بربض المصر؛ قصر بالخروج عن المصر (^١).
وقيل: لا حتى يجاوزها ولو بفراسخ، إلا أن يكون بينهما انفصال، وحد الانفصال: مائة ذراع، قيل: قدر ما لا يسمع الصوت.
وقيل: قدر غلوة.
وقيل: قدر سكة، فإن جاوز القرى المتصلة قصر.
وقيل: لا حتى ينأى عنها، وحد النأي كحد الانفصال.
وقيل: حد فناء المصر قدر ميل.
وقيل: حد النأي وحد الفناء واحد، وهو قدر غلوة ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع، وهو الأصح.
وفي الحاوي: سافر الرستاقي؛ يقصر إذا جاوز بيوت القرية وحيطانها، وإن لم يكن قرية فالبيوت. كذا في المجتبى (^٢).
وعند الشافعي: القروي إذا جاوز البساتين والمزارع المحوطة يقصر، والبدوي إذا انفصل عن الحلة؛ إذ الحلة كالحي، ويعتبر مع ذلك مجاوزة مرافقها، كمطرح الرماد، وملعب الصبيان، ومعاطن الإبل (^٣).
_________________
(١) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١٣٢١)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٦١)، وفتاوى قاضي خان (١/ ٨٠).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬١٦).
(٣) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٤٣٩)، والمجموع للنووي (٤/ ٣٤٩)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣٨٢).
[ ٢ / ٢٤٩ ]
(وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَنْوِيَ الإِقَامَةَ فِي بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ
فإن قيل: يشكل على هذا كله جواز صلاة الجمعة والعيدين في فناء المصر.
قال الإمام السرخسي: والصحيح: أن الفناء مقدر بالغلوة، وقدرها بعضهم بفرسخين، وبعضهم بثلاثة فراسخ. ذكره في المحيط (^١)، ولا شك أن المصر شرط لجواز هذه الصلوات حتى لا تجوز في القرى، فلما أعطيت هذه المواضع حكم المصر في حق هذه الصلوات؛ فكيف أعطيت حكم غير المصر في حق القصر؟.
قلنا: فناء المصر إنما يلحق فيما كان من حوائج أهل المصر، فصلاة الجمعة والعيدين من حوائج أهل المصر، فأما قصر الصلاة فليس من حوائج أهل المصر، فلا يلحق بالمصر فناؤه في حقه، مع أن على قول بعض المشايخ لا تجوز الجمعة خارج المصر؛ إذا كان ذلك الموضع منقطعًا عن العمران، والفقيه أبو الليث يفتي بجوازها في الفناء (^٢).
قوله: (ولا يزال على السفر …) إلى آخره، وفي بعض نسخ القدوري: على حكم السفر، ثم عند الشافعي: إذا نوى إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج؛ يصير مقيمًا (^٣)، وبه قال مالك (^٤)، وعن أحمد: أنه لو نوى إقامة مدة يفعل فيها أكثر من عشرين صلاة؛ لم يقصر (^٥)، وهو قريب من مذهب الشافعي ﵀.
وعن ابن عباس، وإسحاق: لو نوى إقامة تسعة عشر يوما لم يقصر.
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٦).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٣٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬١٥).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٧١)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤١)، والبيان للعمراني (٢/ ٤٧٣).
(٤) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد القرطبي (٢/¬٢٦)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٣٦١)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٨١).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣١٠)، والعدة لبهاء الدين المقدسي (ص ١١١)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٢٩٥).
[ ٢ / ٢٥٠ ]
أَكْثَرَ، وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَصَرَ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مُدَّةٍ، لِأَنَّ السَّفَرَ يُجَامِعُهُ
وعن الحسن ابن صالح: لو نوى إقامة عشر أيام لم يقصر.
وعن الأوزاعي: لو نوى إقامة اثني عشر يوما أتم، وبه قال الثوري.
وعن الليث ابن سعد ﵁: لو نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يوما أتم، وإلا فلا.
وعندنا: إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم، وبه قال النواوي، واختاره المزني (^١).
واحتج الشافعي ﵀ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ [النساء: ٩٤]؛ فإنه تعالى أباح القصر بالضرب في الأرض، فمفهومه يقتضي أنه متى ترك الضرب والسير؛ لا يباح له القصر، إلا إنا تركنا مفهوم الآية في أقل من مدة أربعة أيام بالإجماع، فبقي الباقي على ظاهره.
وبما روي أنه ﵊ رخص للمهاجرين في المقام بمكة، بعد قضاء مناسك الحج، ثلاثة أيام غير يوم الدخول والخروج، فإنه ﵊ دخل بعد صبح الأحد، وخرج بعد صبح خميسه؛ فهذا دليل على أن بالزيادة يثبت حكم الإقامة.
وعن عمر ﵁ أنه لما أجلى اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ثم ضرب لمن يقدم منهم تاجرًا أن يقيم ثلاثة أيام، فعلم أن ثلاثة أيام مدة المسافر، فإذا زاد على ذلك؛ صار مقام المقيم.
وبما روي عن عثمان ﵁ أنه قال: من أجمع على إقامة أربعة أيام أتم الصلاة.
ولما اختلف الصحابة ﵃؛ كان الأخذ بقول عثمان أولى للاحتياط.
ولنا: ما روى مجاهد عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: إذا دخلت بلدة وأنت مسافر، وفي عزيمتك أن تقيم بها خمسة عشر يومًا؛ فأكمل الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن؛ فاقصر. وعن عثمان مثله أيضًا، فدل على رجوعه.
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٤٣٢)، والمجموع للنووي (٤/ ٣٦٤).
[ ٢ / ٢٥١ ]
اللُّبْثُ، فَقَدَّرْنَاهَا بِمُدَّةِ الظُّهْرِ؛
وعن عطاء، وإبراهيم أنهما قالا: أقل مدة الإقامة خمسة عشر يوما.
وسبيل ذلك التوقيف، فنزل منزلة المنصوص، وروى جابر أنه ﵊ دخل مكة صبيحة يوم الرابع من ذي الحجة، وخرج إلى منى يوم التروية، وكان يقصر الصلاة، وقد أقام أكثر من أربعة أيام.
فإن قيل: الحديث محمول على ما إذا لم ينو الإقامة، وبدون النية مقيمًا بأربعة أيام عنده.
قلنا: لا يصح هذا؛ لأنه ﵊ دخل مكة للحج، ومن دخل للحج لا بد أن ينوي الإقامة حتى يقضي حجه، وقضاء حجة فيما ذكرنا إن كان أكثر من أربعة أيام، ومع ذلك كان يقصر، وفيه نوع تأمل.
وأما تعلقه بالآية؛ فقلنا: لما ترك ظاهر الآية بالإجماع، فكان الأخذ بما قلنا أولى؛ بما روينا وللاحتياط، وأما الحديث: فإنه ﵊ إنما قدر هذا؛ لأنه علم أن حوائجهم كانت ترتفع في هذه المدة، لا لتقدير أدنى مدة الإقامة.
وأما ما روي عن عثمان؛ معارض بما روي عنه أنها مقدرة بخمسة عشر يوما، فدل على رجوعه كما قلنا.
وأما دعوى الاحتياط؛ فقلنا: هذا يشكل بما لو نوى الإقامة ثلاثة أيام أو أقل؛ فإنه لا يصير مقيمًا، وإن كان الاحتياط فيه، ولأن في التكميل ترك الاحتياط؛ فإنه متى ترك القعدة الأولى تجزئه صلاته، فالاحتياط أن يؤخذ فيه بالفساد، فكان معنى الاحتياط فيما يتعارض هاهنا، وفيه نوع تأمل.
وما قلنا أوفق للقياس؛ لأن الإقامة أصل كالظهر، والسفر عارض كالحيض، ثم ثبت أقل مدة الطهر خمسة عشر يوما بالاتفاق، فكذا مدة الإقامة، مع أن ما قاله الشافعي خلاف الإجماع. هكذا قال الطحاوي؛ لأنه لم ينقل عن أحد قبله بأن يصير مقيما بأربعة أيام. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬١٩).
[ ٢ / ٢٥٢ ]
لِأَنَّهُمَا مُدَّتَانِ مُوجِبَتَانِ، وَهُوَ مَأثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، وَالْأَثَرُ فِي مِثْلِهِ كَالخَبَرِ، وَالتَّقْبِيدُ بِالبَلْدَةِ وَالقَرْيَةِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُ نِيَّةُ الإِقَامَةِ فِي المَفَازَةِ
ولأن الشارع سوى بين مدة الحيض على ما روينا، فقدرنا مدة الإقامة بمدة الظهر؛ لمضاتهما الحيض والسفر، فإن الظهر يعيد ما سقط من الصلوات والصوم، كما أن الإقامة تعيد ما سقط من شطر الصلاة، وهو معنى قوله: (مدتان موجبتان)، إلا أن الظهر إيجابها في الأصل، والإقامة في القدر بالتكميل، وألا ترى قول الصحابي.
(في مثله)؛ أي: المقدرات التي لا يهتدي إليها العقل.
(كالخبر)؛ أي: كالمروي عن النبي ﷺ.
فإن قيل: كيف قال هذا مع أنه قال: فيه معنى معقولا؛ وهو إلحاقها بالظهر بجامع الموجبية؟
قلنا: ذلك إظهار معنى بعد ثبوت أصله بالخبر، لا أن يثبت أصله بالدليل المعقول، فكان هذا من قبيل ترجيح أحد الأمرين بموافقة القياس، وما قلنا: إنه يصير بنية الإقامة مقيمًا إذا سار ثلاثة أيام، فأما إذا لم يسر فعزم على الرجوع، أو نوى الإقامة؛ يصير مقيمًا وإن كان في المفازة. كذا ذكره فخر الإسلام في العوارض المكتسبة، وكذا في الحميدية، والكاثي (^١).
وفي الْمُجْتَبَى: لا يبطل السفر إلا بنية الإقامة، أو دخول الوطن، أو الرجوع إليه قبل الثلاثة (^٢)، وبه قال الشافعي في الأظهر (^٣).
ونية الإقامة إنما تؤثر بخمس شرائط: أحدها: ترك السير، حتى لو نوى الإقامة وهو يسير؛ لم تصح. وثانيها: صلاحية الموضع، حتى لو نوى الإقامة في بر أو بحر أو جزيرة؛ لم تصح واتحاد المدة والموضع، والاستقلال بالرأي، حتى لو نوى من كان تبعًا لغيره؛ لا تعتبر كالجندي، والزوجة،
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬١٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬١٩).
(٣) انظر: المجموع للنووي (٤/ ٣٥٠)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣٨٣)، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ٢٣٦).
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وَهُوَ الظَّاهِرُ (وَلَوْ دَخَلَ مِصْرًا … … …
والرقيق، والأجير، والتلميذ مع أستاذه، والغريم المفلس مع صاحب الدين، إلا إذا نوى متبوعه. ولو نوى المتبوع الإقامة ولم يعلم بها التابع؛ فهو مسافر حتى يعلم، كالوكيل إذا عزل، وهو الأصح.
وعن بعض أصحابنا: يصيرون مقيمين، ويعيدون ما أدوا في مدة عدم العلم.
وقوله: (وهو الظاهر)؛ أي: الظاهر من الرواية، احتراز عما روي عن أبي يوسف: أن الرعاة إذا نزلوا موضعا كثير الماء والكلأ، ونووا الإقامة مدة خمسة عشر يوما، والماء والكلأ يكفيهم لتلك المدة؛ صاروا مقيمين، وكذا التراكمية والأعراب.
وفي ظاهر الرواية: لا تصح نية الإقامة إلا في موضعها؛ وهو العمران، والبيوت المتخذة من الحجر والمدر والخشب، لا الخيام والأخبية والوبر. كذا في فتاوى قاضي خان (^١).
قوله: (ولو دخل مصرًا) إلى آخره: ثم للشافعي فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقصر أربعة أيام.
والثاني: أنه يقصر ثمانية عشر يوما؛ لما روى أن ابن عباس قال: أنه ﵊ أقام عام الفتح لحرب هوازن سبعة عشر يوما، أو ثمانية عشر وهو يقصر، فإذا زاد على ذلك يتم؛ [لما روي أن ابن عباس ﵄ قال: أنه ﵇ أقام لحرب هوازن ثمانية عشر (^٢)، فمن أقام أكثر من ذلك؛ يتم] (^٣)، فبقي ما زاد على الأصل؛ إذ القصر عارض، فلم يثبت إلا بقدر ما نقل، ولأنه تعالى قال: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ [النساء: ٩٤]، وهو ليس بضارب في الأرض.
والثالث: أنه يقصر أبدًا (^٤). وهو مذهبنا؛ لما روى جابر ﵁ أنه عليه
_________________
(١) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٨٦)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٤٢).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٥١، رقم ٥٦٨٠) من حديث عمران بن حصين ﵁.
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٧٣)، والتنبيه للشيرازي (ص ٤١)، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٤٣٣).
[ ٢ / ٢٥٤ ]
عَلَى عَزْمِ أَنْ يَخْرُجَ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ وَلَمْ يَنْوِ مُدَّةَ الإِقَامَةِ حَتَّى بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ
الصلاة والسلام أقام بتبوك عشرين يوما وهو يقصر (^١)، ولما روى ابن عباس ﵄ أنه ﵊ أقام على خيبر أربعين يوما وهو يصلي ركعتين (^٢)، ولإجماع الصحابة ﵃، فإنه روي عن سعد ابن أبي وقاص ﵁ أنه أقام بقرية من قرى نيسابور شهرين يقصر، وكذا علقمة بن قيس أقام بخوارزم سنين وهو يقصر الصلاة، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر، وكذا روي عن ابن عباس والصحابة ﵃، أنهم أقاموا بروس هر تسعة أشهر يقصرون، ولأنه لو خرج خلف غريم أو خرج صاحب جيش لطلب العدو ولم يعلم أين يدركه؛ لم يصر مسافرًا ما لم ينو السفر، وإن طاف جميع الدنيا. ذكره في فتاوى العتابي (^٣).
فكذا لا يصير مقيمًا ما لم ينو المكث أدنى مدة الإقامة وإن طال مكثه؛ لأنه ضد السفر، فلما لم يثبت السفر بنية الإقامة؛ لم تثبت الإقامة بنية السفر، وما روي دليلنا؛ لأنه ﵊ كان يقصر عند عدم نية الإقامة.
وأما ما قال: يبقى ما زاد لي الأصل.
فقلنا: ترك ذلك بإجماع الصحابة، وبما روينا. كذا في المبسوطين (^٤).
قال الترمذي: أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم ينو إقامة وإن أتى عليه سنون (^٥).
ذكر في العارضة: رواية قصره ﵊ بمكة خمسة عشر ضعيفة، وما قال: إنه ليس بضارب في الأرض غير مسلم؛ لأنه ضارب؛ إذْ قصده أن يخرج إذا أتم حاجته، وهذا المقدار لا يضره لتحققه فيما دون ثمانية عشر.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٢، رقم ٤٣٣٥) وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٨، رقم ٨٢٠٩).
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٣) وقال: البلاء فيه من أيوب بن سويد لا من الحسن بن عمارة.
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٣٧)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٨٥).
(٤) انظر: الأصل للشيباني (١/ ٢٦٦)، والمبسوط للسرخسي (١/ ٢٣٧).
(٥) انظر: سنن الترمذي (٢/ ٤٣١).
[ ٢ / ٢٥٥ ]
سِنِينَ: قَصَرَ)؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَكَانَ يَقْصُرُ. وَعَنْ جَمَاعَةٍ من الصَّحَابَةِ ﵃ مِثْلُ ذَلِكَ.
(وَإِذَا دَخَلَ العَسْكَرُ أَرْضَ الحَرْبِ، فَنَوَوْا الإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا قَصَرُوا، وَكَذَا إِذَا حَاصَرُوا فِيهَا مَدِينَةً أَوْ حِصْنَا) لِأَنَّ الدَّاخِلَ بَيْنَ أَنْ يُهْزَمَ فَيَقِرَّ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْهَزِمَ فَيَفِرَّ، فَلَمْ تَكُنْ دَارَ إِقَامَةٍ (وَكَذَا إِذَا حَاصَرُوا أَهْلَ البَغْيِ فِي دَارِ الإِسْلَامِ
قوله: (قصروا)، وبه قال مالك (^١)، وأحمد (^٢)، وقال زفر: يتمون، وهو رواية عن أبي يوسف، وعن أبي يوسف: إذا غلبوا على بعض البيوت يتمون.
وقال الشافعي في الجديد: يتمون إذا نووا إقامة أربعة أيام؛ لأنهم يتمكنون من الفرار ظاهرا باعتبار الشوكة، وقال في القديم: يقصرون كقولنا (^٣)؛ لأنهم نووا الإقامة في غير موضعها ظاهرًا، لرجوعهم إن غلبوا أو صالحوا أو إن انهزموا، واستقرارهم إن استمر الحال على المحاصرة، والاحتمالات متعارضة، فالظاهر عدم القرار، فلم يكن موضع إقامة.
وفي المبسوط: سأل رجل ابن مسعود - وقيل: ابن عباس- وقال: إنا نطيل الثواء في دار الحرب، فكيف ترى الصلاة؟، فقال: صَلِّ ركعتين حتى ترجع إلى أهلك، ولأن نية الإقامة في غير موضعها؛ لما قلنا: إن فناء البلدة تبع لها، والبلدة لأهل الحرب، فموضع الإقامة كان في أيديهم أيضًا؛ فلا تصح نية الإقامة (^٤)، بخلاف ما لو دخل المستأمن من دار الحرب ونوى الإقامة فيها؛ حيث يصير مقيمًا؛ لأن أهل الحرب لا يتعرضون له، فصار كلا الدارين سواء له. كذا في المحيط (^٥).
(وكذا إذا حاصروا أهل البغي): إنما ذكره هذه مع أن حكمها يعلم بمسألة
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٠٩)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٠٣)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٦٢).
(٢) انظر: الفروع لابن مفلح (٣/ ١٠١).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٧٤)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٩٥)، والبيان للعمراني (٢/ ٤٧٨).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٨).
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٧).
[ ٢ / ٢٥٦ ]
فِي غَيْرِ مِصْرٍ، أَوْ حَاصَرُوهُمْ فِي البَحْرِ)؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ مُبْطِلٌ عَزِيمَتَهُمْ، وَعِنْدَ
دار الحرب؛ لرفع شبهة وهي أن يقال: إنها لا تجوز نية الإقامة في دار الحرب؛ لأنها منقطعة، فصارت كالمفازة، بخلاف مدينة أهل البغي التي في دار الإسلام؛ فإنها في يد أهل الإسلام، فيجب أن تصح نية الإقامة، فقال: لا تصح؛ لأن حالهم يبطل عزيمتهم؛ لأنهم يقيمون لغرض، فإذا حصل انزعجوا، فلا تكون عزيمتهم مستقرة؛ ولهذا قال أصحابنا: في تاجر دخل مدينة لحاجة، ونوى أن يقيم خمسة عشر يوما لقضاء تلك الحاجة: لا يصير مقيما؛ لأنه متردد بين أن يقضي حاجته فيرجع وبين أن لا يقضي فيقيم، فلا تكون نيته مستقرة، كنية العسكر في دار الحرب، وهذا الفصل حجة على من يقول: من أراد الخروج إلى مكان، ويريد أن يترخص للسفر؛ ينوي مكانًا أبعد منه، وهذا غلط.
ذكره التمرتاشي (^١).
ثم التقييد بقوله: (في غير مصر أو في البحر)؛ يوهم أنهم نزلوا مدينة أهل البغي وحاصروهم في الحصن؛ تصح نية الإقامة؛ لكن إطلاق ما ذكر في المبسوط يدل على أنه ليس كذلك؛ فإنه قال: وكذا إذا حاربوا أهل البغي في دار الإسلام (^٢)، أما التعليل يشمل المفازة والمدينة، إلا أنه قيد في الجامع الصغير بغير المصر وبالبحر (^٣)؛ لأنه أظهر في عدم الجواز، وأبعد عن توهم الجواز في غير المصر، أو البحر، فعلل بمعنيين:
أحدهما: أنه ليس بموضع إقامة حقيقة، فإنه يشمل دار الحرب والبغي والإسلام، ولكنه لا يتناول المدينة.
والثاني: أن حالهم يخالف عزيمتهم، أنه يشمل دار الحرب والبغي دون دار العدل، ولكنه يشمل المدينة والمفازة والبحر، فاختار المصنف التعليل بهذا المعنى؛ ليكون إشارة إلى عدم الجواز في المدينة؛ لأن مدينتهم كالمفازة فيه.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٤٤).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٩).
(٣) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٣٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٤٣)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدن (٢/ ١٢٧).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
زُفَرَ ﵀: يَصِحُّ فِي الوَجْهَيْنِ إِذَا كَانَتِ الشَّوْكَةُ (*) لَهُمْ، لِلتَّمَكُّنِ مِنْ القَرَارِ ظَاهِرًا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: يَصِحُّ إِذَا كَانُوا فِي بُيُوتِ المَدَرِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إِقَامَةِ.
(وَنِيَّةُ الإِقَامَةِ مِنْ أَهْلِ الكَلَا - وَهُمْ أَهْلُ الأَخْبِيَةِ - قِيلَ: لَا تَصِحُّ، وَالْأَصَحُّ
كذا قرره شيخي العلامة ﵀ (^١).
(في الوجهين)؛ أي: محاصرة أهل البغي ومحاصرة أهل الحرب.
(لأنه)؛ أي: المذكور، وهو بيوت المدر موضع إقامة، ففرق أبو يوسف بين الأبنية والأخبية، فقال: البناء موضع الإقامة والقرار دون الصحراء، فلو حاصروا أهل الأخبية وفساطيط؛ لم يصيروا مقيمين بنية الإقامة، سواء نزلوا بساحتهم أو في أخبيتهم بالإجماع؛ لأن هذا لا يعد للإقامة؛ ألا ترى أنهم يحملونها على الدواب أينما قصدوا، ويستخفونها يوم ظعنهم ويوم إقامتهم، فإذا هي محمولة وليست بمنازل.
قال الحلواني: وهكذا إذا قصد عسكر المسلمين موضعا ومعهم أخبيتهم وفساطيطهم، فنزلوا مفازة وعزموا فيها على إقامة خمسة عشر يوما؛ لم يصيروا مقيمين على ما قلنا؛ لأنها حمولة وليست بمساكن. كذا في المحيط (^٢).
(وهم أهل الأخبية)؛ كالأعراب، والأتراك، والرعاة.
(قيل: لا تصح)؛ لأنهم ليسوا في مواضع الإقامة، والأصح: أنهم مقيمون لا مسافرون؛ لوجهين:
أحدهما: أن الإقامة أصل، والسفر عارض، فحمل حالهم على الأصل أولى.
والثاني: أن السفر إنما يكون عند النية إلى مكان إليه مدة السفر، وهم لا ينوون ذلك قط؛ بل ينتقلون من ماء إلى ماء، ومن مرعى إلى
_________________
(١) (*) الراجح: قول الجمهور.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٣٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٢٢)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٣٣).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٧).
[ ٢ / ٢٥٨ ]
أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ) يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (*)؛ لِأَنَّ الإِقَامَةَ أَصْلٌ فَلَا تَبْطُلُ بِالِانْتِقَالِ مِنْ مَرْعَى إِلَى مَرْعَى (وَإِنْ اقْتَدَى المُسَافِرُ بِالمُقِيمِ فِي الوَقْتِ، أَتَمَّ أَرْبَعًا)
مرعى، فكانوا مقيمين باعتبار الأصل. كذا في المبسوط (^١).
وفي التحفة: الأعراب والأكراد والتراكمة والرعاة الذين يسكنون في بيوت الشعر والصوف مقيمون؛ لأن مقامهم المفازة عادة (^٢)، وبه قال الشافعي (^٣)، وفي المحيط: وعليه الفتوى.
أما إذا ارتحلوا عن موضع إقامتهم في الصيف، وقصدوا موضعا آخر للإقامة في الشتاء، وبين الموضعين مسيرة ثلاثة أيام؛ فإنهم يصيرون مسافرين في الطريق عند أبي حنيفة. كذا في المحيط (^٤).
وفي الْمُجْتَبى: ذكر البقالي: الملاح مسافر وإن كان أهله وماله في السفينة (^٥)، وبه قال الشافعي (^٦)، وسفينة ليست بوطن له إلا عند الحسن، وأحمد (^٧)، وفي المحيط: صاحب السفينة والملاح لا يكون مقيمًا بإقامته؛ إلا أن يكون قريبا من وطنه (^٨).
قوله: (في الوقت أتم)؛ يعني: سواء اقتدى به في جزء من صلاته أو كلها،
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٩).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٢٤).
(٤) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٤٣٩)، والمجموع للنووي (٤/ ٣٤٨)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣٨٢).
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٨).
(٦) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٢٤)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٤٥).
(٧) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٤٥٦)، والمجموع للنووي (٤/ ٣٢٢)، والغرر البهية لزكريا الأنصاري (١/ ٤٧٤).
(٨) انظر: المبدع لابن مفلح (٢/ ١٢٣)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٢٩٧)، وكشاف القناع للبهوتي (١/ ٥١٤).
(٩) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٠).
[ ٢ / ٢٥٩ ]
لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ إِلَى أَرْبَعِ لِلتَّبَعِيَّةِ، كَمَا يَتَغَيَّرُ بِنِيَّةِ الإِقَامَةِ لِاتِّصَالِ المُغَيْرِ بِالسَّبَبِ
وبه قال الشافعي (^١)، وأحمد (^٢)، وداود. وقال مالك: إن أدرك في صلاة المريض ركعة؛ لزمه الإتمام، وإن كان دون ذلك؛ لا يلزمه قياسًا على الجمعة (^٣).
وقال إسحاق بن راهويه: يجوز للمسافر القصر خلف المقيم، ومذهبنا مروي عن ابن عمر وابن عباس؛ فقال ابن عباس: إن صلينا معكم صلينا أربعًا، وإن صلينا في بيوتنا صلينا ركعتين.
وقيد بالوقت؛ لأنه لا يقتدي المسافر بالمقيم خارج الوقت؛ للزوم اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة؛ لأن فرضه بعد خروج الوقت لا يتغير بنية الإقامة والاقتداء بالمقيم، فحينئذ لو صلى ركعتين وسلم؛ كان قد فرغ قبل إمامه، وإن أتم أربعًا؛ كان خالطًا للنفل بالمكتوبة قصدًا، وذا لا يجوز، وكذا القعدة الأولى فرض في حقه، نفل في حق الإمام. كذا في المبسوط (^٤).
(للتبعية)؛ أي: لالتزامه المتابعة، [أما لو أفسد صلاته بعد الاقتداء هو أو إمامه؛ صلى ركعتين؛ لأنه مسافر، والإتمام لزمه ضرورة المتابعة] (^٥)، وقد زالت، بخلاف ما لو اقتدى به بنية النفل ثم أفسده؛ تلزمه الأربع؛ لأن بالشروع يصير ملتزما صلاة الإمام، وصلاة الإمام أربع، وهاهنا قصد بالشروع إسقاط الفرض عن ذمته وتغيير فرضه حكمًا للمتابعة، فإذا انعدمت صار كأنه لم يشرع في صلاته. كذا في المحيط (^٦).
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٤٤٣)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٤٦٠)، والمجموع للنووي (٤/ ٣٤١).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٠٩)، والروض المربع للبهوتي (ص ١٤٤)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٢٩٥).
(٣) انظر: التهذيب لأبو سعيد ابن البراذعي (١/ ٢٩٠)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٥٠٦)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ١٥١).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٣).
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٣٨).
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وَهُوَ الوَقْتُ (وَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي فَائِتَةٍ لَمْ تُجْزِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ الوَقْتِ، لِانْقِضَاءِ السَّبَبِ، كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ بِنِيَّةِ الإِقَامَةِ فَيَكُونُ اقْتِدَاءَ المُفْتَرِضِ بِالمُتَنَفِّلِ فِي حَقِّ القَعَدَةِ أَوْ القِرَاءَةِ.
وقال الشافعي (^١)، وزفر، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣): يقضي أربعًا ويتم؛ لأنه التزم صلاة الإمام.
فإن قيل: لو اقتدى المقيم بالمسافر، ثم أحدث المسافر واستخلف المقيم؛ لا يتغير فرض المسافر، وإن صار بمنزلة المقتدي للخليفة المقيم.
قلنا: لما صار المقيم خليفة للمسافر؛ صار كأن المسافر هو الإمام، فيأخذ الخليفة صفة الإمام الأول، حتى يجب عليه أن يأتي بما على الإمام الأول، فلو ترك القعدة الأولى؛ تفسد صلاة الكل من المقيمين والمسافرين، وإذا كان مقام الأول من كل وجه؛ صار في التقدير اقتداء المسافر بالمسافر، فلا تتغير صلاته وإن كان في الوقت.
(فإن دخل)؛ أي: المسافر.
(معه)؛ أي: مع المقيم هذا إذا خرج الوقت ودخل في صلاة المقيم بعد خروجه، أما لو دخل في صلاته في الوقت ذهب الوقت؛ لم تفسد صلاته؛ لأن الإتمام لزمه بالشروع مع الإمام في الوقت، فالتحق بالمقيم، بخلاف ما لو اقتدى به بعد خروج الوقت؛ فإن الإتمام لم يلزمه بالاقتداء.
(في حق القعدة)؛ أي: فيما إذا كان اقتداؤه في أول الصلاة.
(أو القراءة)؛ أي: فيما إذا كان اقتداؤه في الأخريين، فإن القراءة فيهما نفل على الإمام، فرض على المقتدي.
فإن قيل: لو ترك الإمام القراءة في الأولين وقضاهما في الأخريين؛ ينبغي أن يجوز.
_________________
(١) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٤٦٣)، والمجموع للنووي (٤/ ٣٥٧)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣٩٢).
(٢) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/¬٤١)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ٦٣).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ١٩٦)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (٢/ ١٠٥)، والفروع لابن مفلح (٣/ ٩١).
[ ٢ / ٢٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا: لا يجوز أيضًا؛ لأن القضاء يلتحق بمحل الأداء، فتخلو الركعتان عن القراءة، فكان فيه بناء الموجود على المعدوم.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يصح اقتداء المتنفل بالمفترض في الشفع الثاني، فإن القراءة فيه نفل على الإمام، فرض على المقتدي، والحال أنه جائز.
قلنا: صلاة المتنفل تأخذ حكم الفرض بالاقتداء تبعًا لصلاة الإمام؛ ولهذا لو أفسد المتنفل صلاته بعد الاقتداء؛ يجب قضاؤها أربعًا. كذا في الجامع الكبير للصدر الحميد (^١).
وفي بعض نسخ القدوري: لو دخل المسافر في صلاة المقيم مع بقاء الوقت؛ أتم صلاته (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: قوله: (مع بقاء الوقت)؛ يعني: قدر التحريمة، وهو الأصح (^٣).
وفي المحيط: صلى المقيم ركعة من العصر، فغربت الشمس، فاقتدى به المسافر؛ لا يصح، ولو كان مسافرًا فنوى الإقامة بعد الغروب؛ يقصر فيه (^٤)، ولو صلى المسافر الظهر ركعتين بغير قراءة، ثم نوى الإقامة في القعدة، أو بعد ما قام إلى الثالثة، أو في ركوعهما، أو بعد الرفع منه؛ يتم أربعًا، ويقرأ في الأخريين، ويعيد بعد النية القيام والقراءة والركوع، وإن قيدهما بالسجدة؛ فسدت.
وقال محمد، وزفر: فسدت في الكل. ولو نوى الإقامة ليتم هو؛ فهو مسافر.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٣٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٢٥)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٣٤).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٨٧)، واللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الميداني (١/ ١٠٧).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٣)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٦٣).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٣٨).
[ ٢ / ٢٦٢ ]
(وَإِنْ صَلَّى المُسَافِرُ بِالمُقِيمِينَ رَكْعَتَيْنِ سَلَّمَ وَأَتَمَّ المُقِيمُونَ صَلَاتَهُمْ) لِأَنَّ المُقْتَدِيَ التَزَمَ المُوَافَقَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَيَنْفَرِدُ فِي البَاقِي كَالمَسْبُوقِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ فِي الأَصَحّ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَدٍ تَحْرِيمَةٌ لَا فِعْلًا، … … …
قوله: (وإن صلى المسافر)؛ أي: أم المقيمين.
وقوله: (في الأصح)؛ احتراز عن قول بعض المشايخ؛ حيث قالوا: يقرأ لأنه كالمسبوق؛ ولهذا يتابع الإمام في سجود السهو، ولو سها فيما يتم؛ [يسجد؛ لأنه غير مقتد، فيقرأ السورة مع الفاتحة.
وقال الكرخي: لا يتابع الإمام في سجود السهو، ولو سها فيما يتم] (^١)؛ لا سهو عليه؛ لأنه كاللاحق، فإنهم أدركوا أول الصلاة، وقد تم فرض القراءة، وهو الأصح. كذا في المحيط (^٢).
وفي الإيضاح: وجوب سجدة السهو عليهم دليل على أن لا قراءة عليهم؛ لأنهم صاروا بمنزلة المنفردين في الباقي، حيث وجب عليهم السهو، فلم تجب القراءة عليهم في الباقي؛ لأن حكم المنفرد كذلك، فإنه إذا أدى الفرض من ذوات الأربع؛ يقرأ في الأولين دون الأخرين فهذا كذلك؛ لأنه قرأ عليهم في الأوليين (^٣).
(لأنه)؛ أي: المقتدي بالمسافر إذا قام لإتمام الباقي.
(مقتد بتحريمة لا فعلًا)؛ أي: مقتد من وجه دون وجه، فبالنظر إلى كونه مقتديا؛ تحرم القراءة عليه، وبالنظر إلى كونه منفردًا؛ تستحب القراءة عليه، فحينئذ دار حكم القراءة بين كونه حرامًا وبين كونه مستحبا، فكان الاحتياط في الترك؛ لأن الشيء إذا دار بين كونه بدعة وكونه سنة؛ فتركه أولى؛ لئلا يلزمه ارتكاب البدعة، أما لو دار بين كونه فريضة وبين كونه بدعة؛ فالإتيان به أولى كما في المسبوق.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٤٠).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٢٧).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وَالفَرْضُ صَارَ مُؤَدَّى فَيَتْرُكُهَا احْتِيَاطًا، بِخِلَافِ المَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ قِرَاءَةً نَافِلَةً فَلَمْ يَتَأَدَّ الفَرْضُ فَكَانَ الإِتْيَانُ أَوْلَى، قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إِذْ سَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ قَالَهُ حِينَ صَلَّى بِأَهْلِ مَكَّةَ …
فإن قيل: لما أدرك المسبوق قراءة النافلة ولم يتأدَّ به الفرض؛ فكان الإتيان به واجبًا أولى.
قلنا: الأولوية لا تنافي الوجوب، كما أن الإباحة والندب لا ينافيه، والمراد بالأولوية: ترجيح جانب الوجود على الترك، وهذا موجود في الوجوب وزيادة، وكأنه اختار المصنف هذا اللفظ؛ ليمكن جهة عدم الوجوب فيه؛ من حيث إن المسبوق مقيد تحريمه، حتى لم يجز الاقتداء به، ولا قراءة على المقتدي وإن ترجحت جهة الوجوب بتفرده في الأداء حقيقة، أو لأنه ذكره في مقابلة قوله: (فيتركها احتياطًا). كذا قرره شيخي العلامة (^١).
وفي الخبازية، والكاثي: أن قوله: (فكان الإتيان به أولى)؛ للمطابقة بينه وبين قوله: (فيتركها احتياطًا)؛ لكن مراده: أن جعله منفردًا أولى من جعله مقتديا، حتى تلزمه القراءة، ولو تركها فسدت صلاته (^٢)، وفيه تعسف كما ترى. (صلى بأهل مكة)؛ أي: بعرفات كما روينا، وكذا عمر.
وحكي أن أبا يوسف صلّى بمكة ركعتين عام حجه مع الرشيد، فلما سلم قال: يا أهل مكة، أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، فقال رجل منهم: نحن أفقه بهذا منك.
فإن قيل: ذكر في فتاوى قاضي خان وغيره: أن العلم بحال الإمام شرط لصحة أداء الصلاة بالجماعة (^٣)، ورواية الكتاب تدل على صحة الاقتداء بدون العلم بحاله أنه مقيم أو مسافر؛ لأنهم لو كانوا عالمين بكونه مسافرًا؛ كان قول
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٤٠).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٢٧)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٢٨).
(٣) فتاوى قاضي خان (١/¬٤٦).
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وَهُوَ مُسَافِرُ
الإمام: أتموا صلاتكم عبثًا؛ لاشتغاله بما لا يفيد، وإن كانوا عالمين بكونه مقيما؛ كان هذا القول منهه كذبا عندهم، فتعين أنهم لم يعلموا بحاله، فما وجه التوفيق بينهما؟
قلنا: تلك الرواية محمولة على ما إذا بنوا أمر الإمام على ظاهر حالة الإمامة، والحال أنه ليس بمقيم، وسلّم على رأس الركعتين، وتفرقوا على ذلك؛ لاعتقادهم فساد صلاة الإمام، وأما لو علموا بعد الصلاة بحال الإمام؛ كان اقتداؤهم جائزا؛ وإن لم يعلموا حاله وقت الاقتداء.
والدليل عليه: ما ذكر في نوادر المبسوط: رجل صلى بالقوم الظهر ركعتين في مصر أو قرية، وهم لا يدرون أمسافر هو أو مقيم؟! فصلاة القوم فاسدة، سواء كانوا مقيمين أو مسافرين؛ لأن الظاهر من حال من كان في موضع الإقامة أنه مقيم، والبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه، وإذا كان الإمام مقيما باعتبار الظاهر؛ فسدت صلاته وصلاة القوم حين سلّم على رأس الركعتين، فإن سألوه فأخبرهم أنه مسافر؛ جازت صلاة القوم إن كانوا مسافرين، أو مقيمين فأتموا صلاتهم بعد فراغه؛ لأنه أخبر بما هو من أمور الدين بما لا يعرف إلا من جهته، فيجب قبول خبره في ذلك (^١).
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يجب قوله: «أَتْمُّوا صَلَاتَكُم فَإِنَّا قَومُ سَفَرٍ» (^٢)؛ لما فيه إصلاح صلاة المقتدي من جانب الإمام، فيجب عليه رعايته، فلم قال: (ويستحب)؟.
قلنا: إصلاح صلاة القوم غير متوقف على هذا القول؛ لما أن القوم إذا كانوا مسافرين سلموا بسلامه، وإن كانوا مقيمين فأقاموا وأتموا صلاتهم، ثم سألوه، فإن أخبر أنه مسافر؛ جازت صلاة الكل، فكان ذلك زيادة إعلام أنه مسافر، واقتداء بالنبي ﵊ أمرًا واجبًا، فكان مستحبا.
وفي شرح الإرشاد وينبغي أن يخير الإمام القوم قبل شروعه أنه مسافر،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١١٠).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
(وَإِذَا دَخَلَ المُسَافِرُ فِي مِصْرِهِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ المُقَامَ فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ وَأَصْحَابَهُ ﵃ كَانُوا يُسَافِرُونَ وَيَعُودُونَ إِلَى أَوْطَائِهِمْ مُقِيمِينَ مِنْ غَيْرِ عَزْمِ جَدِيدٍ.
(وَمَنْ كَانَ لَهُ وَطَنٌ فَانْتَقَلَ عَنْهُ وَاسْتَوْطَنَ غَيْرَهُ، ثُمَّ سَافَرَ وَدَخَلَ وَطَنَهُ الأَوَّلَ قَصَرَ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ وَطَنَا لَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ بَعْدَ الهِجْرَةِ عَدَّ نَفْسَهُ بِمَكَّةَ مِنْ المُسَافِرِينَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّ الوَطَنَ الْأَصْلِيَّ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ دُونَ
فإذا لم يخبر؛ أخبر بعد السلام (^١).
قوله: (وإذا دخل المسافر مصره أتم الصلاة): وفي المبسوط، والمحيط: هذا في حق مسافر أكمل مدة السفر، فإذا لم يكمل؛ فبمجرد العزم على دخوله يصير مقيمًا وإن لم يدخل مصره، والمعنى في المسألة: إن مكثه في مصر غيره متردد بين أن يكون [للسفر وبين أن يكون] (^٢) للمقام فيه، فاحتيج إلى النية؛ ليتعين المكث في المقام.
فأما مكثه في مصره فيتعين عادة للإقامة؛ لأنها قبل سفره متعينة، فكذا بعد السفر، ولا يحتاج إلى النية (^٣).
(عد)؛ أي: النبي ﵊، حيث قال بعد فراغه: «أتموا صلاتُكُم فَإِنَّا قوم سفر» (^٤).
قوله: (لأن الأصل) إلى آخره: قال عامة المشايخ ﵃: الأوطان ثلاثة: وطن أصلي؛ وهو مولد الرجل ومنشأه، وما توطن فيه بأهله، وسمي وطن القرار. ووطن الإقامة؛ وهو بلد ينوي المسافر فيه إقامة خمسة عشر يوما أو أكثر، ويُسمّى وطن مستعار. ووطن السكنى؛ وهو ما نوى فيه أن يقيم أقل من خمسة عشر يومًا، ويسمى وطن السفر، فالأصلي ينتقض بالأصلي؛ لأنه مثله،
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٢٨)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٦٣).
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٣٥)، والمبسوط للسرخسي (١/ ٢٥٢).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
السَّفَرِ، وَوَطَنَ الإِقَامَةِ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ وَبِالسَّفَرِ وَبِالْأَصْلِيِّ.
(وَإِذَا نَوَى المُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ وَمِنَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ)؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ النِّيَّةِ فِي مَوْضِعَيْنِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهَا فِي مَوَاضِعَ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؛ …
ولا ينتقض بالمستعار ولا بوطن السكنى؛ لأنهما دونه، ولا ينتقض بإنشاء السفر؛ لأنه ﵊ كان يخرج مع أصحابه إلى الغزوات من المدينة، ولا ينتقض وطنه بالمدينة، ولم يجدد نيته بعد رجوعه (^١).
والمستعار ينتقض بالأصلي، وبمستعار مثله، وبالسفر، ولا ينتقض بوطن السكنى؛ لأنه دونه، ووطن السكنى ينتقض بالكل.
ومن مشايخنا من قال: الوطن وطنان وطن أصلي، ووطن مستعار.
ولم يعتبر وطن السكنى؛ لأنه لم يثبت فيه حكم الإقامة، بل حكم السفر فيه باق؛ ولهذا لم يذكره في الكتاب، وهو اختيار المحققين، وهو الصحيح. كذا في النهاية (^٢).
ولكن ذكر في الفتاوى الظهيرية: ليس الأمر كما زعم البعض (^٣)؛ فإن الإمام السرخسي ذكر في مبسوطه مسألة تدل على أن وطن السكني معتبر؛ فقال: كوفي خرج إلى القادسية في حاجة، ثم خرج منها إلى الحيرة يريد الشام، وله بالقادسية ثقل يريد أن يحمله منها، من غير أن يمر بالكوفة؛ يقصر؛ لأن القادسية وطن السكنى في حقه، سواء عزم على الإقامة بها مدة أو لم يعزم؛ لأنها من فناء الوطن الأصلي؛ لما بينها وبين الكوفة دون مسيرة سفر، فلما خرج من الحيرة انتقض وطنه بالقادسية؛ لأن وطن السكني ينتقض بمثله، وقد ظهر له بالحيرة وطن السكنى؛ فالتحق بما لم يدخل في القادسية؛ فلهذا يقصر.
وشرطه أن لا يمر بالكوفة؛ لأنه لو مر بها؛ فقد عزم على الرجوع إلى وطنه
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٥٢)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٠٣)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٤).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٤)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/¬٤٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٣١).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٤).
[ ٢ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصلي، وبينه وبين الوطن الأصلي دون مسيرة سفره، فكان مقيما من ساعته، ولو لم يأت الحيرة ولكنه خرج من القادسية، فإذا كان قريبا من الحيرة، بدا له أن يرجع إلى القادسية لحمل الثقل، وينتقل إلى الشام، ولا يمر بالكوفة يتم حتى يرتحل من القادسية استحسانًا (^١).
وفي القياس: يقصر؛ لأن وطنه السكني الذي بالقادسية قد انتقض بخروجه منها على قصد الحيرة، كما لو دخلها.
وفي الاستحسان: وطنه بالقادسية للسكنى، ولم يظهر له بقصد الحيرة وطن سكن آخر ما لم يدخلها، فبقي وطنه بالقادسية، كما لو خرج منها لبول أو غائط أو لتشييع جنازة أو استقبال؛ فلهذا يتم بالقادسية حتى يرتحل منها، فتبين بهذه المسألة صحة ما قلنا، وفيه تأمل.
ثم يقدم من السفر ليس بشرط؛ لثبوت الوطن الأصلي بالإجماع، وهل يشترط لثبوت وطن الإقامة؟
لم يذكره محمد في الأصل، وذكره الكرخي في جامعه: أن فيه روايتين عن محمد، مثاله ما ذكر في الإيضاح: خراساني قدم الكوفة، ونوى الإقامة بها شهرا، ثم خرج إلى الحيرة لحاجة، ونوى الإقامة بها مدة الإقامة، ثم خرج من الحيرة يريد خراسان، ومرّ بالكوفة وليس له بها وطن؛ يقصر؛ لأن وطنه بالكوفة قد بطل بوطنه بالحيرة؛ لأنه مثله، فإذا مر بالكوفة وليس له بها وطن؛ يقصر، ولو لم ينو الإقامة بالحيرة مدة الإقامة؛ أتم الصلاة بالكوفة، ولم يبطل وطنه بها بالخروج إلى الحيرة؛ لأنه ليس بسفر ولا هو مثله، فبقي كما كان (^٢).
ولو أن خراسانيًا قدم الكوفة ونوى الإقامة فيها، ثم ارتحل منها يريد مكة، فقبل أن يسير ثلاثة أيام ذكر حاجة له بالكوفة فعاد؛ قال: يقصر؛ لأن وطنه بالكوفة قد بطل بإنشاء السفر، كما يبطل بوطن مثله.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٥٣).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٥٢)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٠٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٣١).
[ ٢ / ٢٦٨ ]
لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَعْرَى عَنْهُ، … … … … …
وفي المحيط: تأهل ببلدتين فيهما أصليتان؛ لما روي أن لعثمان أهلا بمكة وأهلا بالمدينة، وكان يتم بهما جميعا (^١).
ولو انتقل بأهله ومتاعه إلى بلد، وبقي له دور وعقار في الأول؛ قيل: بقي الأول وطنا له، وإليه أشار محمد في الكتاب؛ حيث قال: باعه ونقل عياله. وقيل: لم يبق.
وفي الأجناس: سأل هشام محمدًا عن كوفي توطن ببغداد، وله بالكوفة دار، فاجتاز إلى مكة بها، أيقصر؟
قال محمد: هذا حالي، وأنا أرى القصر إن نوى ترك وطنه بها، إلا أن أبا يوسف كان يُتِمُّ، فيحمل على أنه لم ينو ترك توطنه بها.
وفي الْمُجْتَبى: هذا جواب واقعة ابتلينا به، وكثير من المسلمين المتوطنين في البلاد لهم دور وعقار في القرى البعيدة منها، يصيفون بها مع أهلهم ومتاعهم، فلابد من حفظها أنهما وطنان له؛ لا يبطل أحدهما بالآخر (^٢).
قوله: (لأن السفر لا يعرى عنه؛ أي: عن قليل اللبث، وهذا مذكور معنى لا لفظا؛ لأنه المفهوم من مجموع الكلام.
وفي المبسوط: الإقامة ما تكون في موضع واحد، فإن الإقامة ضد السفر، والانتقال من أرض إلى أرض تكون ضربًا في الأرض، فلا تكون إقامة، ولو جوزنا نية الإقامة في موضعين؛ جوزنا فيما زاد على ذلك، فيؤدي إلى القول بأن السفر لا يتحقق؛ لأنك إذا جَمَعْتَ إقامة المسافر في المراحل؛ ربما يزيد ذلك على خمسة عشر يوما، فلا يكون مسافرًا في عمره، وشرط عدم الايجاد في الموضعين، فإنه لو اتحدا بأن قال: نويت الإقامة في النهر في كلابادو في الليالي بدر وأنه حاجبان) (^٣).
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٣٦).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ١٤٧).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٣٦).
[ ٢ / ٢٦٩ ]
إِلَّا إِذَا نَوَى المُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِاللَّيْلِ فِي أَحَدِهِمَا، فَيَصِيرَ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ المَرْءِ مُضَافَةٌ إِلَى مَبِيتِهِ.
(وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ قَضَاهَا فِي الحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَنْ فَاتَتْهُ فِي الحَضَرِ
(يصير مقيما)؛ لاتحاد المكان.
(بدخوله فيه)؛ أي: في موضع قال: أبيت فيه.
وفي المبسوط: إلا أن بينهما تفاوتا، فإنه لو دخل الموضع الذي عزم على المقام فيه بالنهر أولا؛ لا يصير مقيمًا، ولو دخل الموضع الذي عزم على الإقامة فيه بالليالي؛ يصير مقيمًا، ثم بالخروج إلى موضع آخر لا يصير مسافرًا؛ لأن موضع إقامة المرء حيث يثبت فيه؛ ألا ترى أنك إذا قلت للسوقي: في أي موضع تسكن؟، يقول: في محله كذا، وهو بالنهار في السوق (^١).
وفي هذه المسألة حكاية لعيسى بن أبان، وكانت سبب تفقهه؛ فإنه كان مشغولًا بطلب الحديث، حيث قال: دخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي، وعزمت على الإقامة شهرًا في مكة ومنى، فجعلت أتم الصلاة، فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة فقال: أخطأت؛ لأنك تخرج من منى وعرفات، فلما رجعت إلى منى بدأ الصحابي أن يخرج، وعزمت على أن أصحبه، فجعلت أقصر الصلاة فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت؛ فأنك مقيم بمكة، فما لم تخرج منها لا تكون مسافرًا، فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين، فدخلت مجلس محمد واشتغلت بالفقه.
قوله: (ومن فاتته صلاة) إلى آخره: فهذا قول مالك (^٢)، والشافعي في القديم.
وقال في الجديد: لا يقصر في الحضر، واختاره المزني (^٣)، وبه قال
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٣٧).
(٢) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٦٣)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٢٦)، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٦٥).
(٣) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٩٦)، والبيان للعمراني (٢/ ٤٨١)، والمجموع للنووي (٤/ ٣٦٦).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
قَضَاهَا فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا)؛ لِأَنَّ القَضَاءَ بِحَسَبِ الأَدَاءِ، وَالمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ آخِرُ الوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ المُعْتَبَرُ فِي السَّبَبِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الأَدَاءِ فِي الوَقْتِ.
أحمد (^١)، وداود (^٢)؛ لأن المرخص وهو السفر زال، فيزول القصر.
قلنا: وجوب القضاء على حسب وجوب الأداء، فيعتبر حالة وجوب الأداء.
(قضاها في السفر أربعًا): بالإجماع، قال ابن المنذر: لا أعرف فيه خلافًا، إلا ما حكي عن الحسن البصري (^٣).
وروى الأشعث عنه: أن الاعتبار لحال الفعل فيقصر، وكذا حكي عن المزني.
(في ذلك)؛ أي: في وجوب القضاء آخر الوقت.
(لأنه)؛ أي: آخر الوقت هو المعتبر في السببية عند عدم الأداء.
فإن قيل: هذا مشكل؛ لأن السبب عند عدم الأداء في الوقت؛ كل الوقت، لا الأخير.
قلنا: المعتبر في تقرر القضاء الجزء الأخير، والاعتبار لغيره، حتى إذا سافر يلزمه قضاء ركعتين، ولو أقام فيه يلزمه قضاء الأربع، فإنما الإضافة إلى كله في حق من لم يختلف حاله بالكفر والإسلام والحيض والطهر، والسفر والإقامة.
ولا يظهر أثر هذه الإضافة في عدم جواز القضاء في الأوقات المكروهة، وأما في حق تقرر القضاء؛ فالمعتبر هو، وإن كان الوجوب مضافًا إلى كله. إليه أشار شمس الأئمة في أصوله، على أن مختار البعض عدم الإضافة إلى كله، ويتقرر على الجزء الأخير على كل حال، فلعل المصنف ﵀ اختار مذهب
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٠٨)، والعدة لبهاء الدين المقدسي (ص ١١١)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (٢/ ١٠١).
(٢) انظر: المحلى لابن حزم (٣/ ٢٢٨).
(٣) انظر: الإجماع لابن المنذر (ص ٤٢).
[ ٢ / ٢٧١ ]
(وَالعَاصِي وَالمُطِيعُ فِي سَفَرِهِمَا فِي الرُّخْصَةِ سَوَاءٌ)
أولئك البعض. كذا قرره شيخي العلامة ﵀ (^١).
فإن قيل: يشكل على هذا؛ ما إذا أدخل المسافر في صلاة المقيم، ثم ذهب الوقت، ثم أفسد الإمام أو المقتدي صلاته على نفسه؛ فعلى المسافر أن يقصر، مع أنه وجب عليه الصلاة أربعًا عند آخر الوقت بسبب الاقتداء، وعلى قياس ما ذكر في الكتاب؛ ينبغي أن لا يتغير فرضه كما إذا فات الوقت عن المقيم.
قلنا: لم يكن مقيمًا فيها، وإنما لزمه الإتمام متابعة للإمام، وقد زال ذلك بالإفساد، فعاد إلى أصله؛ ألا ترى أنه لو أفسد الاقتداء في الوقت؛ فإن عليه ركعتان، فكذا هذا. والسؤال والجواب في المبسوط (^٢)، وفيه: وجوب صلاة السفر على من سافر في آخر الوقت مذهبنا.
وقال ابن شجاع: يصلي صلاة المقيم، وقال الشافعي: إذا مضى من الوقت قدر ما يصلي فيه أربع ركعات، ثم خرج مسافرًا؛ صلى أربعًا (^٣)، وهو بناء على أن وجوب الصلاة عندهما بأول الوقت، فيعتبر حال المصلي فيه (^٤).
وعندنا: وجوبها يتعلق بآخر الوقت؛ فيعتبر حاله فيه.
وعند زفر: لو بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه صلاة السفر، فخرج للسفر يقصر، وإن كان الباقي دون ذلك؛ يلزمه الإتمام.
وذكر شيخ الإسلام: قول الشافعي مثل قول زفر.
وفي الخلاصة الغزالية ما يوافق ما ذكر شيخ الإسلام، وهكذا في عامة كتب أصحابه؛ فإن فيها: أن المسافر في آخر الوقت، إذا بقي من الوقت مقدار
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢١٥).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٨).
(٣) قال الغزالي في الوسيط: "نَص الشَّافِعِي ﵁ أَنْ الْمُسَافِر فِي آخر الوقت يقصر". انظر: الوسيط (٢/ ٢٥٢).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٧٦)، والمجموع للنووي (٤/ ٣٦٨)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣٩٠).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: سَفَرُ المَعْصِيَةِ لَا يُفِيدُ الرُّخْصَةَ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ تَخْفِيفًا، فَلَا
فعل الصلاة؛ يجوز له القصر؛ لأن استقرار الوجوب عنده بآخر الوقت، حتى لو فات في الوقت؛ لا يقضي (^١).
وما ذكر في المبسوط؛ قول المزني من أصحابه (^٢).
وعندنا: لو بقي من الوقت مقدار ما يسع فيه التحريمة فسافر؛ يقصر؛ اعتبارًا لجانب الإقامة، فإنه لو دخل مصره، وبقي من الوقت مقدار التحريمة؛ فإنه يتم، وهذه المسألة بأبحاثها مذكورة في الأصول.
ثم يشكل على قوله: بحسب الأداء مريض لا يقدر على الأفعال، ويقدر على الإيماء، فاتتة صلوات في المرض؛ فإنه يقضي بالصحة قائمًا، ويقضي بالإيماء ما يفوته في الصحة.
قيل في جوابه: الواجب في ذمة المقيم الأربع، وفي ذمة المسافر ركعتان في الوقت، وتقرر ذلك بالفوات، فلا يمكن تغييره، فيجب القضاء على حسب ما يجب عليه من الأداء، فأما الواجب على المريض والصحيح؛ مراعاة كيفية الصلاة على حسب وسعه، زمان اشتغاله بالأداء لا قبله ولا بعده، فيجب القضاء أيضًا على هذه الصفة، ولأنا لو اعتبرنا حالة الأداء؛ يلزم أن يقضي الصحيح مع قدرته على القيام مستلقيًا، والمريض مع عجزه عن القيام قائمًا، وهو شنيع جدا، ويستقبحه العقل، وأحكام الشرع مصونة عن الشناعة. كذا في الفوائد الحميدية، والخبازية (^٣).
قوله: (وقال الشافعي: سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ …) إلى آخره: صورته: من سافر بنية قطع الطريق، أو البغي على الإمام العادل، أو التمرد على المولى؛ بأن أبق العبد، أو خرجت المرأة بغير محرم، أو نساء ثقات حاجًا وما أشبه ذلك، ولو كان السفر واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا يفيد الرخصة بالإجماع. وقال مالك (^٤)،
_________________
(١) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ٢٥٢، ٢٥٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٣٧، ٢٣٨).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٣٤).
(٤) انظر: مواهب الجليل للحطاب (٢/ ١٤٠)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٣٦٧)، والتاج والإكليل لمحمد بن يوسف المواق (٢/ ٤٨٨).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
تَتَعَلَّقُ بِمَا يُوجِبُ التَّغْلِيظَ، وَلَنَا: إِطْلَاقُ النُّصُوصِ،
وأحمد (^١)؛ كقول الشافعي (^٢).
احتج بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ولأنه لما سافر للبغي وغيره؛ كان ابتداء خروجه معصية؛ لأنه نوى معصية بهذا السفر، والمعاصي لا تفيد الرخصة؛ لأنها تثبت تخفيفًا، فلا تتعلق بما يوجب التغليظ؛ ألا ترى أن زوال العقل يوجب سقوط الخطاب، ومتى كان بسبب السكر؛ لم يسقط به خطاب.
وكذا قطاع الطريق متى خافوا الإمام العدل؛ لم تحل لهم صلاة الخوف؛ لأنهم خافوا بسبب معصيتهم، ويعتبر هذا الخروج بقصده.
فإن من خرج للحج صار ابتداء خروجه طاعة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا﴾ [النساء: ١٠٠]. وإذا خرج للمعصية؛ صار ابتداء خروجه معصية، فصار شرط المعصية في ابتدائه؛ وهو أن يخرج لغرض المعصية لا أن يعصي فيه؛ إذ قل ما يوجد سفر بلا معصية، أما لو سافر مباحًا ثم نوى إتمامه بمعصية؛ ينقطع الترخيص على أظهر أقواله.
وقال ابن مسعود، وداود: يجوز الترخص في سفر الواجب فقط.
وقال عطاء: في سفر الطاعة. كذا في الحلية (^٣).
قوله: (ولنا إطلاق النصوص)؛ وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقوله ﵊: «فرضُ المُسافِرِ رَكْعَتان» (^٤).
وقوله ﵊: «يَمْسَحُ المُقيم …» الحديث (^٥)، ثم نص الكتاب وإن ورد في الصوم؛ لكن يثبت الحكم في الصلاة بنتيجة الإجماع؛ لأن
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ١٩٣)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ١٤٢)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١١٤).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٨٧)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٩٣)، والبيان للعمراني (٢/ ٤٥١).
(٣) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٩١).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٤٧٩، رقم ٦٨٧) من حديث ابن عباس ﵁ من قوله.
(٥) أخرجه مسلم (١/ ١٥٩، رقم ٢٧٦) من حديث عائشة ﵁.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وَلِأَنَّ نَفْسَ السَّفَرِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَإِنَّمَا المَعْصِيَةُ مَا يَكُونُ بَعْدَهُ أَوْ يُجَاوِرُهُ فَصَلُحَ مُتَعَلَّقُ الرُّخْصَةِ.
الخلاف في الكل واحد، فكان زيادة قيد الإباحة فيه يجرى مجرى النسخ.
(ولأن نفس السفر …) إلى آخر ما ذكره في الكتاب ما يكون بعده، كما في السرقة وقطع الطريق، أو يجاوزه كما في الإباق ونحوه.
(فيصلح)؛ أي: نفس السفر.
(متعلق)؛ أي: موضع تعلق الرخصة؛ لأن نفسه نقل الخطوات إلى مكان بعيد، وهو مباح في نفسه، فلم يكن في ذاته معصية.
وفي الإيضاح: السفر إنما صار مبيحًا للترخص؛ لمشقة تلحقه من نقل الأقدام، والغيبة عن الوطن، وهذا لا حظر فيه، وإنما الحظر فيهما يكون بعد انقطاع السفر، فجرى ذلك مجرى المقصود لا مجرى معنى الفعل؛ لأن معنى الشيء ما يأتي مع صورته (^١).
وثمرة الشيء تكون بعد تمام صورة الشيء، فثبت أن الفساد هاهنا راجع إلى المقصود، وذلك مما يقبل الفصل عنه، فبقي السفر من حيث إنه يفيد الرخصة مباحًا لا حظر فيه.
وأما الجواب عن الآية: أن تأويلها: فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد؛ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: فحلق ففدية؛ لأن الكفارة لا تجب بالعذر، بل بالحلق بسبب العذر.
وأما الجواب عن المعنى: أن هذه رخصة علقت بصيرورة الخطى سفرًا، لا بنفس الخطى، فإن من طاف جميع الدنيا ولا يقصد مكانًا يصلح للسفر؛ لا يصير مسافرًا، فإذا كان كذلك؛ كان خطاه سفرًا بالنية، فلما وجد القصدان في مسألتنا: قصد السفر وقصد المعصية؛ جعلنا الخطى سفرًا، وألغينا قصد المعصية؛ لأنه لا تأثير للسفر في المعصية، وإنما تصير الخطى معصية بقصد المعصية، والسفر سبب باعتبار المشقة، فلا تتتغير أحكام السفر بنية المعصية؛
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/¬٢٤).
[ ٢ / ٢٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما لا تتغير بنية الطاعة، وهذا كمن غصب خُفًّا ولبس؛ رُخّص له المسح عليه؛ لأن المعصية في الغصب دون ما يسقط به غسل الرّجل من استتارها بالخف.
وكذا يجوز الصلاة في أرض مغصوبة؛ لأن الغصب ليس نفس الصلاة وإن وجد مع الصلاة، بخلاف زوال العقل بالسكر؛ فإن السكر حدث من شرب ما يُسْكَرُ بِهِ.
فلو قلنا بسقوط الخطاب عنه؛ يلزم إضافة العذر إلى الخطاب الحرام؛ لأنه هو العلة، بخلاف نية المعصية؛ لأنها ليست بعلة للرخصة على ما بينا، وكذا الخوف لحقه بسبب معصيته في سفره.
فلو قلنا بجواز الصلاة في حقه؛ كانت المعصية هي المجوزة لصلاة الخوف، وذلك لا يجوز. كذا في الأسرار (^١)، والمسألة مستقصاة في الأصول.
وقيل: هذه الرخصة كرامة شرعت للمسافر لإيمانه، والعاصي لا يخرج عن إيمانه؛ فاستحقه كالمطيع.
وفي بعض نسخ القدوري: والجمع بين الصلاتين للمسافر؛ يجوز فعلا لا وقتا، كالجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وبه قال النخعي، والمزني.
وعند الشافعي (^٢)، ومالك (^٣)، وأحمد (^٤)، وأبو ثور ﵏: يجوز الجمع بينهما وقتًا للمسافر، وكذا للمقيم بعذر المطر، إلا عند مالك (^٥) وأحمد (^٦): يجوز الجمع بعذر المطر بين المغرب والعشاء.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٣٥).
(٢) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٤٨٤)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣٩٥).
(٣) انظر: التلقين لعبد الوهاب الثعلبي (١/¬٥٠)، والمقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ١٨٥).
(٤) انظر: المبدع لابن مفلح (٢/ ١٢٤)، والفروع لابن مفلح (٣/ ١٠١).
(٥) انظر: حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٣٣)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٣١).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣١٣)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ١٢٦).
[ ٢ / ٢٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويعذر الوحل بلا مطر لا يجوز الجمع عند الشافعي (^١). وعند مالك (^٢)، وأحمد (^٣): يجوز.
وبعذر المرض والخوف لا يجوز الجمع عند الشافعي (^٤)، وقال أحمد: يجوز (^٥).
وبغير العذر يجوز الجمع عند أحمد، وبه قال أشهب من أصحاب مالك، وابن سيرين، واختاره ابن المنذر، وأما الحجاج يجمعون بين الظهر والعصر بعرفات، والمغرب والعشاء بمزدلفة بالإجماع. كذا في الحلية (^٦).
وصورة الجمع فعلا: أن يصلي الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، والمغرب في آخر وقتها، والعشاء في أول وقتها.
ثم عند الشافعي في السفر مخير، إن شاء قدم العصر إلى وقت الظهر، والعشاء إلى وقت المغرب، وإن شاء أخر الظهر إلى وقت العصر، والمغرب إلى وقت العشاء، والأول أفضل (^٧).
وفي شرح الوجيز: الأفضل للسائر في وقت صلاة الأولى تأخيرها إلى الثانية، والنازل في وقت الأولى تقديم الثاني، ثبت ذلك بفعله ﵇ (^٨).
وفي المطر في الحضر؛ يقدم العصر والعشاء قولا واحدًا.
احتجوا بحديث معاذ أنه ﵊ جمع بين الظهر والعصر،
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٣٠٤)، والمجموع للنووي (٤/ ٣٧٨) والوسيط للغزالي (٢/ ٢٢٣).
(٢) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٤٢٣)، وجامع الأمهات لابن الحاجب (ص ١٢٠).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣١٣)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٣٣٨).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٩٩).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣١٣).
(٦) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٠٦).
(٧) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٣٩٤).
(٨) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٤٦٩، ٤٧٠).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمغرب والعشاء، في سفر إلى تبوك (^١).
وعن عائشة ﵂ أنه ﵊ يجمع بين الصلاتين إذا جَدَّ به السفر (^٢)، وكذا روي عن ابن عمر ﵄ (^٣). وعنه أنه ﵊ جمع بينهما بعذر المطر. وعن ابن عباس ﵄ أنه ﵊ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير عذر (^٤).
ولنا قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ أي: في مواقيتها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]؛ أي: فرضًا.
وما روي عن ابن مسعود ﵄، أنه ﵊ قال: «من جمَعَ بين الصلاتين في وقت واحد فقد أتى بابا من الكبائر» (^٥). وفي الصحيحين (^٦) عن ابن مسعود قال: «والذي لا إله غيرُهُ ما أنه ﵇ صلى صلاة إلا لوقتها، إلا المغرب والصبح بمزدلفة». وقال عمر ﵁ (^٧): من أكبر الكبائر الجمع بين الصلاتين، وحديث المواقيت.
وعن ابن عمر قال: ما جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء قط في السفر إلا مرة واحدة. رواه أبو داود (^٨)؛ فنحمله على الجمع فعلا.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٤٠٩، رقم ٧٠٦).
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ١٣٥، رقم ٢٥٠٨٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٥٩، رقم ٢٩٦٥): فيه مغيرة بن زياد، وثقه ابن معين وابن عدي وأبو زرعة وضعفه البخاري وغيره.
(٣) أخرجه البخاري (٢/¬٤٦، رقم ١١٠٦) ومسلم (١/ ٤٨٨، رقم ٧٠٣).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٤٨٩، رقم ٧٠٥).
(٥) لم أقف عليه من حديث ابن مسعود ورواه الترمذي (١/ ٢٥٩، رقم ١٨٨) والدارقطني (٢/ ٢٤٧، رقم ١٤٧٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٦٩، رقم ٥٧٧١) من حديث ابن عباس، وضعفوه بحسين بن قيس فإنه متروك.
(٦) بمعناه رواه البخاري (٢/ ١٦٤، رقم ١٦٧٥)، ومسلم (٢/ ٩٣٨، رقم ١٢٨٩) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٧) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٦٩، رقم ٥٧٧٠).
(٨) رواه أبو داود (٢/¬٥، رقم ١٢٠٩) وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود - الأم - (٢/¬٣١، رقم ٢٢١) بعبد الله بن نافع المخزومي المدني فإنه لين الحفظ.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأن الجمع بين الفجر والظهر والعصر والمغرب لا يجوز بالإجماع؛ لاختصاص كل منهما بوقت منصوص عليه، وكذا الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء؛ إذ وقتهما منصوص عليه أيضًا.
والجمع بعرفات ومزدلفة يثبت بخلاف القياس، فلا يتعدى إلى غيره.
وتأويل ما رووا؛ الجمع بينهما فعلا لا وقتا؛ لحديث نافع: خرجنا مع ابن عمر ﵂ فاستصرخ - أي أخبر بموت امرأته-، فجعل يسير حتى غربت الشمس، ونودي بالصلاة، فلم يلتفت حتى دنا في غيبوبة الشفق نزل فصلى المغرب، فوقف ساعة حتى غاب الشفق، ثم صلى العشاء، ثم قال: هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ إذا جد به السير.
وروي عن علي ﵁ مثله في أسفاره، والجمع على هذا الوجه سُنّة عندنا للمسافر، فيحمل كل ما روي في الجمع على هذا الوجه؛ جمعا بين الأحاديث.
قال أبو داود، والترمذي: ليس في تقديم الوقت حديث ثبت، وفي الحقيقة تبتني هذه المسألة على أصل؛ وهو أن بين وقت الظهر والعصر تداخل عنده، حتى إذا بلغ الصبي، أو أسلم الكافر في وقت العصر؛ يلزمهما قضاء الظهر عنده، وكذا بين المغرب والعشاء.
وعندنا: لا تداخل؛ لقوله ﵊: «لا يدخل وقتُ [صلاة] (^١) حتى يخرج وقت صلاة أخرى» (^٢) كذا في المبسوط، وفي الإيضاح (^٣).
وقد قيل: الجمع بين الصلاتين فعلا بعذر المطر والسفر يجوز؛ إحرازًا لفضيلة الجماعة، وذلك بتأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب وتعجيل
_________________
(١) ليست في النسخ الثلاث والمثبت من المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٣).
(٢) لم أقف عليه في كتب الحديث وهو مذكور في كتب الحنفية كالمبسوط وغيره، وفي معناه ما رواه مسلم (١/ ٤٢٧، رقم ٦١٢) عن ابن عمر مرفوعا: «وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس».
(٣) المبسوط للسَّرَخْسِي (١/ ١٥٠).
[ ٢ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العشاء، والرخصة في المطر والطين والبرد الشديد؛ التخفيف بالصلاة في الرحال دون الجمع، كما قال ﵊: «إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال» (^١).
قال محمد: النعال جمع نعل، وهو ما غلظ من الأرض.
وعن ابن عمر أنه ﵊ كان في سفر في ليلة ذات ظلمة ورعد، أو برد ومطر، فنادى منادي رسول الله ﷺ: «أن صَلُّوا في رحالكم».
رواه البيهقي في سننه الكبير (^٢).