(حتى لو فعل)؛ أي: ما يرجع إلى النقش ضمن. قيل: يضمن في التجصيص أيضًا.
وقال الزنجري: هذا في زمانهم، أما في زماننا لو صرف الفضل من العمارة إلى النقش يجوز؛ لأن الظلمة يأخذون ذلك (^١).
وفي جمع النَّسَفي (^٢): مصلى أو بساط فيه اسم الله تعالى؛ يكره بسطه واستعماله، وكذا لو كان (الملك) عليه لا غير، أو الألف واللام وحدها، وكذا يكره إخراجه عن ملكه إذا لم يأمن عن استعمال الغير، والواجب أن يوضع في أعلى موضع لا يوضع فوقه شيء، وكذا يكره كتبة الرقاع وإلصاقها بالأبواب؛ لما فيه من الإهانة.
[بَابُ صَلَاةِ الْوِتْرِ]
لما فرغ عن بيان الفرائض؛ شرع في بيان ما هو دون الفرائض وفوق النوافل؛ وهي الوتر، ثم فيه ليس في الظاهر رواية منصوصة عنده، لكن روى حماد بن زيد عن أبي حنيفة أنها فرض، وبه أخذ، وروى يوسف بن خالد السمتي أنها واجبة، وهو الظاهر من مذهبه، وروى نوح بن مريم. وقيل: أسد ابن عمر.
وعن أبي حنيفة: أنها سنة، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، والشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، وأحمد (^٥).
وفي الحقائق (^٦): فيها ثلاث روايات، ولا اختلاف في الحقيقة بين
_________________
(١) انظر: حاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١١١)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٢٧).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٥/ ٤٠٨)، والبحر الرائق لابن نجم (١/ ٢١٢).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٧٨)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٥٧).
(٤) انظر: الرسالة للقيرواني (ص ١٤٧)، والتلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٣٦).
(٥) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٨)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٥).
(٦) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٦٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٧٣).
[ ١ / ٩٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الروايات، والصحيح أنها واجبة.
وقال أبو بكر الأعمش (^١): اتفقوا مع اختلافهم فيها أنها أدون درجة من الفرض، ولا يكفر جاحده، وتجب القراءة في الركعة الثالثة، ويجب قضاؤها بالترك ناسيًا وعامدًا، ولا تجوز بدون نية الوتر، ولو كانت سنة لكفتها نية الصلاة كما في السنن. كذا في شرح تحفة الفقهاء (^٢).
وفي الخلاصة (^٣): قوم اجتمعوا على ترك الوتر؛ أدبهم الإمام وحبسهم، فإن كانوا مُصرِّين قاتلهم بالسلاح.
وفي شرح المجمع (^٤): الوتر فرض في حق العمل عند أبي حنيفة، وواجب في حق الاعتقاد، وسنة باعتبار السبب؛ لظهور آثار السنن.
فإن قيل: هذه الآثار موجودة في صلاة العيد مع أنها واجبة، مع أن عدم الإكفار لا يوجب عدم الوجوب، فإن الواجب لا يكفر جاحده.
قلنا: عدم الإكفار مجردًا لا يدل على عدم الوجوب، بل يدل المجموع؛ وهو أن لا يُكفّر ولا يؤذن، أما في صلاة العيد، فلا نسلم أن لا أذان لها، بل قولهم: (الصلاة يرحمك الله)؛ أذان وإعلام، على أن وجوبها ممنوع في رواية. كذا في الخبازية (^٥).
وفي الكافي: سلمنا أن المجموع موجود في الواجب، لكن السنة أدنى الواجب، فيثبت بهذا المجموع السنة (^٦)، وفيه تأمل.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولم تتحقق الوسطى إلا إذا كان عدد الواجبات خمسًا، ولو كانت ستّا،
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٧٤).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٧١).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٧٤).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٧٤).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٧٤).
(٦) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٢٤).
[ ١ / ٩٣٣ ]
(الوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: سُنَّةٌ) (*) لِظُهُورِ آثَارِ السُّنَنِ فِيهِ، حَيْثُ لَا
والستُ لا وسطى لها؛ إذ الوسطى هي الفرد المتخلل بين العددين المساويين.
وبحديث أعرابي، حيث علمه النبي ﷺ خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: فهل عَلَيٌّ غيرُهُنَّ؟، قال: «لَا إلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ» (^١)، وبما روي أن رجلا من الأنصار يقال له أبو محمد قال: الوتر فريضة، فبلغ ذلك عبادة بن الصامت، فقال: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فرض الله تعالى على عبادِهِ خمس صلوات» (^٢)، وبقوله [عليه] السلام: «ثلاث كُتِبَ عليَّ وَلَمْ تُكتَبْ عَلَيْكُم، وهِيَ لكُم سُنّةٌ؛ الوِتْرُ، والضُّحَى، والأضْحَى» (^٣).
واحتج أبو حنيفة بحديث أبي بصرة الغفاري، وفي رواية خارجة بن حذافة أنه ﵇ قال: «إن الله تعالى زادكم صلاة …» الحديث (^٤).
قال شيخ الإسلام (^٥): الاستدلال به من ثلاثة أوجه:
أحدها: بالزيادة؛ فإنها لا تكون إلا من جنس المزيد عليه، لا يقال: زاد في يمنه؛ إذا وهب هبة مبتدأة، ولا يقال: زاد على الهبة؛ إذا باع، والمزيد عليه واجب، فكذا الزيادة، وينبغي أن يكون فرضًا، كما قاله زفر، وأصبغ من المالكية (^٦)، وأحمد في رواية (^٧)، وأبو حنيفة في رواية، إلا أنه أراد به الفرض العملي وهو الواجب؛ لأن خبر الواحد لا يفيد الفرضية علمًا.
(*) الراجح قول أبي حنيفة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/¬١٨، رقم ٤٦)، ومسلم (١/¬٤٠، رقم ١١) من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود (١/¬١١٥، رقم ٤٢٥)، وابن ماجه (١/¬٤٤٩، رقم ١٤٠١)، والنسائي (١/ ٢٣٠، رقم ٤٦١) من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وصححه ابن حبان (٥/¬٢٣، رقم ١٧٣٢) والشيخ الألباني في الصحيحة (٢/ ٤٩٧، رقم ٨٤٢).
(٣) رواه أحمد (١/ ٣٢١، رقم ٢٠٥٠) من حديث ابن عباس، وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٤، رقم ١٣٩٧٩) بأبي جناب الكلبي لأنه ضعيف مدلس.
(٤) تقدم تخريج حديث حذافة وحديث أبي بصرة أخرجه الحاكم (٣/ ٦٨٤، رقم ٦٥١٤) وسكت عنه وأعله الذهبي بابن لهيعة. وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٢/ ١٥٨).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٢٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٨٠).
(٦) انظر: شرح التلقين للمازري (١/ ٣٦٢)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٣٨٥).
(٧) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ١١٧)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (١/ ٧٠٧).
[ ١ / ٩٣٤ ]
يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤَذَّنُ لَهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: قَوْلُهُ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ
فإن قيل: السنن مقدرة أيضًا، فهذه (^١) كانت زيادة على السنن.
قلنا: اعتبار زيادتها في الفرائض أولى لوجهين:
أحدهما: أنه أخذ بالاحتياط.
والثاني: أنها لو اعتبرت زيادة فيها يكون الأمر معمولًا بحقيقته، ولأنه لا يمكن أن يجعل زيادة على السنن؛ لأنه لا نظير له في الشرع؛ إذ السنن توابع الفرائض، ولا جائز أن تكون تبعًا؛ لأنها لا تؤدى في آخر الوقت وهو آخر الليل، والسنن ليس كذلك. كذا في الخبازية (^٢).
وفي المبسوط (^٣): أضاف الزيادة إلى الله تعالى، والسنن تضاف إلى النبي ﷺ.
والثاني: قال: «ألا وهيَ الوِتْرُ» على سبيل التعريف، فهذا دليل على أنه كان معلومًا عندهم، وزيادة تعريف زيادة وصف، وهو الوجوب لا أصل. والثالث: أنه ﵇ أمر بأدائها، والأمر للوجوب.
والمعنى في المسألة: أن الوتر صلاة موقتة؛ فإن أفضل الوقت هو السحر، ويكره أداء العشاء فيه أشد الكراهة، ولو كان الوتر تبعًا للعشاء سنة له؛ كان وقته المستحب وقت العشاء.
وفي السهيلي (^٤): لأبي حنيفة: قوله ﵇: «الوتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِم» (^٥)، وهذا أكد ألفاظ الوجوب، وفي رواية: «حق واجب على كُلِّ مُسْلِم» (^٦). رواه أبو داود، وقال الحاكم: فهو على شرط مسلم والبخاري.
_________________
(١) في الأصل والنسخة الثانية (فهذا) ولا يستقيم معها السياق.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٨٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٥).
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٦٩).
(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٢، رقم ١٤٢٢) من حديث أبي أيوب الأنصاري وصححه ابن حبان (٦/ ١٦٧، رقم ٢٤٠٧) والحاكم (١/ ٤٤٤، رقم ١١٢٨) وصححه وأقره الذهبي.
(٦) هذه الرواية أخرجها الدارقطني (٢/ ٣٤٠، رقم ١٦٤٠) من حديث أبي أيوب الأنصاري به وقال: قوله: واجب؛ ليس بمحفوظ لا أعلم تابع ابن حسان عليه أحد.
[ ١ / ٩٣٥ ]
تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً أَلَا وَهِيَ الوِتْرُ، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ» أَمْرٌ
وعن ابن مسعود، والحسن البصري: أنه واجب، وحكى الطحاوي في وجوبه إجماع السلف. كذا في الأسرار، والمبسوط (^١).
وفي المبسوط (^٢): قال ابن مسعود: " وِتْرُ اللّيلِ كَوِتْرِ النَّهَارِ " (^٣)، ثم وتر النهار واجب؛ فكذا وتر الليل، واتفاق الصحابة على تقدير التراويح بعشرين؛ يدل على أن الواجبات في اليوم والليلة عشرين ركعة، وذلك لا يكون إلا بالوتر، وفيه تأمل.
وأما استدلالهم بالآية لا يلزمنا؛ لأنا لا نقول يكون الوتر مكتوبًا فرضًا، بل نقول إنه واجب بالسنة، فلا يلزم ما ذكرتم.
وأما الاستثناء في الحديث فليس بخاص في التطوع؛ فإن عليه صلاة المنذور، والجنازة إذا تعين لإقامتها، والتطوع إذا شرع فيه عندنا، وإذا لم يكن حاضرا ثبت وجوب الوتر بدليله، كما يثبت وجوب تلك الصلوات بأسبابها، ولم يقع التنافي.
وأما قوله: «وهي لكم سنة»؛ أي: تحقيق الثلاث سنة لكم، لا أن كلا منها سنة بانفراده.
وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسائل، منها: إذا تذكر في صلاة الفجر أنه لم يُصَلِّ الوتر؛ فسد الفجر عنده، خلافا لهما.
ومنها: إن تذكر في صلاة الوتر فريضة فائتة؛ فسد الوتر عنده، خلافا لهما.
ومنها: إذا صلى العشاء بلا طهارة ناسيًا أو حاملًا للنجاسة، أو بلا استقبال القبلة، ثم صلى الوتر بجميع الشرائط، ثم بعد أدائها تذكر أن العشاء غير صحيحة فأعادها؛ لم يلزمه إعادة الوتر عنده؛ لمكان الظن وسقوط الترتيب به،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٥).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٦).
(٣) ذكره البيهقي في معرفة السنن والآثار (٤/¬٧٠، رقم ٥٥٠٠) وأفاد أنه روي مرفوعا والصحيح وقفه عليه.
[ ١ / ٩٣٦ ]
وَهُوَ لِلْوُجُوبِ، وَلِهَذَا وَجَبَ القَضَاءُ بِالإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِأَنَّ وُجُوبَهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ المَعْنِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَهُوَ يُؤَدَّى فِي وَقْتِ العِشَاءِ فَاكْتَفَى بِأَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ.
قَالَ: (الوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ) …
وعندهما يعيدها؛ لأنها لا تقع سنة إلا بعد الفريضة الصحيحة، ولم توجد.
قوله: (وجب القضاء بالإجماع): وفي الخبازية (^١): فيه نظر؛ لأنه نقل عن أبي يوسف: لا يقضي بعد خروج الوقت، وعن محمد أنه قال: أحب إلي أن يقضى، وعنهما أنها سنة مؤكدة، فتقضى لو تركت.
وأجيب: إنما قال ذلك بحسب ظاهر الرواية، كما ذكر أبو بكر الأعمش. ذكره في الذخيرة (^٢).
وما روي عنهما من عدم القضاء غير رواية الأصول، أو يحمل الإجماع على إجماع السلف، ولكن ثبت ذلك الإجماع بطريق الأحاد. كذا قيل.
قوله: (ثبت بالسنة)؛ أي: بخبر الواحد؛ لأن ما ثبت وجوبه بالسنة المتواترة يكفر جاحده، كمقادير الزكوات، وأعداد الركعات.
(بما روي عنه)؛ أي: عن أبي حنيفة (أنه سنة)؛ أي: اعتقادا.
(وهو يؤدى في وقت العشاء)؛ جواب عن قولهما، فلا يؤذن له بأذان على حدة.
قوله: (والوتر ثلاث ركعات): وفي التحفة: قال الشافعي (^٣): هو بالخيار، إن شاء أوتر بركعة، أو بثلاث بتسليمة واحدة وقعدة واحدة.
وفي قول: بقعدتين وتسليمتين. وفي قول: بقعدتين وتسليمة كقولنا، أو سبع أو تسع أو بإحدى عشرة ركعة.
وفي الحلية (^٤): أدناه واحدة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، وأدنى الكمال
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٢٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٨١).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٢٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٨١).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٢٩٣)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٥٨).
(٤) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٤٢).
[ ١ / ٩٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثلاث ركعات بتسليمتين، وبه قال أحمد (^١)، ومالك قال: يوتر بواحدة قبلها شفع (^٢).
أما الواحد أو الثلاث أو الخمس؛ فلما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه ﵇ قال: «من أحب أن يوتر بخمس فَلْيَفْعَلْ، ومَن أحب أن يوتر بثلاث فَلْيَفْعَلْ، ومن أحب أن يوتِرَ بواحدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» (^٣)، وأما السبع؛ فلما روي عن أبي أمامة الباهلي «أنه ﵇ كان يوتر بسبع» (^٤)، أما التسع والإحدى عشرة؛ فلما روي عن أبي هريرة أنه ﵇ قال: «أوتر بخمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة» (^٥)، وروي عنه ﵇ أنه قال: «إذا خَشِيتَ الصّبحَ فأوتر بواحِدَةٍ» (^٦).
وفي المبسوط (^٧): قال الشافعي: الوتر ركعة؛ لقوله ﵇: «إن الله تعالى وتر يحبُّ الوتر» (^٨)، وقال الزهري: الوتر في رمضان ثلاث، وفي غيره واحد.
_________________
(١) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٨)، والمحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ٨٨).
(٢) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٤٢٧)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٣٩٣).
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٢، رقم ١٤٢٢) والنسائي (٣/ ٢٣٨، رقم ١٧١٢) من حديث أبي أيوب الأنصاري وصححه ابن حبان (٦/ ١٦٧، رقم ٢٤٠٧) والحاكم (١/ ٤٤٤، رقم ١١٢٨) وصححه وأقره الذهبي.
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٩، رقم ٢٢٣٦٧) من حديث عن أبي أمامة قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بتسع حتى إذا بدن وكثر لحمه أوتر بسبع وصلى ركعتين وهو جالس فقرأ ب ﴿إذا زلزلت﴾ وقل ﴿يا أيها الكافرون﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٤١، رقم ٣٤٤٩): رواه أحمد والطبراني في الكبير وزاد: وقل ﴿هو الله أحد﴾ ورجال أحمد ثقات.
(٥) أخرجه ابن حبان (٦/ ١٨٥، رقم ٢٤٢٩) والحاكم (١/ ٤٤٦، رقم ١١٣٧) قال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/¬٣٨، رقم ٥١١): رجاله كلهم ثقات ولا يضره وقف من أوقفه.
(٦) أخرجه البخاري (١/ ١٠٢، رقم ٤٧٣) ومسلم (١/ ٥١٦، رقم ٧٤٩) من حديث ابن عمر ﵄.
(٧) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٤).
(٨) أخرجه أبو داود (٢/ ٦١، رقم ١٤١٦) والترمذي (١/ ٥٧٦، رقم ٤٥٣) وابن ماجه (١/ ٣٧٠، رقم ١١٦٩) من حديث علي ﵁، قال الترمذي: حديث حسن.
[ ١ / ٩٣٨ ]
لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ» وَحَكَى
ولنا: ما روي عن عائشة (^١) وابن مسعود (^٢) وابن عباس (^٣) «أنه ﵇ يُصَلِّي بالليل أربعًا أربعًا، ويوتِرُ بثلاث، قرأ في الأولى ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١]، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وقنت قبل الركوع، وكان لا يسلم إلا في آخرهن». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد (^٤).
وكذا روى أبي بن كعب وأم سلمة، ورأى عمر سعدا يوتر بركعة فقال: "ما هذه البتيراء؟ لتشفعها أو لأوذينك "، وإنما قال ذلك؛ لأن الأثر أشهر أنه ﵇ نهى عن البتيراء (^٥)، وروي عنه أنه قال: «الوتر ثلاث كثلاث المَغْرِبِ» (^٦)، وهو مذهب أبي بكر، والعبادلة وأبي هريرة، واتفق فقهاء المدينة على أنه ثلاث بتسليمة واحدة، وحكى الحسن البصري إجماع السلف.
فإن قيل: الإجماع قطعي يكفر جاحده.
قلنا: هذا إجماع ثبت بالآحاد، فهو كالخبر الصحيح يثبت به الحكم، ولا يكفر جاحده. كذا في الخبازية (^٧).
ولأن النوافل أتباع للفرائض، فيجب أن يكون لها نظير من الفرض،
_________________
(١) حديث عائشة أخرجه مسلم (١/ ٥٠٩، رقم ٧٣٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٧، رقم ٦٩١٢) والدارقطني (٢/ ٣٥٦، رقم ١٦٦٢) وفي سندهما أبان بن أبي عياش قال الدارقطني: متروك.
(٣) أخرجه النسائي (٣/ ٢٣٦، رقم ١٧٠٢) وصححه الشيخ الألباني في صلاة التراويح (ص: ١١٠).
(٤) لقد جمع المصنف بين روايات الصحابة المذكورين ثم عزاهم إلى إصحاب الكتب مجتمعين فَخَرَّجْتُ حديث كل واحد منهم على حدة.
(٥) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ٢٥٤) من حديث أبي سعيد ﵁ والذي فيهما البتيراء، وضعفه ابن حجر في الدارية (١/ ١٩٢) بعثمان بن محمد بن ربيعة؛ لأن الغالب على حديثه الوهم.
(٦) أخرجه الدارقطني (٢/ ٣٤٩، رقم ١٦٥٣) من حديث ابن مسعود مرفوعا: «وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب» وقال: يحيى بن زكريا هذا يقال له: ابن أبي الحواجب ضعيف، ولم يروه عن الأعمش مرفوعا غيره، وذكره البيهقي في معرفة السنن والآثار (٤/ ٧٠، رقم ٥٥٠٠) وأفاد أنه روي مرفوعا والصحيح وقفه عليه.
(٧) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٢٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٨١).
[ ١ / ٩٣٩ ]
الحَسَنُ ﵀ إِجْمَاعَ المُسْلِمِينَ عَلَى الثَّلَاثِ، هَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَفِي قَوْلِ يُوتِرُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا رَوَيْنَاهُ (وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: بَعْدَهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ فِي
والركعة الواحدة ليست بمعهودة فرضًا؛ لأنه لو جاز الاقتصار على ركعة لقصرت صلاة الفجر كالظهر، وما روي من الأخبار يجوز أن يكون قبل استقرار الوتر. كذا في الإيضاح (^١).
ويجوز أن معنى قوله: (يوتر بخمس)؛ أنه ينتفل بالركعتين ويوتر بالثلاث وكذا ما روي بسبع أو تسع؛ أنه ينتفل بأربع ويوتر بالثلاث، أو ينتفل بست ويوتر بثلاث، وكذا ما روي أنه يوتر بإحدى عشرة؛ أنه ينتفل بثمانية ويوتر بثلاث.
وفي شرح الآثار (^٢): ما روي من الخبر في الوتر قبل استحكام أمره، فإنهم مخيرون في ذلك، وقد أجمعت الأمة وأوتروا وترا؛ لا يجوز لأحد ترك شيء منه.
وفي المبسوط (^٣): لا حجة للشافعي فيما روي؛ لأن الله تعالى وتر لا من حيث العدد.
(والحجة عليهما)؛ أي: على الشافعي ومالك (ما رويناه)؛ من حديث عائشة.
(وقال الشافعي بعده)؛ أي: بعد الركوع (^٤)، وبه قال أحمد (^٥).
وفي شرح الإرشاد: لا نص عن الشافعي فيه، ولكن قال أصحابه: ينبغي أن يكون بعد الركوع.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٦٨)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٢٨).
(٢) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٩١).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٤).
(٤) انظر: الأم للشافعي (٧/ ١٧٧)، والإقناع للماوردي (ص ٤٠).
(٥) انظر: الهداية للكلوذاني (ص) (٨٨)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١١٢).
[ ١ / ٩٤٠ ]
آخَرِ الوِتْرِ وَهُوَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ قَبْلَ
وعندنا، ومالك (^١)، وابن سريج من أصحاب الشافعي (^٢): يقنت قبل الركوع.
وقال بعض أصحاب الشافعي: يتخير بين التقديم والتأخير (^٣).
للشافعي: ما روي «أنه ﵇ قنت في آخر الوتر» وهو بعد الركوع (^٤)، وما روى أبو هريرة أنه ﵇ إذا أراد أن يدعو على أحد أو لأحد قنت بعد الركوع؛ فربما قال بعد التسبيح والتحميد يدعو للمستضعفين بمكة: «اللهم أَنْج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة، اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، واجعلها سنين كَسِنِي يوسف»، فقحطوا حتى أكلوا العظام البالية، فلما نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْء﴾ [آل عمران: ١٢٨] ترك (^٥)، وما روي عن عمر أنه قال: «السنة إذا انتصف الرمضان؛ أن تلعن الكفرة، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده» (^٦).
ولنا: ما روينا أنه ﵇ قنت قبل الركوع، وهو مذهب علي وابن مسعود؛ لأنه ذكر شرع في خلال الاستقرار من القيام، فوجب أن يكون قبل الركوع، كبناء الاستفتاح والتعوذ والقراءة وتكبيرات العيدين.
يوضحه: أن القنوت دعاء من وجه، وقراءة من وجه، فإن قوله: (اللهم إنا نستعينك) إلى قوله: (بالكفار ملحق) مكتوب في مصحف أبي وابن مسعود،
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٩٢)، والتلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٤٦).
(٢) انظر: حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١١٩)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٤/ ٢٤٩).
(٣) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٢٦٩)، والمجموع للنووي (٤/¬١٥).
(٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ٣٥٧، رقم ١٦٦٤) عن سويد بن غفلة، قال: سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، يقولون: قنت رسول الله ﷺ في آخر الوتر وكانوا يفعلون ذلك. قال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٣٣٠): حديث ضعيف؛ عمرو بن شمر رافضي متروك، وقال السعدي: زائغ كذاب.
(٥) أخرجه البخاري (٦/¬٣٨، رقم ٤٥٦٠) ومسلم (١/ ٤٦٧، رقم ٦٧٥).
(٦) لم أقف على هذا الأثر من قول عمر وقد أفاد ذلك ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٣٦٩)، وقد روي عن أنس أنه ﵇ كان يقنت في النصف من رمضان رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٩٩، رقم ٤٨٢١) وسنده ضعيف كما قال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٣٦٩).
[ ١ / ٩٤١ ]
الرُّكُوعِ، وَمَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الشَّيْءِ آخِرُهُ. وَيَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ خِلَافًا
وكان ابن مسعود يسميه سورة القنوت، ولهذا كره أبو حنيفة ومحمد قراءته للجنب احتياطا، والقيام محل القراءة والدعاء جميعا، وما بعد الركوع موضع الدعاء فقط، فلو أتى به بعده لكان واقعا في موضعه من وجه دون وجه، ولو أتى قبله كان واقعا في موضعه من كل وجه، فكان أولى.
ومعنى قول عمر يحتمل الدعاء غير القنوت، فلا يصير حجة.
(وما زاد على نصف الشيء يسمى آخره)؛ ولأنه قال عاصم الأحول: سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة كان قبل الركوع أو بعده؟، قال: «قبله، إنما قنت رسول الله بعد الركوع شهرا يدعو على قاتلي القراء السبعة ثم تركه» (^١)، والترك دليل النسخ.
(ويقنت في جميع السنة): وبه قال جمهور الشافعية (^٢)، وأحمد (^٣)، ومالك في رواية.
وقال الشافعي: في النصف الأخير من رمضان (^٤)، وبه قال مالك في رواية.
وعن مالك: أنه يستحب أن يقنت في جميع رمضان (^٥).
ثم اختلف أصحاب الشافعي؛ فقيل: يجوز أن يقنت جميع السنة بلا كراهة.
وقيل: يستحب.
وقال جمهور أصحابه: الاستحباب يختص بالنصف الأخير من رمضان (^٦)؛ لأن عمر جمع الناس على أبي بن كعب في ليالي رمضان لصلاة التراويح، فلم يقنت النصف الأخير من رمضان.
وفي رواية المبسوط (^٧): وأمره بالقنوت في النصف الأخير.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ١٠٧، رقم ٤٠٩٦) ومسلم (١/ ٤٦٩، رقم ٦٧٧)
(٢) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٥٨)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١١٩).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٦)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١١١).
(٤) انظر: اللباب لابن المحاملي (ص ١٣٧)، والإقناع للماوردي (ص ٤٠).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٨٩)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١٧/ ٢٩٢).
(٦) انظر: المجموع للنووي (٤/¬١٥)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٣٣٠).
(٧) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٤).
[ ١ / ٩٤٢ ]
لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي غَيْرِ النِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ ﵊ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ له حِينَ عَلَّمَهُ دُعَاءَ القُنُوتِ: «اجْعَلْ هَذَا فِي وِتْرِكَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، … »
ولنا: حديث تعليم الحسن المذكور في المتن، وما روي عن علي وابن مسعود أنهما كانا يقنتان في جميع السنة، ولأن القنوت مضاف إلى الوتر، فدل أنه من سننه، فإنه لو كان من سنن الوقت؛ لكان مضافًا كتكبيرات التشريق، وإذا ثبت أنه من سنن الوتر؛ فلا يختص ببعض الأزمان كسائر سننه.
وتأويل ما روي عن عمر ﵁: أن المراد منه طول القيام، لا القنوت في الوتر.
وفي الْمُجْتَبى (^١): الاقتداء في الوتر خارج رمضان يجوز. وفي مختصر القدوري (^٢): لا يجوز - أي: يكره -. والجماعة في رمضان في الوتر أفضل، واختار علماؤنا أنه يوتر في منزله. ثم لابد من معرفة دعاء القنوت، وكيفية قراءته:
أما الدعاء؛ فأطول ما روي فيه، ما روي عن عمر ﵁ أنه ﵇ كان يقول بعد الركوع: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمُسلِمينَ والمسلمات، وأصلِح ذات بينهم، وأَلّف بين قلوبهم، وانْصُرْهُم على عَدوِّكَ وعَدُوِّهِم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويُكذِّبون رَسولَكَ، ويقاتلون أولياءَكَ، اللهم خالِف بين كلِمَتِهِمْ، وأزِلَّ أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا تَردَّهُ عن القومِ المُجرمين» (^٣) «بسم الله الرّحمن الرّحيم، اللهم إنا نستعينُكَ ونَسْتَغْفِرُكَ»، وفي رواية: «ونَسْتهديكَ» ثم «ونستغفرك، ونؤمِنُ بك ونتوكَّلُ عليك، ونُثني عليكَ الخير كله»، وفي رواية: «ونتوب إليك» ثم «ونتوكل عليك، نشكرُكَ ولا نكفرُكَ، ونخلع ونترك من يفجُرُكَ».
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٢).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٢).
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢١٠، رقم ٣٢٦٨) وقال: هذا عن عمر موصول صحيح، وقال قبل ذلك بعد أن روى بعضه مرفوعا وحكم عليه بالإرسال، قال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٣٧١): هو كما قال.
[ ١ / ٩٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«بسم الله الرحمن الرّحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد -بالواو-، وإليك نسعى ونَحفِدُ، نرجو رحمتك ونخشى عذابَكَ، إِنَّ عَذابَكَ الجِدَّ بالكفار مُلحق» بفتح الحاء وكسرها، والكسر أصح.
وفي بعض الروايات: «نَبَتدِئُ باللهم إنا نستعينك» إلى آخره. والتوفيق بين الروايتين: أنه كان يزيد ذلك حين كان يدعو على الكفار، وعن الحسن بن علي ﵄ أنه قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر؛ «اللهم اهدني فيمَنْ هَديتَ، وعافني فيمن عافيت، وتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيتَ، وبارك لي فيما أعطيت، أنتَ تَقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يَذِلُّ من واليت، ولا يَعِزُّ مَنْ عادَيْتَ، تبارَكْتَ وتعالَيْتَ» (^١). كذا في شرح المؤذني (^٢).
وعن صدر القراء رشيد الأئمة الفيدي (^٣) اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا الكل بِنُونِ الجماعة، إلى آخره، وفي آخره: «لا إله إلا أنت»، وزيادة «وقنا شر ما قضيت».
وفي الكافي (^٤): ولو قال: (نحفذ) بالذال؛ تفسد صلاته، ويقول بعد قوله: (تَعالَيْتَ عما يقولُ الظالمون عُلُوًّا كَبيرًا، لا إلهَ إلّا أنتَ أستغفرك ونتوب إليك، ربنا اغفر لنا ولإخواننا)، إلى قوله: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، (اللهم إنكَ عَفُو تحب العفو فاعفُ عنّا، واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنتَ خير الراحمين، أعوذُ بعفوك عن عقابك، وبرضاك من سَخَطِكَ، لا أُحصي ثناء عليكَ أنتَ كما أثنيت علَى نَفْسِكَ) (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٣، رقم ١٤٢٥) والترمذي (١/ ٥٨٧، رقم ٤٦٤) والنسائي (٣/ ٢٤٨، رقم ١٧٤٥) قال الترمذي: حديث حسن.
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٣).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٣).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٩١).
(٥) هذه الأدعية مجموعة من أكثر من حديث أحدهما حديث علي بن أبي طالب أخرجه أبو داود (٢/ ٦٤، رقم ١٤٢٧) والترمذي (٥/ ٤٥٣، رقم ٣٥٦٦) وقال: حسن غريب. والثاني حديث عائشة أخرجه الترمذي (٥/ ٤١٦، رقم ٣٥١٣) وابن ماجه (٢/ ١٢٦٥، رقم ٣٨٥٠) قال الترمذي: حسن صحيح.
[ ١ / ٩٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإتيان التسمية في القنوت على قول ابن مسعود؛ فإنهما سورتان من القرآن عنده، فأما على قول أبي: إنه ليس من القرآن، وهو الصحيح، فلا حاجة إلى التسمية، وبه أخذ عامة العلماء، ولكن الاحتياط: أن تجتنب الحائض والنفساء والجنب عن قراءته (^١).
وأما كيفية قراءته؛ قيل: يجهر الإمام، وقيل: يخافت، وقيل: يتوسط، وبه أخذ محمد، وأخذ أبو يوسف بالجهر، وقيل: على العكس.
وعن محمد: يجهر الإمام ويُؤَمِّنُ القومُ، وعنه: يجهر المأموم أيضًا، والجهر للمأموم أحب من الإخفاء، وعن أبي يوسف: يجهر الإمام ويتخير المأموم، إن شاء قرأ وإن شاء أمَّنَ. وقيل: هو كالقراءة، يتحمله الإمام ويجهر به (^٢).
وفي شرح الإرشاد (^٣): بأن الإخفاء به عند محمد؛ لأنه دعاء، وقال ﵇: «خَيرُ الدُّعَاءِ الخَفِيُّ» (^٤)، فكان الإخفاء سنة كما في سائر الأدعية، وعند أبي يوسف الجهر؛ لأنه ذكر مشروع في حال القيام، تختص به بعض الصلوات، فكانت فيه الجهر.
ومن لا يعرف القنوت يقول: (اللهم اغفر لي) ثلاثا، وهو اختيار أبي الليث (^٥)، واختار مشايخنا قول: (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٤).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٤).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٦)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/¬٤٦).
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ وبنحوه أخرجه أحمد (١/ ١٧٢ رقم ١٤٧٧) من حديث سعدٍ ﵁ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨١، رقم ١٦٧٩٤): وفيه محمد بن عبد الرحمن ابن لبيبة، وقد وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح، وقبله المنذري في الترغيب (٢/ ٣٤١، رقم ٢٦٤١).
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٤).
[ ١ / ٩٤٥ ]
(وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ الوِتْرِ (فَاتِحَةَ الكِتَابِ
وقال القاضي في إملائه (^١): واختلفوا في أنه هل يصلي على النبي ﷺ في القنوت؟
قال بعضهم: لا يصلّي، لو صلّى على النبي ﵇ فيه لا يصلي عليه في القعدة الأخيرة، ولو صلى في القعدة الأولى سهوًا لا يصلي عليه في القعدة الأخيرة، ولا في القنوت.
قال القاضي: الأوتار يُقْنَتُ فيها احتياطًا؛ لأنه لا يضر في التطوع (^٢).
وفي تتمة أصحاب الشافعي (^٣): إذا قلنا يقنت قبل الركوع؛ يبتدئ به بعد الفراغ من القراءة بلا تكبير، وبه قال مالك (^٤)، والقنوت هو الدعاء المروي عن الحسن بن علي ﵁، واستحب بعض الأصحاب منهم صاحب التلخيص أن يضيف إليه ما روي عن عمر، وهو " اللهم إنا نستعينك … " إلى آخره، وعليه العمل، وبه قال القاضي أبو الطيب، وزاد هو وغيره: (اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويقاتلون أولياءك، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق اجعلنا منهم).
ثم كيفيته: فالإمام يخافت به في قول، والأظهر: أن يجهر به، وأما المأموم، فإن كان الإمام يجهر فالمأموم يجهر، فإن كان يسمع صوته؛ الأصح: أنه يُؤَمِّن ولا يقنتُ. وكذا في شرح الوجيز (^٥).
قوله: (ويقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب): وهذا بالإجماع، أما عندهم؛
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٤).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٤).
(٣) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٥٠٨).
(٤) انظر: الرسالة للقيرواني (ص) (٢٩)، وكفاية الطالب الرباني (١/ ٢٧٣).
(٥) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٤٤٤).
[ ١ / ٩٤٦ ]
وَسُورَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْنُتَ
كَبَّرَ) لِأَنَّ الحَالَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ (وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَنَتَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُرْفَعُ
الأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ».
فلأنه نفل، وأما عند أبي حنيفة وإن كان واجبًا يحتمل أنه نفل، فكان الاحتياط فيه وجوب القراءة؛ لترجح جهة الوجوب بدليل فيه شبهة.
(وسورة)؛ أي: سورة مطلقة غير معينة، كما قال الشافعي: يقرأ في الأولى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ﴾ [القدر: ١]، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]؛ لأنه ﵇ قرأ كذلك، وفي كتبهم: قرأ في الأولى ﴿سَبِّح﴾ [الأعلى: ١]؛ لأنه ﵇ قرأ كذلك (^١).
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠] عام في الوتر وغيره، ولأن درجة الوتر لا تربو درجة المكتوبة، ولم يتوقف فيها شيء سوى الفاتحة، فكذا هذا، وما رواه برواية عمران بن الحصين (^٢)، وعائشة (^٣): أنه كان يقرأ في الأولى ﴿سَبِّح﴾ [الأعلى: ١]، فعلم أنه لم يتوقف فيها شيء.
وعندنا: لو قرأ بما ورد به الآثار لكان حسنًا.
وقوله: (كبر)؛ احتراز عما قاله بعض أصحاب الشافعي كما ذكرنا؛ لأن الحالة قد اختلفت؛ فإن حالة القراءة غير حالة القنوت، فيكبر بينهما كما بين الركوع والسجود.
فإن قيل: هذا منقوض بما بين الثناء والقراءة؛ فإن الحالة هاهنا مختلفة أيضًا.
قلنا: إن الثناء سنة لتمهيد القراءة، فيكون تبعًا لها، فلا حاجة إلى الفصل، ولأنه ثبت الرفع بالحدث - كما سيجيء -، وأنه غير مشروع بلا تكبير.
(سبع مواطن): وفي بعض النسخ: سبعة.
_________________
(١) انظر: التنبيه للشيرازي (ص ٣٤)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٥٨).
(٢) أخرجه النسائي (٣/ ٢٤٧، رقم ١٧٤٣) وهو صحيح بشواهده.
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٣، رقم ١٤٢٤) والترمذي (١/ ٥٨٦، رقم ٤٦٣) وابن ماجه (١/ ٣٧١، رقم ١١٧٣) قال الترمذي: حسن غريب.
[ ١ / ٩٤٧ ]
وَذَكَرَ مِنهَا القُنُوتَ
فإن قيل: هذا الحديث يقتضي انحصار جواز الرفع في المواضع السبعة؛ لأنه ذكر حرمة الرفع عاما، ثم استثنى منه المواضع السبعة، فبقي ما وراءها تحت عموم الحرمة ضرورة، حتى استدل به أصحابنا على حرمة الرفع في الركوع، ورفع الرأس منه، وعمل الأمة على خلاف هذا؛ فإنهم يرفعون أيديهم في مواضع الدعاء كله وإن لم يكن من المواضع السبعة، فإنه ذكر في المستخلص: آداب الدعاء عشرة، إلى أن قال: الثالث: أن يدعو مستقبل القبلة، ويرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه؛ فإنه ﵇ قال: «إن رَبَّكُم حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إِذا رفعَ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّها صُفْرًا» (^١)، وكذا في شرعة الإسلام؛ فإنه قال فيه: ويرفع يديه إلى المنكبين، ويجعل باطن كفه مما يلي وجهه (^٢).
وفي المبسوط (^٣)، والمحيط (^٤) في باب الاستسقاء: وعن أبي يوسف قال: إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء أشار بإصبعيه؛ لأن رفع اليد عند الدعاء سنة، والاستسقاء ليس من المواضع السبعة.
قيل في جوابه: وجه الانحصار في السنن الأصلية، التي هي من سنن الهدى أو من سنن الفرائض، وذا لا يكون إلا في هذه المواضع، وفي غيرها الرفع من الآداب والاستحباب وإتباع الآثار، لا على سنة الهدى أو الفرائض.
وفي المبسوط (^٥): عن محمد بن الحنفية قال: الدعاء أربعة: دعاء رغبة؛ ففيه يجعل بطون كفيه إلى السماء، ودعاء رهبة؛ ففيه يجعل ظهر كفيه إلى وجهه، كالمستغيث من الشيء، ودعاء تضرع؛ ففيه يعقد الخنصر والبنصر،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٨، رقم ١٤٨٨) والترمذي (٥/ ٤٤٨، رقم ٣٥٥٦) وابن ماجه (٢/ ١٢٧١، قم ٣٨٦٥) من حديث سلمان ﵁ وقال: حسن غريب.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٩٣).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٧).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٤٠).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٦).
[ ١ / ٩٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويحلق الإبهام والوسطى، ويشير بالسبابة، ودعاء خفية؛ وهو ما يفعله المرء في نفسه.
وعلى هذا قال أبو يوسف: يستقبل بباطن كفيه القبلة عند افتتاح الصلاة، واستلام الحجر، وقنوت الوتر، وتكبيرات العيدين، ويستقبل بباطن كفيه نحو السماء عند الصفا والمروة، وبعرفات وَبِجَمْعِ، وعند الجمرتين؛ لأنه يدعو في هذه المواقف بدعاء الرغبة (^١).
والمعنى فيه: أن في التكبير مع الرفع إعلامًا لجنس المعذورين، كالأعمى والأصم، كما في تكبيرة الافتتاح، ويتابعه المقتدي؛ لما أن الاستماع أو الإنصات واجب عند القراءة لا عند الدعاء.
وللشافعي في رفع اليدين في القنوت وجهان: أحدهما: أنه يرفع؛ لأنه روي الرفع عن ابن مسعود وعثمان وعمر، وهو الذي ذكره في الوسيط (^٢).
وأظهرهما - ما ذكره في التهذيب -: أنه لا يرفع (^٣)، وبه قال مالك (^٤)، والليث بن سعد، والأوزاعي؛ لما روي عن أنس «أنه ﵇ لم يكن يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن: الاستسقاء، والاستنصار، وعشية عرفة» (^٥)، وهو اختيار القفال، وإمام الحرمين.
ولو قلنا أنه يرفع، هل يمسح بهما وجهه؟ في التهذيب: أصحهما: أنه لا يمسح.
كذا في شرح الوجيز (^٦).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٩٤).
(٢) الوسيط للغزالي (٢/ ١٣٥).
(٣) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ١٨٨)، والمجموع للنووي (٣/ ٤٩٩).
(٤) انظر: مواهب الجليل للحطاب (١/ ٥٤٠)، وكفاية الطالب الرباني (١/ ٢٧٣).
(٥) قال ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٦١٠، رقم ٣٧٣): لا أصل له من حديث أنس. وأفاد أن البخاري (٢/¬٣٢، رقم ١٠٣١) ومسلم (٢/ ٦١٢، رقم ٨٩٥) أخرجا عن أنس كان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في كل دعائه إلا في الاستسقاء فإنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه.
(٦) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٤٤٩).
[ ١ / ٩٤٩ ]
(وَلَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ اللهُ فِي الفَجْرِ لَمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ
قوله: (ولا يقنت في صلاة غيرها): وقال الشافعي (^١)، ومالك (^٢): السنة أن يقنت في صلاة الصبح، لكن بعد الركوع عند الشافعي، وقبله عند مالك؛ لأنه روى ابن عباس (^٣) وأبو هريرة (^٤) وأنس (^٥) أنه ﵇ قنت في الصبح في الركعة الثانية بعد الركوع حتى فارق الدنيا، وهكذا روي عن الخلفاء الأربعة.
وعن أحمد (^٦): أن القنوت للأئمة؛ يدعون للجيوش، فإن ذهب إليه ذاهب فلا بأس به. كذا في شرح الوجيز (^٧).
ولنا: ما روى ابن مسعود كما ذكر في المتن (^٨)، وعن ابن عمر قال: «والله إنه لبدعة، ما قنت رسول الله ﷺ إلا شهرا، ولم يقنت قبله ولا بعده» (^٩)، وكذا روى أبو هريرة، وما روي عن أم سلمة «أنه ﵇ نهى عن القنوت في الفجر» (^١٠)، وقال أنس: «قنت رسول الله ﷺ شهرا أو أربعين يومًا يدعو على
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (٧/ ١٧٧)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٥٠).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٩٢)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٧).
(٣) حديث ابن عباس أخرجه الدارقطني (٢) ٣٧٥، رقم ١٧٠٣ وضعفه الشيخ الألباني في الضعيفة (١٢/ ١٤٨).
(٤) حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (٦/¬٣٨، رقم ٤٥٦٠).
(٥) حديث أنس أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٠٩، رقم ٤٩٦٤) والدارقطني (٢/ ٣٧٠، رقم ١٦٩٢) وفي سنده أبي جعفر الرازي عيسى بن عبد الله ابن ماهان قال ابن حجر في التقريب (ص: ٦٢٩، رقم ٨٠١٩): صدوق سيء الحفظ. وصححه النووي في خلاصة الأحكام (١/ ٤٥٠، رقم ١٤٧٥).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٣)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١١٥).
(٧) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٤١٦).
(٨) تقدم تخريجه قريبا.
(٩) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير كما في مجمع الزوائد (٢/ ١٣٧، رقم ٢٨٢١) قال الهيثمي: فيه بشر بن حرب ضعفه أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي ووثقه أيوب وابن عدي.
(١٠) أخرجه ابن ماجه (١/¬٣٩، رقم ١٢٤٢) والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٢٩١، رقم ٦٤٣) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٤٧، رقم ٤٤٠) إسناده ضعيف. قال الدارقطني: فيه محمد بن يعلى وعنبسة بن عبد الرحمن وعبد الله بن نافع كلهم ضعفاء، ولا يصح لنافع سماع من أم سلمة. وقال ابن حجر في الدراية (١/ ١٩٥): أخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف.
[ ١ / ٩٥٠ ]
«﵁ أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ شَهْرًا» ثُمَّ تَرَكَهُ (فَإِنْ قَنَتَ
رعل وذكوان (^١)، وعن أبي مالك الأشجعي أنه قال: "سألت أبي عن القنوت في الفجر، فقال: صليت خلف رسول الله ﷺ والخلفاء الأربعة، فلم يقنتوا فيها، يا بني بدعة، يا بني بدعة (^٢)، وقال [أبو] (^٣) عثمان النهدي: «صليت خلف أبي بكر وعمر سنين، فلم أر واحدًا منهما قنت في صلاة الفجر».
ومن روى القنوت روى تركه، ففعله ﵇ المتأخر ينسخ المتقدم، وقد صح أنه كان ﵇ يقنت في صلاة المغرب كما يقنت في صلاة الفجر (^٤) ثم انتسخ أحدهما بالاتفاق، فكذا الآخر.
ويقال: كان مقدار القيام في القنوت مقدار ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] وليس فيها دعاء موقت - أي معين -، يريد به سوى (اللَّهُمَّ إنّا نستعينك)، فالصحابة اتفقوا على هذا في القنوت، والأولى أن يأتي بعده بما علم النبي ﵇ الحسن.
والقراءة اسم من القنوت، فإذا لم يوقت في القراءة بشيء ففي دعاء القنوت أولى.
وعن محمد: أن التوقيت في الدعاء يذهب برقة القلب.
ومشايخنا قالوا: مراده في أدعية المناسك، أما في الصلاة فإذا لم يوقت فربما يجري على لسانه ما يفسد صلاته. كذا في المبسوط (^٥)، وجامع فخر الإسلام.
وفي الْمُجْتَبى (^٦): وإذا تعارضت روايات فعله؛ ترجح ما اختاره أصحابنا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦/¬٢، رقم ١٠٠٣)، (٤/¬١٨، رقم ٢٨٠١).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢٠٥، رقم ٧٧٣) والترمذي (١/ ٥١٩، رقم ٤٠٢) والنسائي (٢/ ٢٠٤، رقم ١٠٨٠) وابن ماجه (١/ ٣٩٣، رقم ١٢٤١) قال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) ما بين المعقوفتين سقط من الأصول ولا بد من إثباته وهو أبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي الكوفي.
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٤٧٠، رقم ٦٧٨) من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٥) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٥).
(٦) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٦٣).
[ ١ / ٩٥١ ]
الإِمَامُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَسْكُتُ مَنْ خَلْفَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُتَابِعُهُ) (*) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ، وَالقُنُوتُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ. وَلَهُمَا، أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَا مُتَابَعَةَ فِيهِ، ثُمَّ قِيلَ: يَقِفُ قَائِمًا لِيُتَابِعَهُ فِيمَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ، وَقِيلَ: يَقْعُدُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ، لِأَنَّ السَّاكِتَ شَرِيكُ الدَّاعِي وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
بنهيه عن القنوت في الفجر ثم تركه، فالترك دليل النسخ؛ إذ المشروع لا يترك.
وفي شرح الإرشاد الخبر المروي عن أنس أنه ﵇ قنت في الفجر حتى فارق الدنيا (^١) تعارض، فإنه روي عنه في مقابلته «أنه ﵇ قنت شهرًا ثم تركه» (^٢)، فتعارض الروايتان، فيتساقطان، وبقي ما روينا من حديث أم سلمة، مع أن رواية (حتى فارق الدنيا) ضعيف غير مشهور عنه، أو المراد: يقنت أطال القيام في الفجر، وسمي طول القيام قنوتا؛ جمعًا بين الروايتين، وإليه ذهب ابن المبارك.
قوله: (مجتهد فيه)؛ يعني: التزم متابعة الإمام، وخطأ مخالفة الإمام متيقن، فلا يترك المتابعة بما يحتمل أن يكون مشروعًا؛ فإن خطأ المجتهد ليس بمتيقن، وصار كالاقتداء في العيد بمن يكبر خلاف رأيه ما لم يجاوز أقاويل الصحابة، وكما لو سجد الإمام للسهو قبل السلام؛ فإنه يتابعه.
(ولهما)؛ وهو قول زفر (أنه)؛ أي: القنوت في الفجر (منسوخ) بما روينا.
(ولا متابعة فيه)؛ كما لو كبر الإمام خمسًا في صلاة الجنازة فإنه لا يتابعه، بخلاف تكبيرات العيد، وسجدة الإمام قبل السلام؛ فإنه لم يثبت نسخ شيء منها، فإن أقوال الصحابة لم ترتفع.
قيل: هذا رد المختلف على المختلف؛ لأنه لو كبر الإمام في صلاة الجنازة خمسًا على هذا الخلاف، كما يجيء.
وفي شرح الإرشاد: لا يعتد بخلاف من خالف، كما لا يعتد بخلافه في
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٩٥٢ ]
وَدَلَّت المَسْأَلَةُ عَلَى جَوَازِ الاقْتِدَاءِ بِالشَّفْعَوِيَّةِ
متروك التسمية عامدًا؛ لأنه بخلاف الدليل الظاهر، حتى قلنا: إذا جمع بين ذكية ومتروك التسمية عامدًا في العقد؛ يفسد العقد فيهما جميعًا.
وفيه تأمل؛ لأن الساكت شريك الداعي، قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، وموسى ﵇ كان داعيًا، وهارون كان يؤمن ولا يدعو، سماه داعيًا؛ لأنه شريك الداعي.
فإن قيل: (آمين) هارون منقول أيضًا، وهو دعاء.
قلنا: لا نسلم أن هارون اشتغل بآمين، ولئن ثبت منه ذلك؛ فليس بدعاء صريحًا.
فإن قيل: فإذا قعد يكون ساكتًا أيضًا، فيكون شريكًا للداعي أيضًا.
قلنا: السكوت يكون دليلًا على الموافقة؛ إذا لم يوجد ما يخالفه، وقد وجد هاهنا هو القعود، فلا يكون سكوته دليلًا على الموافقة. كذا في الكافي (^١).
وفي جامع الكردري (^٢): المستمع شريك الداعي، كما في سجدة التلاوة؛ فإن السامع يساوي التالي في الثواب ووجوب السجدة والأول أظهر.
وذكر قاضي خان (^٣): وهو الصحيح؛ لأن الأصل المتابعة لا المخالفة، ولو قعد يخالفه فيما يجب متابعته.
قوله: (بالشفعوية): وفي ذيل المغرب (^٤): ومن الخطأ الظاهر قولهم: اقتداء حنفي المذهب بشفعوي المذهب، وإنما الصواب: الشافعي المذهب في النسبة إلى الشافعي المولد، على حذف ياء النسبة من المنسوب إليه؛ لأن الشافعي منسوب إلى جده شافع، بغير ياء النسبة، ولا يجمع بين منسوبين.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠١).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧١)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٣٥).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠١).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٣٧)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠١).
[ ١ / ٩٥٣ ]
وَعَلَى المُتَابَعَةِ
وفي حاشية بخط الإمام تاج الدين الزرنوجي (^١): قال الغوري: هو شافع من بني المطلب بن عبد مناف، منهم الإمام الشافعي الفقيه ﵁، ومن قال في النسبة إليه الشفعوي فهو عامي (^٢).
قيل: فعلى هذا ينبغي أن يقال بالشافعي المذهب.
(وعلى المتابعة)؛ أي: دلت على جواز المتابعة في قنوت الوتر في مضان؛ لأن الاختلاف في الدعاء المنسوخ يدل على الاتفاق في القنوت المشروع بالطريق الأولى. كذا ذكره قاضي خان، والتمرتاشي (^٣).
وقال أبو اليسر (^٤): واختلفوا أيضًا في المسبوق إذا قعد مع الإمام، هل يقرأ التشهد والصلوات والدعوات؟
قال: هذه المسألة تدل على أنه يقرأ ذلك كله، وهو اختيارنا.
_________________
(١) هو الإمام برهان الإسلام الزرنوجي - وقد يُسمى (برهان الدين الزرنوجي) - الذي يُنسب إلى (زرنوج) وهي بلد مشهور من أعمال تركستان. عاش في خراسان في الفترة ما بين أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجري، وليس هناك تاريخ محدد لوفاته إلا أنها انحصرت فيما بين عامي (٦٢٠ هـ - ٥٩٣ هـ). والإمام الزرنوجي واحد ممن يُشار إليهم بالبنان في مجال الفقه، والعلم الشرعي، والأدب والنشر، وكان ممن أجيز في التعليم والإفتاء؛ إلا أن تراثه العلمي انحصر في كتابه التربوي القيم "تعليم المتعلم طريق التعلم" الذي يبدو أنه ألفه بعد ممارسة طويلة للتعليم، والذي يُشتق جُلُّ ما عُرف عن هذا الإمام من هذا الكتاب الصغير؛ حتى قيل: "كأن الزرنوجي في التاريخ هو تعليم المتعلم، أو كأن تعليم المتعلم في الفكر التربوي هو الزرنوجي". وقد حظي هذا الكتاب بمكانة علمية كبيرة؛ حيث يُعد مع كتاب "الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين" للقابسي القيرواني، أهم كتابين في التربية الإسلامية في الثقافة العربية الإسلامية القديمة. كما ترجم إلى اللغات: اللاتينية، والتركية، والفارسية، والفرنسية، والإنجليزية. وما ذلك إلا لشهرته وسعة انتشاره وحاجة الناس إليه؛ ولا سيما أنه يعد أول كتاب في طرائق التدريس يتحدث عن التعليم الذاتي، وآدابه، وأساليبه، ويجمع بين النظرية التربوية التطبيقية وبين الرؤية التعبدية الشرعية بصورة متجانسة مندمجة تجسد التكامل الحقيقي بين الجانبين الإيماني والسلوكي.
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/¬٤٨).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٣).
(٤) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٥٥).
[ ١ / ٩٥٤ ]
فِي قِرَاءَةِ القُنُوتِ فِي الوِتْرِ، وَإِذَا عَلِمَ المُقْتَدِي مِنهُ مَا يَزْعُمُ بِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ كَالْفَصْدِ
وفي جواز اقتداء الحنفي بالشافعي؛ ذكر أبو اليسر (^١): أنه لا يجوز من غير أن يطعن في دينهم؛ لما روى مكحول الشامي في كتاب سماه: كتاب الشعاع.
وفي جامع الكردري (^٢): في اللؤلؤيات عن أبي حنيفة: أن من رفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه تفسد صلاته، وجعل ذلك عملا كثيرًا، وصلاتهم فاسدة عندنا، فلا يصح الاقتداء لهذا.
وفي الفوائد الظهيرية (^٣): وفيه نظر؛ لأن فساد الصلاة عند الركوع وعند رفع الرأس منه برفع اليدين لا يمنع صحة الاقتداء في الابتداء؛ لجواز صلاة الإمام قبله، أما في دلالته على المتابعة؛ فعن محمد أنه يقنت الإمام ويسكت المقتدي. كذا ذكره التمرتاشي (^٤).
وذكر قاضي [خان] (^٥): قيل: يقنت الإمام جهرًا، ولا يقنت المقتدي (^٦)، والأصح: أن يقنت المقتدي كما يقنت الإمام وغيره، كالرعاف والحجامة، وأن لا يتوضأ بماء راكد بلغ قلتين بوقوع النجاسة فيه، وأن يغسل ثوبه من المني، ويفرك اليابس منه، وأن لا يقطع الوتر، وأن لا يراعي الترتيب في الفوائت، وأن لا يمسح ربع رأسه، فإذا لم تعلم منه هذه الأشياء بيقين؛ يجوز الاقتداء به ويكره.
ولو شهر احتجامه ولم يتوضأ، وغسل موضع الحجامة؛ فالصحيح: أنه لا يجوز الاقتداء به. كذا قاله شيخ الإسلام (^٧).
وذكر قاضي خان (^٨): إنما يجوز الاقتداء به إذا كان يتحامى مواضع
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٣٦).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٠٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٣٦).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٣٧).
(٤) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٤٣٨)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١١٣).
(٥) مابين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٣).
(٧) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٣٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/¬٤٩).
(٨) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/¬٤٨).
[ ١ / ٩٥٥ ]
وَغَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، … .
الخلاف؛ بأن يتوضأ من الخارج من غير السبيلين، وأن يقف إلى القبلة مستويًا، ولا ينحرف انحرافًا فاحشًا، ولا يكون متعصبًا، ولا شائًا في إيمانه.
وفي الخلاصة (^١): والمراد بالانحراف الفاحش: أن يجاوز المغارب، وبالشاك في إيمانه أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أما لو قال: أنا أموت مؤمنًا إن شاء الله يصلي خلفه.
وفي شرح الإرشاد: ومن المشايخ من قال: لا يجوز الاقتداء به؛ لأن وتره فاسد، والترتيب واجب في الوتر عند أبي حنيفة، فيكون فجره فاسدًا.
والأصح: أنه يجوز؛ لأن الفوائت في قول الشافعي قَلَّت أو كَثُرَتْ تسقط الترتيب، وقد أجمع أصحابنا أنه لا يقتدي به في الوتر وإن كان لا يقطعه؛ لأنه ينويه سنة، وهو عند أبي حنيفة واجب.
وفي مختصر بحر المحيط (^٢): يجوز اقتداء الحنفي لمن يرى أن الوتر سنة؛ لضعف دليل وجوبه.
قال الرازي (^٣): اقتداء الحنفي بالشافعي في الوتر، وسلّم إمامه على الركعتين؛ لا يسلّم معه، ويصلّي بقيته؛ لأن إمامه لم يخرج بالسلام؛ لأنه مجتهد فيه، كما لو اقتدى بإمام قد رعف، ويرى أنه لا ينقض؛ صح الاقتداء به؛ لأنه مجتهد، فطهارته في حقه صحيحة.
قيل: صح الاقتداء في فصل الرعاف والحجامة، وقال الأكثر: لا يصح. كذا في القنية، وصلاة الجلابي (^٤).
وذكر التمرتاشي (^٥): لو اشتهر أنه مس امرأة ولم يتوضأ ثم اقتدى به؛ فإن مشايخنا قالوا: يجوز. وقال الهندواني وجماعة: لا يجوز.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٢).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٢).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٧١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٢).
(٤) انظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٧١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٢).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٣٨)، ورد المحتار على الدر المختار (٢/¬٧).
[ ١ / ٩٥٦ ]
وَالمُخْتَارُ فِي القُنُوتِ الإِخْفَاءُ، لِأَنَّهُ دُعَاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قيل: وقول الهندواني أقيس؛ لما أن زعم الإمام أن صلاته ليست بصلاة، فحينئذ كان الاقتداء بناء الموجود على المعدوم في زعمه، وهو الأصل فلا يصح وفي حليتهم (^١): صلى خلف حنفي أو مالكي؛ يجوز إذا قرأ الفاتحة مع التسمية، واعتدل الركوع والسجود، وإن كان بخلاف هذا لا يجوز.
قوله: (والمختار في القنوت): قال شيخ الإسلام: لا إشكال في المنفرد أنه يخافت وفي الإمام اختلف المشايخ، قال الفضلي وأبو حفص الكردري وغيرهما: يخافت؛ فإنه جرى التوارث في مسجد أبي حفص الكبير بالمخافتة، وهو من أصحاب محمد، فلولا علم من محمد أن السنة المخافتة لما خالفه، ولأن القنوت دعاء في الحقيقة، والسبيل فيه المخافتة؛ لما روينا أن لا تعارض، وكان القنوت في بلادنا الجهر استحسانًا؛ لأن البلاد بلاد العجم، فكانوا لا يعلمون ذلك، فاستحسنوا الجهر لكي يتعلموا، كما روي عن عمر ﵁ أنه جهر بالثناء حين قدم عليه وفد العراق ليتعلموا (^٢).
ومنهم من يقول: يجهر بالقنوت؛ لأن له شبهة القراءة، فإن الصحابة اختلفوا في (اللهم إنا نستعينك) أنه من القرآن أم لا، كما ذكرنا في المبسوط، والاختيار الإخفاء في حق الإمام والقوم؛ لقوله ﵇: «خير الدعاء الخَفِي» (^٣).
سئل أبو القاسم الصفار عن الصلاة على النبي ﵇ في القنوت، قال: لا يصلي؛ لأن هذا ليس بموضعه.
وقال أبو الليث: أفضل القنوت مع الصلاة؛ لأنه دعاء، والمستحب في الدعاء الصلاة على النبي ﷺ. كذا في الحاوي (^٤).
ثم قيل: يرسل يديه؛ ليكون حال الدعاء مخالفا لحال القراءة.
وقيل: يضع؛ لأن القنوت مشبه بالقراءة، وهو الأصح؛ لأن الوضع سنة قيام فيه ذكر مسنون، فكل قيام فيه ذكر يطول، فالوضع فيه أولى.
_________________
(١) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ٢٠٠).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٧١)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/¬٤٦).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٧٤)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٧٢).
[ ١ / ٩٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الإيضاح: يرسل (^١). واختلفوا في معنى الإرسال:
قيل: لا يضع يمينه على شماله فيه، والقومة وقيام صلاة الجنازة.
وقيل: يضع إحداهما على الأخرى في هذه الحالة.
ومعنى الإرسال: أن لا يبسطهما؛ لقوله: (كفوا أيديكم في الصلاة).
وعن أبي يوسف: أنه يبسط يديه بسطًا في حالة القنوت؛ لأنه سنة الدعاء (^٢).
وعن أبي حنيفة: أنه يشير بإصبعه السبابة من يده اليمنى (^٣)، وهو رواية عن أبي يوسف، وكذا رواه الحسن أنه يشير في التشهد، وفي كل ذلك آثار.
ومقدار القيام في القنوت قدر سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولو نسي القنوت حتى ركع؛ مضى على ركوعه ولم يرفع رأسه للقنوت، فرق بين هذا وبين تكبير العيد؛ فإنه لو تذكره في الركوع كبر، وكذا لو تذكر فيه قراءة سورة أو فاتحة؛ يعود إلى حال القيام فيقرأ، والوجه أن القنوت محله القيام المطلق وقد فات، ولا يمكن نقض الركوع؛ لأن الركوع فرض، والقنوت ليس بفرض، فلا يجوز نقضه له؛ لأنه دونه، فأما تكبيرات العيد فمحله لم يفت؛ لأنه شرع في حال القيام، وفيما يجري مجراه لما عرف في الأصول، وكذا الفاتحة أو السورة؛ فإنه فرض في الأصل؛ ألا ترى أن ما يترك منهما لو أتى به في القيام يقع فرضًا، وإذا تصور كذلك لم يفت محله فيعود.
وفي الحاوي (^٤): سئل بعض المشايخ: عمن نسي القنوت وتذكر في الركوع، قال: يعود إلى القيام ويقنت، ثم يركع ويسجد للسهو، ولو ترك السورة دون الفاتحة وقنت ثم تذكر؛ يعود ويقرأ السورة، ويعيد القنوت والركوع.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٤).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٤).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٠٤).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٧١).
[ ١ / ٩٥٨ ]
﷽
تتمة كتاب الصلاة