(وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ قَضَاهَا إِذَا ذَكَرَهَا، وَقَدَّمَهَا عَلَى فَرْضِ الوَقْتِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ: أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الفَوَائِتِ وَفَرْضِ الوَقْتِ عِنْدَنَا مُسْتَحَقُّ.
[باب قضاء الفوائت]
لما فرغ المصنف من بيان أحكام الأداء وما يتعلق به، وهو الأصل؛ شرع في بيان أحكام القضاء، وهو الخلف.
ثم القضاء لغة: الأحكام.
وشريعة: إسقاط الواجب بمثل ما عنده، ويعرف تمام هذا في الأصول.
قوله: (ومن فاتته)، ولم يقل ترك الصلاة، مع أن حكم ترك الصلاة عمدًا هكذا عند الأكثر؛ لما أن ظاهر حال المسلم أن لا يتركها قصدًا، فعبر عنه بالفوت؛ تحسينًا للظن به، ورعايةً للأدب، كما قال محمد.
ولو أن الكعبة تبنى، وكذلك في الحديث، أخرجه صاحب الشرع مخرج تحسين العبادة.
والظن بالخير (مستحق)؛ أي: واجب عندنا، وبه قال مالك، لكن لا يسقط عنده بالنسيان، ولا بضيق الوقت، ولا بكثرة الفوائت. كذا في شرح الإرشاد (^١).
وفي المنظومة: لا يسقط الترتيب بالنسيان عند مالك.
وفي شرح المجمع: والصحيح المعتمد عليه من مذهبه، سقوط الترتيب بالنسيان، كما نطقت به كتب مذهبه (^٢).
وعند الشافعي: مستحب (^٣). وعند أحمد: لو تذكر الفائتة في الوقتية يتمها، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد الوقتية؛ عملا بظاهر الحديث (^٤).
وذكر بعض أصحابه: أنها تكون نافلة، وهذا بقيد وجوب الترتيب، ولو
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٦)، والمبسوط للسَّرَخْسِي (٢/ ٨٧).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٨٥)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٢٦).
(٣) انظر: إعانة الطالبين للبكري (١/¬٣٢)، ونهاية المحتاج للرملي (١/ ٣٨١).
(٤) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٤٥٢).
[ ٢ / ٩٨ ]
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُسْتَحَبُّ، لِأَنَّ كُلَّ فَرْضِ أَصْلُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ.
اجتمعت الفوائت؛ وجب عليه الترتيب مع الذكر، ولا فرق بين كثيرها وقليلها، إلا أن يضيق الوقت، فعنه روايتان. كذا في الحلية (^١).
قوله: (فلا يكون شرطًا لغيره) قياسًا على الصيامات المتروكة، والزكوات، وسائر العبادات، يوضحه أن كل فرض أصل بنفسه، فلو ثبت الترتيب بين الصلوات؛ تكون صحة الوقتية موقوفة على أداء الفائتة، وهذا لا يجوز كما في الصوم، يعني: صوم اليوم الأول لا يتوقف على صحة صوم الثاني، ولأن شرائط الصلاة لا تسقط بعذر النسيان، وضيق الوقت، وكثرة الفوائت، كالطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة. إليه أشير في المحيط (^٢).
ولأن الترتيب الحاصل بين الصلوات ضرورة الترتيب في الأوقات، والفوائت مرسلة عن الوقت، ثابتة في الذمة؛ فانتفى الترتيب عنها.
فإن قيل: شرط الإيمان لصحة سائر العبادات، والصوم للاعتكاف، مع أن كل واحد منهما أصل بنفسه.
قلنا: الأصل هذا، وهو أن الشيء إذا كان مقصودًا بنفسه لا يكون شرطا لغيره، إلا إذا دلَّ الدليل على أنه شرط لغيره، وقد دلَّ الدليل على شرطية الإيمان لسائر العبادات، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، وكذا نفى النبي ﵊ صحة الاعتكاف بدون الصوم في قوله: «لا اعتكاف إلَّا بِالصَّوم» (^٣)، مع أن شرطه مطلق الصوم، لا صوم الفرض.
وفي الخبازية والكافي سائر العبادات فرع الإيمان، والفرع لا يوجد بدون
_________________
(١) انظر: الروض المربع للبهوتي (ص ٧٢)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٤٤)، والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٤٥٢).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٠).
(٣) أخرجه الدارقطني (٣/ ١٨٤، رقم ٢٣٥٦) والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣١٧، رقم ٨٨٤١) من حديث عائشة ﵂ وضعفه بتفرد سويد بن عبد العزيز. وضعفه الشيخ الألباني في الضعيفة (١٠/ ٣١٠، رقم ٤٧٦٨).
[ ٢ / ٩٩ ]
وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ، فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي ذَكَرَهَا ثُمَّ لِيُعِد الَّتِي صَلَّى مَعَ الإمام»
الأصل، فيكون الافتقار على نوعين: افتقار المشروط إلى الشرط، وافتقار الفرع إلى الأصل، وفيما نحن فيه لا يجوز أن يكون الافتقار بنوعيه، فلا يكون شرطًا لغيره، ولا فرعًا له؛ لأن كل واحد أصل بنفسه (^١).
قوله: (ولنا قوله ﵊: «من نام …») (^٢) الحديث: رواه ابن عُمَرَ ﵄، والحكم غير مقتصر على النوم والنسيان، فإنه إذا ترك مجانة، أو فسقًا؛ يجب عليه القضاء بدلالة النص؛ لأنه إذا وجب القضاء بعذريهما؛ فلأن يجب بترك العهد أولى.
وعند أحمد وابن حبيب: لو تركها عمدًا بلا عذر؛ لا يقضيها؛ لأنه يصير مرتدًا (^٣).
وجه التمسك به: أنه ﵊ جعل وقت التذكر وقتًا للفائتة، فلا يبقى وقتًا للوقتية، فصارت مؤخرة عنها، فلو أداها قبل الفائتة؛ فقد أداها قبل وقتها، فلا يجوز؛ لأنه يلزم تأخير الفائتة عن وقتها، وتأخير الوقتية عن الوقت حرام، ولأنه لما صار وقتًا للفائتة؛ صار كفرضين اجتمعا في وقت واحد، فيراعى فيه الترتيب، كالظهر والعصر بعرفة.
فإن قيل: يلزم على هذا إذا تذكر في ضيق الوقت، يلزم الترتيب.
قلنا: آخر الوقت وقت للوقتية بالتواتر والنص، وكون وقت التذكر وقتًا للفائتة؛ ثبت بخبر الواحد، وإنما يجب العمل به إذا لم يتضمن ترك العمل بالنص، وهو عند سعة الوقت، فإذا تضمن فلا؛ لأنه يلزم نسخ الكتاب، وهذا لا يجوز.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٤).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) انظر: المبدع شرح المقنع لابن مفلح (١/ ٢٦٩، ٢٧٠)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٠١).
[ ٢ / ١٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قيل: لو كان وقت التذكر وقتًا للفائتة، لتأدَّت بنية الأداء، ولجازت إذا تذكرها وقت الاحمرار.
قلنا: وقت التذكر وقت للفائتة بخبر الواحد، وما مضى وقتها بالدليل القطعي؛ فيحتاط في رعاية نية القضاء نظرًا إلى الوقت الماضي، ترجيحا للقطعي على الظني، فكيف والأداء بنية القضاء جائز بالاتفاق؟، وإنما لم يجزه عند الاحمرار؛ لأن جواز الفرض في ذلك الوقت لم يثبت إلا بالنص؛ وهو قوله ﵊: «إلَّا عَصْرَ يومِهِ» فلا يتعداه.
فإن قيل: لا يصح التمسك بالحديث؛ لأنه من أخبار الآحاد، فلا يثبت به الفرض.
قلنا: هو ليس بفرض اعتقادًا حتى لا يكفر جاحده، ولكنه واجب في قوة الفرض في حق العمل، ومثله يثبت بخبر الواحد؛ كصدقة الفطر، والأضحية، والقعدة الأخيرة في الصلاة، والوتر في قول أبي حنيفة.
فإن قيل: العمل بخبر الواحد هاهنا غير ممكن، إلا بعد إبطال ما ثبت بالتواتر والنص القطعي، فإن الجواز ثبت بهما، كما زالت الشمس، ومتى أوجبنا الترتيب به؛ أبطلنا الجواز الثابت بهما.
قلنا: إذا عملنا بخبر الواحد عند سعة الوقت، لا يفوت جواز الظهر؛ بل يؤخر إلى ما بعد قضاء الفائتة، ومتى لم يعمل به تركناه، فتأخير ما ثبت بالمتواتر أولى من ترك ما ثبت بخبر الواحد؛ لأن التأخير أهون من الإبطال، فكان هذا أولى عملا بالدليلين؛ بخلاف ما لو ضاق الوقت. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
قال أبو المعين: هذا استدلال ذهب إليه العراقيون من مشايخنا، وهو فاسد؛ لأن فيه معارضة الخبر الواحد بالكتاب، فإن الكتاب يقتضي الجواز، والخبر يقتضي عدمه، والصحيح أن يقال: إن هذا الحديث مشهور، وهو موجب
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٣١، ١٣٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٥).
[ ٢ / ١٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للعلم الاستدلالي، المضاهي للعلم الضروري؛ ولهذا يضلل جاحده، فجاز أن يعارض الكتاب (^١).
وفي جامع العتابي: وهذا حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول (^٢).
وفي الخبازية: قلنا: لا نسلم أن الكتاب يقتضي جواز الوقتية فرضًا، كما إذا زالت الشمس؛ فإنه يقع نفلًا عند بعض أهل العلم، فلم يكن الكتاب متعرضًا لجوازه فرضًا، لمكان الاختلاف (^٣)، وفيه تأمل.
وفي المستصفى: أو نقول: الترتيب ثابت بالنص، فإن الكتاب يقتضي أن يكون أداء الفجر قبل أداء الظهر، والقضاء يحكي الأداء، فيلزم القضاء كما فرض الأداء (^٤)، وفيه تأمل أيضًا.
قال شيخي العلامة ﵀: موجب الدليل القطعي، الجواز في الوقت بلا تعين جزء منه له، وهو الموجب الأصلي له، والجواز قبل الفائتة ليس بحكم أصلي؛ لأنه يجوز تفويته بترك الأداء بلا ضرورة ولا إثم؛ لإمكان تحصيله في الأجزاء الباقية، والعمل بخبر الواحد عند السعة لا يفوت الموجب الأصلي، ولكن يفوت الجواز الذي يباح تفويته بالترك، ومثل هذا التفويت لا يمنع العمل بخبر الواحد؛ لأن تفويته لما جاز، فالاشتغال بالعمل بخبر الواحد جاز بالطريق الأولى، بخلاف العمل بخبر الواحد في الطواف، والتعديل، والقراءة، ونحوها؛ لأنه يفوت العمل بموجب الدليل القطعي، الذي هو الإطلاق، وهو الموجب الأصلي فيها؛ فلا يجوز تركه (^٥)، وفيه تأمل أيضًا.
وفي المستصفى: فإن قيل: لِمَ أوجبتم قراءة الفاتحة على هذا الوجه؟
قلنا: أما على أنه مشهور فظاهر، وأما على قول أنه من الأحاد؛ فنقول:
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٥).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٥).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٥).
(٤) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٦٤) والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٥).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٥).
[ ٢ / ١٠٢ ]
(وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ يُقَدِّمُ الْوَقْتِيَّةَ ثُمَّ يَقْضِيهَا)؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِضِيقِ الْوَقْتِ،
القراءة ركن في الصلاة، ولا يجوز إثبات الركن بمثل هذا الخبر، والترتيب شرط، فجاز إثبات الشرطية به، أو نقول: إن صيغة قوله: لا صلاة، تستعمل لنفي الكمال استعمالًا ظاهرًا، كما في: (لا فتى إلا علي)، فممكن أن يحمل على نفي الكمال.
وأما الحديث الذي ورد في وجوب الترتيب؛ ففيه بيان النهاية، ولا يحتمل غيره (^١)، أو نقول - وهو الأصح من الجواب -: إنا لو قلنا بوجوب تعيين الفاتحة، على وجه يلزم فوات الصلاة بتركها، يلزم نسخ إطلاق النص، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾، وهذا لا يجوز كما قلنا بجواز الوقتية مع التذكر عند ضيق الوقت، بخلاف وجوب الترتيب عند سعة الوقت، فإنه لا يلزم فيه نسخ الكتاب؛ بل كان فيه عمل بالدليل.
وأما الجواب عن قوله: وشرائط الصلاة لا تسقط بعذر النسيان، وضيق الوقت؛ فإن حالة النسيان ليست بوقت الفائتة؛ لأن وقتها وقت التذكر، فكان وقتًا لفرض الوقت بالنص، وأما حال ضيق الوقت: فتعين الوقت للوقتية بالكتاب أو بالخبر المتواتر، فلم يبق الترتيب شرطًا عند ضيق الوقت؛ لأنه ثبت بخبر الواحد، وهو لا يعارض الكتاب والمتواتر، وكثرة الفوائت بمعنى ضيق الوقت.
وأما قوله: والفوائت مرسلة عن الوقت؛ فغير مُسَلَّم بهذا الحديث.
وأما قوله: لا يكون شرطا لغيره.
فقلنا: هذا إذا لم يدل الدليل عليه، فأما إذا دل؛ فيجوز، وقد دل الحديث هاهنا، ولا تنافي بين كونه أصلًا بنفسه، وشرطا لغيره.
وقال في جامع شمس الأئمة في تعليل وجوب الترتيب: مراعاة الترتيب بين الصلوات ثابتة وقتًا وفعلًا، أما وقتًا: فظاهر، وأما فعلًا: فلأن الظهر والعصر
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٦).
[ ٢ / ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعرفات اجتمعا في حق الحاج في وقت واحد، ثم لو بدأ بالعصر قبل الظهر لا يجوز، فكذلك هاهنا؛ لما أنه لو فاته مراعاة الترتيب وقتًا يلزمه فعلا؛ لأن وقت التذكر وقت للفائتة، وقد فاتته وقتًا؛ فيلزم مراعاته فعلا، كما في تلك الصورة (^١).
وفي الفوائد الظهيرية: هذا الحديث يصلح حجة على محمد، في أنه لا يلزم من بطلان صفة الفرضية، بطلان أصل الصلاة، حيث أمره بالمضي (^٢).
وفي شرح الإرشاد: لعله ما بلغه هذا الحديث، وإلا لما خالفه (^٣)، فسقط بضيق الوقت، وبه قال أحمد (^٤)؛ إذ لو لم يسقط، لأدى إلى بطلان موجب الدليل القطعي بخبر الواحد كما ذكرنا.
وفي المبسوط: ضيق الوقت؛ بأن يعلم أنه لو بدأ بالفائتة تفوت الوقتية من وقتها (^٥)، حتى لو علم وقوعها في وقت مكروه؛ ففي سقوط الترتيب اختلاف المشايخ.
قال الهندواني: يسقط عند محمد، خلافًا لهما، كما لو ذكر الفجر في الجمعة، وعلم أنه لو بدأ به يفرغ الإمام عنها، والوقت باق، فعنده يتم الجمعة؛ لأن تركها للصحيح المقيم مكروه، فكان بمنزلة خوف فوت الوقت، وعندهما يلزمه الترتيب (^٦).
وفي جامع البرهاني: قال الطحاوي: على قياس قولهما؛ العبرة لأصل الوقت، وعلى قياس قول محمد؛ العبرة للوقت المستحب.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٦، ٥٨٧).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦٣)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٩٥).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٦).
(٤) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي (١/ ٤٥١)، والمبدع لابن مفلح (١/ ٣١٥)، والمغني لابن قدامة (١/ ٤٣٧).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٤).
(٦) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٧).
[ ٢ / ١٠٤ ]
وَكَذَا بِالنِّسْيَانِ وَكَثْرَةِ الفَوَائِتِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى تَفْوِيتِ الوَقْتِيَّةِ،
بيانه: إذا شرع في العصر وهو ناس للظهر، ثم تذكر الظهر في وقت، لو اشتغل به يقع العصر في وقت مكروه؛ فعندهما يقطع العصر، ويصلي الظهر ثم العصر (^١).
وعند محمد: يمضي في العصر، ثم يصلي الظهر بعد الغروب.
وفي جامع قاضي خان: يعتبر ضيق الوقت عند الشروع، حتى لو شرع مع تذكر الفائتة في أول الوقت، وأطال القراءة حتى ضاق الوقت؛ لا يجوز، إلا أن يقطع فيشرع عند الضيق (^٢).
قوله: (وكذا بالنسيان)؛ يعني: تقدم الوقتية على الفائتة بنسيان الفائتة؛ لسقوط الترتيب به لما ذكرنا، ولأنه روي أنه ﵊ صلى المغرب يوما، ثم قال: «هل رآني أحد منكم صليت العصر» (^٣)، قالوا: لا، فصلى العصر، ولم يعد المغرب، ولأن الخطاب بتقدم الفائتة يتوقف على العلم، أو على دليله؛ ولم يوجد دليل العلم حالة النسيان. كذا في المحيط (^٤).
وقال شيخ الإسلام: من جهل فرضية الترتيب؛ لا يفترض عليه، كالناسي. رواه الحسن عن أبي حنيفة ﵁، وهو قول جماعة أهل بلخ (^٥).
(وكثرة الفوائت): وبه قال مالك - يعني تقدم الوقتية عند كثرة الفوائت؛ لسقوط الترتيب (^٦)؛ لأن كثرة الفوائت في معنى ضيق الوقت، لإفضاء الاشتغال بالفوائت إلى وقوع الوقتية في الضيق.
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٢).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٧)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٤٢، ٤٤٣).
(٣) أخرجه أحمد (٤/¬١٠٦، رقم ١٧٠١٦) والطبراني في المعجم الكبير (٤/¬٢٣، رقم ٣٥٤٢) من حديث حبيب بن سباع ﵁، قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٣٢): فيه ضعف ابن لهيعة بما انفرد به. وضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (١/ ٢٩٠ - ٢٩١، رقم ٢٦١).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٦).
(٥) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٩١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٨)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٧٠).
(٦) انظر: التاج والإكليل لأبو عبد الله المواق الغرناطي (٢/¬٢٨١)، والفواكه الدواني لشهاب الدين النفراوي (١/ ٢٢٧).
[ ٢ / ١٠٥ ]
وَلَوْ قَدَّمَ الفَائِتَةَ جَازَ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقْدِيمِهَا لِمَعْنَى فِي غَيْرِهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي الوَقْتِ سَعَةٌ وَقَدَّمَ الوَقْتِيَّةَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالحَدِيثِ
وللحرج؛ لأن محافظة الترتيب في القضاء أمر متعذر.
(ولو قدم الفائتة)؛ أي: على الوقتية عند ضيق الوقت يجوز.
(لأن النهي عن تقديمها)؛ أي: تقديم الفائتة.
(المعنى) في غير الفائتة: على تأويل فرض الفائتة، فلا يمنع الجواز، كما في البيع وقت النداء.
وفي المبسوط: لو بدأ بالفائتة عند ضيق الوقت؛ يجوز، بخلاف ما لو بدأ بالوقتية عند سعة الوقت؛ حيث لم يجز؛ لأن النهي عن بداية فرض الوقت لمعنى في عينه، وهو كونه مؤدى قبل وقته الثابت بالخبر، فتتقدم مشروعيته كالنهي عن بيع الخمر؛ ألا ترى أن له أن يبدأ بالتطوع لانعدام الموجب المنهي، فمنع الجواز لهذا، وعن البداية بالفائتة عند ضيق الوقت لمعنى في عينها؛ بل لما فيها من تفويت فرض الوقت؛ ألا ترى أنه ينهى عن الاشتغال بالتطوع أيضًا، والنهي متى لم يكن لمعنى في عين المنهي؛ لا يمنع جوازه (^١).
قيل: المراد من النهي قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
وقيل: المراد به الإجماع، لا نهي الشارع؛ فإن الإجماع انعقد على تقديم الوقتية عند ضيق الوقت، وهو الأصح.
وفي الْمُجْتَبَى: قال الحسن: يراعي الترتيب، فإن لم يمكنه أداء الوقتية إلا مع التخفيف في قصر القراءة والأفعال؛ فيرتب، ويقتصر على أقل ما تجوز به الصلاة (^٢).
ومن عليه العشاء، فظن ضيق وقت الفجر، فصلاها، وفي الوقت سعة؛
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٨٨).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨٩)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٤٣).
[ ٢ / ١٠٦ ]
(وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي القَضَاءِ، كَمَا وَجَبَتْ فِي الأَصْلِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ
يكررها إلى أن تطلع الشمس، وفرضه: ما لم يلي الطلوع.
قلت: وما يلي الطلوع، وهو الأقيس؛ لأن الوقت الضيق ما لم يسع لست ركعات: أربع العشاء، وركعتي الفجر.
وقيل: يشرع في العشاء، فإن طلعت قبل الفراغ؛ صح فجره، وإلا؛ فلا.
ولو فاتته أربع، والوقت لا يسع إلا لفائتتين والوقتية؛ فالأصح: أنه تجوز الوقتية.
ولو صلى الوقتية، وفي ظنه أن الوقت يسع لهما، ثم تبين خلافه؛ لم تجز الوقتية، وقيل: تجوز.
ولو سقط الترتيب لضيق الوقت، ثم خرج الوقت؛ لا يعود على الأصح، حتى لو خرج في خلال الوقتية؛ لا تفسد على الأصح، وهو مؤد على الأصح، لا قاض.
وكذا لو سقط بالنسيان، ثم تذكر؛ لا يعود ولو نسي الظهر، وافتتح العصر، ثم ذكره عند احمرار الشمس؛ يمضي لضيق الوقت. وكذا لو افتتحها عند الاصفرار ذاكرًا ثم غربت.
قوله: (رتبها في القضاء)؛ فالترتيب واجب بين الفوائت؛ أي: عند قلة الفوائت، بدليل قوله فيما بعده إلا أن ترديد الفوائت على ست؛ لما روي أنه ﵊ لما شغل عن أربع صلوات يوم حفر الخندق في المدينة، قضاهن بعد هوي من الليل أي طائفة منه، مرتبًا الظهر بأذان وإقامة، ثم العصر بإقامة، ثم المغرب بإقامة، ثم العشاء بإقامة، ثم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^١) رواه أبو سعيد الخدري.
وعن الكردري في قوله: «كما رأيتموني أصلي» ولم يقل صليت؛ لأنه ليس في وسع أحد أن يصلي مثل صلاته (^٢)، ولأن القضاء يبنى على الأداء، وهو واجب مرتبًا، فكذا القضاء، وهو معنى قوله: (كما وجبت في الأصل).
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٩١).
[ ٢ / ١٠٧ ]
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتِ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَقَضَاهُنَّ مُرَتَّبًا، ثُمَّ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
فإن قيل: الترتيب في الأداء؛ ضرورة ترتيب الأوقات لا قصدا، كترتيب صيام رمضان ثبت ضرورة ترتيب الأيام لا قصدا، فإذا فاتت الأوقات، واجتمعت الصلوات في الذمة؛ ينبغي أن يجوز قضاءها مرتبا وغير مرتب، كقضاء صيام رمضان.
قلنا: قد بقي هذا الترتيب بعد الوقت، كما في صلاتي المزدلفة. كذا قرره شيخي العلامة ﵀.
قوله: (إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات)؛ هذا استثناء من قوله: (ورتبها في القضاء)، والمراد بالصلوات: أوقاتها؛ أي: ست أوقات؛ كقوله ﵇: «الصلاة أمامك» (^١)؛ أي: وقتها، ومراده: أن تصير الفوائت ستا ودخل وقت السابعة، فيجوز أداء السابعة، فحينئذ لا تجب مراعاة الترتيب، ولو حمل الكلام على حقيقته لا يجوز أداء السابعة، وبعضهم حملوه على الحقيقة، وشرطوا فوات السابعة. كذا في المستصفى (^٢).
وفي الخبازية مثله، ثم قال: لكن يرد عليه إشكالان: أحدهما: أن كثرة الفوائت يتعلق بخروج وقت السادسة؛ لأن بها تتحقق الكثرة، فلماذا تعرض بدخول وقت السابعة؟.
والثاني: أن بدخول وقت السابعة لا تزداد الفوائت على ذلك، وإنما ذلك بخروج وقت السابعة.
والجواب: أن هذا من باب إطلاق اسم الأغلب على الكل، فإن الأغلب أن خروج وقت السادسة لا يكون بلا دخول وقت السابعة، كما في أربع صلوات، وعند دخول وقت السابعة يتحقق فوات الست، والسابعة بفرضية أن تفوت، فجاز إطلاق اسم الأغلب عليها (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (١/¬٤٠، رقم ٦٣٩)، ومسلم (٢/ ٩٣١، رقم ١٢٨٠) من حديث أسامة بن زيد.
(٢) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٢٥)، والجوهرة النيرة لأبي بكر الزبيدي (١/ ٦٧).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة لأبي بكر الزبيدي (١/ ٦٧).
[ ٢ / ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن حمل هذا الكلام على حقيقته، وشرط فوات السابعة، لا يحتاج إلى هذا التكلف.
وفي الكافي: لا يتوقف سقوط الترتيب إلى خروج وقت السابعة بالإجماع، فهذا دليل على أن فوات السابعة ليس بشرط؛ لأن فواتها بخروج وقتها (^١).
وفي الْمُجْتَبى: إلا أن تزيد الفوائت على خمس صلوات؛ لأن كثرة الفوائت في معنى ضيق الوقت، والكثرة بالست للتكرار، فإذا دخل وقت السابعة؛ سقط الترتيب عندهما، وعند محمد: إذا دخل وقت السادسة (^٢).
وفي مبسوط شيخ الإسلام عن أصحابنا: أنه يسقط الترتيب بالخمس؛ لأنها كل الخمس (^٣).
قلت: وقد وقع في أكثر النسخ: إلّا أن تزيد الفوائت على ست، وهذا سهو وقع في الكتبة؛ لأنها إذا ازدادت الفوائت على الست، تصير سبعًا، فيتوقف سقوط الترتيب على السبع، ولم يقل به أحد.
وفي فوائد شيخي العلامة: فإن قيل: ظاهر قوله (إلا أن تزيد الفوائت على ست) يوهم أن يشترط في سقوطه صيرورتها تسعًا؛ لأنه ذكر المزيد بلفظ الجمع، وهو الفوائت وأقله ثلاثة، والمزيد عليه ست، وهما متغايران لا محالة، فيصير المجموع تسعًا.
قلنا: المراد من مثل هذا التركيب: أن يكون في نفسه أكثر من العدد المذكور؛ لأن المزيد والمزيد عليه كلاهما مرادان جميعًا، كقولهم: هذه الدراهم تزيد على مائة؛ معناه: عددها يزيد على عدد المائة، لا أن تكون الدراهم مع المائة مرادا به، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، وإذا كان كذلك: لم يشترط لصحة الكلام أكثر من
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٩٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٩٢).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٩٣).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٩٣).
[ ٢ / ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحد؛ لأن الأكثرية على المذكور تحصل به، فيقتضي اشتراط السبع دون التسع (^١).
وقيل: دخل اللام في الجمع والمراد الجنس، فلا يشترط الثلاث.
فإن قيل: الكثرة المسقطة صيرورة الفوائت خمسًا في رواية ابن شجاع عن محمد، أو دخول وقت السادسة مع ذلك في رواية أخرى عن محمد، أو صيرورتها ستًا بخروج وقت السادسة كما هو مذهبهما، والظاهر من مذهب محمد، فمن أين اشتراط السبع الذي لا يتحقق إلا بدخول وقت السابعة في الأغلب؟
قلنا: لا يشترط لسقوط الترتيب الذي بين الفوائت والوقتية؛ أكثر من الست، باتفاق الروايات عن أصحابنا.
فأما الترتيب الواجب في الفوائت نفسها، فكذلك في ظاهر الرواية، وفي بعض الروايات - وهو مختار القدوري-: يشترط لسقوطه أن تزيد الفوائت على ست (^٢).
ووجهه: أن سقوط هذا الترتيب مستفاد من سقوط الترتيب الأول، ثم يشترط للسقوط فيه؛ أن يكون بين الوقتية وبين آخر صلاة صلاها ست من الفوائت، فكذا يشترط أن يكون بين الفائتة التي يقضيها، وبين آخر صلاة صلاها، ست من الفوائت أيضًا؛ ليكون نظير الوقتية.
وجه الظاهر: ظاهر؛ فإن الفوائت قد كثرت بصيرورتها ستًا، وأثرت في سقوط الأول من غير توقف على السابعة، ويسقط الترتيب من غير توقف على السابعة (^٣) أيضًا؛ لأنه مبني على الأول.
وحمل بعض الشارحين لفظ الكتاب على وجه يوافق ظاهر الرواية، وقال:
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٩١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٩٢).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٦٧).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ١١٠ ]
(إِلَّا أَنْ تَزِيدَ الفَوَائِتُ عَلَى سِتْ صَلَوَاتٍ) لِأَنَّ الفَوَائِتَ قَدْ كَثُرَتْ (فَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ فِيمَا بَيْنَ الفَوَائِتِ) نَفْسِهَا كَمَا سَقَطَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الوَقْتِيَّةِ، وَحَدُّ الكَثْرَةِ: أَنْ تَصِيرَ الفَوَائِتُ سِنًّا بِخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ السَّادِسَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالمَذْكُورِ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَإِنْ فَاتَتْهُ أَكْثَرُ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَجْزَأَتْهُ الَّتِي بَدَأَ بِهَا) لِأَنَّهُ إِذَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَصِيرُ سِئًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ اعْتَبَرَ دُخُولَ وَقْتِ السَّادِسَةِ (*)، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الكَثْرَةَ بِالدُّخُولِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَذَلِكَ.
المراد من الصلاة: أوقاتها كما ذكرنا؛ ليوافق ظاهر المذهب من اشتراط صيرورة الفوائت ستا، بخروج وقت السادسة المستلزمة لدخول وقت السابعة في الأغلب، وإنما يحتاج إلى هذا الحمل؛ إذا لم يثبت اشتراط السبع صريحًا عنه، فأما على تقدير ثبوته؛ فلا حاجة إليه، ولا يصح أن يحمل على مذهب أبي حنيفة ﷺ بأن يقال: الوتر فرض عنده عملا، حتى منع تذكره صحة الفجر، فتكون فوائت اليوم والليلة ستا على أصله، فلابد من السابعة للدخول في حد الكثرة؛ لأنا نقول: الوتر غير محسوب من الفوائت في باب الكثرة بالإجماع.
أما عندهما؛ فظاهر، وأما عنده؛ فلأنه وإن كان فرضًا لا تحصل به الكثرة؛ لأنه من تمام وظيفة اليوم والليلة، والكثرة لا تحصل إلا بالزيادة عليها من حيث الأوقات، أو من حيث الساعات، ولا مدخل للوتر في ذلك بوجه، فيكون المراد بالفوائت: الصلوات الموقتة؛ ألا ترى أن المعتبر في سقوط الترتيب بين الفوائت والوقتية عدد الست باتفاق الروايات، ولو كان للوتر مدخل؛ لاعتبر عدد السبع على أصله، فعلم أن الوتر غير معتبر، والحمل على هذا الوجه غير صحيح.
وفي النهاية: تفسير قوله: (أن تزيد الفوائت على ست)؛ أنه إذا قضى فائتة ثم فائتة، وبينهما صلوات أخر، فإن كان مجموع الفوائت زائدا على الست؛ جازت الباقية وإلا؛ فلا (^١)، وإنما شرطت الزيادة على الست؛ لتكون بين الفائتة التي يقضيها وبين آخر صلاة قضاها ست، فتكون نظير الوقتية.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجم (٢/ ٩٣)، وفتاو قاضي خان (١/ ٥٣).
[ ٢ / ١١١ ]
فِي الأَوَّلِ، … … … … … … … .
وذكر شيخ الإسلام، وصاحب المحيط: إذا كثرت الفوائت حتى سقط الترتيب لأجلها في المستقبل؛ سقط الترتيب في نفسها أيضًا، حتى قال أصحابنا فيمن كان عليه صلاة شهر، فصلى ثلاثين فجرًا، ثم صلى ثلاثين ظهرا، وهكذا إلى آخرها؛ أجزأه، ولم يوجد هاهنا الترتيب في نفسها؛ لأن فجر اليوم الثاني حصل قبل الظهر والعصر، وهذا مروي عن أصحابنا، بخلاف ما يقوله العوام: إنه يراعي الترتيب في الفوائت، وليس كذلك؛ لما أن الفوائت لما كثرت، أسقط الترتيب عن اعتبارها، فلأن يسقط في نفسها كان أولى (^١).
وشبهه الإمام بدر الدين الكردري ﵀ بالضرب؛ لما أثر في غير موضع الضرب إيلامًا، فلأن يؤثر في موضع الضرب بالطريق الأولى (^٢).
فإن قيل: كثرة الفوائت علة السقوط فتعمل في نفسها؛ لئلا يصير الشيء الواحد علة ومعلولا.
قلنا: العلة الكثرة، ولحكم سقوط الترتيب، وهما متغايران.
فإن قيل: الكثرة صارت علة لسقوط الترتيب تحرزًا عن فوات الوقتية، وهذا المعنى عدم فيما بين الفوائت نفسها، فلم توجد علة السقوط.
قلنا: جاز أن تكون الكثرة علة للسقوط فيما بين الفوائت والوقتية، بما ذكرنا من المعنى، ويكون علة للسقوط في الفوائت لمعنى آخر، وهو دفع حرج مراعاة الترتيب بعد ما كثرت الفوائت، فإن مراعاة الترتيب فيما تعسرت أو تعذرت، على أن ما ذكرتم حكمه حكم سقوط الترتيب، وحكمة الحكم لا تراعى في كل الأفراد على ما عرف. كذا في الخبازية (^٣).
وفي المبسوط: كان بشر المريسي يقول: من ترك صلاة؛ لم تجز صلاته في عمره، ما لم يقضيها إذا كان ذاكرًا لها؛ لأن كثرة الفوائت تكون عن كثرة تفريط؛ فلا يستحق التخفيف (^٤).
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٣)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٧).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٧).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٧).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٤).
[ ٢ / ١١٢ ]
وَلَوِ اجْتَمَعَت الفَوَائِتُ القَدِيمَةُ وَالحَدِيثَةُ، قِيلَ: تَجُوزُ الوَقْتِيَّةُ مَعَ تَذَكَّرِ الحَدِيثَةِ لِكَثْرَةِ الفَوَائِتِ، وَقِيلَ: لَا تَجُوزُ وَيُجْعَلُ المَاضِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ زَجْرًا لَهُ عَنْ
وقال ابن أبي ليلى: مراعاة الترتيب في صلاة سنة، فجعل حد الكثرة ما زاد على ستة (^١).
وقال زفر: لا يسقط الترتيب إلا بمضي شهر؛ لأن ما دونه قليل؛ ألا ترى أنه لا يجوز السلم إلى أجل دون الشهر، وما فوق الشهر كثير، فيسقط الترتيب به، وعنه أنه لا يسقط، قلت الفوائت أو كثرت؛ لأن ما كان شرطًا يستوي فيه القليل والكثير. كذا في الإيضاح (^٢).
وقلنا: حد الكثرة أن يزيد على يوم وليلة، والكثرة في معنى ضيق الوقت كما بينا، وعند ضيق الوقت لو اشتغل بالمتروكة؛ تفوت الوقتية عن وقتها، فكان أداء الوقتية أولى؛ لأنه عمل بالكتاب.
وعن محمد: أنه اعتبر دخول وقت السادسة؛ لأن بدخوله تصير الفوائت خمسًا، والكثير من كل جنس: ما يستغرق جنسه وجنس المكتوبة: الخمس، والأول وهو خروج وقت السادسة، وهو قولهما، وظاهر [قول محمد] (^٣) بالأول، وهو خروج السادسة؛ لأن الشيء إنما يستحق اسم الكثرة بالتكرار، كالكثرة في المقسوم لا يظهر إلا بزيادة أحد القسمين على الآخر. وأدنى التكرار في خروج وقت السادسة؛ لأن به تصير الفوائت ستّا، والواحدة من الصلوات تتكرر، فثبت لها وصف الكثرة، والفائتة ما يفوت فعلها عن وقتها. كذا في جامع الكردري (^٤).
قوله: (ولو اجتمعت الفوائت) إلى آخره في الجامع صورته: ترك رجل صلاة شهر مجانة، أو فسقا، ثم ندم واشتغل بالصلاة الوقتية، فقبل أن يقضي تلك الفوائت ترك الصلاة، ثم صلى صلاة أخرى، وهو ذاكر لهذه المتروكة، قال بعض المتأخرين من مشايخنا: لا تجوز هذه الصلاة، ويجعل الماضي كأن
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٧).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٨٧).
(٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٩٣).
[ ٢ / ١١٣ ]
التَّهَاوُنِ وَلَوْ قَضَى بَعْضَ الفَوَائِتِ حَتَّى قَلَّ مَا بَقِيَ، عَادَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ البَعْضِ وَهُوَ الأَظْهَرُ (*)، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَجَعَلَ يَقْضِي مِنْ
لم يكن؛ احتياطا، وزجرا له عن التهاون، وأن لا تصير المعصية سببًا للتخفيف (^١).
وبعضهم قال: يجوز، وإليه مال أبو حفص الكبير، وعليه الفتوى؛ لأن الاشتغال بهذه الفائتة، ليس بأولى من الاشتغال بتلك الفوائت، والاشتغال بالكل يُفَوِّتُ الوقتية (^٢).
وفي محيط الصدر الشهيد: القول الأول هو الصحيح (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: الثاني هو الأصح، والقول الأول أحوط (^٤).
وقيل: يجب الترتيب استحسانًا لا قياسًا؛ لأن المعصية لا تصير سببًا للتخفيف.
وفي الذخيرة: لا يجب الترتيب عند أبي حنيفة، خلافًا لهما (^٥).
وسئل ظهير الدين المرغيناني، عن امرأة فاتتها الظهر، ثم حاضت وصلت الوقتية، ذاكرة للفائتة؛ فقال: لا تصح (^٦).
قوله: (هو الأظهر)؛ لأن تسقط سقوط الترتيب كان لعلة مفضية إلى الخروج، فلما قلت الفوائت؛ لم يبق الحرج، فعاد الحكم الذي قبله.
فإن قيل: لما سقط بالكثرة لا يعود؛ لأن الساقط لا يعود.
_________________
(١) (*) الراجح: هو عدم عود الترتيب.
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٣).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٣).
(٤) انظر: مجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٤٦)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٤٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٩٤).
(٥) انظر: مجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٤٦)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٤٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٩٤).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٩٤).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٨٩).
[ ٢ / ١١٤ ]
الغَدِ مَعَ كُلِّ وَقْتِيَّةٍ فَائِتَةٌ، فَالفَوَائِتُ جَائِزَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالوَقْتِيَّاتُ فَاسِدَةٌ إِنْ قَدَّمَهَا، لِدُخُولِ الفَوَائِتِ فِي حَدِّ القِلَّةِ،
قلنا: هذا من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، وثبوت الحكم عند زوال المانع، كحق الحضانة إذا ثبت للمحرم من النساء فيسقط بالتزوج، ثم إذا ارتفعت الزوجية؛ يعود الحق، وكما إذا سقط بالنسيان، وضيق الوقت؛ فإنه يعود بالتذكر، وسعة الوقت بالاتفاق.
ولكن قال شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وصاحب المحيط، وصاحب المغني، وقاضي خان وغيرهم والأظهر أنه لا يعود، وعليه الفتوى، وبه قال أبو حفص الكبير؛ لأن الساقط لا يتصور عوده، كماء قليل نجس، إذا دخل عليه الماء الكثير، وجرى حتى سال، ثم إذا عاد الماء إلى القلة؛ لا يصير نجسا (^١)، وهذا بخلاف ما لو نسي، أو ضاق الوقت، ثم تذكر، أو اتسع الوقت؛ حيث يعود الترتيب؛ لأن بهما لا يسقط الترتيب، لكن بعذر العجز عن مراعاة الترتيب، وجواز الوقتية للعجز عن مراعاة الترتيب لا يسقط.
أما عجز الناسي؛ فظاهر، وأما العجز عند ضيق الوقت؛ فَلئلا يلزم إبطال الحكم الثابت بالكتاب والخبر المتواتر، بسبب الاشتغال بموجب خبر الواحد.
وأجيب عن مسألة الماء: أن عدم نجاسته بعد عوده إلى القلة؛ لوقوع الشك في أن الباقي الماء النجس أم لا؟ وقد كانت الطهارة ثابتة بيقين بدخول الماء الكثير؛ فلا ينجس بالشك.
وفي المبسوط: وهذا إذا خرج الوقت، ولم يكن أدى بعضها في الوقت، أما إذا كان أدى بعضها في الوقت، بأن غربت الشمس في العصر، وعليه صلاة أو صلاتان قبلها فائتة، وهو ذاكر لها؛ قال شمس الأئمة في نوادر المبسوط: فإنه يتمها، وطعن عيسى في هذا، وقال: الصحيح أنه يقطعها بعد الغروب، ثم يبدأ بالظهر، ثم بالعصر؛ لأن ما بعد الغروب الوقت قابل للظهر، والمعنى المسقط للترتيب ضيق الوقت، وقد انعدم بالغروب؛ لأن الوقت قد اتسع، فهو
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٣)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٩٣).
[ ٢ / ١١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمنزلة ما لو افتتح العصر في أول الوقت، وهو ناس للظهر ثم تذكر، وهناك يلزمه الترتيب؛ فكذا في هذا الموضع؛ وهذا لأن ما يعرض في خلال الصلاة، يجعل كالموجود عند افتتاحها، كالمتيمم إذا وجد الماء، والعاري إذا وجد الثوب في خلال الصلاة (^١).
ثم قال: وما ذكر عيسى قياس، ولكن محمد استحسن؛ فقال: لو قطع صلاته بعد الغروب؛ كان مؤديا جميع العصر في غير وقتها، ولو أتمها؛ كان مؤديا بعضها في وقتها، وكما يسقط الترتيب لحاجته إلى أداء العصر في وقتها؛ يسقط لحاجته إلى أداء بعضها في وقتها، يوضحه: أن في الابتداء كان مأمورًا بالشروع في العصر، وإن كان يعلم يقينا أن الشمس تغرب قبل فراغه منها، ولو كان هذا المعنى مانعًا من إتمام العصر؛ لكان تيقنه به عند الشروع مانعًا له من افتتاح العصر.
وأحد لا يقول: إنه لا يفتتح العصر عند ضيق الوقت، وإن كان الحال هكذا؛ تلخيصه: أن عند ضيق الوقت يسقط عنه الترتيب في حقها، وبعدما سقط لا يعود في تلك الصلاة، بخلاف حالة النسيان، فإن الترتيب غير ساقط، ولكن يعذر بالجهل، فإذا زال العذر قبل الفراغ منها؛ بقي عليه مراعاة الترتيب كما كان؛ لأنه لما زال العذر في خلال الصلاة، صار كأن لم يكن (^٢).
وكذا لو تذكر الظهر بعد شروعه في العصر بعد الغروب؛ فإنه يفسد عصره، وإن افتتح العصر في أول وقتها، وهو ناس للظهر، فلما صلى ركعة احمرت الشمس، ثم تذكر الظهر؛ فإنه يمضي فيها؛ لأن شروعه في العصر قد صح في الابتداء، ومراعاة الترتيب ساقط بعدما احمرت الشمس، فكان تذكره وعدمه بمنزلة؛ لأنه لو قطعها لكان يستقبلها، ولا يقضي الظهر، فلا فائدة في القطع ثم الشروع؛ إذ الشروع كان صحيحًا، بخلاف ما لو افتتحها، وهو ذاكر للظهر على ما مر على كل حال.
_________________
(١) المبسوط للسَّرَخْسِي (٢/ ٨٨، ٨٩).
(٢) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٢/ ٨٩).
[ ٢ / ١١٦ ]
وَإِنْ أَخَّرَهَا فَكَذَلِكَ إِلَّا العِشَاءَ الأَخِيرَةَ لِأَنَّهُ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ حَالَ أَدَائِهَا.
أي: سواء قدّمها على الوقتيات، أو أخرها عنها في حد القلة، فإنه متى أدى صلاة من الوقتيات؛ صارت هي سادسة المتروكات، إلا أنه لما قضى متروكة بعدها، عادت المتروكات خمسا، ثم لا يزال هكذا، فلا يعود إلى الجواز.
(وإن أخرها)؛ أي: الوقتيات من الفوائت.
(فكذلك)؛ أي: لا يجوز الوقتيات أيضًا، إلا العشاء الأخيرة؛ لأنه كلما صلى فائتة، عادت الفوائت أربعًا، ففسدت الوقتية ضرورة.
أما العشاء الأخيرة؛ فلما ذكر من الجواب أنها جائزة، محمول على ما إذا كان الرجل جاهلا؛ لأنه صلاها، وعنده أنه لم تبق عليه الفوائت، فصار كالناسي.
أما لو كان عالما؛ لا تجزئه العشاء الأخيرة أيضًا؛ لأنه صلاها، وعنده أن عليه أربع صلوات، وهذه الرواية دليل على ما ذكره من الأظهر في الرواية؛ وهو أن الترتيب يعود عند عود الفوائت إلى القلة بعد سقوطه بالكثرة. كذا في المحيط (^١).
فإن قيل: لا يصح الاستدلال بهذه الرواية على الأظهر من وجهين:
أحدهما: أن الكثرة المسقطة لا تثبت بأداء الوقتية؛ لأنها وإن وقعت غير جائزة، لم تصر فائتة قبل خروج الوقت، وقد ذكرنا قبلها أن الفوائت تصير ستّا بخروج وقت السادسة، ولما قضى فائتة قبل خروج الوقت؛ بقيت الفوائت أربعًا، وصارت خمسا بخروج الوقت، فكان العود من الخمس إلى الأربع، ومن الأربع إلى الخمس، فلا تتحقق الكثرة، ولا يمكن أن يحمل على ما روي عن محمد من اعتبار دخول وقت السادسة؛ لأن الوقتيات فاسدة، وعلى تلك الرواية تكون صحيحة.
والثاني: أن المعتبر في باب الترتيب ما هو فائتة بيقين، فإنه لو فاته الظهر،
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٤).
[ ٢ / ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصلى العصر مع تذكرها على ظن الجواز؛ لم يجز العصر؛ لأنها فائتة بيقين، فتمنع صحة العصر، فإنه لو فاته الظهر، وصلى العصر مع تذكرها على ظن الجواز؛ لم يجز العصر؛ لأنها فائتة بيقين، فتمنع صحة العصر، ولو قضى الظهر، ولم يعد العصر، ثم صلى المغرب ذاكرًا للعصر على ظن الجواز؛ جازت المغرب؛ لأن العصر ليست بفائتة بيقين، فلا يمنع تذكرها صحة المغرب عند ظن الجواز، فتبين بهذا أن المؤداة بصفة الفساد؛ ليست كالفائتة بيقين في باب الترتيب، وإذا كان كذلك: لا تتحقق الكثرة المسقطة بالوقتية، المؤداة بصفة الفساد؛ لأنها ليست بفائتة بيقين.
قلنا: قال المشايخ في جوابه: المسألة مفروضة فيمن مد الوقتية التي شرع فيها إلى آخر الوقت، ثم قضى الفائتة بعد خروج الوقت، ولابد وأن يكون الشروع في سعة الوقت؛ إذ لو كان عند الضيق، لكان الوقتية صحيحة (^١).
فإن قيل: قال في الكتاب: صلى مع كل وقتية فائتة، ومع القرآن.
فقلنا: القرآن غير مراد بالإجماع، فإن الصلاتين لا يؤدى بهما معًا، فيكون المراد: أن كل فائتة تقضى مع ما يجانسها من الوقتية، من غير اشتراط البيان في وقت (^٢).
قال شيخي العلامة ﵀: الأصح في الجواب: أنه لا حاجة إلى هذا التأويل، فإنه لو أداهما في سعة الوقت، تثبت الكثرة المسقطة قبل خروج الوقت؛ لأن توقف صيرورة الفائتة على خروج الوقت في حق من يتوهم منه الأداء في الوقت، وقد انقطع التوهم في حق هذا المصلي؛ لأنه لما صلاها ظانًا للجواز، لا يتوهم منه الأداء بعد؛ لعدم الداعي إليه، فكان هذا بمنزلة خروج الوقت في حقه.
(التحقق الفوات)؛ يعني: لتحققه بخروج الوقت، وإذا كان كذلك: تتحقق الكثرة المسقطة بهذه الوقتية، كما لو فاتت عن الوقت.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٩٤).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٩٤).
[ ٢ / ١١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجواب عن الثاني: أن المؤداة بصفة الفساد فائتة ظاهرا، ولكن فيه جهة عدم الفوات؛ لأن فسادها مجتهد فيه، فعملنا بهذه الجهة.
قلنا: إنها لا تساوي الفائتة اليقينية في إيجاب الترتيب، عند ظن صحة المؤداة، فلم نحكم بفساد المغرب، وعملنا بكونها فائتة ظاهرا في تحقق الكثرة، المسقطة عملا بالجهتين.
والحاصل: أن وجوب الترتيب ثبت بالسنة على خلاف القياس، فيما هو فائتة بيقين، فلا يمكن إثباته فيما في كونه فائتة، بشبهة عند ظن الجواز، الذي هو في موضع الاجتهاد، فأما في سقوط الترتيب فيمكن أن يجعل فائتة كما هو الظاهر؛ لأن السقوط على وفاق القياس؛ ألا ترى أنها لو لم تجعل فائتة في حق السقوط، لأدَّى إلى أنه لو فاتته صلاة بالنوم أو النسيان، ثم صلى مع تذكرها سننا كثيرة؛ لا تجوز المؤديات جميعًا، ووجب قضاؤهما؛ لعدم الكثرة المسقطة للترتيب، وهذا قول مخالف للإجماع.
فلهذا اعتبرت في تحقق الكثرة المسقطة؛ لأنه لا فائتة عليه في ظنه حال أدائها؛ أي: حال أداء العشاء الأخيرة الوقتية، والظن متى كان في موضع مجهد فيه، يقع معتبرًا، فإن عند الشافعي جائزة؛ لعدم وجوب الترتيب عنده، فيحكم بالصحة وإن كان وقع خطأ، كما تقول في القصاص: إذا كان بين اثنين، فعفا أحدهما، وظن صاحبه أن عفو أخيه لا يؤثر في حقه، فقتل القاتل؛ فإنه لا يقاد منه.
ومعلوم أن هذا قتل بغير حق، ولكن لما كان متأوّلًا ومجتهدا فيه؛ فإن عند البعض لا يسقط القصاص بعفو أحدهما، صار ذلك التأويل مانعا وجوب القصاص. كذا في المحيط (^١).
فإن قيل: ولو صلى الظهر على غير وضوء ناسيًا، ثم صلى العصر على وضوء ذاكرًا للظهر، أو صلى العصر ذاكرًا أنه لم يصل الظهر، وهو يظن أنه
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٤).
[ ٢ / ١١٩ ]
(وَمَنْ صَلَّى العَصْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ، فَهِيَ فَاسِدَةٌ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي آخِرِ الوَقْتِ) وَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّرْتِيبِ
يجزئه؛ فعليه أن يعيدهما جميعًا عند علمائنا، خلافًا لزفر؛ لما أن زفر يعتبر الظن في فصل مجتهد فيه، فعلى قياس ما ذكر هاهنا: ينبغي أن يجب قضاء العصر؛ لأنه لما قضى الظهر، قد وقع في زعمه أنه قضى جميع ما عليه، ولم يبق عليه شيء من الفائتة، والترتيب غير واجب على مذهب الشافعي ﵀، فكان ظنه هاهنا أيضًا موافقا لمذهبه، كما لو أعاد الظهر وحدها، ثم صلى المغرب وهو يظن أن العصر جائز؛ فإن المغرب يجزئه، ويعيد العصر فقط.
وقال زفر ﵀: لا تجزئه المغرب؛ لأنه تذكر العصر وهي فاسدة؛ لأنه صلاها مع تذكر الظهر، فلا يجوز مغربه كالعصر.
قلنا: قال الإمام البزدوي، وصاحب المحيط: الأصل أن المتروكة إذا كانت بيقين؛ لا يعتبر ظنه، وفساد الصلاة بترك الظهر فساد قوي مجمع عليه، فيظهر أثره فيما يؤدي بعده، فأما فساد العصر بسبب ترك الترتيب ضعيف مختلف فيه، فلا يتعدى حكمه إلى صلاة أخرى، وهو كمن جمع بين حر وعبد في البيع بثمن واحد، يبطل العقد فيهما؛ بخلاف ما لو جمع بين قن ومدبر، حيث صح العقد في القن؛ لعدم محلية الحر للبيع، فيكون فساد العقد فيه بيقين، ووجود المحلية في المدبر من وجه؛ لأنه مختلف فيه، ففساد البيع فيه ضعيف (^١).
وفي الْمُجْتَبى: لو علم أن عليه إعادة العصر؛ لم يجز مغربه، ولم يفصل في المبسوط فيما إذا كان عالما أو جاهلا في جواز مغربه (^٢).
قوله: (ومن صلى العصر إلى آخره) وحاصل ذلك: ما ذكره شمس الأئمة في المبسوط: وهو أنه إن أمكنه أداء الظهر والعصر قبل تغير الشمس؛ فعليه مراعاة الترتيب، وإن لم يمكنه أداؤهما قبل غروب الشمس؛ فعليه أداء العصر، وإن كان أداء الظهر يقع قبل التغير، وأداء العصر كلها أو بعضها بعد التغير؛
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٤، ٥٣٥)، والمبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٥)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٩٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٩٥).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٩١)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٤٦).
[ ٢ / ١٢٠ ]
(وَإِذَا فَسَدَت الفَرْضِيَّةُ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ
فعليه مراعاة الترتيب، إلا على قول الحسن بن زياد؛ فإن عنده بعد تغير الشمس ليس بوقت العصر (^١).
ثم ذكر ما يحكي عن الهندواني كما ذكرنا إلى قوله: وعندهما يلزمه الترتيب.
ثم قال: وأكثر مشايخنا على أنه يلزمه إعادة الترتيب هاهنا عند علمائنا الثلاثة.
والفرق لمحمد: أن الجمعة أقوى من الفجر، فإنها أذعن للشرائط؛ ولهذا لو صلى الظهر، ثم أدرك الجمعة؛ كان فرضه الجمعة، والأضعف لا يكون مفسدا للأقوى، وهاهنا الظهر والعصر يستويان في القوة؛ فلا يسقط مراعاة الترتيب إلا لخوف فوت الوقت (^٢).
وفي جامع قاضي خان لو تمكن من أداء الظهر قبل تغير الشمس، ويقع كل العصر أو بعضها بعد تغيرها؛ يلزمه الترتيب، ولو تمكن من أدائهما قبل غروب الشمس، لكن لا يتمكن من أن يفرغ من الظهر قبل تغيرها؛ لا يلزمه الترتيب؛ لأن بعد التغير ليس لأداء شيء من الصلوات إلا عصر يومه (^٣).
قوله: (وإذا فسدت الفرضية)؛ يعني: لو صلى العصر ذاكرًا أنه لم يصل الظهر؛ فسدت الفرضية، ويبقى نقلا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف.
وعند محمد، وزفر، ورواية عن أبي حنيفة ﵀: تبطل أصلا.
وفائدة الخلاف: أنه لو قهقه قبل أن يخرج من الصلاة، بفعل مناف؛ تنتقض طهارته عندهما؛ لبقاء التحريمة، وعنده: لا ينتقض؛ لعدم بقاء التحريمة.
وكذا لو صلى من الفجر ركعة، ثم طلعت الشمس، أو تذكر فائتة في وقته؛
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٩٠).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٩٠).
(٣) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨٩)، والمحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٢)، وفتاو قاضي خان (١/ ٥٤).
[ ٢ / ١٢١ ]
مُحَمَّدٍ: يَبْطُلُ) (*) لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ، فَإِذَا بَطَلَت الفَرْضِيَّةُ بَطَلَت التَّحْرِيمَةَ أَصْلًا. وَلَهُمَا: أَنَّهَا عُقِدَتْ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِ الفَرْضِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الوَصْفِ بُطْلَانُ الأَصْلِ (ثُمَّ العَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا،
بطلت صلاته أصلا عنده.
وعندهما: تبقى نفلًا، فتمكث كما هو في طلوع الشمس، فإذا ارتفعت؛ يتمها نفلا. كذا في المغني (^١).
وعلى هذا الخلاف: إذا خرج وقت الجمعة وهو فيها، وبعض أهل النظر من أصحابنا لم يثبت هذا الاختلاف؛ لأنهم لما أجمعوا أن من شرع في صوم الكفارة، ثم أيسر فيه؛ أنه يبقى نفلا، كان حكم الصلاة كذلك، وعلى القول الأول عامة المشايخ، فلم يكن من ضرورة بطلان الوصف بطلان الأصل؛ لأنه لم يعترض ما ينافي لأصل الصلاة، وتذكر الظهر لا ينافي أصل الصلاة، وإنما يمنع أداء العصر، فيفسد الأداء، ويبقى أصل الصلاة، كما إذا شرع في صوم الكفارة، ثم أيسر في بعض النهار؛ لا يقع صومه عن الكفارة، ولكن يبقى تطوعًا بالاتفاق. كذا في المبسوط (^٢).
وفي فوائد الظهيرية، وجامع الكردري: فمحمد محجوج بما روى ابن عمر، أنه ﵊ قال: «من نام عن صلاة …» (^٣) الحديث، وقد بيناه (^٤).
ثم عند أبي حنيفة ﵀: إذا فسد العصر؛ يبقى موقوفا، ولا يصير نفلًا، فإذا أدى ست صلوات مع العصر؛ انقلب الكل جائزا، ولو لم يصل الست؛ يصير نفلا، فالنفلية عنده موقوفة إلى عدم أداء ست مع العصر.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) انظر: الجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٦٦).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ٨٧).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: درر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٢٤)، والنافع الكبير شرح الجامع الصغير لأبي الحسنات اللكنوي (ص ١٠٦)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٣٢).
[ ٢ / ١٢٢ ]
حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ، وَلَمْ يَعُدِ الظُّهْرَ، انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَهُمَا: يَفْسُدُ فَسَادًا بَاتًّا، لَا جَوَازَ لَهُ بِحَالٍ (*) وَقَدْ عَرَفْتَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
وعند أبي يوسف: يصير نفلا في الحال. كذا في الكافي (^١).
قوله: (حتى لو صلى ست صلوات …) إلى آخره: وفي المحيط: قال مشايخنا: وإنما لا يجب عليه إعادة الفوائت عند أبي حنيفة؛ إذا كان عند المصلي أن الترتيب ليس بواجب، وإن صلاته جائزة، وأما إذا كان عنده فساد الصلاة بسبب وجوب الترتيب؛ فعليه إعادة الكل كما قالا؛ لأن العبد مكلف بما عنده (^٢)، ثم ما قالا قياس، وما قاله أبو حنيفة رحمة الله استحسان.
وفي المبسوط: تفسيره: لو صلى المتروكة قبل السادسة؛ فسد الكل عنده (^٣).
قال شمس الأئمة: هذه هي التي يقال لها: واحدة تفسد خمسا، وواحدة تصحح خمسا (^٤).
وجه قولهما: أن الترتيب شرط بالاتفاق، [أ/ ١٦٢] فوقعت الخمس فاسدة؛ لعدم الترتيب، فلا تنقلب جائزة، كما لو قضاها قبل بلوغ ما أدى ذاكرا خمسا، وقياسا على ما إذا افتتحها في سعة الوقت، ومدها حتى ضاق الوقت؛ لم تنقلب جائزا بالإجماع.
وجه قوله: أن الترتيب يسقط بكثرة الفوائت، والكثرة تثبت بالسادسة، فإذ ثبت بها استند إلى أولها؛ لأن الكثرة صفة قائمة بالمجموع، فثبت سقوط الترتيب، الذي هو حكمها مضافا إلى أول الصلاة؛ ليكون الحكم مقارنا لعلته، كما في تصرف المريض، وتعجيل الزكاة، وأداء الظهر قبل الجمعة، وانقطاع
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٩٦)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٩٦)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ١٤٥).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (١/ ٥٣٦).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٤).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٤).
[ ٢ / ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدم قبل العادة، حتى لو اغتسلت وصلت، ثم عاود الدم في العادة؛ نحكم بفساد الكل بالاتفاق، وإن لم يعاود؛ نحكم بجواز الكل بالاتفاق.
وهذا لأن الترتيب لما سقط عن اعتبارها بسبب الكثرة؛ فالأولى أن يسقط عن كل واحدة من أحادها؛ لاستناد سقوط الترتيب إلى أولها كما ذكرنا، وفيه نوع تأمل.
ولأن المقتضي لجواز هذه الصلوات، وهو الكتاب أو الخبر المتوتر قائم، والمانع من الجواز؛ وهو وجوب الترتيب، يرتفع باستناد كثرة الفوائت؛ إذ الكثرة تقع بالكل، فيرتفع المانع في حق الكل.
والأصل: أنه متى وجد السبب، وتحقق المانع من عمل السبب، ثم ارتفع المانع بسبب الاستناد إلى وقت وجوده، يظهر حكم السبب، كما في البيع بشرط الخيار، يثبت الجواز بصفة الاستناد إلى وقت وجود البيع، حتى يثبت الملك في الزوائد المتصلة والمنفردة.
ولا يبعد أن يتوقف حكم الصلوات المؤداة، على ما يتبين أمرها في تأني الحال، كما توقف ظهر المقيم الصحيح؛ لإمكان إدراك الجمعة إن راح إليها قبل فراغ الإمام؛ تنقلب نفلا، وإن راح بعد فراغه؛ تقع فرضًا، وكمن صلى المغرب بعرفات يتوقف، فإن أفاض إلى المزدلفة في وقت العشاء؛ ينقلب نفلا، ويلزمه إعادتها مع العشاء في المزدلفة، وإن لم يأت المزدلفة، وتوجه إلى مكة من طريق آخر إلى المزدلفة بعد ما أصبح؛ جاز المغرب، وكما في تعجيل الزكاة.
وحاصل كلام أبي حنيفة: أن هذه صلوات مؤداة في أوقاتها، والفساد بسبب ترك الترتيب ضعيف، فلا يبقى حكمه بعد سقوط الترتيب، وهما يقولان: لما حكم بفسادها لمراعاة الترتيب؛ لا تصح لسقوط الترتيب، كمن افتتح الصلاة في أول الوقت ذاكرًا للفائتة، ثم مدها حتى ضاق الوقت؛ لم نحكم بجوازها. هذا حاصل ما ذكر في المبسوط وغيره (^١).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٤٤).
[ ٢ / ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي فوائد شيخي العلامة ﵀: قال فخر الإسلام: الحكم بفساد ما أدى ليس بمتقرر؛ بل شيء يفتى به في الوقت ليعيده ثانيًا فيه؛ ليحصل العمل بخبر الواحد والكتاب بقدر الإمكان، فمتى مضى الوقت، لو حكمنا بفساد الوقتية؛ لزم ترك العمل بالكتاب بخبر الواحد، وذا لا يجوز؛ بل يجب القول بالجواز مطلقا (^١).
واستدل بمسألة [على] (^٢) هذا الخلاف؛ وهي: الحاج إذا صلى المغرب في الطريق؛ فإنه يعيده، ولو لم يعد حتى طلع الفجر؛ أجزأه؛ لأنها صلاة أديت في وقتها، فحكمها الجواز، ولكن أمر بالإعادة في وقت العشاء؛ مراعاة للجمع الذي جاء به الحديث، فمتى فات الجمع؛ عاد حكم الأصل، كذا هذا، فعلى هذا: لا يتوقف صحته على الكثرة؛ بل يثبت بخروج الوقت.
ثم اعلم أن الشرط لتصحيح الخمس؛ صيرورة الفوائت ستا بخروج وقت الخامسة؛ التي هي سادسة الفوائت، لا أداء السادسة قبل قضاء المتروكة لا محالة، إلا أنهم ذكروا السادسة التي هي سابعة الفوائت؛ لصيرورة الفوائت ستا بيقين، لا أنه شرط البتة.
فإن قيل: تصحيح السادسة للخمس ظاهر على أصله، ولكن إفساد قضاء المتروكة الخمس بعد أداء الخامسة، لا يخلو عن اشتباه؛ لأنه لما أدى الخامسة، ووقعت غير جائزة؛ صارت الفوائت ستا، وتحققت الكثرة؛ فيجب أن تنقلب الخمس جائزة؛ لسقوط الترتيب، فبعد ذلك لو قضى المتروكة؛ لا تفسد الخمس، كما لو قضاها بعد أداء السادسة.
قلنا: وإن وقعت غير جائزة؛ لكنها لم تصر فائتة بعد؛ لبقاء الوقت، واحتمال الأداء على وجه الصحة، فإذا قضى المتروكة في وقت الخامسة؛ فقد قضاها قبل صيرورة الفوائت ستا، وبقيت الفوائت أربعًا، وبخروج الوقت تصير
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨٩)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٢٦).
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خمسا، ثم لا تصير ستا بأداء السادسة؛ لأنها أديت على ظن الجواز؛ إذ في زعمه أن لا فائتة عليه، وهو ظن في موضع الاجتهاد فيعتبر، وإذا كان كذلك؛ بقيت الفوائت خمسا.
فإن قيل: إنما يتوقف صيرورة المؤداة فائتة على خروج الوقت، في حق من يتوهم منه الأداء بعد كما مر، فكان هذا لخروج الوقت في حقه، فتتحقق الكثرة بالفراغ من الخامسة؛ كما تتحقق بخروج الوقت، فتنقلب المؤديات صحيحة.
قلنا: هذا وجه اعتباري ذهب إليه بعض المشايخ في بعض المسائل؛ نظرا إلى ظاهر الحال، ولكن في الحقيقة احتمال الأداء على وجه الصحة لا ينقطع إلا بخروج الوقت، فلا تصير المؤديات فائتة حقيقة مع بقاء الوقت، وإن أمكن أن تجعل فائتة بذلك الاعتبار، ثم العمل بهذا الوجه؛ وهو أنه لا تصير فائتة أولى هاهنا احتياطا؛ لأنها لو جعلت فائتة بذلك الاعتبار؛ لسقط الترتيب، ولم يجب عليه إعادة الخمس، ولو لم تجعل فائتة عملا بالحقيقة وبقاء الوقت؛ لوجب عليه إعادة الخمس، وفيه خروج عن العهدة بيقين، فكان الأخذ به أولى؛ لتعين الاحتياط.
والجواب لأبي حنيفة عمن صلى الفائتة قبل السادسة؛ أن العلة المسقطة للترتيب، وهو كثرة الفوائت لم توجد، وعمن صلى العصر، ذاكرا أنه لم يصل الظهر، ومدها إلى ضيق الوقت؛ أن ضيق الوقت يثبت مقتصرا لا مستندا؛ بخلاف ما نحن فيه. كذا في جامع الكردري (^١).
وفي المجتبى: الأصح: أن تأخير قضاء الفوائت بعذر السعي على العيال، وفي الحوائج؛ يجوز (^٢).
وقيل: إن وجب على الفور؛ يباح له التأخير، وعن أبي جعفر: سجدة
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٩٥)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٩٥).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨٥)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٣٧٣)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١٢٤).
[ ٢ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التلاوة، والنذر المطلق، وقضاء رمضان؛ موسع، وضيق الحلواني، والطحاوي، والعامري؛ خلافهما (^١).
وفي الحاوي: لا يدري كمية الفوائت؛ يعمل بأكبر رأيه، فإن لم يكن له رأي؛ يقضي متى يستيقن (^٢).
واختلف فيما يقضي احتياطا؛ فقيل: يقرأ السورة في الأخيرتين.
وقيل: لا يقرأ، ولو فاتته صلاة من يوم وليلة، ولا يدري بها؛ يقضي الخمس احتياطا.
وفي صلاة الجلابي: نسي صلاة من يوم وليلة، ولا يدري أيتها هي؟ يتحرى، فإن لم يكن له رأي؛ أعاد صلاة يوم وليلة عند أبي حنيفة، وأبي يوسف (^٣)، والشافعي (^٤)، ومالك (^٥) ﵏.
وقال محمد، والثوري: يعيد ثلاث صلوات، ركعتان ينوي بهما الفجر إن كانت عليه، وأربعًا ينوي ظهرًا أو عصرًا أو عشاء إن كانت عليه، وثلاثًا بنية المغرب.
وقال زفر، وبشر المريسي، والمزني: يصلي أربعًا، يقعد في الثانية والثالثة والرابعة، ينوي الصلاة التي عليه (^٦).
وقال عمرو ابن أبي عمرو: سألت محمدًا عمن نسي سجدة صلاتية، ولم يدر أنها من أية صلاها؟؛ قال: يعيد الخمس (^٧).
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٨٥)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٣٧٣).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٠)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٤٧).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٠).
(٤) انظر: نهاية المطلب للجويني (١/ ٢١١)، ونهاية المحتاج للرملي (١/ ٣١٤)، والغرر البهية لزكريا الأنصاري (٢/ ٢١٠).
(٥) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٨٣)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٦٩)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٣٠٤).
(٦) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٠).
(٧) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٠).
[ ٢ / ١٢٧ ]
(وَلَوْ صَلَّى الفَجْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ، فَهِيَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) خِلَافًا لَهُمَا (*)، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الوِتْرَ وَاجِبَةٌ عِنْدَهُ، سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا، وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا بَيْنَ
قلت: فإن نسي خمس صلوات من خمسة أيام أو أكثر؟
قال: يعيد صلاة خمسة أيام، وذكر القدوري قول محمد مع أبي حنيفة، والرازي، والنسفي مع الثوري (^١).
وفي جامع الكردري: نسي صلاة من يوم وليلة، أو ركنا من صلاة، ولا يدري أيتها هي؛ يقضي صلاة يوم وليلة؛ لأن تعيين النية في القضاء شرط، وأنه متعذر لجهله بها، فيقضي صلاة يوم وليلة؛ ليخرج عن العهدة بيقين، وبه ظهر بطلان قول محمد، وزفر، والمريسي، والمزني (^٢).
ولو نسي خمس صلوات من خمسة أيام، أو ستا من ستة أيام، أو سبعًا من سبعة أيام، أو ثمانية من ثمانية أيام؛ قضى صلاة ثمانية أيام، أو سبعة أيام، أو ستة؛ لما بينا من تعيين نية القضاء.
وقيل: هذا على قولهما، أما على قول أبي حنيفة: فلا؛ لأن عنده إذا صارت ستا، عادت المفعولات صحيحة (^٣).
ولو مات وعليه صلوات؛ لم تقض عنه.
وعن عصام، وإبراهيم بن يوسف: أنه تقضى عنه، وقال محمد ابن سلمة، ومحمد ابن مقاتل، ومحمد ابن الأزهر: يطعم لكل صلاة نصف صاع من بر، فإن كان أوصى بالصلوات، أو بأن يطعم عنه للصلوات؛ فهو واجب، وإلا؛ لا يلزم الورثة ذلك في قول أصحابنا.
وإن أوصى أن يطعم عنه كذا وكذا صاعًا من بر، لكذا صلاة؛ لزم الورثة ذلك في قول أصحابنا؛ لأنه وصية بالمال.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٠).
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ١٤٠)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٠).
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٩٠).
[ ٢ / ١٢٨ ]
الفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا صَلَّى العِشَاءَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى السُّنَّةَ وَالوِتْرَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى العِشَاءَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، فَعِنْدَهُ: يُعِيدُ العِشَاءَ وَالسُّنَنَ دُونَ الوِتْرِ، لِأَنَّ الوِتْرَ فَرْضٌ عَلَى حِدَةٍ عِنْدَهُ. وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الوِتْرَ أَيْضًا لِكَوْنِهِ تَبَعًا لِلْعِشَاءِ (*)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.