الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْلَى مَعَالِمَ الْعِلْمِ وَأَعْلَامَهُ،
قال المصنف: (الحمد لله الذي أعلى معالم العلم إلى آخره) بدأ به دون الشكر أو المدح لله، أو أحمد الله، أو احمدوا الله، أو غيرها تبركًا بكتاب الله تعالى، وإنما ذكر في كتابه هذا لما في الحمد من التصريح بالثناء والاعتراف بدوام النعمة واقتضاء سابقة الإحسان؛ لأنه ثناء بعد الإحسان، بخلاف المدح فإنه يكون قبله أو بعده، والشكر على النعمة خاصة، والحمد عليها وعلى غيرها، يقال: حمدت على إنعامه، وشجاعته، وحسنه.
وقيل: الحمد مختص بالحي، والمدح شامل له ولغيره، فكأن الحمد لله أولى من الشكر أو المدح لله.
وقيل: المدح أعم من الحمد لأنه يكون للعاقل وغيره، ألا ترى أنه يمدح اللؤلؤ والياقوت، والحمد لا يكون إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام سواء وصل إليك أم لا.
والحمد أعم من الشكر لأنه يعظم الفاعل لإنعام وصل منه إليك، فكأن في ذكر الحمد الله تصريح بأن العالم موجود باختيار الله؛ لأنه تعالى موجب بخلاف المدح فإنه لا يدل عليه لما ذكرنا، وهذا فائدة عظيمة في الدين، وفي ذكره دون الشكر إشعار بأن تعظيم العبد له بسبب إنعامه سواء وصل إليه أم لا، وبأنه المستحق للحمد فيكون الإخلاص فيه أكمل بخلاف الشكر الله فإنه يشعر بأنه يعظمه بسبب ما وصل إليه من النعمة فلا يكون الإخلاص فيه أكمل.
وإنما لم يقل: أحمد الله، أو احمدوا الله؛ لأنه لا يفيد إلا حمد القائل، والحمد لله يفيد كونه محمودًا حمده الحامدون أو لا.
وقيل: معناه قولوا الحمد لله وهو ضعيف؛ لأنه لا يصار إلى الإضمار بلا
[ ١ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضرورة، والحمدُ يستعمل لمعانٍ للثناء على الأفعال الحسنة، فمعنى الحمدُ لله: الثناءُ له في كلّ ما فعل، وللمدح فمعناه: المدح له على صفاته الحُسنى، وللشُكر فمعناه: على هذا الشكرُ لله على نعمه التي لا تحصى، وللرِضا فمعناه على هذا: رضينا بحكمه وقضائه وقدره وقسمته، واللام فيه للاستغراق فتصير جميع المعاني موجودة فيه.
وبالفارسية: حمد خداي ترابايد وخداي تراشايذ وخداي راسرذ وحمدا ورا شزدكة فنعم حقيقي أوست وسمه منعما ذا نعام نكتدني مشيت وخلق داعية او.
والحمدُ بهذه المعاني الأربعة منقول عن السلف الصالح، كذا في "التفسير الصغير"، وفي "الفوائد "البدرية" وغيرها، اللام فيه للاستغراق والجنس عند أهل السنة بناءً على أنه تعالى خالق أفعال العباد فلا يكون غيره مستحق للحمد.
وعند المعتزلة معظم الحمدُ لله تعالى بناءً على أن العباد خالقوا أفعالهم فيكون العباد مستحقين لبعض الحمد.
قال الكاثي (^١) في "فوائده": هذا كلام صدر عن عصبية لا عن روية فإن صاحب الكشاف جعله للجنس، وللإمام السجاوندي (^٢) جوّز الوجهين حيث قال: إذا جرى على المعهود معناه فهو مما أثنى على نفسه محمود، وإن أُجري على الاستغراق فله كل المحامد بالاستحقاق، فعلم أن الذي جعله للعهد محلًا غير ما توهموه.
وقيل: للماهية فيفيد أن ماهية الحمد له لا لغيره فيلزم أن يكون جميع أفراده له، وفيه نوع تأمل.
و(الله) اسم اختص به الباري واختص الحمد به؛ لأنه كالعلم للذات مستجمعًا لجميع الصفات بخلاف العالم أو الخالق وغيرهما، فإنه لا يدل إلا
_________________
(١) الكاثي بالثاء المُثَلَّثة لقب برهان الإمام أحد من عزا إِلَيْهِ صَاحب القنية وعلم لَهُ: بـ (ك).
(٢) أبو طاهر السجاوندي (توفي نحو ٦٠٠ هـ/ ١٢٠٤ م) هو سراج الدين أبو طاهر محمد بن محمد ابن عبد الرشيد ابن طيفور السجاوندي. هو رياضي حنفي فرضي.
[ ١ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على العلم والخلق، قال الخليل وسيبويه وابن كيسان وأكثر الأصوليين والفقهاء: اللهُ عَلَمٌ للذات.
وقيل: أنه مشتق غير علم لأن العلم قائم مقام الإشارة وهي محال في حقه تعالى، ثم اختلف في المشتق منه.
وقيل: مشتق من أَلِهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَي سَكَنْتُ إِلَيْهِ، والعقول والأرواح السليمة لا تسكن إلا إلى ذكره.
وقيل: مشتق من أله في الشيء تحيّر، والعقول متحيرة معترفة بالعجز عن إدراك كماله.
وقيل: من الوله وهو ذهاب العقل، والعقل ذاهب في عظمته.
وقيل: مشتق من لاه ارتفع، والحق مرتفع عن مشابهة الممكنات.
وقيل: مشتق من لاه يلوه احتجب، فالحق محتجب عن العقول، ولا يقال: محجوب؛ لأن المحجوب مقهور، بل محتجب والخلق محجوبون.
وقيل: مشتق من أله الفصيل إذا ولع بأمه، والعباد مولوعون بالتضرع إليه في السراء والضراء.
وقيل: في الأصل إلها بالسريانية زادوا ألفا في آخر الاسم فهذا اتفاق بين اللغتين.
واختلف النحويون في أصله؛ فقال الكوفيون: أصله لاه فأدخل الألف واللام فاجتمعت لامان فأدغمت فصار (الله)، وقال البصريون: أصله إله فأدخل الألف واللام للتعريف فصار (الإلاه) فاجتمع همزتان بينهما ساكن والساكن لا يحجز حجزًا حصينًا فاجتمعت الهمزتان ولم يمكنهم حذفهما ولا تسكينهما ولا تسكين الثانية للزوم توالي ثلاث ساكنات فحدوا الثانية أصلا ثم أدغمت إحدى اللامين في الأخرى فصار (الله).
وقيل: الألف واللام للتفخيم، كذا في التفسير الكبير وتفسير القشيري.
قوله: المعالم هو جمع معلم موضع العلم فمعناه رفع مواضع درك العلوم.
[ ١ / ٣٧ ]
وَأَظْهَرَ شَعَائِرَ الشَّرْعِ وَأَحْكَامَهُ،
وقيل: أراد بها العلماء.
وقيل: الأصول الأربعة من الكتاب والسنة وغيرهما وبالإعلام: الأسباب الشرعية كدلوك الشمس وغيره، وقال الإمام نجم الدين النسفي (^١) رحمه الله تعالى: المعالم بالنظر إلى العلم مواضعه وهي القلوب فهي رفيعة لأنها بحال نظر الربوبية أو الأصول الأربعة وهي رفيعة أيضًا وبالنظر إلى المعلم وهو أثر يستدل به على الطريق فيصير عبارة عن العلماء والكتب والمدارس.
والأعلام: جمع علم وهو ما يعلم به الشيء فيكون بينهما عموم وخصوص، وفي هذه الجملة صنعة ما يقرب إلى الاشتقاق وصنعة الاشتقاق.
وقيل: أراد بالعلم علم الأحكام.
وقيل: علم الدين وبالأعلام الصحابة أو السلف أو كليهما فلو كان المراد منها الأسباب فإعلاؤها ظاهر؛ لأنه يشرفها على سائر الأوقات والأحوال والأماكن جعلها موجة في حق العباد.
والـ (شعائر): جمع شعيرة لغة، وفي الشريعة: هي ما يؤدى من العبادات على سبيل الإشهار كالأذان والجماعة والجمعة وصلاة العيد والأضحية.
وقيل: هي ما جعل علمًا على طاعة الله تعالى، والقياس في الشعائر الهمز كما في الصحائف بخلاف المعايش فإنها بياء خالصة.
و(الشرع) الإظهار، والمراد هنا المشروع إذ لو كان الشارع لقال شعائره. ويجوز أن يُراد به الشارع ويكون من قبيل إقامة المظهر مقام المضمر.
وقيل: هي اسم للشريعة يقال: شرع محمد أي شريعته، والمشروع يتناول الأسباب والأحكام والإضافة للبيان فكان هذا من المصنف رعاية المناسبة بين
_________________
(١) أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن لقمان الحنفي النسفي ثم السمرقندي. لقبه نجم الدين، وكان يلقب بـ «مفتي الثقلين» أيضًا (٤٦١ - ٥٣٧ هـ/ ١٠٦٨ - ١١٤٢ م) فقيه عالم في أصول العقيدة. وهو صاحب العقيدة النسفية.
[ ١ / ٣٨ ]
وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - إِلَى سُبُلِ الْحَقِّ هَادِينَ، وَأَخْلَفَهُمْ عُلَمَاءَ إِلَى سُنَنِ سُنَنِهِمْ دَاعِينَ، يَسْلُكُونَ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ مَسْلَكَ
التحميد والتصنيف على ما قيل ذكر التحميد متضمنا مضمون التأليف من شرط صحة التصنيف، والحكم للأثر الثابت بالشيء، وأحكام الشرع الحل والحرمة والجواز والفساد وغيرها.
و(رسلًا): جمع رسول بمعنى مرسل، وأنبياء جمع نبي وأصله نبئ بالهمزة إلا أنها لينت على اللزوم غاير بينهما لأن الرسول الذي أتى بكتاب ووحي ملك، والنبي ما أتى بكتاب لكن يوفقه الله تعالى على الأحكام أو يتبع رسولًا آخر؛ ولهذا قال ﵇: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (^١) هداة إلى الطريق إذا أعلمه أن الطريق في ناحية كذا، وهداة للطريق إذا ذهب به إلى رأس الطريق، وهداة الطريق إذا أدخله فيه وسار معه حتى بلغا المقصد. وليس في وسع الرسل والأنبياء إلا الإعلام بأن الطريق الموصل إلى رضاء الله في هذه الناحية. فأما تثبيت العبد على الصراط فليس إلا الله تعالى وإليه أشار قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦].
(وأخلفهم): أي جعل العلماء خلفاء الأنبياء وورثتهم.
و(سنن): وسط الطريق. والسنة الطريقة المسلوكة المرضية.
(هادين، وداعين) صفتان لأنبياء وعلماء لا حالان لما أن الحال عن النكرة لا يحسن إلا عند تقديمها على ذي الحال ولأن الحال يقتضي التزلزل، والصفة التقرر، إلا أن يكون الحال مؤكدة لكن ليس هذا موضع الحال المؤكدة فتكون المبالغة في الصفة. (يسلكون): أي يدخلون ويذهبون فيما لم يؤثر لم يرو من أثر الحديث رواة ويجوز أن يلين الهمزة نحو سؤل وسول، ويسلكون، أما صفة العلماء أي علماء داعين سالكين، وإما حال وذو الحال علما لأن النكرة الموصوفة تصح أن تقع حالًا.
_________________
(١) قال السخاوي: قال شيخنا ومن قبله الدميري، والزركشي: إنه لا أصل له، زاد بعضهم ولا يعرف في كتاب معتبر "المقاصد الحسنة" (٧٠٢).
[ ١ / ٣٩ ]
الاجْتِهَادِ، مُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ وَلِيُّ الْإِرْشَادِ، وَخَصَّ أَوَائِلَ الْمُسْتَنْبِطِينَ بِالتَّوْفِيقِ حَتَّى وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٌّ وَدَقِيقٍ غَيْرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ مُتَعَاقِبَةُ الْوُقُوعِ، وَالنَّوَازِلَ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ الْمَوْضُوعِ وَاقْتِنَاصُ الشَّوَارِدِ بِالِاقْتِبَاسِ مِنَ الْمَوَارِدِ،
(والاجتهاد): بدل المجهود في نيل المقصود.
(مسترشدين): حال من ضمير في يسلكون، وأراد بأوائل المستنبطين أبا حنيفة وأصحابه إذ هم الذين يمهدون قواعد المسائل. وما وضعه أصحابنا ألف ألف ومائة ألف وسبعون ألفا ونيف مسألة، ويجوز أن يراد بها الصحابة والتابعون وجميع المجتهدين.
(جلي): أي ظاهر دركه كالقياس الظاهر، و(دقيق): أي خفي دركه كالاستحسان، وفي بعض النسخ: جليل والأول أصح، غير أن استثناء من قوله: حتى وضعوا، وهو جواب عما يرد على هذا الكلام فإنه لما ذكر أن أوائل المستنبطين وضعوا المسائل من كل جلي ودقيق كانت المسائل كلها موضوعة لأن كل مسألة مستنبطة لائح عن أحدهما فلأي معنى تصدى من بعدهم بالاستنباط والتصنيف فأجاب عنه وقال: نعم كذلك إلا أن النوازل تنزل ساعة فساعة فلا يستوعب جميعها نطاق الموضوعات فاحتيج إلى وضع آخر على حسب كل حادثة، ولكن مقتفيًا على آثارهم ومقتبسًا من أنورهم فإنه لولا طريقهم في وضعها لما اهتدوا إليه.
والـ (نطاق): ثوب تلبسه المرأة وتشد وسطها بالخيط ثم ترسل الأعلى للأسفل.
وقيل: ما يشد به الوسط، وبالفارسية: كمر.
(الموضوع): أي موضوعات الأوائل واللام بدل المضاف إليه.
و(اقتناص): الاصطياد والقبض بالسكون مصدر قنصه أو صاده.
و(الشوارد): جمع شاردة أي النافرة من الشراد والشرود من حد صرم.
و(الاقتباس): أصله أخذ القبس وهو شعلة نار، والمراد ها هنا استفادة علم، يقال: اقتبست منه علمًا أي استفدته، ولما كان العلم كالماء
[ ١ / ٤٠ ]
وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ، وَبِالْوُقُوفِ عَلَى الْمَأْخُوذِ يُعَضُّ عَلَيْهَا
استعار لموضع حصوله وهو الأصول بالموارد جمع المورد، وبالفارسية: اب خور.
واستعار الشوارد للأحكام المستنبطة يعني تحصل الأحكام الشاردة التي هي كالصيود النافرة من الصيادين لا تتحقق إلا باستفادتها من مواضع حصول العلم وهي الكتاب والسنة والإجماع كما لا يتحقق اصطياد تلك الصيود إلا في الموارد.
وشبه العلم بالماء لأنه سبب حياة الأرواح، كما أن الماء سبب حياة الأشباح، فكان ترشيح الاستعارة.
و(الاعتبار): رد الشيء إلى نظيره.
و(الأمثال): جمع المثل وهو المقيس عليه أي إظهار الحكم بالقياس من صنعة الرجال الذين هم الكاملون في الرجولية لا من صنعه كل أحد يسمى رجلًا.
ثم ذكر صعوبة الوقوف على المأخذ بقوله: (يعض عليها) بالنواجذ، وهي أربع أسنان في أقصى الأسنان من كل جانب واحد فوقا وتحتًا. ويسمى أضراس الحكم لأنها تنبت بعد البلوغ يقال: عض عليه بالنواجذ إذا صبر وتصلب تقديره: استنباط الحكم من الموارد صعب لا يهتدي إليه أحد إلا بتوفيق الله تعالى، فيجب أن يوجد التصلب والاهتمام في حقه فلذا وصف أصحابه بالرجولية.
الواو: في (والوعد) للحال، يسود: يجوز، والمساغ: مصدر ساغ أي تجوز بعض التجويز وهذه جملة حالية من التاء في (فشرعت) من غير ضمير راجع إليه منها كما في قولك: أتيتك والجيش قادم، يعني: لما شرعت في شرح البداية الذي هو موسوم بكفاية المنتهي بسبب وعد جرى على حال شروعي في تصنيف البداية، وقد اعترض عليَّ حالتان متنافيتان: حالة إرادة الشروع وحالة انحطاط رتبتي والوعد يقتضي الإنجاز لما أن الخلف في الوعد من علامات النفاق كما ورد في الحديث، والانحطاط يقتضي الإعراض عن التصنيف
[ ١ / ٤١ ]
بِالنَّوَاجِدِ، وَقَدْ جَرَى عَلَى الْوَعْدِ فِي مَبْدَا بِدَايَةِ الْمُبْتَدِي أَنْ أَشْرَحَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى شَرْحًا أَرْسُمُهُ بِكِفَايَةِ الْمُنْتَهِي، فَشَرَعْت فِيهِ وَالْوَعْدُ يُسَوِّغُ بَعْضَ الْمَسَاءِ، وَحِينَ أَكَادُ أَتَّكِي عَنْهُ اتِّكَاءَ الْفَرَاغِ، تَبَيَّنْتُ فِيهِ نُبَدًا مِنَ الْإِطْنَابِ وَخَشِيت أَنْ يُهْجَرَ لِأَجْلِهِ الْكِتَابُ، فَصَرَفْت الْعِنَانَ وَالْعِنَايَةَ إِلَى شَرْحِ آخَرِ مَوْسُومِ بِالْهِدَايَةِ، أَجْمَعُ فِيهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ عُيُونِ الرِّوَايَةِ وَمُتُونِ الدِّرَايَةِ، تَارِكًا لِلزَّوَائِدِ فِي كُلِّ بَابٍ، مُعْرِضًا عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْإِسْهَابِ، مَعَ مَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أُصُولٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا
والأصل في المتعارضين العمل بهما بقدر الإمكان وفي القول ببعض التجويز عمل بهما بقدر الإمكان.
(أتكي عنه): أي عن الشرح، وعدى للاتكاء بعن وإن كان هو تعدي بعلى لتضمين معنى الفراغ.
(تبينت): علمت. و(النبذ): الشيء اليسير القليل، يقال: في رأسه نبذ من شيب، أي قليل.
(الإطناب): الإطالة، و(الصرف) الرد ومنه صرف عنان الدابة وعنى بالعنان العلم وبالعناية القلب. وقيل: الظاهر والباطن.
(موسوم): أي مسمى، عين الشيء خياره ومتن الشيء بالضم متانة فهو متين صلب ومتن الشيء قوته، ومنه يسمى الظهر متنًا لأن بالظهر قوام البدن وقوته وعنى بالمتون الأصول والنكات اللطيفة.
وقوله: (مع ما أنه يشتمل) إلى آخره دفع لوهم من يهم أنه لما ترك الزوائد في كل باب وأعرض عن الإطناب لعله لم يأت بأصول ذات فوائد فقال: مع كونه كذلك مشتمل على كذا، والمراد بالفصول الفروع مثاله: ما قال في مسألة المحاذات: (ومن شرط المحاذات أن تكون الصلاة مشتركة، وأن تكون مطلقة، وأن تكون المرأة من أهل الشهوة وأن لا يكون بينهما حائل) (^١)، ففي كل قيد فائدة كما يجيء.
_________________
(١) سيأتي في كتاب الصلاة، باب الإمامة.
[ ١ / ٤٢ ]
فُصُولٌ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِثْمَامِهَا، وَيَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ بَعْدَ اخْتِتَامِهَا، حَتَّى إِنَّ مَنْ سَمَتْ هِمَّتُهُ إِلَى مَزِيدِ الْوُقُوفِ يَرْغَبُ فِي الْأَطْوَلِ وَالْأَكْبَرِ، وَمَنْ أَعْجَلَهُ الْوَقْتُ عَنْهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَقْصَرِ وَالْأَصْغَرِ. وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ وَالْفَنُّ خَيْرٌ كُلُّه.
ثُمَّ سَأَلَنِي بَعْضُ إِخْوَانِي أَنْ أَمْلِيَ عَلَيْهِم الْمَجْمُوعَ الثَّانِيَ، فَافْتَتَحْتُهُ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيرِ مَا أُقَاوِلُهُ مُتَضَرِّعًا إِلَيْهِ فِي التَّيْسِيرِ لِمَا أُحَاوِلُهُ، إِنَّهُ الْمُيَسِّرُ لِكُلِّ
وما قال في البيوع: كل شرط يخالف مقتضى العقد وفيه نفع لأحد المتعاقدين أو للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق ويفسد البيع وإلا فلا.
ففي كل قيد فائدة وأمثالهما كثيرة يُعثر عليه في هذا الكتاب وفي بعض النسخ.
إتمامهما واختتامهما والتثنية راجعة إلى الشرحين.
(سمت): علت. والمزيد مصدر كالزيادة، أعجله الوقت هذا إسناد مجازي
كقوله: قيام الليل وصيام النهار، والشعر لأبي فراس أوله:
علي لربع العامرية وقفة لتملني … علي الشوق والدمع كاتب
ومن عادتي حبُّ الديار لأهلِها … وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ
أسكنت الياء في (لتملي) لضرورة الشعر.
(التحرير): تهذيب الكلام وتلخيصه.
(أقاوله): القول وفيها زيادة مقاساة ليس في القول لأنها من باب المفاعلة ويدل على المبالغة.
والمباراة والمجاورة: طلب الشيء بحيلة. ومنه الحديث: «اللهم بك أحاول» (^١)، يروى أنه ﵇ يقول هذا الدعاء عند لقاء العدو، أي: بنصرتك وتوفيقك ادفع عني كَيْدَ العدوّ وأطلب الوثوق عليهم، إنك جدير حقيق.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٣٧) رقم (٣٣٤٠)، والنسائي في الكبرى (٥/ ١٨٨ رقم ٨٦٣٣)، وابن حبان (٥/ ٣١١ رقم ١٩٧٥)، وأحمد (٤/ ٣٣٣ رقم ١٨٩٥٧). قال الترمذي: حسن غريب.
[ ١ / ٤٣ ]
عَسِيرٍ وَهُوَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
ثم اعلم أن الفقه لغة: الفهم (^١)، قال تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا﴾ [هود: ٩١].
واصطلاحًا: هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المكتسب من أدلتها التفصيلية، فخرج العلم بالذوات والصفات والأفعال والأحكام العقلية والشرعية الأصولية ككون الإجماع أو القياس حجة وعلم الله تعالى ورسوله بأحكام الأفعال وعلمنا بوجوب الصلاة وغيرها واعتقاد المستفتي (^٢).
وعن أبي حنيفة ﵀: الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها (^٣). ويراد عملًا لتخرج الاعتقادات والوحدانيات فيخرج الكلام والتصوف وتمامه يُعرف في الأصول.
_________________
(١) وانظر: المستصفى للغزالي (ص ٥)، والبرهان في أصول الفقه للجويني (١/¬٨).
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: مرآة الأصول (١/¬٤٤)، التوضيح لمتن التنقيح (١/¬١٠).
[ ١ / ٤٤ ]
﷽