تكره قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد بإجماع الأئمة الأربعة (^٤)؛ لقوله ﵇: «نُهيتُ أَنْ أَقرَأ القرآن رَاكِعًا أو ساجدًا». رواه مسلم (^٥).
وفي المحيط: متى تحل العقدة؟
قال محمد: تحلها عند الركوع، وقال أبو يوسف: عند السجود (^٦).
وقيل: هذا بعيد؛ لأن وضع اليدين على الركبتين سنة، فلابد من حلها للوضع.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٩٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢٥).
(٢) انظر: مراقي الفلاح للشرنبلالي (ص ١٠٦).
(٣) انظر: المستصفى للنسفي (١/ ٤٦٤)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢٣).
(٤) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص) (٣٩)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٠٩)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٦٢).
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٣٤٨، رقم ٤٧٩) من حديث ابن عباس ﵄.
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٥٠).
[ ١ / ٦٥٨ ]
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ المُؤْتَمُّ: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَلَا يَقُولُهَا الإِمَامُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ) (*) لِمَا رَوَى أَبُو
وفي الروضة: يكره أن تنحني ركبتيه فيه شبه القوس عند أهل العلم.
قوله: (سمع الله لمن حمده)؛ أي: قيل: الله حمد من حمده، والسماع يذكر ويراد به القبول مجازا، كما يقال: سمع الأمير كلام فلان إذا قبل، ويقال: ما سمع كلامه؛ أي: رده ولم يقبله وإن سمعه حقيقة، وفي الحديث: أعوذ بك من دعاء لا يسمع؛ أي لا يستجاب.
وفي الفوائد الحميدية: الهاء في حمده للسكتة والاستراحة لا للكناية. كذا نقل عن الثقات (^١).
وفي المستصفى (^٢): الهاء للكناية كما في قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧].
(ويقول المؤتم)؛ أي: المقتدي (ربنا لك الحمد)؛ ليوافق مبتدأ الركعة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، ويختمها بربنا لك الحمد، ثم فرق بين المبدأ والمختم بتقديم الظرف في المختم وتأخيره في المبدأ، فإن المبدأ يشير إلى أن المحامد كلها له، والمختم يشير إلى أنها له لا لغيره؛ لأن تقديم الظرف يفيد الحصر.
وفي شرح الطحاوي واختلفت الأخبار في التحميد؛ في بعضها: (ربنا لك الحمد)، وفي بعضها: (ربنا ولك الحمد)، وفي بعضها: (اللهم ربنا لك الحمد)، وفي بعضها: (اللهم وربنا لك الحمد)، والأول أظهر (^٣).
(ولا يقولها؛ أي: ربنا لك الحمد الإمام عند أبي حنيفة)، وبه قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١١٥)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٩٨).
(٣) المستصفى للنسفي (١/ ٤٦٦).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١٠)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١١٦).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٦٧)، والرسالة للقيرواني (ص ٢٧).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣٦٥)، والمبدع لابن مفلح (١/ ٣٩٧).
[ ١ / ٦٥٩ ]
هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ وَلِأَنَّهُ حَرَّضَ غَيْرَهُ فَلَا يَنْسَى نَفْسَهُ.
وقال أبو يوسف ومحمد: يقولها الإمام في نفسه، وهو رواية الحسن عنه (^١).
ولا يقول المؤتم: (سمع الله لمن حمده) عند علمائنا، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣).
وقال الشافعي (^٤): يجمع الإمام والمؤتم بينهما، فقال: إذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، وإذا استوى قائمًا قال: ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد؛ لما روى ابن عمر (^٥) وعبد الله بن أبي أوفى (^٦) أنه ﵇ كان إذا رفع رأسه قال: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه وربَّنا لك الحمد».
وفي رواية عبد الله زاد أنه ﵇ يقول: «ملء السموات …» إلى آخره (^٧)، وعن علي ﵁ كان ﵇ يقول مع ذلك: «أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، كلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (^٨)، والإمام لا يأتي بهذه الزيادة الأخيرة؛ لئلا يمل القوم. كذا في شرح الوجيز (^٩).
_________________
(١) انظر: الأصل للشيباني (١/¬٤)، والمبسوط للسرخسي (١/¬٢٠).
(٢) انظر: الرسالة للقيرواني (ص ٢٧)، والتلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٤٦).
(٣) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٣)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٥١).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٣٥)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٢٣).
(٥) حديث ابن عمر أخرجه البخاري (١/ ١٤٨، رقم ٧٣٦).
(٦) حديث ابن أبي أوفى أخرجه مسلم (١/ ٣٤٦، رقم ٤٧٦).
(٧) أخرجها ابن ماجه (١/ ٢٨٤، رقم ٨٧٨) وتتمة الحديث: «وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» وأصل حديث عبد الله بن أبي أوفى في مسلم كما تقدم قريبا.
(٨) قال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٦١٨): غريب من حديث علي لا أعلم من خرجه من طريقه بعد شدة البحث عنه. وأخرجه مسلم (١/ ٣٤٧، رقم ٤٧٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٩) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٤٠٦).
[ ١ / ٦٦٠ ]
وَلأَبِي حَنِيفَة: قَوْلُهُ ﵊: إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ هَذِهِ قِسْمَةٌ وَأَنَّهَا تُنَافِي الشَّرِكَةَ، لِهَذَا لَا يَأْتِي المُؤْتَمُ
وفيه: والأشهر عن أحمد (^١): أن الإمام والمنفرد يجمع بينهما، فلا ينسى نفسه حتى يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]؛ نزلت في رؤساء اليهود، حيث أمروا أتباعهم باتباع محمد ﷺ، لكن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب.
وفي المبسوط (^٢): روى ابن عباس وعائشة أنه ﵇ يجمع بينهما.
وقال ابن مسعود: أربع يخفيهن الإمام، وذكر منها: ربنا لك (^٣)، ولأنا لا نجد شيئًا من أذكار الصلاة يأتي به المقتدي دون الإمام، أما الإمام فيختص ببعضها كالقراءة.
وفي فتاوى الظهيرية (^٤): كان الفضلي، والطحاوي، وجماعة من المتأخرين يميلون إلى قولهما، وهو قول أهل المدينة، فاختاروا قولهما.
(وأنها)؛ أي: القسمة تنافي الشركة؛ لقوله ﵇: «البينة على المُدَّعي واليمين على مَنْ أنكَر» (^٥) أول الحديث إنّما جُعِلَ الإمام إمامًا لِيُؤتَم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: سمعَ اللهُ لمَن حَمِدَه قولوا: ربَّنا لك الحمد (^٦).
فإن قيل: أليس قال: «إذا قال الإمام: (ولا الضالين) …» (^٧) إلى آخره، ولم يقتضي نفي المشاركة حيث يقولها الإمام.
قلنا: ظاهر القسمة يقتضي نفي الشركة، إلا أن المشاركة ثمة ثبت بدليل
_________________
(١) انظر: الهداية للكلوذاني (ص) (٨٣)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٥١).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬٢٠).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٩).
(٥) أخرجه البخاري (٦/¬٣٥، رقم ٤٥٥٢) ومسلم (٣/ ١٣٣٦، رقم ١٧١١) من حديث ابن عباس ﵁.
(٦) أخرجه البخاري (١/ ١٣٩، رقم ٦٨٩) ومسلم (١/ ٣٠٨، رقم ٤١١) من حديث أنس ﵁.
(٧) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٦٦١ ]
بِالتَّسْمِيعِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَلِأَنَّهُ يَقَعُ تَحْمِيدُهُ بَعْدَ تَحْمِيدِ المُقْتَدِي، وَهُوَ خِلَافُ مَوْضِعِ الإِمَامَةِ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الاِنْفِرَادِ (وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا
آخَر؛ وهو ما روي أنه ﵇ قال: «فإنّ الإمام يقولُها» (^١) أو بقوله: «إذا أمَّنَ الإمام فأمنوا» (^٢).
فإن قيل: ما جواب أبي حنيفة عما رُوي عن ابن مسعود أنه قال: أربع يخفيهن الإمام، وذكر منها التحميد.
قلنا: قال في الأسرار (^٣): إنه غريب، أو نرجح أحدهما على الآخر، فقلنا: الرجحان لحديث القسمة؛ لأنه خبر مرفوع إلى النبي ﵇ برواية أبي موسى الأشعري.
وفي الكافي: فإن قيل: قال ﵇: «اليمين للوضوء واليَسارُ لِلمَقْعَد» (^٤) ومع ذلك يجوز الغسل باليسرى.
قلنا: الغسل باليسرى تبعًا لليمنى؛ باعتبار أن الغسل باليد الواحدة سنة، أما هاهنا يلزم خلاف موضوع الإمام، فإن الاقتداء عقد موافقة - أي: متابعة لا مسابقة (^٥).
وفيه تأمل؛ لإمكان مقارنة تحميد الإمام بتحميد المقتدي. كذا قيل.
وما رواه أبو هريرة محمول على حالة الانفراد، أو على النفل؛ لأنه ﵇ لا يصلي ظاهرا منفردًا، وكذا ما روى ابن عمر وعبد الله ابن أبي أوفى على حالة الانفراد والنفل.
_________________
(١) أخرجه النسائي (٢/ ١٤٤، رقم ٩٢٧) من حديث أبي هريرة مرفوعا: «إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» وهو في الصحيحين بدون موضع الاستشهاد الذي ذكره الشارح وتقدم تخريجه قريبا.
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٩٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢٩).
(٤) لم أجده بهذا اللفظ وقد وردت السنة باستحباب التيامن كما أخرج البخاري (٧/ ٦٨، رقم ٥٣٨٠) من حديث عائشة ﵂ كان النبي ﷺ يَحِبُّ التَّيَمُّنَ ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله.
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢٩).
[ ١ / ٦٦٢ ]
في الأَصح)
وقوله: (في الأصح)؛ احتراز عن الروايتين المذكورتين بعد.
قال شيخ الإسلام (^١): والأصح عند أبي حنيفة المنفرد: يأتي بالتحميد لا غير، ثم ذكر وجه الأقوال الثلاثة فقال: وجه الرواية التي يأتي بالسميع - وهي رواية بعض النوادر -: أن الإمام يأتي به فكذا المنفرد؛ لأنه إمام في نفسه، وعليه القراءة كما على الإمام.
ووجه ما روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يجمع بينهما؛ لأنه إمام في نفسه، فيأتي بالتسميع، ومتى حث على الحمد ولم يمتثل به أحد فكان عليه أن يجيب بنفسه.
وجه ما ذكر في الجامع الصغير: أنه يأتي بالتحميد لا غير؛ لأنه متى جمع بين الذكرين يقع الذكر الثاني في حالة الاعتدال، ولم يشرع اعتدال للانتقال ذكر مسنون، كما في القعدة بين السجدتين.
وفي فتاوى الظهيرية: وكان الحلواني والسَّرَخْسِي يفتي بذلك. (^٢).
وفي جامع فخر الإسلام: أما المنفرد - على الصحيح من الجواب - يجمع بينهما (^٣)؛ لأن الحديث قد صح أنه ﵇ كان يجمع بينهما، وبه قال مالك (^٤).
وفي شرح الأقطع: عن أبي حنيفة: يجمع بينهما الإمام والمؤتم (^٥)، كقول الشافعي.
قيل: هذه رواية شاذة.
ثم يأتي بالتسميع حالة الرفع، وبالتحميد حالة الاستواء، فإن لم يأت به حالة الرفع؛ لا يأت بحالة الاستواء.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٣٠).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٢).
(٣) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٥١)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٩٩).
(٤) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٧)، وشرح التلقين للمازري (١/ ٥٨٨).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٢٩).
[ ١ / ٦٦٣ ]
وَإِنْ كَانَ يُرْوَى الِاكْتِفَاءُ بِالتَّسْمِيعِ وَيُرْوَى بِالتَّحْمِيدِ، وَالإِمَامُ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ آتِ بِهِ مَعْنَى. قَالَ: (ثُمَّ إِذَا اسْتَوَى قَائِمًا كَبَّرَ وَسَجَدَ) أَمَّا التَّكْبِيرُ وَالسُّجُودُ فَلِمَا بَيَّنَّا، …
وقيل: يجمع بينهما حالة الرفع. كذا في جامع التمرتاشي (^١).
قوله: (والإمام بالدلالة) إلى آخره جواب عن قولهما؛ لأنه حرض غيره فلا ينسى نفسه.
(آت به معن): لأن الدال على الخير كفاعله. كذا ورد في الخبر (^٢).
وأما الجواب عن الآية؛ فلأنها محمولة على الأمر بالمعروف، والإمام لم يأمر، بل حث غيره، مع أنه قد أتى به معنى، أو هو محمول على أنه لم يفعل قط.
فإن قيل: مثل هذه الدلالة موجودة في حق المنفرد أيضًا، فينبغي أن يكتفي هو بالسميع أيضًا.
قلنا: لا دلالة على اكتفاء المنفرد من جهة الشارع بخلاف الإمام، فإنه قام الدليل على ترك التحميد في حقه.
وفي الْمُجْتَبى (^٣): ثم في الرواية التي يجمع بينهما يأتي بالتسميع حال الرفع، وإذا استوى قائمًا قال: ربنا لك الحمد، هكذا رواه زين المشايخ في أذكار الصلاة عن أبي هريرة أنه ﵇ كان يفعل كذلك (^٤).
فإن قيل: روي أنه ﵇ كان يكبر عند كل خفض ورفع، فلم يترك التكبير عند رفع الرأس من الركوع.
قلنا: عد في المحيط قبيل مسائل الأذان التكبير عند رفع الرأس منه من جملة السنن (^٥).
_________________
(١) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٩٩)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٣٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٣٨، رقم ٢٦٧٢) من حديث أنس ﵁، وحسنه الشيخ الألباني في الصحيحة (٤/ ٢٢٠)، وبنحوه أخرجه مسلم (٢/ ١٥٠٦، رقم ١٨٩٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٠).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٠).
[ ١ / ٦٦٤ ]
وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ قَائِمًا فَلَيْسَ بِفَرْضِ، وَكَذَا الجِلْسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالطَّمَانِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وفي شرح الآثار: أن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر وعليا وأبا هريرة ﵃ كانوا يكبرون عند كل خفض ورفع، ثم ادعى الإجماع على أن الخروج من الركوع والسجود فيه تكبير، فكذا الدخول، ثم قال: قال الطحاوي فيه: فكانت هذه الأوقات المروية في التكبير في كل خفض ورفع قد تواتر العمل بها من بعد النبي ﵇ إلى يومنا هذا، لا ينكره منكر ولا يدفعه دافع (^١).
قال أستاذنا: وإن كان العمل بتركه في زماننا منصوصًا أيضًا، فقد ذكر في خزانة الفقه والنظم: أن تكبيرات فرائض يوم وليلة أربع وتسعون، ولم يكن كذلك إلا إذا لم يكن عند الرفع تكبير.
والجواب الثاني: أن يكون المراد بالتكبير؛ الذكر الذي فيه تعظيم الله تعالى، سواء كان فيه لفظ التكبير أو لا؛ جمعًا بين الروايات والأخبار والآثار (^٢).
قوله: (وأما الاستواء قائمًا فليس بفرض) وبه قال بعض أصحاب مالك.
وقال بعض أصحابه: واجب (^٣)، كما قال أبو يوسف، والشافعي (^٤)، وأحمد (^٥).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: فإن لم يأت بالطمأنينة يجزيه ويكون مسيئا، وهذا قولهما خلافا لأبي يوسف، ولم يذكر هذا الخلاف في ظاهر الرواية، وإنما ذكر المعلى في نوادره وفي شرح الطحاوي: القومة ليست بفرض في ظاهر الرواية، خلافا لأبي يوسف (^٦).
_________________
(١) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٢٢).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٠).
(٣) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٧)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٢٢١).
(٤) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ١٢٩)، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري (١/ ١٥٧).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥١)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٦٥).
(٦) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٩)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٠٧).
[ ١ / ٦٦٥ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يُفْتَرَضُ ذَلِكَ كُلُّهُ (*) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ اللَّهُ لِقَوْلِهِ ﵀: «قُمْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» قَالَهُ لِأَعْرَابِيِّ حِينَ أَخَفَّ الصَّلَاةَ.
وقال أبو الليث: لم يذكر الاختلاف، ولكن تلقيناه من [فقه] (^١) الفقيه أبي جعفر، وكذلك لم يذكر في الأسرار (^٢).
ثم اختلف في الطمأنينة؛ قال الكرخي: إنه واجب على قولهما، وقال أبو عبد الله الجرجاني: سُنَّة.
وجه قوله: بأن الطمأنينة مشروعة لإكمال ركن مقصود بنفسه، فيكون واجبًا قياسًا على القراءة، بخلاف الانتقال؛ لأنه ليس بمقصود، وإنما المقصود غيره؛ وهو إمكان أداء ركن آخر. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٣).
ولأبي يوسف: ما رُوي أنه ﵇ قال: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاة من لَم يُقِمْ صُلْبَهُ في الركوع والسجود» (^٤)، وما رُوي أنه ﵇ قال للمسيء صلاته: «أتم الركوع حتى تعتدل قائمًا» (^٥)، وما رُوي أنه ﵇ رأى رجلًا تاركًا للتعديل، فلما فرغ قال له: «إن أسوأ الناسِ سَرِقَةً؛ من يسرِقُ مِنْ صَلاتِهِ» (^٦)، وفسره بترك التعديل، والصلاة لا تتجزأ صحة، فإذا سرق بعضها ذهب كلها.
وما روي في رواية أنه قال له: «قُمْ فَصَلِّ فإنكَ لَم تُصَلِّ» (^٧) أمره بالإعادة، ورأى حذيفة بن اليماني رجلا يصلي ولا يتم الركوع والسجود، فقال له: منذ كم تصلي هكذا؟ فقال: منذ كذا، فقال: إنك لم تصل منذ كذا، ومثل هذا
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثالثة.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٣١).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٠٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٣٥).
(٥) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٥٥، رقم ١٣١٥) من حديث أبي مسعود ﵁، وقال: هذا إسناد ثابت صحيح.
(٦) أخرجه البخاري (١/ ١٥٨، رقم ٧٩٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) ورد عن جماعة من الصحابة منهم أبو سعيد الخدري أخرجه أحمد (٣/ ٥٦، رقم ١١٥٤٩) وأبو يعلى (٢/ ٤٨١، رقم ١٣١١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٢٠، رقم ٢٧٢٠): فيه علي ابن زيد وهو مختلف في الاحتجاج به وبقية رجاله رجال الصحيح. وحسن الحديث الشيخ شعيب في تحقيقه لمسند أحمد.
(٨) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٦٦٦ ]
وَلَهُمَا: أَنَّ الرُّكُوعَ هُوَ الاِنْحِنَاءُ، وَالسُّجُودَ هُوَ الاِنْخِفَاضُ لُغَةٌ، فَتَتَعَلَّقِ الرُّكْنِيَّةُ بِالأَدْنَى فِيهِمَا، وَكَذَا فِي الانْتِقَالِ إِذْ هُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ.
لا يقال بالرأي، بل يقول سماعًا.
والمعنى: أن هذا ركن من أركان الصلاة، فوجب أن لا يتأدى بأدنى ما ينطلق عليه الاسم، بل بزيادة طمأنينة توجد بعد، قياسًا على القيام والقراءة والقعدة الأخيرة، ولأن الركوع ركن شرع فيه تسبيح؛ فوجب أن يكون رفع الرأس عنه ركنا، قياسًا على السجدة.
ولهما: قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والركوع: هو الانحناء لغة، من قولهم: ركعت النخلة إذا مالت، ولهذا يحنث في يمينه أن لا يركع بمجرد الانحناء، والطمأنينة دوام الانحناء، والأمر بالفعل يوجب أصل الفعل لا الدوام عليه، وكذا السجود، ولا يجوز أن يقال لأحد الدوام ركن بالسنة لا بالكتاب؛ لأن ما روي فيه من أخبار الآحاد، فلا يجوز نسخ الجواز الثابت بالكتاب به.
وما روي أنه ﵇ كان في المسجد مع أصحابه، فدخل رجل وصلى وخفف، فلما خرج أساؤوا القول فيه، فقالوا: أخرها ثم لم يحسن أداءها، فقال ﵇: «ألا أحد يشتري صلاتَهُ مِنهُ؟»، فخرج أبو هريرة واشتراه بدرهم فأبى، فما زال يزيد حتى ضجر الرجل، فقال له: لو أعطيتني ملء الأرض ذهبًا ما بعتكها، فعاد إلى النبي ﵇ فأخبره بذلك، فقال: «أَلَمْ أنهَكُم عن المُصَلِّين؟» (^١)، فقد جعل فعله صلاة معتبرة.
_________________
(١) في معناه ما أخرجه محمد بن نصر المروزي (٢/ ٩١٥، رقم ٩٦١) والطبراني في الكبير (١٨/¬٢٦، رقم ٤٤) من حديث أنس بن مالك قال: لما أصيب عتبان بن مالك في بصره وكان رجل من الأنصار بعث إلى رسول الله ﷺ قال: إني أحب أن تأتيني فتصلي في بيتي أو في بقعة من داري وتدعو لنا بالبركة، فقام رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فدخلوا عليه فتحدثوا بينهم فذكروا مالك بن الدخشم، فقال بعضهم: يا رسول الله ذاك كهف المنافقين ومأواهم وأكثروا فيه حتى أرخص لهم في قتله، ثم قال رسول الله ﷺ: هل يصلي؟ قالوا: نعم يا رسول الله صلاة لا خير فيها، فقال رسول الله ﷺ: «نهيت عن المصلين، نهيت عن المصلين، نهيت عن المصلين» وفي سندهما عامر بن يساف قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩٦، رقم ١٦٤٠): منكر الحديث.
[ ١ / ٦٦٧ ]
وَفِي آخِرِ مَا رُوِيَ تَسْمِيَتُهُ إِيَّاهُ صَلَاةَ، حَيْثُ قَالَ: وَمَا نَقَصْتَ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَقَدْ
وسئل ابن عباس عن صلاة الأعراب الذين ينقرون نقرًا، فقال: ذلك خير من لا شيء، والركنية لا تثبت إلا بالنص لا بخبر الواحد، مع أنه معارض بأحاديث أخر. كذا في المبسوط (^١).
وأما حديث الأعرابي فهو يشهد لنا؛ لأنه ﵇ تركه حتى فرغ من صلاته، ولو كان ما ترك من الطمأنينة ركنا لفسدت صلاته، فكان المضي بعد ذلك عبثًا، فلا يحل للنبي ﵇ أن يتركه، فكان تركه دليلا على جواز صلاته، إلا أنه ترك الأكمل، فأمره بالإعادة زجرًا له عن هذه العبادة (^٢)، بدليل ما قال في آخر الحديث: «وَمَا نَقَصْتَ مِنْ صَلاتِكَ» (^٣)، فقد وصف صلاته بالنقصان، وهو يقتضي وجود أصل الفعل.
وقوله ﵇: «فَصَلِّ فإِنكَ لَم تُصَلِّ» (^٤)؛ إشارة إلى النقصان الفاحش، وكذا قوله ﵇ للمسيء: «أتم الركوع» (^٥)، أمره بالإتمام ليعتاد الكمال، وأما قوله [عليه] (^٦) السلام: «لا يقبلُ الله …» (^٧) إلى آخره؛ لنفي الفضيلة، ولئن ثبث؛ فهو محمول على التهديد لا على التحقير، كما قال ﵇: «لا يقبلُ الله صلاة العبد الآبق ولا صلاة المرأة الناشزة» (^٨)، ولأن عدم القبول لا يدل على نفي الجواز، كما في صلاة المرائي.
وأما اعتباره بالقيام؛ فالركن في القيام عندنا أدنى ما ينطلق عليه
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٨٩).
(٢) هكذا في الأصل، وفي الهامش وضع بجوارها كلمة (العادة)، وكذا هو في أصل النسخة الثانية.
(٣) جزء من حديث (المسيء صلاته) أخرجه أبو داود (١/ ٢٢٦، رقم ٨٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه الترمذي (١/ ٣٩١، رقم ٣٠٢) من حديث رفاعة بن رافع ﵁ ـ، وقال: حديث حسن.
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها النص.
(٧) تقدم تخريجه قريبا.
(٨) أخرجه الترمذي (١/ ٤٤٦، رقم ٣٦٠) من حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعا: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون» وقال: حسن غريب.
[ ١ / ٦٦٨ ]
نَقَصْت مِنْ صَلَاتِكَ، ثُمَّ القَوْمَةُ وَالجِلْسَةُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا، وَكَذَا الطُّمَانِينَةُ فِي تَخْرِيجِ الجُرْجَانِي.
اسم القيام، وإنما التقدير بسبب القراءة؛ ألا ترى أنه متى سقطت القراءة كان نفس القيام يكفيه، كما في الثالثة والرابعة، وفيمن أدرك الإمام في الركوع، وأما القراءة؛ فالركن عندنا فيها أدنى ما ينطلق عليه اسم القراءة وذلك آية، وأما ما دونها وإن كان قرآنا حقيقة فليس بقرآن حكمًا، حتى حل قراءته للجنب والحائض، وأما القعدة؛ فإنما لم يكتف فيها بأدنى ما ينطلق عليه الاسم؛ لأن الخروج يلاقي القعدة ويتصل بها، فالجزء الذي يلاقيه القطع يخرج من أن يكون صلاة، والباقي مما لا ينطلق عليه اسم القعدة، وإذا وجبت الزيادة قدرت بالتقدير الذي ورد به الشرع، بخلاف غيرها من الأركان؛ فإنه لا يتصل بها، فيبقى القدر الذي وجدنا ركنا.
وأما قوله: (ركن تضمن تسبيحًا) إلى آخره؛ فقلنا: رفع الرأس في السجدة ليس بفرض، وإنما الفرض هو الانتقال؛ لأنه لا يمكنه أداء الثانية إلا به، إلا أنه لا يمكنه الانتقال إلا بعد الرفع، فلزمه الرفع ضرورة مكان الانتقال، حتى لو أمكنه الانتقال من غير الرفع؛ بأن سجد على وسادة فأزيلت الوسادة حتى وقعت جبهته على الأرض أجزأه. هكذا قاله القدوري في التجريد (^١).
وأما في الركوع فالانتقال إلى السجود ممكن من غير الرفع، فلا يجعل الرفع ركنا.
وفي الحقائق (^٢): أما قومة الركوع وقعدة السجود سنتان لا واجبتان بالاتفاق.
وعن أصحابنا: أنه يأثم بترك قومة الركوع.
وفي فتاوى الظهيرية (^٣): قال أبو اليسر: من ترك الاعتدال تلزمه الإعادة،
_________________
(١) التجريد للقدوري (٢/ ٥٣٣).
(٢) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٠١).
(٣) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١٠٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٣٢).
[ ١ / ٦٦٩ ]
وَفِي تَخْرِيجِ الكَرْخِيُّ وَاجِبَةٌ، حَتَّى تَجِبُ سَجْدَتَا السَّهْوِ بِتَرْكِهَا سَاهِيًا عِنْدَهُ
ولو أعاد؛ يكون الفرض الثاني لا الأول.
وذكر السَّرَخْسِيُّ لزوم الإعادة، ولم يتعرض أن الفرض أيهما.
وفي الحقائق: الطمأنينة: الاعتدال في الركوع والسجود، واعتدال السجود برفع الرأس منه (^١).
وفي المحيط: الاعتدال في القومة والجلسة سنة قدر التسبيحة (^٢).
قال النخعي: إذا رأيت الرجل يخففهما أرحم على عياله؛ أي: من ضيق المعيشة.
وسئل الزبيري عمن لا يتم الركوع والسجود، أيشتغل بالتطوعات أم بقضاء ما صلى بلا اعتدال؟
على قول أبي يوسف، والشافعي: قال: ما دام الوقت يؤمر بالإعادة، وإذا خرج لا يؤمر، ولكن يثاب بها.
وقال أبو يوسف ومحمد: الاشتغال بقضائها أولى في الحالين.
كذا في تتمة الدهر (^٣).
وفي شرح الطحاوي (^٤): كيفية الانتقال من السجود والقيام منه؛ أن يكون أول ما يقع على الأرض ركبتاه، ثم يداه ثم وجهه، فقال بعضهم: يضع أنفه ثم جبهته، والأولى أن يضع أولًا ما كان أقرب إلى الأرض، وإذا رفع يرفع ما كان أقرب إلى السماء، وبه قال الشافعي (^٥)، وأحمد (^٦)، هذا إذا كان الرجل حافيًا، فلو كان ذا خف لا يمكنه ما قلنا؛ يضع يديه أولًا ويقدم اليمنى على اليسرى.
وقال الأوزاعي: يضع يديه ثم ركبتيه، قال أبو هريرة: قال النبي عليه
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٣٧).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٦٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٣٥).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٣٦).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٣٦).
(٥) انظر: الإقناع للماوردي (ص ٣٩)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٤٤).
(٦) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٣)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٢).
[ ١ / ٦٧٠ ]
(وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ) لِأَنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ ﵁ وَصَفَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَسَجَدَ وَادَّعَمَ عَلَى رَاحَتَيْهِ وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ» قَالَ: (وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ فَعَلَ كَذَلِكَ.
السلام: «إذا سجد أحدكم فلا يبرُك بروكَ الجَملِ، وَلْيَضَعْ يديه قبل ركبتيه». رواه النسائي، وأبو داود (^١).
وقال أصحاب مالك: إن شاء وضع ركبتيه أولًا، وإن شاء يديه، والبداية بوضع اليدين أحسن (^٢).
ولنا: ما روي عن وائل بن حجر أنه قال: «رأيتُ النبي ﵇ يضع ركبتيه قبل يديه، ويرفع يديه قبل ركبتيه» (^٣) - يعني: من السجود.
وعن سعد بن أبي وقاص: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين، وهذا يدل على نسخ ما تقدم ذكره ابن خزيمة في صحيحه (^٤).
قوله: (وادعم)؛ أي: اتكئ واعتمد، وهو افتعال من دعمت الشيء دعما؛ أي: جعلته دعامة، والعُجزَة للمرأة خاصة، وتستعار للرجل، والعجز عام؛ وهو ما بين الوركين، والضمير في عجيزته لوائل، وهو الذي وصف صلاة النبي ﵇ بالفعل.
قوله: (وضع وجهه بين كفيه): وبه قال أحمد (^٥).
في المبسوط: الدليل عليه: أن آخر الركعة معتبر بأولها، فكما يجعل رأسه بين يديه في أول الركعة عند التكبير، فكذا في آخرها (^٦).
وفي بعض النسخ: يديه حذاء أذنيه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٢٢، رقم ٨٤٠) والنسائي (٢/¬٢٠٧، رقم ١٠٩١) وقواه ابن حجر في بلوغ المرام (ص ٩١، رقم ٣٠٨).
(٢) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص ٤٦)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ١٨١).
(٣) أخرجه الترمذي (١/ ٢٥٦، رقم ٢٦٨) وقال: حسن غريب.
(٤) أخرجه ابن خزيمة (١/ ٣١٩، رقم ٦٢٨).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٢)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٧٤).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬٢٢).
[ ١ / ٦٧١ ]
قَالَ: (وَسَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ،
وفي الكافي (^١): لو وضع وجهه بين كفيه؛ يكون واضعًا يديه حذاء أذنيه ضرورة، فما فائدة قوله (ويديه)؟.
قيل: لا يعلم من وضع الوجه بين كفيه حذاء أذنيه، فلهذا صرح لفظ اليد، ولأنه يحتمل أن يكون الساعد على الأرض، فيكون الكف محاذيًا ولا يكون الساعد محاذيًا، فقال: (ويديه)؛ لأجل أن يرتفع الساعد منها حالة السجود، وحتى تكون الكف والساعد محاذيين للأذن، أو ذكر اليد لأجل التأكيد؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقال الشافعي (^٢): يضع يديه حذو منكبيه؛ لحديث حميد أنه ﵇ كان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه. رواه الترمذي وصححه، وأبو داود (^٣).
لنا: ما رواه البراء بن عازب أنه ﵇ يضع وجهه إذا سجد بين كفيه. رواه الترمذي (^٤)، وما رواه وائل أنه ﵇ سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه (^٥)، وروي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير.
قوله: (وسجد على أنفه): قدم الأنف على الجبهة؛ لأن في الأنف المجرد اختلاف.
وذكر شيخ الإسلام: أجمعوا أن المستحب وضع الجبهة والأنف (^٦)؛ لما روي أنه ﵇ فعل هكذا وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصلِّي» (^٧)، ولأن السجود إنما يوجد بوضع الوجه على الأرض، أما الأرض فلابد منه لغة؛ لأنه
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٣٧).
(٢) انظر: اللباب لابن المحاملي (ص ١٠٢)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٤٦).
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ١٩٦، ٧٣٤) والترمذي (١/ ٣٥٨، رقم ٢٧٠) وقال: حسن صحيح.
(٤) أخرجه الترمذي (١/ ٣٥٩، رقم ٢٧١) وقال: حسن غريب.
(٥) أخرجه النسائي (٢/ ١٢٦، رقم ٨٨٩) وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٢/ ٦٨، رقم ٣٥٢).
(٦) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٠٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٣٨).
(٧) أخرجه البخاري (١/ ١٢٨، رقم ٦٣١)، ومسلم (١/ ٤٦٥، رقم ٦٧٤) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.
[ ١ / ٦٧٢ ]
(فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ الاقْتِصَارُ عَلَى الأَنْفِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) (*) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ، لِقَوْلِهِ ﵊: «أُمِرْت أَنْ
يبني على الوضع على الأرض، كقولهم: (سجدت الناقة إذا وضعت جرانها على الأرض).
وأما الوجه ثبت محلا بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، جاء في التفسير: المراد به الوجه، ثم وضع جميع الوجه غير ممكن؛ لأن الأنف والجبهة عظمان ناتئان يمنعان وضع الجميع، وإذا تعذر وضع الكل؛ كان المأمور به وضع البعض، ثم وضعهما أولى؛ لوجهين:
أحدهما: أن الشرع عينهما.
والثاني: إن وضعهما مما يتأتى مع استقبال القبلة، بخلاف وضع الخد؛ لأنه ينحرف عنها، ثم وإن كان يوجد الاستقبال مع وضع الذقن؛ لكن لم يجعل وضعه سجدة شرعًا؛ لأن السجود على الذقن لم يعرف تعظيمًا فيما بينا، والصلاة شرعت بأفعال تعرف تعظيما فيما بينا.
وفي المبسوط: السجدة على الأنف جائز عند أبي حنيفة ويكره، ولو لم يجز عندهما، وهو رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة (^١).
وفي شرح المجمع: وعليه الفتوى (^٢)، وبه قال الشافعي (^٣)، وأحمد في رواية، وفي رواية: قال أحمد: يجب السجود عليهما (^٤).
وقال إسحاق وبعض أصحاب مالك: إن تعمد تركه على الأنف؛ بطلت صلاته.
قال بعض أصحاب مالك: إن اقتصر على وضع الجبهة؛ أعاد في الوقت،
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصالحين.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٤).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ٥٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٣٩).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٣٦)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٢٦).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٢)، والمحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ٦٣).
[ ١ / ٦٧٣ ]
أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»، وَعَدَّ مِنهَا الجَبْهَةَ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ السُّجُودَ يَتَحَقَّقُ
وإن اقتصر على الأنف؛ أعاد أبدًا (^١).
وفي التجنيس: لو وضع جبهته على حجر صغير، إن وضع أكثرها على الأرض يجوز، وإلا فلا، وأبو حنيفة يقول: ينبغي أن يضع من جبهته بمقدار الأنف حتى جاز، وإلا فلا (^٢).
قوله: (على سبعة أعظم): وفي رواية: «عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ» (^٣)؛ أي: أعضاء اليدين والركبتين والقدمين والجبهة والمشهور: والوجه.
وروى مسلم والبخاري في صحيحيهما (^٤) عن ابن عباس قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نسجد على سبعة أعضاء، ولا نَكُفَّ شَعرًا ولا ثوبًا: الجبهة (^٥) واليدين والركبتين والرجلين، وفي رواية (^٦) قال: «الجبهة» وأشار إلى الأنف.
وجه التمسك: أن الجبهة مأمور بالسجود عليها مطلقًا في الروايتين، والأنف مشار إليه خارج الأعضاء السبعة، فكانت السبعة أصلًا فيه، والأنف تبعًا يتعلق به الكمال، ولهذا جاز الاقتصار على الجبهة بالإجماع، والتبع لا يقوم مقام الأصل إلا عند الضرورة.
ووجه التمسك على رواية الوجه: أن المراد بعض الوجه بالإجماع؛ إذ وضع الكل غير ممكن لما بينا، فزاد بعض خاص، وغير الجبهة والأنف لم يرد بالإجماع، ولا هذان جميعًا إجماعًا، فيكون المراد أحدهما؛ لأن عنده أحدهما على الإطلاق، وعندهما على التعيين وهو الجبهة، وهي مراد بالإجماع، حتى يجوز الاقتصار عليها بالإجماع، فلا يكون الأنف مرادًا، أو الجبهة أحق بالإرادة؛ إذ المتعارف التعظيم بوضعها كما بينا، على أن الأكبر أحق بالأصالة،
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٦٧)، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد (١/ ١٤٨).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٤)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١١٧).
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٢٣٥، رقم ٨٩٠) من حديث ابن عباس ﵄. وصحح سنده ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٨٤٦).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ١٦٢، رقم ٨٠٩) ومسلم (١/ ٣٥٤، رقم ٤٩٠).
(٥) في النسخ بها، والتصويب من مصادر التخريج.
(٦) أخرجها البخاري (١/ ١٦٢، رقم ٨١٢) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٦٧٤ ]
بِوَضْعِ بَعْضِ الوَجْهِ، وَهُوَ المَأمُورُ بِهِ إِلَّا أَنَّ الخَدَّ وَالذَّقَنَ خَارِجٌ بِالإِجْمَاعِ،
والأصغر أحق بالتبعية، فكان الأنف تبعًا، والتبع لا يقوم مقام الأصل إلا عند الضرورة.
فإن قيل: كيف يتم الاستدلال بهذا الحديث، مع أنه لو ترك وضع اليدين والركبتين لجازت سجدته بالإجماع، وهذه الأعضاء من تلك السبعة، بل يستقيم الاستدلال به لأبي حنيفة؟.
قلنا: إيراد الحديث لبيان هذه الأعضاء محال السجدة لا غيرها، لا لبيان أن وضع هذه الأعضاء لازم لا محالة، والأنف غير هذه الأعضاء، فيجب أن لا يتأدى به فرض السجود، كما لا يتأدى فرض مسح الرأس بمسح الأذنين.
ولهما أيضًا: قوله ﵇: «مَكِّنْ جَبْهَتَكَ وأنفَكَ على الأرض» (^١)، فإذا وضع الجبهة فقد أتى بالأكبر، فيقع معتدا به. كذا في الإيضاح (^٢).
(وهو المأمور به)؛ أي: بعض الوجه مأمور به بقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، إلا أن الذقن والخد خارج بالإجماع، فيتعين أحدهما مطلقًا، والمشهور في الحديث الوجه والمراد بعضه بالإجماع.
وذكر شيخ الإسلام في خبرهما: وجوب السجدة على الجبهة، لا نفي السجود على الأنف، بل هو مسكوت عنه، وفي المشهور وجوب السجدة عليهما؛ إذ الجبهة والأنف داخلين على السواء، فيجمع بينهما؛ إذ العمل بهما ممكن، ولو اكتفى بها يجوز بالإجماع، فكذا بالأنف.
ولأنه لائح من أن يكون محلا للفرض أو لا، فلا يجوز أن لا يكون محلا؛ لأن الفرض ينتقل إليه عند العجز بالإجماع؛ لأن غير المحل لا يصير محلًّا عند العذر، كالذقن والخد، هذا هو المعنى القاطع للسبب، ويحمل ما ذكر في الإيضاح على الاستحباب.
_________________
(١) جزء من حديث طويل أخرجه ابن حبان (٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦، رقم ١٨٨٧) من حديث ابن عمر ﵄. وأخرجه الترمذي (١/ ٣٥٨، رقم ٢٧٠) من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ من قوله في وصف صلاة النبي ﷺ، وقال: حسن صحيح.
(٢) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٥٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٤٣).
[ ١ / ٦٧٥ ]
وَالمَذْكُورُ فِيمَا رُوِيَ الوَجْهُ فِي المَشْهُورِ، وَوَضْعُ اليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا لِتَحَقُّقِ السُّجُودِ بِدُونِهِمَا، وَأَمَّا وَضْعُ القَدَمَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَ القُدُورِيُّ ﵀ أَنَّهُ فَرِيضَةٌ فِي السُّجُودِ.
وفي الْمُجْتَبى: ولأن الجبهة عظم مثلث، والأنف طرفها الثالث، ووضع جميع أطراف الجبهة ليس بشرط بالإجماع، فإذا اقتصر على بعض الجبهة جاز وإن قل. كذا ذكره الفقيه أبو جعفر، فكذا على الأنف (^١).
ثم السنة في السجود عندنا؛ أن يسجد على الجبهة والأنف، واليدين والركبتين والقدمين.
وقال زفر، والشافعي في قول (^٢)، وأحمد (^٣): يجب وضع اليدين والركبتين والقدمين في السجود؛ لحديث ابن عباس.
وقلنا، ومالك (^٤)، والشافعي في قول: مطلق السجود لا يقتضي وضع اليد والركبة لغة واسمًا، ولهذا تصح صلاة المكتوف بالإجماع، والأمر محمول على الندب.
وفي الْمُجْتَبى (^٥): قال شيخ الإسلام: ذكر الأنف وهو اسم لما صلب؛ دليل على أنه لا يكفيه السجود على الأرنبة، وأن عليه أن يمكن ما صلب منه.
وعن أبي حنيفة ﵁: إذا وضع أرنبة الأنف لا يجوز، وإنما يجوز إذا وضع عظم أنفه، وذكر القدوري والكرخي والجصاص وضع القدمين على الأرض حال السجود فرض، وذكر الجلابي في صلاته سنة، وما ذكر القدوري يقتضي أنه إذا رفع أحد قدميه لا يجوز؛ حيث قال: فرض السجود يتأدى بالقدمين والجبهة والأنف عند أبي حنيفة، وعندهما لا يتأدى بالأنف، وقد رأيت في بعض النسخ أن فيه روايتين.
وفي الخلاصة (^٦): ولو وضع إحدى رجليه يجوز ولم يذكر الكراهة، وذكر
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٢).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٢٦)، والتنبيه للشيرازي (ص ٣١).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٢)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٥٦٨).
(٤) انظر: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد (١/ ١٤٧)، وشرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٢٧٣).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٢).
(٦) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٠٧).
[ ١ / ٦٧٦ ]
قَالَ: (فَإِنْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ جَازَ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ
الكراهة في فتاوى قاضي خان، وعدم الجواز عند ترك وضع الرجلين (^١).
وفي جامع التمرتاشي: لو لم يضع اليدين أو الرجلين جاز (^٢)، وهذا يوافق ما ذكره شيخ الإسلام؛ حيث ذكر ما يدل على أن وضع ما سوى الجبهة والأنف ليس بفرض.
وفي المحيط: لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزيه، وهكذا ذكر أبو الليث، وفتوى مشايخنا على أنه يجوز. هكذا ذكره القدوري (^٣).
قوله: (على كور عمامته) كور العمامة دورها من دار العمارة، وكورها إذا دارها على رأسه. كذا في المغرب (^٤).
وبقولنا: قال مالك (^٥)، وأحمد (^٦)، ولكن يكره.
وقال الشافعي (^٧)، وأحمد في رواية: لا يجوز على كورها، وكذا على طرتها وطرفها، وعلى كمه وذيله.
وفي التجنيس والمختلف: والخلاف فيما إذا وجد حجم الأرض، أما بدونه فلا يجوز إجماعًا، وتفسير وجدان الحجم ما قالوا أنه لو بالغ لا تنسفل رأسه أبلغ من ذلك (^٨).
للشافعي: قوله ﵇: «مكن جبهتك من الأرض حتى تجد حجمها» (^٩) وهذا مانع، وروي عن خباب قال: شكونا إلى النبي ﷺ حرَّ الرمضاء في جباهنا، فلم يشكنا - أي: لم يزل شكوانا -، فلو جاز السجود
_________________
(١) في الأصل (عند ترك وضع ترك الرجلين)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: حاشية الشَّلْبي على تبيين الحقائق (١/ ١٠٧).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٥).
(٤) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٤١٨).
(٥) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٧٠)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٣).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣٧١)، والإنصاف للمرداوي (٢/ ٦٨).
(٧) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ١٦٦)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٠١).
(٨) انظر: حاشية الشَّلْبي على تبيين الحقائق (١/ ١١٧)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ٩٧).
(٩) تقدم تخريجه قريبا بنحوه.
[ ١ / ٦٧٧ ]
يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَتَّقِي بِفُضُولِهِ حَرَّ
على كورهما لأشكالهم، وروي عنه ﵇ أنه قال: «ترب جبينيك يا رباح» (^١) فأمره بتتريب جبينه، وفي رواية: «ألزق جبينك بالأرض» (^٢).
ولنا: ما روى أنس (^٣) وعقبة بن جابر (^٤) أنه ﵇ كان يسجد على كور عمامته، وروى البخاري ومسلم (^٥) عن أنس قال: كنا نصلي مع النبي ﵇، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض يبسط ثوبه فسجد عليه.
وفي رواية: يضع أحدنا طرف ثوبه ويسجد عليه (^٦)، فإذا جاز في فاضل الثوب جاز في العمامة؛ لأن أمرهما واحد.
وعنه ﵇ أنه صلى في بني الأشهل في ثوب واحد (^٧)، وكان يتقي بفضله حر الأرض، ولأنه إذا وجد حجمها فالعمامة حائل كالبساط، فلا تمنع كالبساط، ولأن عليه تمكين القدمين من الأرض للقيام لتمكين الجبهة للسجود، ولا خلاف أن الخف الحائل بين القدم والأرض لا يمنع صحة القيام، فكذلك الكور لا يمنع صحة السجود.
وما رواه الخصم محتمل، وما رويناه محكم، فنحمل المحتمل على المحكم، أو نقول بموجبه وهو وجدان حجم الأرض، حتى إذا امتنع حجمها لا يجوز، وهو المراد بكل ما روى الخصم، بدليل ما لو سجد على البساط يجوز بالإجماع.
وفي المجتبى: سجد على الثلج والحشيش الكثير، أو الطين أو القطن
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١/ ٤٩٢، رقم ٣٨٢) من حديث أم سلمة وضعفه، وصححه الحاكم (١/ ٤٠٤، رقم ١٠٠١) وأقره الذهبي.
(٢) تقدم تخريجه بمعناه قريبا.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٤٨٦، رقم ٥٣٥) ثم قال: قال أبي: منكر.
(٤) وروي من حديث جابر أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٨) وفي سنده عمرو بن شمر الجعفي ضعفه البخاري والنسائي.
(٥) أخرجه البخاري (٢/ ٦٤، رقم ١٢٠٨) ومسلم (١/ ٤٣٣، رقم ٦٢٠).
(٦) أخرجه بلفظ قريب ابن أبي شيبة (١/ ٢٤١، رقم ٢٧٦٩) من حديث أنس.
(٧) أخرجه ابن خزيمة من حديث ثابت بن الصامت ﵁ كما في كنز العمال (٨/¬١٩، رقم ٢١٦٧٦)
[ ١ / ٦٧٨ ]
الْأَرْضِ وَبَرْدَهَا
المحلوج؛ يجوز إن اعتمد حتى استقرت جبهته ووجد حجم الأرض، وإلا فلا (^١).
وفي فتاوى أبي حفص (^٢): لا بأس بأن يصلي على الجمد والبر والشعير والحائط، والكدس والتبن والذرة، ولا يصلي على الأرز؛ لأنه لا يستمسك.
فالحاصل: أنه إن وضع جبهته على ما يستقر وإن كان يتحرك يجوز، ولا يجوز على الثلج المتجافي والحشيش وما أشبهه حتى يلبده فيجد حجمه، ولو سجد على ظهر ميت عليه لبد، إن وجد حجمه جاز، وإلا فلا.
وقيل: إن كان مغسولًا جاز، وإن لم يكن عليه إزار.
وفي النظم: لو شد البساط على الأشجار الأربعة، وصلى عليه لا يجوز، وعلى قطعة جمد تجري في الماء كالسفينة يجوز (^٣).
وقيل: إنما يجوز إذا اتصلت طرفاه بالشطين.
ولو سجد على ظهر المصلي يجوز.
وقيل: إنما يجوز إذا كان سجود الثاني على الأرض، وعلى ظهر غير المصلي لا يجوز لعدم الحاجة.
وذكر البزدوي: لو سجد على ركبتيه أو يديه أو كُمِّه جاز (^٤)، خلافًا للشافعي.
وقال المحسن: الأصح أنه إذا سجد على فخذيه أو ركبتيه بعذر جاز، وإلا فلا، والأصح: أنه إذا وضع يديه على النجاسة، أو طرف ردائه أو كمه وسجد عليه لا يجوز؛ لأن السجود على الأرض على الكم، والكم من جملة الساجد (^٥).
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٣).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٣).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٣).
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٣).
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٤).
[ ١ / ٦٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي فتاوى الظهيرية، ومبسوط الإسبيجابي والأصح: أنه يجوز؛ لأنه ساجد على الكم حقيقة وهو طاهر (^١).
وفي مبسوط بكر (^٢): لو كان موضع السجود أرفع من موضع القدمين بقدر لبنة أو لبنتين منصوبتين يجوز، وإن زاد لم يجز، ولا يكره السجود على جلد ومسح، خلافا لمالك (^٣)، فقال: السجود على ما أنبتته الأرض أفضل؛ فإنه ﵇ كان يطلب الخمرة إذا أراد الصلاة يسجد عليها (^٤).
ولنا: أنه ﵇ سجد على فروة مدبوغة (^٥)، وعلى بساط (^٦) وحصير (^٧)، وهو ﵇ أجل منصبًا من أن يفعل فعل المكروه وترك الأفضل.
وقالت الرافضة: لا تجوز الصلاة إلا على ما أخرجته الأرض من قطن أو كتان أو قصب أو حشيش؛ لقوله ﵇: ﴿جُعِلَت لِيَ الأرض مسجدًا﴾ (^٨)، فخصها بكونها موضع السجود، فلا يجوز على ما يتخذ من الحيوان.
للعامة: ما روينا أنه سجد على فروة مدبوغة (^٩)، وإجماع الصحابة.
والمراد بما رووه: نفي مذهب النصارى واليهود؛ فإن عندهم لا تجوز (^١٠) الصلاة إلا في البيعة والكنيسة، فقال ﵇: «جعلت لي الأرض
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١١٧).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٤).
(٣) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٧٠)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٢٥٤).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٢٤٤، ٢٩٨) من حديث عائشة ﵂.
(٥) أخرجه ابن سعد (١/ ٤٦٧) وأبو داود (١/ ١٧٧، رقم ٦٥٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁، وضعفه الألباني في الثمر المستطاب (١/ ٤٤٢)
(٦) أخرجه البخاري (٨/¬٢٢، رقم ٦٠٨٠) من حديث أنس.
(٧) أخرجه أبو داود (١/ ١٧٧، رقم ٦٥٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁، وضعفه الألباني في الثمر المستطاب (١/ ٤٤٢)
(٨) أخرجه البخاري (١/ ٧٤، رقم ٣٣٥) ومسلم (١/ ٣٧٠، رقم ٥٢١) من حديث جابر ﵁.
(٩) تقدم تخريجه قريبا.
(١٠) ذكر في حاشية الأصل أنه في نسخة: (تصح).
[ ١ / ٦٨٠ ]
(وَيُبْدِي ضَبْعَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَأَبْدِ ضَبْعَيْكَ» وَيُرْوَى: «وَأَبِدَّ» مِنْ
مسجدًا»، وهو المفهوم منه، لا الحصر على جنس الأرض.
قوله: (ويبدي ضبعيه) وفي بعض النسخ: ويُبْدِ ضِبْعَيْهِ.
وفي المغرب (^١): إبداء الضبعين تفريجهما، وأما الإبداء وهو الإظهار فلم أجده في كتب الحديث رواية، ولكن يستقيم من حيث المعنى، والضبع بسكون الباء لا غير العضد. وكذا في الصحاح (^٢)، والديوان.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: ثم اختلف أهل اللغة في قوله (ضبعيه)؛ فقال بعضهم: بجزم الباء، وقال بعضهم: بضم الباء، وهما لغتان (^٣).
التجافي: التباعد البهمة ولد الشاة بعد السخلة، فإنه أول ما تضعه أمه ثم يصير بهمة؛ لأنه ﵇ يختم بالوتر؛ بأن يقول: خمسة أو سبعة، حتى يمل القوم.
في الإيضاح: التثقيل سبب للتنفير، وهو مكروه (^٤)، وكان سفيان الثوري يقول: ينبغي للإمام أن يقول: خمسًا، حتى يتمكن القوم أن يقولوا: ثلاثًا.
وقال بعض أصحاب الشافعي (^٥): يستحب أن يزيد في الركوع؛ لما روى علي ﵁، عن النبي ﵇ «اللَّهُمَّ لكَ رَكَعْتُ، ولكَ خَشِعْتُ، ولك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليكَ توكَّلْتُ» (^٦)، وفي السجود «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خلقه وشقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ فتبارك الله أحسن الخالقين» (^٧)، وهذا محمول عندنا على التهجد. كذا في المبسوط (^٨).
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٣٦).
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٣/ ١٢٤٧).
(٣) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١١٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٤٦).
(٤) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٣٤).
(٥) انظر: الأم للشافعي (٧/ ١٧٤)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٤٣).
(٦) أخرجه مسلم (١/ ٥٣٤، رقم ٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٧) أخرجه مسلم (١/ ٥٣٤، رقم ٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٨) المبسوط للسرخسي (١/¬٢٢).
[ ١ / ٦٨١ ]
الإِبْدَادِ: وَهُوَ المَدُّ، وَالأَوَّلُ مِنْ الإِبْدَاءِ وَهُوَ الإِظْهَارُ (وَيُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) «لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ إِذَا سَجَدَ جَافَى حَتَّى أَنَّ بَهْمَةٌ لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ».
وفي الشامل (^١): كانوا يقولون في الركوع: «اللهم لك ركعت …» إلى آخره، وفي السجود: «اللهم لك سجدت …» إلى آخره، فلما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]؛ قال ﵇: «اِجْعَلُوهَا فِي رُكوعِكُم» (^٢)، ولما نزل قوله تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]؛ قال: «اجْعلوها في سجودِكُم» (^٣)، وهذا لم يفد الوجوب؛ لحديث تعليم الأعرابي؛ فإنه ﵇ علمه ما هو من واجباتها، ولم يذكر التسبيحات.
وفي شرح الطحاوي: قيل: يقوله ثلاثًا.
وقيل: أربعًا؛ ليتمكن القوم من الثلاث (^٤).
وفي صلاة الفضلي: الأدنى ثلاث، والأوسط خمس، والأكبر سبع أو تسع (^٥).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: عن محمد يكره مرة (^٦).
وفي جمل النوازل: يسن البكاء في السجود؛ لأنه تعالى أثنى به بقوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، ويسن النظر إلى أرنبة الأنف فيه (^٧).
ولو سمع الإمام خفق النعلين في الركوع فأطاله:
قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة وابن أبي ليلى عنه فكرهاه.
وقال أبو حنيفة: أخشى عليه أمرًا عظيمًا - يعني الشرك -.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٢٠)، والمجموع للنووي (٣/ ٤١٣).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٧).
(٥) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٩٨)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٢٦٥).
(٦) انظر: فتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٢٩٨).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٤٨).
[ ١ / ٦٨٢ ]
وَقِيلَ: إِذَا كَانَ فِي الصَّفْ لَا يُجَافِي كَيْ لَا يُؤْذِيَ جَارَهُ (وَيُوَجِّهُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ القِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا سَجَدَ المُؤْمِنُ سَجَدَ كُلُّ عُضْوِ مِنهُ، فَلْيُوَجِّهُ مِنْ أَعْضَائِهِ القِبْلَةَ مَا اسْتَطَاعَ» (وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلَاثًا
وعن الثلجي: تفسد صلاته ويكفر.
وعن القمي: تفسد ولا يكفر.
وعن أبي مطيع: لا بأس به.
وعن الشعبي: لا بأس به قدر تسبيحة أو تسبيحتين.
وقيل: يطول التسبيحات ولا يزيد في العدد.
وعن أبي القاسم الصفار: إن كان الجائي فقيرًا جاز، وإلا فلا.
وعن أبي الليث: إن عرفه لا ينتظر.
وقيل: إن طوله للإدراك دون التقرب يكره، وهذا معنى قول أبي حنيفة، وإن طوله تقربا ويدرك به لا بأس به، كتطويل الركعة الأولى من الفجر على الثانية (^١).
وفي الجامع الأصغر (^٢): لا يكره، وهو مأجور؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
وعن أبي الليث (^٣): هو محسن؛ لأنه ﵇ كان يخفف القراءة لبكاء صبي؛ لكيلا تفتتن أمه (^٤).
ثم تسبيحات الركوع والسجود سنة عند أكثر العلماء، وقال أبو مطيع - تلميذ أبي حنيفة - فرض (^٥)، ولم يجزئه أقل من ثلاث؛ لقوله ﵇: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» (^٦) و«اجْعَلوها في سجودِكُم» (^٧)، ولأن الركوع والسجود
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٧).
(٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٨).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٨).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ١٤٣، رقم ٧٠٩) ومسلم (١/ ٣٤٣، رقم ٤٧٠) من حديث أنس ﵁.
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٣٨).
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
(٧) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٦٨٣ ]
وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَإِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» أَيْ أَدْنَى كَمَالِ الجَمْعِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بَعْدَ أَنْ يَخْتِمَ بِالوِتْرِ، لِأَنَّهُ ﵊ «كَانَ يَخْتِمُ بِالوِتْرِ»، وَإِنْ كَانَ إِمَامًا لَا يَزِيدُ عَلَى وَجْهِ يُمِلُّ القَوْمَ، حَتَّى لَا يُؤَدِّيَ إِلَى التَّنْفِير. ثُمَّ تَسْبِيحَاتُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ سُنَّةٌ، لِأَنَّ النَّصَّ تَنَاوَلَهُمَا دُونَ تَسْبِيحَاتِهِمَا، فَلَا يَزِيدُ عَلَى النَّصِّ (وَالمَرْأَةُ تَنْخَفِضُ فِي سُجُودِهَا وَتَلْزِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا.
ركنان كالقيام، فوجب أن يحلهما ذكر.
وقال أحمد (^١)، وداود: يجب مرة؛ إذ الأمر لا يوجب التكرار، وكذا التكبيرات والتسميع والدعاء بين السجدتين، إلا أن عند أحمد إذا ترك ذلك ناسيًا لا تبطل صلاته، وعند داوود بتركه عامدًا أيضًا.
وقلنا: النص يتناولهما دون تسبيحاتهما، فمتى شرطنا التسبيح رفعنا جواز ما ثبت بالنص بخبر الواحد، وذا لا يجوز، ولأنه ذكر يخافت به على كل حال، فيكون سنة كالتأمين، وهذا لأن مبنى الفرائض على الشهرة والإعلان، ومبنى التطوعات على الخفية والكتمان. كذا في المبسوط (^٢).
وفي الإيضاح (^٣)، وتتمة أصحاب الشافعي (^٤): أن النبي ﵇ علم الأعرابي الصلاة وواجباتها، ولم يذكر التسبيحات، فعلم أنه غير واجب.
وفي التتمة: ولا يصح القياس على القيام والقعود؛ لأنهما من أفعال العادة، فأوجب الذكر فيهما؛ لتتميز العادة عن العبادة، أما الركوع والسجود فليسا من أفعال العادة، وكان الذكر فيهما مستحبًا (^٥)، وفيه تأمل.
_________________
(١) انظر: العدة شرح العمدة لبهاء الدين المقدسي (ص ٨٨)، والمحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ٧٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬١٨).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٠)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١١٥).
(٤) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٤٨٥).
(٥) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٤٨٥).
[ ١ / ٦٨٤ ]
قَالَ: (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُكَبِّرُ) لِمَا رَوَيْنَا (فَإِذَا اطْمَأَنَّ جَالِسًا كَبَّرَ وَسَجَدَ) لِقَوْلِهِ
(يُكَبِّرُ لِما روينا)؛ وهو أنه ﵇ يكبر مع كل خفض ورفع، فإذا اطمأن جالسًا كبر وسجد، فالسجود الثاني فرض كالأول بإجماع الأمة، والجلوس هاهنا قدر تسبيحة.
وتكلموا في تكرار السجود دون الركوع، فمذهب الفقهاء أن هذا تعبد لا يطلب فيه المعنى كأعداد الركعات.
وفي المبسوط (^١): قيل: إنما كان السجود مثنى ترغيما للشيطان؛ فإنه أمر بالسجود فلم يفعل، فنحن نسجد مرتين ترغيما له، وإليه أشار النبي ﵇ في سجود السهو؛ فهو ترغيما للشيطان (^٢).
وقيل: في السجدة الأولى إشارة إلى أنه خلق من الأرض، وفي الثانية إشارة إلى أنه يعود إليها، قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥].
وفي مبسوط شيخ الإسلام (^٣): أكثر مشايخنا على أنه توقيف غير معقول المعنى، ومنهم من يذكر لذلك حكمة؛ فقال: حكمته ما روي في بعض الأخبار، أن الله تعالى لما أخذ الميثاق من ذرية آدم ﵇ حيث قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية، أمرهم بالسجود تصديقا لما قالوا، فسجد المسلمون كلهم، وبقي الكافرون، فلما رفعوا رؤوسهم رأوا الكفار لم يسجدوا، فسجدوا ثانيا شكرًا لما وفقهم الله تعالى عليه، فصار المفروض سجدتين.
وفي فتاوى الظهيرية: وليس بينهما ذكر مسنون (^٤).
وعن الحسن بن أبي مطيع أنه يقول: (سبحان الله وبحمده أستغفر الله) (^٥).
وعند الشافعي (^٦): يستحب أن يدعو في جلوسه بين السجدتين؛ لما روى
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬٢١).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٤٠٠، رقم ٥٧١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٤٨).
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١١٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٤٨).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٤٨).
(٦) انظر: الأم للشافعي (٧/ ١٧٤)، والإقناع للماوردي (ص ٤٠).
[ ١ / ٦٨٥ ]
﵊ فِي حَدِيثِ الأَعْرَابِيِّ: «ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَسْتَوِيَ جَالِسًا»، وَلَوْ لَمْ يَسْتَوِ جَالِسًا وكَبَّر وَسَجَدَ أُخْرَى أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَتَكَلَّمُوا فِي مِقْدَارِ الرَّفْعِ.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ إِلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاجِدًا، وَإِنْ كَانَ إِلَى الجُلُوسِ أَقْرَبَ جَازَ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا فَتَتَحَقَّقُ الثَّانِيَةُ.
حذيفة أنه ﵇ يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي» (^١)، ويجلس بقدر سجوده، وروى ابن عباس أنه ﵇ كان يقول بينهما: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وارْحَمْنِي وَاهْدِني واجبرني وعافني وارْزُقني» (^٢).
وفي تتمتهم: ولا يتعين عليه دعاء، ولكن يستحب أن يدعو بما وردت به السنة (^٣).
وقلنا: هذا كله وارد في التهجد لا في الفرائض، والأمر فيه أوسع.
قوله: (والأصح): احتراز عما ذكره بعض المشايخ؛ أنه إذا زايل جبهته عن الأرض ثم أعادها جاز.
وعن الحسن بن زياد ما هو قريب منه؛ فإنه قال: إذا رفع رأسه بقدر ما تجري فيه الريح يجوز، وعما ذكر القدوري أنه مقدر بأدنى ما ينطلق عليه اسم الرفع، وهو رواية أبي يوسف. كذا في المحيط (^٤). وجعل شيخ الإسلام هذا القول هو الأصح.
وقال محمد بن سلمة: مقدار ما يقع عند الناظر أنه رفع رأسه، فإن فعل ذلك جاز، وإلا فلا (^٥)، وهذا قريب إلى ما ذكره في الكتاب.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٣١، رقم ٨٧٤)، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٢/¬٤١، رقم ٣٣٥). من هنا بدأنا اليوم
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢٢٤، رقم ٨٥٠) والترمذي (١/ ٣٧١، رقم ٢٨٤) وقال: غريب. وصححه الحاكم (١/ ٤٠٥، رقم ١٠٠٤).
(٣) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٥٣٠).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٣).
(٥) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٣).
[ ١ / ٦٨٦ ]
قَالَ: (فَإِذَا اطْمَأَنَّ سَاجِدًا كَبَّرَ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ (وَاسْتَوَى قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجْلِسُ جِلْسَةٌ خَفِيفَةٌ ثُمَّ يَنْهَضُ مُعْتَمِدًا عَلَى الْأَرْضِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ فَعَلَ ذَلِكَ.
(وقال الشافعي: يجلس جلسة خفيفة): فالخلاف بيننا وبينه في الموضعين؛ في الجلسة والاعتماد، فقال الشافعي في الأم: أنه يقوم من السجدة (^١)، فقال أصحابه: في المسألة طريقان:
أحدهما: أن فيها قولين، في قول: يقوم ولا يجلس، وبه قال علماؤنا، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣)، وأصح قوليه وظاهر مذهبه: أنه يجلس جلسة خفيفة، وتسمى جلسة الاستراحة.
له: ما روي عن مالك بن الحويرث أنه ﵇ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا (^٤)، ووصف أبو حميد الساعدي صلاة النبي ﵇ في عشرة من أصحابه، وذكر هذه الجلسة (^٥).
قال بعض أصحاب الشافعي: إن كان بالمصلي ضعف من كبر أو مرض جلس للاستراحة، وإلا فلا. وقال بعض أصحابه: لا يجلس لها فيمد التكبير، فيبتدئه مع ابتداء الرفع، وينهيه مع استوائه قائما.
وفي الحلية: وهو الأصح (^٦).
ولنا: ما روي عن وائل أنه ﵇ كان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قائما (^٧).
_________________
(١) الأم للشافعي (١/ ١٣٩).
(٢) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٧)، والتلقين للثعلبي (١/¬٤٦).
(٣) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٤)، والمحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ٦٤).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ١٦٤، رقم ٨٢٣).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٦٥، رقم ٨٢٨).
(٦) حلية العلماء لأبي بكر الشاشي (٢/ ١٢٣).
(٧) قال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٦٧٣): غريب جدا لا أعلم من خرجه من هذا الوجه، وضعفه النووي في الخلاصة (١/ ٤٢٠، رقم ١٣٦٣). وفي معناه ما أخرجه الطبراني في (٢٠/ ٧٤، رقم ١٣٩) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٣٥، رقم ٢٨٠٦): فيه الخصيب بن جحدر؛ كذاب.
[ ١ / ٦٨٧ ]
وَلَنَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «كَانَ يَنْهَضُ فِي
وأما الاعتماد: فعند الشافعي (^١)، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣): ينهض معتمدًا على يديه؛ لما روى مالك بن الحويرث أنه ﵇ اعتمد بيديه على الأرض (^٤)، و[كذا] (^٥) روى ابن عباس (^٦).
ولنا: ما روى وائل بن حجر أنه ﵇ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه (^٧)، وما ذكر في الكتاب من حديث أبي هريرة وعنه ﵇ أنه نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض (^٨)، وعن علي ﵁ أنه قال: أن من السنة إذا نهضت من الركعتين أن لا يعتمد الرجل على الأرض بيديه إلا أن [لا] (^٩) يستطيع (^١٠). كذا في الإيضاح (^١١).
وفي شرح الإرشاد (^١٢): كان عمر وعلي وأصحاب رسول الله ﷺ ينهضون في الصلاة على صدر أقدامهم، وهو قول مالك، وسفيان.
(قعدة استراحة) وإنما قيل: إنها للاستراحة؛ لأنها لا يأتي بها للفصل، فإن
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٣٩)، والتنبيه للشيرازي (ص ٣٢).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٦٨)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٤٦).
(٣) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٤)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٤).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ١٦٤، رقم ٨٢٤)
(٥) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٦) ذكر ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٧٦٨): حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قام في صلاته وضع يده على الأرض كما يصنع العاجن ثم قال: لا يحضرني من خرجه من المحدثين من هذا الوجه بعد البحث عنه. ثم نقل تضعيفه جدا عن ابن الصلاح والنووي. وذكر ابن الأثير في النهاية (٣/ ١٨٨) وفي حديث ابن عمر أنه كان يعجن في الصلاة، فقيل له: ما هذا؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ يعجن في الصلاة؛ أي يعتمد على يديه إذا قام، كما يفعل الذي يعجن العجين.
(٧) أخرجه الترمذي (١/ ٢٥٦، رقم ٢٦٨) وقال: حسن غريب.
(٨) أخرجه أبو داود (١/ ٢٦٠، رقم ٩٩٢) من حديث ابن عمر ﵄، وصححه الحاكم (١/ ٣٥٣، رقم ٨٣٧) على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(٩) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(١٠) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٣٦، رقم ٢٩٢٦) وقال: في سنده أبو شيبة عبد الرحمن ابن إسحاق الواسطى جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما.
(١١) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٢٢)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١١).
(١٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٥).
[ ١ / ٦٨٨ ]
الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ»، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الكِبَرِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ قَعْدَةُ
الفصل بالقعدة إنما شرعت بين السجدتين، أو بين الشفعين، ولا حاجة إلى واحد منهما هاهنا، فتكون الاستراحة وقعدة الاستراحة لم تشرع في الصلاة.
كذا قيل.
ولأنه اعتمد على غيره في صلاته بلا حاجة، فيكون مسيئًا، قياسًا على ما لو اتكأ على حائط أو عصا، بخلاف ما لو اعتمد على ركبتيه؛ لأنا قلنا على غيره. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
وفي المحيط (^٢)، وفتاوى الظهيرية: وذكر الحلواني الخلاف في الأفضل، أما لو فعل كما هو مذهبنا لا بأس به عند الشافعي، ولو فعل كما هو مذهبه لا بأس به عندنا.
(وما رواه الشافعي محمول على حالة الكبر)؛ أي: العذر بسبب الكبر، فقد روي أنه ﵇ قال: «قد بدنت -أي: كبرت- فلا تبادروني بركوع، وبدليل أن عامة الصحابة نقلوا أنه ﵇ ينهض في الصلاة وسجود» (^٣) على صدور قدميه، ولا يعتمد على الأرض (^٤).
وفي شرح الطحاوي (^٥): لا بأس بأن يعتمد بيده عليها، شيخًا كان أو شابًا، وهو قول عامة العلماء، وما روي عن علي ﵁ شيء كان يتعوذ به.
وفي جمل النوازل (^٦): جلسة الاستراحة مكروهة عندنا؛ لأن المروي أن الصحابة كانوا ينهضون على صدور أقدامهم.
(لا يستفتح)؛ أي: لا يقول: (سبحانك اللهم)، وإنما لا يستفتح ولا
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٠٩).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٦).
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ١٦٨، رقم ٦١٩) من حديث معاوية ﵁، وصححه ابن الملقن في البدر ضي المنير (٤/ ٤٨٧).
(٤) أخرجه الترمذي (١/ ٣٧٤، رقم ٢٨٨) وضعفه بخالد بن إياس، وضعفه ابن حجر في الدراية (١/ ١٤٧، رقم ١٧٨).
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٥).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٥٠)، ومنحة الخالق لابن عابدين (١/ ٣٤٠).
[ ١ / ٦٨٩ ]
اسْتِرَاحَةٍ وَالصَّلَاةُ مَا وُضِعَتْ لَهَا. (وَيَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى) لِأَنَّهُ تَكْرَارُ الْأَرْكَانِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَتَعَوَّذُ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُشْرَعَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الأُولَى) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنهُ
يتعوذ؛ لأنهما شرعا لافتتاح الصلاة والقراءة ولم يوجد، وللشافعية خلاف في الاستعاذة في الركعة الثانية وما بعدها (^١).
وقوله: (ولا يرفع يديه): ابتداء كلام يعلم بدلالة الاستثناء.
ثم بقولنا: أخذ مالك في رواية، وهو المشهور من مذهبه، والمعمول به عند أصحابه (^٢)، والثوري. وبقول الشافعي (^٣) أخذ أحمد (^٤)، ومالك في رواية.
وفي المسألة حكاية تصلح دليلا للفريقين؛ وهي أن الأوزاعي لقي أبا حنيفة في المسجد الحرام فقال: ما بال أهل العراق لا يرفعون أيديهم عند الركوع وعند الرفع منه، وقد حدثني الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه ﵇ كان يرفع يديه عندهما (^٥)، فقال أبو حنيفة (^٦) ﵁: حدثني حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود أنه ﵇ كان يرفع يديه عند الافتتاح ولا يعود فقال الأوزاعي: عجبًا من أبي حنيفة؛ أحَدَّثه عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، وهو يحدث عن حماد عن إبراهيم عن علقمة، فرجح حديثه بعلو الإسناد، فقال أبو حنيفة: أما حماد فأفقه من الزهري، وإبراهيم أفقه من سالم، ولولا سبق ابن عمر لقلت علقمة أفقه من ابن عمر، وأما عبد الله فعبد الله، فسكت الأوزاعي، ورجح أبو حنيفة بفقه الراوي لا بعلو الإسناد، وأنه لما تعارضت روايتا فعله؛ فوجب المصير إلى قوله؛ وهو الحديث المشهور المذكور في المتن. كذا في المبسوط (^٧).
_________________
(١) انظر: الإقناع للماوردي (ص ٤٠)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٣١).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٦٥)، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد (١/ ١٤٢).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٢٦)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٤٤).
(٤) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٣)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٦٤).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٤٨، رقم ٧٣٦) ومسلم (١/ ٢٩٢، رقم ٣٩٠).
(٦) كما في شرح مسند أبي حنيفة لملا علي القاري (ص: ٣٦) والحديث يرويه أبو داود رقم (١/¬١٩٩، رقم ٧٤٨) وضعفه، والترمذي رقم (١/¬٣٤٣، رقم ٢٥٧) وقال: حسن غريب.
(٧) المبسوط للسرخسي (١/¬١٤).
[ ١ / ٦٩٠ ]
لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُرْفَعُ الأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: تَكْبِيرَةُ الافْتِتَاحِ، وَتَكْبِيرَةُ القُنُوتِ وَتَكْبِيرَاتُ العِيدَيْنِ، وَذَكَرَ الأَرْبَعَ فِي الحَجِّ» وَالَّذِي يُرْوَى مِنْ الرَّفْعِ مَحْمُولٌ عَلَى الابْتِدَاءِ،
(وذكر الأربع في الحج): عند استلام الحجر، وعند الصفا والمروة، وفي الموقفين، وعند الجمرتين، وعند المقامين، والمتنازع فيه خارج عن السبع.
وفي رواية: (سبع مواطن) أراد بها البقاع؛ لأنه ذكر بغير التاء، وقد جمعت المواطن كلها في قوله: (فقعس صمعج) فالفاء تكبيرة الافتتاح، والقاف القنوت والعين العيدين والسين استلام الحجر الأسود، والصاد والميم الصفا والمروة، جعلهما كشيء واحد نظرًا إلى السعي والعين عرفات، والجيم الجمرتان، والمراد عند الوقوف عند الجمرتين الأولى والوسطى.
ثم اعلم أنه ينبغي أن يجعل باطن كفه إلى القبلة في التكبيرات التي في الصلاة، وفي التي في الحج باطن كفه إلى السماء، إلا عند استلام الحجر؛ فإنه يستقبل بباطن كفه إلى الحجر. كذا ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده (^١).
ولأن المقصود من رفع اليد إعلام الأصم الذي خلفه، وهذا إنما يحتاج إليه في التكبيرات التي يؤتى بها في حالة الاستواء، كتكبيرات الزوائد في العيدين، وتكبير القنوت ولا حاجة إليها فيما يؤتى به حالة الانتقال، فإن الأصم يراه ينحط للركوع، والقياس أن لا يرفع في شيء من التكبيرات في الصلاة؛ لأنه مما ينافي السكينة والوقار، ومبنى الصلاة عليهما، قال ﵇: «اسكنوا فِي الصَّلاةِ» (^٢)، إلا أنا تركناه في تكبير الافتتاح والأعياد والقنوت؛ لاتفاق الأخبار والإجماع، فبقي فيما رواها على القياس؛ لأن ما ثبت بخلاف القياس لا يقاس عليه غيره، إلا إذا كان في معناه من كل وجه، فحينئذ يلحق بالدلالة، وليس ما ذكره في معنى تكبيرة الافتتاح والأعياد؛ لما ذكرنا من المعنى. كذا في المبسوطين (^٣).
_________________
(١) انظر: حاشية الشِّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١١٩).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٢، رقم ٤٣٠) من حديث جابر بن سمرة ﵁.
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬١٤).
[ ١ / ٦٩١ ]
كَذَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
(كذا نقل عن ابن الزبير): رأى عبد الله ابن الزبير رجلا يصلي في المسجد الحرام، ويرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه، فلما فرغ من صلاته قال له: لا تفعل؛ فإن هذا شيء فعله النبي ﵇ ثم تركه (^١).
وعن ابن عباس: أن العشرة المبشرة كانوا لا يرفعون أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة.
وعن مجاهد أنه قال: صليت خلف ابن عمر سنين، فلم يره يرفع يديه إلا للافتتاح، وعمل الراوي بخلاف ما روى يسقط روايته، ولأن راوي أخبارنا البدريون من أصحاب النبي ﷺ، وكانوا عن قريب منه، وابن عمر ووائل بن حجر كانا يقومان ببعد منه ﵇ في الصلاة؛ لأنهما من الشبان، فكان الأخذ برواية من كان أقرب إلى النبي ﵇ أولى. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٢).
ولأن الأخبار والآثار إذا تعارضت وجب المصير إلى ما دونها وهو القياس، مع أن عند الخصم قول الصحابي وفعله لا يكون أقوى منه.
وفي المحيط (^٣)، والمبسوط (^٤): روى جابر أنه ﵇ رأى أقوامًا يرفعون أيديهم عند الركوع وعند الرفع منه فقال ﵇: «فما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمُسِ» (^٥)، وفي نسخة: «أذناب أن كفوا في الصلاة»، وفي رواية: «اسكنوا فيها» (^٦)، وفي رواية: «قاروا». رواه مسلم.
وما قيل: أن هذا الحديث وارد في التشهد ضعيف نقله، مع أن الاعتبار
_________________
(١) نقل الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٩٢) قول ابن الجوزي في التحقيق: وهذان الحديثان لا يرفعان أصلا، وإنما المحفوظ عن ابن عباس. وابن الزبير خلاف ذلك، وأقره الزيلعي وتبعه ابن حجر في الدراية (١/ ١٤٩).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣١١).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٧٦).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬١٤).
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٢، رقم ٤٣٠) من حديث جابر بن سمرة ﵁.
(٦) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٢، رقم ٤٣٠) من حديث جابر بن سمرة ﵁.
[ ١ / ٦٩٢ ]
(وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى
لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما عرف في الأصول، مع أن مسلم أورده في إنكار رفع اليد في الصلاة، والأمر بالسكون فيها، فكيف يحمل على الإيماء باليد والإشارة بها بعد السلام كما ورد في الحديث الثاني، والثوري ومالك أقعد بالحديث وأعلم بالسنة، وقد أنكر رفع اليدين في الصلاة إلا عند التحريمة، وجماعة من أهل الحديث رووا عن البراء بن عازب أن النبي ﵇ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم لا يعود (^١)، وقد رد البخاري على الشافعي فقال: والعجب منه أنه لا يقول برفع اليد عند القيام من السجود، ويعمل ببعض الحديث دون البعض، وفي الحقيقة عمل أكثر الصحابة والتابعين بعدم الرفع، وفي حديثه كلام كثير لأصحاب الحديث.
فإن قيل: قوله ﵇: «لا ترفع الأيدي …» الحديث (^٢)، رواه الطحاوي عن ابن عباس يوجب حصر رفع اليدين في المواضع السبعة، والحال أنه غير منحصر؛ فإنه ذكر في المبسوط (^٣) والمحيط (^٤) في الاستسقاء في قوله: (ويستقبل القبلة بالدعاء)، وعن أبي يوسف: إن شاء رفع يديه بالدعاء وإن شاء أشار بإصبعه؛ لأن رفع اليد في الدعاء سنة.
قلنا: المراد برفع اليد في الحديث؛ رفعها في سنن هي توابع الفرائض والواجبات لا في المستحبات، مع أن ما ذكر فيه رواية عن أبي يوسف ومستحب. كذا قيل.
قوله: (افترش رجله اليسرى): في المبسوط: يجعلها بين إليتيه ويقعد عليها (^٥)، وبه قال الشافعي في القعدة الأولى (^٦)، وعند مالك يتورك في
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٠٠، رقم ٧٤٩) وفي سنده يزيد بن أبي زياد ضعيف وبه ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود (١/ ٢٨٥، رقم ١٢٥).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ٧٧).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٤٠).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/¬٢٤).
(٦) انظر: الحاوي الكبير للماوردي ٢ (١٣٢)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٤٨).
[ ١ / ٦٩٣ ]
فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ اليُمْنَى نَصْبًا، وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ القِبْلَةِ) هَكَذَا وَصَفَتْ عَائِشَةُ قُعُودَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ
القعدتين (^١).
والتورك: أن يخرج رجله من جانب ويفضي بإليتيه على الأرض.
له: حديث أبي حميد الساعدي: أنه ﵇ جلس في صلاته مُتَوَرِّكًا (^٢).
وقال الشافعي في القعدة الثانية مثل قوله، وخص الأول بالافتراش؛ لأنها قعدة يقام عنها، والجلوس هكذا أقرب إلى استعداد القيام، بخلاف الثانية؛ فإنها تطول، فلا يحتاج إلى القيام بعدها، فينبغي أن يكون مستقرا على الأرض.
وقال أحمد: يتورك في كل تشهد ثان (^٣).
عند الشافعي في كل تشهد يعقبه السلام، فيتورك في الصبح والجمعة والعيدين، وعند أحمد لا يتورك فيها.
ولنا: حديث عائشة ووائل بن حجر (^٤) وأنس أنه ﵇ كان يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى رواه مسلم (^٥)، وهذه الرواية أرجح؛ لأنها أشق، قال ﵇: «أفضل الأعمالِ أَحْمَزُها (^٦) (^٧)» وما رواه محمول على حالة العذر حين أسن ﵇.
_________________
(١) انظر: شرح التلقين للمازري (١/ ٥٦٠)، والذخيرة للقرافي (٢/¬٧).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ١٩٤، رقم ٧٣٠) وصححه ابن حبان (٥/ ١٧٨، رقم ١٨٦٥).
(٣) انظر: الهداية للكلوذاني (ص) (٨٦)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٧).
(٤) أخرجه أبو داود (١/¬١٩٣، رقم ٧٢٦) والترمذي (١/¬٣٧٩، رقم ٢٩٢) والنسائي (٢/ ١٢٦، رقم ٨٨٩) وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٥) حديث عائشة ﵂ أخرجه مسلم (١/ ٣٥٧، رقم ٤٩٨).
(٦) أَحْمَزُهَا؛ أَيْ: أَشَقَّهَا عَلَى الْبَدَنِ. انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٢٥).
(٧) قال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص: ١٣٠، رقم ١٣٨): قال المزي: هو من غرائب الأحاديث، ولم يُرو في شيء من الكتب الستة، انتهى، وهو منسوب في النهاية - لابن الأثير - لابن عباس، بلفظ: سئل رسول الله ﷺ فذكره. وقال العجلوني في كشف الخفا (١/ ١٧٥): لا يعرف، وقال ابن القيم في شرح المنازل: لا أصل له.
[ ١ / ٦٩٤ ]
(وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَتَشَهَّدَ) يُرْوَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁، وَلِأَنَّ فِيهِ تَوْجِيهَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ إِلَى القِبْلَةِ (فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً جَلَسَتْ عَلَى أَلْيَتِهَا الْيُسْرَى، وَأَخْرَجَتْ رِجْلَيْهَا مِنْ الجَانِبِ الأَيْمَنِ).
وفي شرح الإرشاد (^١): روي عن أنس أنه ﵇ نهى عن التورك في الصلاة رواه أحمد (^٢).
وفي الْمُجْتَبى (^٣): روي أنه ﵇ قال: «مِنَ السُّنةِ أن يفترش رجلَهُ اليُسرى فيَقعُدَ ويَنصِبَ اليُمْنَى نَصبًا» أخرجه النسائي (^٤) عن ابن عمر، وكذا البخاري (^٥).
وجواب الشافعي: أن ما كان من أفعال الصلاة مكررًا فلا يكون الثاني مخالفًا للأول، كالقيام والركوع والسجود.
(ووضع يديه على فخذيه)؛ لحديث وائل أنه ﵇ يضع يديه على فخذيه (^٦).
وعن محمد - في غير رواية الأصول -: السنة: أن يضع كفه اليمنى على فخذه الأيمن، وكفه اليسرى على فخذه الأيسر (^٧).
وقال الطحاوي: يضع يديه على ركبتيه كما في حالة الركوع (^٨).
وعن محمد: ينبغي أن تكون أطراف الأصابع عند الركبة (^٩).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢١١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٤٠).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٣٣، رقم ١٣٤٦٢) من حديث أنس ﵁، قال الشيخ شعيب: صحيح دون النهي عن التورك ورجال إسناده رجال الصحيح.
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٦).
(٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١/ ٣٧٢، رقم ٧٤٨) والدارقطني (٢/ ١٥٨، رقم ١٣٢١) عن ابن عمر من قوله.
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٦٥، رقم ٨٢٧).
(٦) أخرجه الترمذي (١/ ٣٧٩، رقم ٢٩٢) والنسائي (٣/¬٣٥، رقم ١٢٦٤) قال الترمذي: حسن صحيح.
(٧) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٧).
(٨) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٦٣).
(٩) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٧).
[ ١ / ٦٩٥ ]
لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا.
(لأنه أستر لها)؛ أي: الجلوس على إليتها وهو التورك، فيسن لها؛ لأنه أستر لها، فيكون أقيس في حقها؛ لأن مراعاة فرض الستر أولى من مراعاة سنة القعدة.
وفي المبسوط (^١): رأى النبي ﵇ امرأتين تصليان، فلما فرغتا قال: «إذا قَعَدْتُما فَضُمَّا بعض اللحم على الأرض» (^٢)، وهذا أقرب إلى الستر.
ثم مذهبنا مذهب الحسن، وابن سيرين، والنخعي، والثوري، والحسن بن صالح، وهذه القعدة سنة وليست بواجبة؛ لما روي أنه ﵇ قام إلى الثالثة فسبح فلم يرجع (^٣)، ولو كانت واجبة لما تركها.
وفي الإيضاح: وهذه القعدة ليست بفريضة، حتى لو تركها عامدا لم تفسد صلاته، ولو تركها ساهيا يسجد للسهو، وأنا أطلق اسم الواجب على مثل هذا، فكل ما يتعلق تركه ساهيا بسجود السهو نسميه واجبًا، وأكثر مشايخنا يطلقون عليها اسم السنة، ويقولون ما فعله النبي ﵇ وداوم عليه فهو سنة إذا قام الدليل على انتفاء الفرضية، وهذا الاختلاف من حيث العبارة، ومداومته على ذلك يدلنا على كونه واجبًا أو سنة لازمة، ولا يسعنا تركه (^٤)، وفيه تأمل.
وقال أحمد (^٥)، وداود، وأبو ثور: هذه القعدة والتشهد فيه واجب؛ لمواظبته ﵇.
(وتشهد)؛ أي: يقرأ التحيات، إلى آخره.
في البدرية: سمي هذا الثناء تشهدا؛ إطلاقا لاسم الكل على البعض؛ لأن
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬٢٥).
(٢) أخرجه أبو داود في المراسيل (ص: ١١٧، رقم ٨٧) يزيد بن أبي حبيب مرسلا. قال ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٥٩١، رقم ٣٦٣): ورواه البيهقي من طريقين موصولين لكن في كل منهما متروك.
(٣) أخرجه البخاري (١/ ١٦٦، رقم ٨٣٠) ومسلم (١/ ٣٩٩، رقم ٥٧٠) من حديث عبد الله بن بُحينة ﵁.
(٤) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣١٧).
(٥) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٧)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٢).
[ ١ / ٦٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه ذكر الشهادتين، كما في الأذان؛ فإنه في الحقيقة (حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح)، ومع هذا أطلق اسم الأذان على الكل (^١).
ثم هل يشير بالمسبحة إذا انتهى إلى قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله)، أم لا؟
فقال بعض مشايخنا: لا يشير؛ لأن في الإشارة زيادة لا يحتاج إليها، فيكون تركه أولى؛ لما بينا أن مبنى الصلاة على السكينة والوقار (^٢).
وفي المنية، والواقعات: وعليه الفتوى (^٣).
وفي الذخيرة: وهو ظاهر الرواية (^٤).
وقال بعضهم، والشافعي (^٥): يشير، وقد نص محمد في كتاب المسبحة في حديث أنه ﵇ كان يفعل ذلك (^٦)؛ أي: يشير، ثم قال محمد: أصنع بما صنع رسول الله ﷺ، ونأخذ بفعله، وهو قول أبي حنيفة وقولنا، فقد تبين أنه سنة فعَلَهُ رسول الله ﷺ (^٧).
ثم كيف يشير؟
قال: يقبض خنصره والتي تليها، ويحلق الوسطى بالإبهام، ويقيم السبابة ويشير بها، هكذا روى الفقيه أبو جعفر أنه ﵇ هكذا يشير، وهو أحد وجوه قول الشافعي في الإشارة.
وقال أهل المدينة: يعقد ثلاثة وخمسين، ويشير بالسبابة (^٨)، وهو أيضًا.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٦٣).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١٤)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣١٢).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧١).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧١).
(٥) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٠٨)، والتنبيه للشيرازي (ص ٣٢).
(٦) أخرجه مسلم (١/ ٤٠٨، رقم ٥٧٩) من حديث عبد الله بن الزبير ﵁.
(٧) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١٤)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣١٢).
(٨) انظر: التاج والإكليل للمواق (٢/ ٢٤٨)، ومواهب الجليل للحطاب (١/ ٥٤٢).
[ ١ / ٦٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحد وجوه قول الشافعي (^١).
قال أبو جعفر: ما ذهب إليه علماؤنا أولى؛ لأنه يوافق الحديث، ولا يشبه استعمال الأصابع للحساب الذي لا يليق بحال الصلاة، فكان أولى. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٢).
وفي تتمة أصحاب الشافعي (^٣): لنا في كيفية قبض الأصابع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقبض الأصابع كلها إلا المسبحة ويشير بها، فعلى هذا في كيفية القبض وجهان؛ أحدهما: يقبض كأنه يعقد ثلاثة وخمسين، وهو رواية ابن عمر عن النبي ﵇ (^٤). والثاني: يقبض كأنه يعقد ثلاثا وعشرين، وهو رواية ابن الزبير عن النبي ﵇ (^٥).
والقول الثاني: أن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل الإبهام والمسبحة، وهذه رواية أبي حميد الساعدي عن النبي ﵇ (^٦).
والقول الثالث: أن يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الوسطى والإبهام، ويرسل المسبحة، وهذه رواية وائل بن حجر عن النبي ﵇ (^٧)، وهذه الأخبار تدل على أن فعله ﵇ كان يختلف فكيف ما فعل أجزأه، ولو ترك لا شيء عليه.
وفي الْمُجْتَبى: لما كثرت الأقوال والأخبار والآثار، واتفقت الروايات عن أصحابنا جميعا في كون الإشارة سنة، وكذا عن الكوفيين والمدنيين؛ كان العمل أولى بها من تركها (^٨).
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٢٣١)، والمجموع للنووي (٣/ ٤٥٢).
(٢) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٢١).
(٣) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٥٤٩).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٤٠٨، رقم ٥٨٠).
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٤٠٨، رقم ٥٧٩).
(٦) قال ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٦٢٧، رقم ٣٩٦): لا أصل له في حديث أبي حميد.
(٧) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٣٢، رقم ٢٨٩٩) قال النووي في المجموع: إسناده صحيح.
(٨) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥١).
[ ١ / ٦٩٨ ]
(وَالتَّشَهُدُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ … إلى
ويكره بالسبابة من اليدين؛ لقوله ﵇: «أحد أحد» (^١)، ولا يستحب تحريك الأصابع؛ لما روى الزبير أنه علي السلام كان يشير بالسبابة ولا يحركها (^٢).
وعن الحلواني: يقيم إصبعه عند قوله (لا إله) ويضعها عند قوله (إلا الله)؛ ليكون النصب كالنفي، والوضع كالإثبات (^٣).
قوله: (والتشهد التحيات) إلى آخره: اختلفت الروايات عن النبي ﵇ في التشهد والمشهور منها ثلاث:
أحدها: ما روى ابن عباس (^٤).
والثاني: ما روى ابن مسعود، وروايته مذكورة في الصحيحين (^٥).
الثالث: ما روي عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول على المنبر، ويعلم الناس التشهد فقال: قولوا التحيات الله الزاكيات الله الطيبات الصلوات الله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (^٦)، فأيها قال في الصلاة صحت صلاته؛ لأن كلها متفقة. كذا في تتمتهم (^٧).
وفي الحلية (^٨): قال الشافعي (^٩)، وأحمد (^١٠)، وسفيان، وأبو ثور: أفضل
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٨٠، رقم ١٤٩٩) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. والترمذي (٥/ ٤٤٩، رقم ٣٥٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال: حسن غريب.
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢٦٠، رقم ٩٨٩) من حديث عبد الله بن الزبير ﵁ وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود (١/ ٣٦٨، رقم ١٧٥)
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥١).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٩٠، رقم ٥٣).
(٧) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٥٥٧).
(٨) حلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٢٦).
(٩) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٤٠)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٤٩).
(١٠) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٦)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٨٣).
[ ١ / ٦٩٩ ]
آخره) وَهَذَا تَشَهُدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَإِنَّهُ قَالَ: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ
التشهد: تشهد ابن عباس.
وقال مالك (^١)، والشافعي في القديم: أحب التشهد: تشهد عمر ابن الخطاب ﵁؛ لأن عمر كان يعلمه على المنبر، فلم ينكره أحد، فَحَلَّ مَحلَّ الإجماع.
وعندنا: أفضل التشهد: تشهد ابن مسعود.
قال الشافعي: الأخذ بما روى ابن عباس أولى من وجوه:
أحدها: أن فيها زيادة كلمة (^٢).
والثاني: أنها توافق القرآن على ما قال ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَة﴾ [النور: ٦١].
والثالث: أنه ذكر السلام بغير الألف واللام، وأكثر تسليمات القرآن كذلك، قال تعالى: ﴿سَلَامُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥]، وأشرف الكلام ما وافق القرآن.
والرابع: أنه متأخر عن خبر ابن مسعود؛ لأن ابن عباس كان صغير السن، فكان ينقل ما تأخر من الشرع، ورجحت روايته على رواية عمر؛ لأنه أسند إلى النبي، وعمر لم يسند، فكان المسند أولى. كذا في تتمتهم (^٣).
إلا أن الشافعي ﵁ قال في آخره: (أشهد أن محمدا رسوله) بدون عبده.
وقال أصحابنا: الأخذ بتشهد ابن مسعود أولى؛ بوجوه عشرة:
أولها: التعليم بأخذ اليد؛ فإن أبا حنيفة قال: أخذ حماد بيدي، وقال حماد: أخذ إبراهيم بيدي، وقال إبراهيم: أخذ علقمة بيدي، وقال علقمة: أخذ ابن مسعود بيدي، وقال ابن مسعود: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، وعلمني التشهد كما يعلمني سورة من القرآن (^٤).
_________________
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٢٦)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٤).
(٢) وهي كلمة (المباركات). انظر: تتمة الإبانة للمتولي (ص ٥٦٥).
(٣) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٥٦٥).
(٤) تقدم تخريج حديث ابن مسعود قريبا.
[ ١ / ٧٠٠ ]
وَعلَّمَنِي التَّشَهُّدَ كَمَا كَانَ يُعَلِّمُنِي سُورَةً مِنْ القُرْآنِ وَقَالَ: «قُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» … إلى
والثاني: الأمر بقوله ﵇: «قُلْ: التحيّاتُ لِلَّهِ».
والثالث: أنه علق تمام الصلاة به، فدل أن التمام لا يوجد بدونه.
والرابع: أن تشهده أحسن إسنادا. كذا قاله أئمة الحديث، ولهذا روايته مذكورة في الصحيحين.
والخامس: أن عامة الصحابة أخذوا بتشهده؛ فإنه روي أن أبا بكر ﵁ علَّم الناس على منبر رسول الله ﷺ تشهد ابن مسعود (^١)، وهكذا روى سلمان الفارسي ﵁، وابن جابر، ومعاوية (^٢).
والسادس: أن فيما قلنا زيادة واو العطف، فيصير كل كلام ثناء على حدة؛ لأن العطف للمغايرة، وبغير الواو يصير الكل ثناء واحدًا، بعضه صفة للبعض؛ ألا ترى أن من قال (والله الرحمن الرحيم) يكون الكل قسمًا واحدًا، ولو قال (والله والرحمن) يكون قسمان.
والسابع: الألف واللام فإنه أبلغ؛ لأنه يستغرق الجنس.
والثامن: تقديم اسم الله تعالى؛ فإنه إذا قدم علم الممدوح في ابتداء الكلام ومتى أخر كان محتملا، وإزالة الاحتمال بأول الكلام أولى.
والتاسع: أن قوله (التحيات) عام يشتمل كل قربة للصلاة وغيرها، فإذا قال: (الصلوات) بغير الواو صار تخصيصًا وبيانًا له أن المراد به الصلوات لا غير، ومتى ذكر مع الواو يبقى الأول عاما، فيكون أبلغ في الثناء.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٠، رقم ٢٩٩٠).
(٢) ورد ذلك عند الحاكم عن (١/ ٣٩٨، رقم ٩٨٠) عن عمر، وعن جابر (١/ ٣٩٩، رقم ٩٨٣) وصححهما على شرط مسلم وأقره الذهبي. وأثر معاوية أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٣٧٩، رقم ٨٩١) قال ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٦٤٠): إسناده حسن. وأثر سلمان أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٢٦٤، رقم ٦١٧١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٤٣، رقم ٢٨٦٥): فيه بشر بن عبيد الله الدارسي، كذبه الأزدي وقال ابن عدي: منكر الحديث.
[ ١ / ٧٠١ ]
آخره، وَالأَخْذُ بِهَذَا أَوْلَى مِنَ الأَخْذِ بِتَشَهُدِ …
والعاشر: أن ما قلناه أوفق للقياس؛ لأنه ذكر ممتد مشروع في أحد طرفي الصلاة، فيكون بالواو كالاستفتاح؛ اعتبارًا لأحد الذكرين بالآخر.
وأما قوله (فيه زيادة كلمات): قلنا: لترجح تشهد جابر، وبه قال الثوري، وهو أن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم، التحيات المباركات الزاكيات)، ولأن في خبرنا زيادة الواوات، وزيادة الألف واللام، وزيادة كلمة في الشهادة؛ وهي قوله عبده.
وأما قوله (يوافق القرآن): قلنا: موافقة القرآن لا تجعله أولى؛ لأن قراءة القرآن تكره في القعدة، فكيف يستحب ما يوافقه؟ هذا جواب عن قوله: (وأكثر تسليمات القرآن)، مع أنه تعالى ذكر السلام بالألف واللام أيضًا في مواضع، قال تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى﴾ [مريم: ٣٣] [١/ ١٠٨]، وكذا السلام المحلل مشروع بالألف واللام.
وفي شرح المجمع: وأما تعريف (السلام)، ففي مذهب الشافعي فيه خلاف أيضًا، إلا أن المشهور هو التنكير (^١).
ونقل صاحب الروضة: أن الأفضل هاهنا الألف واللام؛ لكثرته، وزيادته، وموافقة سلام التحلل، وقال في مذهبه وجه: أن الأفضل أن يقول: (التحيات المباركات الزاكيات والصلوات والطيبات) بواوين (^٢)، ولكن معتمد مذهبه ما هو المذكور في الكتاب.
وصاحب المنظومة حكى وجها آخر؛ وهو أن العطف فيه بواو واحدة (التحيات المباركات والصلوات الطيبات)، وهذا الوجه لم أعثر عليه في كتبه المشهورة في مذهبه.
وأما قوله: (فخبرنا متأخر) فغلط؛ لأنه روى أبو وائل الأسدي عن ابن مسعود أنه قال: كنا إذا صلينا خلف النبي ﵇ قلنا: السلام على الله،
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (٢/ ٢٣٣)، والمجموع للنووي (٣/ ٤٥٩).
(٢) روضة الطالبين للنووي (١/ ٢٦٤).
[ ١ / ٧٠٢ ]
ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَهُوَ قَوْلُهُ: «التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا … إلى آخره»،
فقضى النبي ﵇ صلاته ذات يوم فقال: «لا تَقُولُوا السَّلامُ عَلَى اللهِ؛ لأنَّ اللهَ هُوَ السّلامُ، ولَكِنْ قولوا: التحياتُ لِلَّهِ …» إلى آخره (^١).
ولأن الكرخي روى في حديث ابن مسعود أنه قال: كنا نقول في أول الإسلام: التحيات الطاهرات المباركات الزاكيات لله، السلام على جبريل والملائكة (^٢) فدل أن خبره متأخر عن خبر ابن عباس.
وقوله: (ابن عباس يروي) آخر السنن لصغر سنه فغلط؛ لأن أحدًا لم يرجح رواية أصاغر الصحابة على أكابرهم، ولأن ابن مسعود إن تقدمت هجرته دامت صحبته، إلى أن قبض رسول الله ﷺ، فكان ما قاله علماؤنا أولى.
وقد حكي أن أبا حنيفة كان جالسًا بين أصحابه، فجاء أعرابي فسلم، فقال: يرحمكم الله، أفي الصلاة واو أو واوان؟ فقال: واوان، فقال: بارك الله عليك كما بارك في لا ولا، فلم يعرف أحد سؤاله ولا جواب أبي حنيفة، فسألوه عن ذلك، فقال: سألني في التشهد واو أو واوان، فقلت: واوان، فدعا لي بالبركة كما بارك في الشجرة الزيتونة لا شرقية ولا غربية. كذا في شيخ الإسلام (^٣).
وفي المبسوط: إنما أخذنا بتشهد ابن مسعود؛ لحسن ضبطه ونقله، وترجح تشهده على تشهد عمر ﵁؛ لأنه منقول عن أبي بكر وعمر أنهما كانا يعلمان على المنبر تشهد ابن مسعود (^٤).
وعن خصيف قال: رأيت النبي ﵇ في المنام، فقلت: كثر الاختلاف في التشهد فما تأمرني أن آخذ؟ قال: بتشهد ابن مسعود.
ومن الناس من اختار تشهد أبي موسى الأشعري؛ وهو «التحيات الله الطيبات
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٦٧، رقم ٨٣٥)
(٢) أخرجه النسائي (٣/¬٤٠، رقم ١٢٧٧) وأخرجه البخاري (٨/ ٧٢، رقم ٦٣٢٨) مختصرا.
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٢٨)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١٢).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬٢٨).
[ ١ / ٧٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصلوات لله» (^١) والباقي كتشهد ابن مسعود، وتشهد علي ﵁ «التحيات الله والصلوات الطيبات العاديات الزاكيات» (^٢).
ويكره أن يزيد في التشهد شيئًا، أو يبتدي عليه قبله بشيء، ومراده: ما نقل شاذًا في أوله: (بسم الله وبالله) وهو رواية جابر (^٣)، (وبسم الله خير الأسماء) وقال آخره: (أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)، وهو رواية ابن الزبير (^٤).
وعن سمرة بن جندب: «التحيات الله الطيبات الصلوات، والسلام والملك لله» (^٥) فإنه لم يشتهر نقل هذه الكلمات، وقال ابن مسعود: كان يأخذ علينا بالواو والألف، وهذا تنصيص على أنه لا تجوز الزيادة عليه، بخلاف التلبية؛ لأنها غير محصورة نصًا، فتجوز الزيادة عليها.
وذكر في المغرب (^٦): معنى التحيات؛ أي: الكلمات التحيات، والأدعية الله تعالى وفي ملكه، لا أن هذه تحية له وتسليم عليه، فإن ذلك منهي عنه؛ لما روي عن بن مسعود أنه قال: كنا صلينا خلف النبي ﵇، قلنا: السلام على الله من عباده، فقال ﵇: «لا تقولوا السلام على الله، ولكن قولوا التحيات لله …» إلى آخره (^٧).
وقال مولانا حافظ الدين، ناقلا عن شمس الأئمة الكردري أنه قال:
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٣٠٣، رقم ٤٠٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٢٠٠، رقم ٢٩١٧) وفي سنده عبد الله بن عطاء صدوق يُخطئ ويُدلِّس كما قال ابن حجر في التقريب (ص: ٣١٤، رقم ٣٤٧٢). قال ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٦٣٩): إسناده ضعيف.
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٣٩٩، رقم ٩٨٣) وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ١٢٨، رقم ٣٢٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٤٢، رقم ٢٨٥٨) رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط، ومداره على ابن لهيعة وفيه كلام.
(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٢٥٦، رقم ٩٧٥) قال الألباني في الإرواء (٢/ ٨٨، رقم ٣٦٩): لا يصح.
(٦) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ١٣٦).
(٧) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٧٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التحيات؛ أي: العبادات القولية الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا﴾ [النساء: ٨٦]، والصلوات؛ أي: العبادات الفعلية؛ لأنها من تحريك الصلوين، فكان بالفعل أولى، والطيبات؛ أي: العبادات المالية الله تعالى، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، وهذا على مثال من يدخل على عظماء الملوك، فإنه يثنيه أولا، ثم يخدم ثم يبذل المال (^١).
وفي البدرية: وإنما قدم عبوديته على رسالته في قوله: (عبده ورسوله)؛ إظهارا بأنا لا نقول مثل ما قالت اليهود: عزير ابن الله، والنصارى: المسيح ابن الله (^٢).
وفي النظم: لابد من أن يقصد بألفاظ التشهد معناها التي وضعت لها من عنده، كأنه يُحَيِّي الله تعالى، ويسلم على النبي ﵇، وعلى نفسه وعلى أولياء الله تعالى (^٣).
وأصل التشهد: ما روى زين الأئمة الفردوسي في ثواب العبادات، عن النبي ﵇ أنه قال: «عُرِجَ بي ليلةَ المعراج إلى السماء، أمرني جبريل أن أُسلّمَ علَى رَبِّي، فقلتُ: كيفَ أُسَلِّم؟ فقالَ: قُلَ التحياتُ لله، والصلوات والطيبات، قال: قلتُ، فقال جبريلُ: السَّلامُ عليكَ أَيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاتُهُ، فقلتُ: السَّلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال جبريل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله» (^٤)، أما معناه: فقد ذكر في إحياء العلوم: أن الزهري حكى عن الليث (التحيات لله)؛ البقاء لله، ويقال: الملك لله.
وعن الفراينوي: البقاء لله، والملك الله ونحوه. وعن الأزهري عن أبي
_________________
(١) انظر: حاشية الشِّلْبِيِّ على تبيين الحقائق (١/ ١٢١)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣١٤).
(٢) انظر: حاشية الشَّلْبِيِّ على تبيين الحقائق (١/ ١٢١).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٨).
(٤) غريب جدا لم أقف عليه في كتب الحديث بعد البحث، ولم يذكره من الحنفية إلا العيني في البناية نقلا عن كتابنا هذا.
[ ١ / ٧٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَليّ: التَّحِيَّةُ؛ للملك. وقال خالد بن زيد: التَّحِيَّاتُ؛ السَّلامات عن الآفات كلها لله تعالى.
وعن القتيبي: إنما قال: (التَّحِيَّاتُ لله)؛ لأن ملوك الأرض كانوا يحيون بتحيات مختلفة، يقال لبعضهم: أبيت اللعن، ولبعضهم: اسلم وأنعم وعش ألف سنة، فقيل لنا: قولوا (التحيات لله) أعز الألفاظ التي تدل على الملك، ويثني بها عنه فهي لله تعالى.
وعن يحيى بن علي: معنى التحية: هو الفعل والقول الذي يحيي به العبد سيده، فيظهر بكلامه وفعله عبودية نفسه والتعظيم لمولاه، وأجناس التحية مختلفة هيآتها، متفاوتة صفاتها، فمنه تحية العجم السجود، ومنهم من يحني قامته، ومنهم من يضع يديه على صدره، ومنهم من يقول بلسانه أنعم صباحًا عشر ألف نيروز وألف مهرجان، فأمر العبد أن يجمع هذا كله فيقول: (التحيات لله).
وعن أبي الهيثم: وبه تقرر رأي زين المشايخ النحوي؛ أن التحية ما يحيي به الرجل أخاه عند الملاقاة كالسلام، وأما الصلوات: فقال في الغريبين: قال أبو بكر الصلوات الترحم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]؛ أي: يرحمون.
وعن الأزهري نحوه؛ فقال: الصلاة من الملائكة دعاء واستغفار، ومن الله تعالى الرحمة.
وعن ابن المبارك في قوله ﴿أُوْلَائِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٥٧]؛ أي: رحمات، وقوله في التشهد: (الصلوات الطيبات المباركات)؛ أي: الثناء الحسن والحمد، أو التسبيح لله تعالى.
وعن ابن الأعرابي: الصلاة من الله رحمة، ومن المخلوق من الملائكة والجن والإنس؛ القيام والركوع، والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوام؛ التسبيح.
وأما الطيبات: فقد قال في الغريبين: الطيبات من الكلام مصروفات
[ ١ / ٧٠٦ ]
لِأَنَّ فِيهِ الأَمْرَ، وَأَقَلُّهُ الاِسْتِحْبَابُ، وَالأَلِفَ وَاللَّامَ وَهُمَا لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَزِيَادَةَ الوَاوِ وَهِيَ لِتَجْدِيدِ الكَلَامِ كَمَا فِي القَسَمِ وَتَأْكِيدِ التَّعْلِيمِ (وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا فِي القَعْدَةِ الأُولَى) «لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ
إلى الله تعالى، وعن الليث: أحسنه وأفضله. هذا كله من الْمُجْتَبى (^١).
وقوله: (لأن فيه الأمر) متصل بقوله: (والأخذ بهذا أولى) (^٢).
قوله: (ولا يزيد على هذا) وقال الشافعي في الجديد (^٣): تسن الصلوات على النبي في القعدة الأولى كالتشهد؛ لحديث أم سلمة أنه ﵇ قال: «في كلِّ ركعتين تشهد وسلامٌ على المرسلين» (^٤).
وقال مالك: يدعو فيها كالقعدة الأخيرة (^٥).
وقال في القديم: لا يسن، وهو مذهبنا؛ لما روى أبو هريرة أنه ﵇ كان إذا قعد في القعدة الأولى قام كأنه على الرضف (^٦) وهو الحجارة المحماة، فكأنه وصف سرعة قيامه إلى الثالثة، فكان دليلا على أنه لا يأتي سوى التشهد وصرحت عائشة في روايتها أنه ﵇ لا يزيد على التشهد في القعدة الأولى، ولحديث ابن مسعود كما ذكر في المتن.
ولأنه دعاء فلا يسن في القعدة الأولى قياسًا على قوله: (اللهم اغفر للمؤمنين).
وتأويل حديث أم سلمة: أنه في التطوعات؛ لأن كل شفع صلاة على
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٤٨).
(٢) انظر المتن ص ٧٠٢.
(٣) انظر: التنبيه للشيرازي (ص ٣٣)، والوسيط للغزالي (٢/ ١٤٩).
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير كما في مجمع الزوائد (٢/ ١٣٩، ٢٨٣٤) قال الهيثمي: فيه علي بن زيد واختلف في الاحتجاج به وقد وثق وضعفه الشيخ الألباني في ضعيق الجامع (٤٠١٨).
(٥) انظر: شرح التلقين للمازري (١/ ٥٤٢)، ومواهب الجليل للحطاب (١/ ٥٤٣).
(٦) أخرجه أبو داود (١/ ٢٦١، رقم ٩٩٥) والترمذي (١/ ٤٧٥، رقم ٣٦٦) والنسائي (٢/ ٢٤٣، رقم ١١٧٦) من حديث ابن مسعود ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. قال ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٦٣٣، رقم ٤٠٦): منقطع. ولم أقف عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٧٠٧ ]
عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهدَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَآخِرِهَا، فَإِذَا كَانَ وَسَطُ الصَّلَاةِ نَهَضَ إِذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُدِ، وَإِذَا كَانَ آخِرُ الصَّلَاةِ دَعَا لِنَفْسِهِ بِمَا شَاءَ».
(وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَحْدَهَا) لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الأَخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَهَذَا بَيَانُ الْأَفْضَلِ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ
حدة، أو مراده سلام التشهد. كذا في المبسوطين (^١).
وقوله: (علمني) إلى قوله: (بما شاء) لفظ الحديث.
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة: أن القراءة في الأخريين واجبة، حتى لو تركها ساهيًا يلزمه سجود السهو. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وجامع المحبوبي (^٢).
وفي المحيط: لو ترك القراءة أو التسبيح من الأخريين؛ لم يكن عليه حرج ولا سجود سهو إن كان ساهيًا، لكن القراءة أفضل، وهو الصحيح من الروايات. كذا ذكره القدوري في شرحه (^٣).
فإن قيل: ظاهر قوله ﵇: «لا صَلاةَ إلا بفاتحة الكتاب» (^٤) يقتضي أن تكون الفاتحة واجبة في الأخريين، كما روى الحسن عن أبي حنيفة.
قلنا: خص عن النص الركوع والسجود، فكذا الأخريان، مع أن القراءة التقديرية موجودة في جميع الصلاة، على ما قال ﵇: «القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين» (^٥). كذا في الخبازية (^٦).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٢٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣١٥).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣١٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٢).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٧).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ١٥١، رقم ٧٥٦) ومسلم (١/ ٢٩٥، رقم ٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
(٥) لم أقف عليه مرفوعا في كتب الحديث قال ابن أبي العز الحنفي في التنبيه على مشكلات الهداية (٢/ ٦٧٩): هو من كلام بعض العلماء، لا من كلام رسول الله ﷺ. وفي حاشية الطحطحاوي (ص: ٢٤٨): من كلام علي ﵁.
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٣).
[ ١ / ٧٠٨ ]
القِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِيكَ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،.
وفي المحيط (^١): عن الحسن عن أبي حنيفة: أنه سبح في الأخريين ثلاث تسبيحات، وقراءة الفاتحة أفضل، ولو لم يقرأ ولم يسبح كان مسيئًا إن كان متعمدًا، ولو كان ساهيًا فعليه السهو؛ لأن القيام في الأخريين مقصود، فيكره إخلاؤه عن الذكر والقراءة جميعًا، كما في الركوع والسجود.
وعن أبي يوسف: يسبح فيهما ولا يسكت، إلا أنه إذا أراد قراءتها فليقرأها على جهة الثناء، لا على وجه القراءة، وبه أخذ بعض المتأخرين.
وفي الْمُجْتَبى (^٢): قال علماؤنا: ينوي بالفاتحة الذكر والثناء، لا القراءة.
وقال أبو جعفر: ينوي الدعاء، وسأل رجل عائشة ﵂ عن الفاتحة في الأخريين فقالت: إقرأ ولكن على وجه الثناء.
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن هذا مذهبه.
ويتخير المصلي بين قراءتها والتسبيح والسكوت، ولا يلزمه السهو، وهو أصح الروايتين عنه، وعند الشافعي: القراءة واجبة في كل الركعات (^٣)، وهو المشهور عن أحمد (^٤)، ومالك (^٥)؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة (^٦).
وقال مالك: تجب القراءة في معظم الركعات في الثلاثية في الركعتين، وفي الرباعية في ثلاثة ركعات (^٧)، وهو رواية عن أحمد، على ما يجيء في فضل القراءة.
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٧).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥٢).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٠٩)، والمهذب للشيرازي (١٣٨١).
(٤) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٦)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٥٠).
(٥) انظر: الرسالة للقيرواني (ص ٣٣) والتلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٤٢).
(٦) بهذا اللفظ أخرجه أبو داود (١/¬٢١٦، رقم ٨١٨) قال ابن حجر: إسناده صحيح. التلخيص الحبير (١/ ٥٦٧).
(٧) انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٤٢)، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد (١/ ١٣٤).
[ ١ / ٧٠٩ ]
(وَجَلَسَ فِي الأَخِيرَةِ كَمَا جَلَسَ فِي الأُولَى) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ وَعَائِشَةَ لَهُ، وَلِأَنَّهَا أَشَقُّ عَلَى البَدَنِ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ التَّوَرُّكِ الَّذِي يَمِيلُ إِلَيْهِ مَالِكُ لَهُ وَالَّذِي يَرْوِيهِ «أَنَّهُ ﷺ قَعَدَ مُتَوَرِّكًا» ضَعَّفَهُ الطَّحَاوِيُّ لَهُ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى حَالَةِ الكِبَرِ (وَتَشَهَّدَ) وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَنَا لَهُ (وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) وَهُوَ لَيْسَ بِفَرِيضَةٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لَهُ فِيهِمَا لِقَوْلِهِ ﷺ إِذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ، إِنْ شِئْت
قوله: (وجلس في الأخيرة) وإنما قال الأخيرة دون الثانية؛ ليشمل قعدة الفجر، وقعدة المسافر؛ لأنها أخيرة وليست بثانية.
(كما جلس في الأولى) خلافا للشافعي ومالك كما بينا.
(ضعفه الطحاوي) فقال: هذا حديث عبد الحميد بن جعفر، وهو ضعيف عند نقله الحديث.
(وهو)؛ أي: التشهد.
(خلافا للشافعي فيهما)؛ أي: في التشهد والصلاة على النبي ﵇؛ فإنهما فرضان عنده (^١)، وبه قال أحمد، إلا أن أحمد قال في رواية: الصلاة على النبي ﵇ ليست بفرض (^٢) كما هو مذهبنا، ومالك (^٣).
للشافعي في التشهد: حديث ابن مسعود أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد السلام على جبريل وميكائيل، فقال ﵇: «قولوا التحيات …» (^٤) إلى أن قال إلى آخره: «إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك» (^٥)، فقد أطلق اسم الفرض على التشهد ولأنه قال: (قل)، والأمر للوجوب، ولأنه علق التمام به، فدل أنه لا يتم إلا به.
ولنا: ما روى ابن مسعود أنه قال: إذا قلت هذا أو فعلت هذا علق التمام
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٤٠)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٥٠).
(٢) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٧)، والمحرر لمجد الدين بن تيمية (١/ ٦٨).
(٣) انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٤٣)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٤).
(٤) أخرجه النسائي (٣/ ٤٠، رقم ١٢٧٧) وأخرجه البخاري (٨/ ٧٢، رقم ٦٣٢٨) مختصرا.
(٥) تقدم تخريجه قريبا، والحديث بدون هذه الزيادة في الصحيحين.
[ ١ / ٧١٠ ]
أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ، إِمَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَهُ الكَرْخِيُّ، أَوْ كُلَّمَا ذُكِرَ كَمَا
بأحدهما، وأجمعنا أن التمام تعلق بالقعدة، حتى لو تركها لم تجز صلاته، فلا يتعلق بالثاني ليتحقق التخيير، فإن موجبه بين الشيئين.
والمعنى في المسألة: أن هذا ذكر يخافت في عموم الأحوال، فلا يكون فرضا قياسًا على تسبيحات الركوع والسجود، والقنوت والتأمين، والتسبيح والتحميد؛ وهذا لأن الفرائض تثبت على سبيل الإعلان والاشتهار، والواجبات والتطوعات على سبيل الخفية والإسرار، بخلاف القراءة؛ فإنه يجهر بها في أكثر الأوقات.
وأما معنى قوله: (قبل أن يفرض)؛ قبل أن يقدر، والفرض في اللغة: التقدير، وكذلك الأمر؛ لأنه على سبيل التعليم والتلقين، فلا يكون فرضًا؛ ألا ترى أن قوله: (قل) لا يفيد الوجوب في بعض الكلمات دون البعض؛ لأن الواجب عندهم بخمس كلمات؛ وهي: «التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» (^١)، وإنما قال الواجب هذا القدر؛ لأن الأخبار قد اختلفت فيما سواها، واتفقت عليها، وقد أجبنا عن قوله: (علق التمام به).
وللشافعي في الصلاة على النبي: ظاهر قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والأمر للوجوب، ولا وجوب خارج الصلاة بالإجماع، فيكون في الصلاة، وكذا السلام بقوله: ﴿وَسَلِّمُوا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وقوله ﵇: «لا صلاة لمن لم يُصَلِّ عليّ في صَلاتِهِ» (^٢).
ولنا: قوله ﵇: «إذا قُلتَ هَذا أو فَعَلْتَ هَذا» علق التمام
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) جزء من حديث أخرجه ابن ماجة (١/ ١٤٠، رقم ٤٠٠) عن سهل بن سعد ﵁ مرفوعا: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي ﷺ، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار» وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٦٠، رقم ١٦٦) بضعف عبد المهيمن بن عباس بن سهل.
[ ١ / ٧١١ ]
اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ فَكُفِينَا مُؤْنَةَ الْأَمْرِ، … … …
بأحدهما، وقوله ﵇: «إن شئت أن تقوم فقم …» الحديث (^١)، والتخيير ينافي الفرضية والوجوب؛ إذ فائدته رفع الجناح مما يختار ويترك، والفرضية والوجوب يقرر المتاح، فتكون الصلاة سنة. كذا في الكافي (^٢).
وقوله: ﴿فَكُفِينَا مُؤْنَةَ الْأَمْرِ﴾: جواب عن قول الشافعي: أن الصلاة على النبي فرض بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]؛ يعني: سلمنا أن الأمر للإيجاب، ولكن لا يقتضي التكرار، فوفينا الموجبة؛ حيث قلنا: إن الصلاة على النبي ﵇ واجبة في العمر مرة خارج الصلاة كما قاله الكرخي، أو كلما ذكر النبي ﵇ خارج الصلاة كما قاله الطحاوي.
فإن قيل: الآية مطلقة، فيحمل عليها في الصلاة وخارج الصلاة.
قلنا: لا يمكن حملها عليها؛ لأن الحالة غير مذكورة، وإنما تثبت اقتضاء، والمقتضى لا عموم له، ولو قال: عندي للمقتضى عموم، فقلنا: قد بينا الدلائل في الأصول على عدم عمومه، وجعل في التحفة قول الطحاوي أصح (^٣)، واختار في المبسوط قول الكرخي (^٤).
فإن قيل: لو كانت الصلاة واجبة عليه ﵇ كلما ذكر ﵇، فكيف وَفَّيْتُم لموجب الأمر المطلق فإنه لا يقتضي التكرار؟.
قلنا: وجوب الصلاة عليه ﵇ كلما ذكر بقوله ﵇: «مَنْ ذُكِرْتُ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فقد جفاني» (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٥٤، رقم ٩٧٠) قال ابن حجر في الدراية (١/ ١٥٧، رقم ١٨٩): اتفق الحفاظ على أن هذه الزيادة مدرجة من كلام ابن مسعود منهم ابن حبان والدارقطني والبيهقي والخطيب. قال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٤/ ١٢١، رقم ٨٩١): شاذ بزيادة إذا قلت، والصواب أنه من قول ابن مسعود موقوفا عليه.
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣١٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٥).
(٣) تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ١٣٨).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬٢٩).
(٥) بنحوه أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢١٦، رقم ٣١٢١) عن محمد بن علي مرسلا: «مِنَ الجَفاء أن أُذكر عندَ الرَّجل فلا يُصلِّي علَيَّ».
[ ١ / ٧١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي شرح المجمع والفَتْوَى عِند عامة العلماء بالاستحباب كلما ذكر النبي ﵇ (^١).
وقال فخر الإسلام في الجامع الكبير: تكرار اسمه واجب لحفظ السنة؛ إذ به قوام الدين والشرائع، وفي إيجاب الصلاة في كل [ذلك] (^٢) حرج، فوجب وضعه، ولأنه لو وجب عند ذكره لا نجد فراغًا عن الصلاة عليه مدة العمر؛ إذ الصلاة عليه لم تخل عن ذكره (^٣).
وقيل في جوابه: يجب التداخل كما في سجدة التلاوة إذا اتحد المجلس، إلا أنه يستحب تكرار الصلاة بخلاف السجود؛ لأن العبد وإن عظمت منزلته فلا يوازي حقه حق الله تعالى في وضع الحرج؛ لحاجته ولغنى الله تعالى، ولذا افترقا في الاستحباب.
وفي الْمُجْتَبى: واختلف في تكرار الواجب في الصلاة عليه ﵇؛ إذا تكرر ذكره في مجلس واحد، والصحيح: أنه يتكرر الوجوب وإن كثر (^٤).
وفي الجامع الأصغر: كرر آية السجدة في مجلس واحد تكفيه سجدة واحدة، وكذا في الصلاة، ولا تسن السجدة لكل مرة، وفي الصلاة تسن لكل مرة (^٥).
ولو تكرر اسم الله في مجلس واحد؛ يكفيه ثناء واحد، وفي مجلسين يجب لكل مجلس، ولو تركه لا يبقى عليه دين لكن الصلاة على النبي لو تركه يبقى عليه دينا؛ لأنه مأمور بالصلاة، وغير مأمور بالثناء.
قلت: كونه مأمورا بالثناء أظهر، لكن الفرق الصحيح أن كل وقت لأداء الثناء؛ لأنه لا يخلو عن تجدد نعم الله تعالى الموجبة للثناء، فلا يكون وقتا
_________________
(١) انظر: حاشية الشُّلَّبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١٠٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٦).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٦).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥٥).
(٥) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥٥).
[ ١ / ٧١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للقضاء، كقضاء الفاتحة في الآخرين، بخلاف الصلاة، ولا يجب على النبي أن يصلي على نفسه، والأصح قول الطحاوي.
فإن قيل: قد قال المصنف في باب الحدث في الصلاة: أن معنى قوله ﵇: «فَقَدْ تمَّتْ صَلاتُكَ» (^١) قاربت التمام، كما قال ﵇: «من وقف بعرفة فقد تم حجه» (^٢)، أي: قارب التمام؛ لبقاء فرض بعده وهو الطواف، فكيف يصح التمسك به على نفي فرضية الصلاة عليه ﵇؟.
قلنا: تمسكه به هاهنا على قولهما، أما على قول أبي حنيفة؛ فالتمسك بحديث الأعرابي، حيث علمه النبي ﵇ ولم يذكر فيها التشهد والصلاة على النبي ﵇، وسكوته ﵇ في موضع الحاجة إلى البيان بيان، فعلم أنها ليست بفريضة ولا واجبة، وكذا يدل حديث كعب بن عجرة عليه، حيث قال: يا رسول الله، عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «قُلْ: اللَّهُم صَلِّ على محمدٍ وعلَى آلِ مُحمّدٍ» (^٣)، فعلم أنه ليس بفرض؛ لأنه لم يعلمهم قبل السؤال، ولو كان فرضًا لبينه قبله.
ويعلم من هذين الحديثين: أن المراد من قوله ﵇: «لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيّ» (^٤) نفي الكمال.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٥٤، رقم ٩٧٠)، وابن حبان (٥/ ٢٩٣، رقم (١٩٦٢)، وأحمد (١/ ٤٢٢) رقم (٤٠٠٦)، والدارقطني (٢/ ١٦٤، رقم (١٣٣٣) بلفظ: قال عبد الله بن مسعود: فإذا فرغت من هذا فقد فرغت من صلاتك فإن شئت فاثبت وإن شئت فانصرف وتقدم تخريجه قريبا.
(٢) أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٦٣، رقم ٢٥١٨) من حديث ابن عمر ﵄ وفي سنده رحمة ابن مصعب قال الدارقطني: ضعيف، ولم يأت به غيره. وبنحوه أخرجه أبو داود (٢/ ١٩٦، رقم ١٩٤٩) والترمذي (٢) ٢٢٩، رقم ٨٨٩)، (٥/ ٦٤، رقم ٢٩٧٥) والنسائي (٥/ ٢٦٤، رقم ٣٠٤٤) وابن ماجه (٢/ ١٠٠٣، رقم ٣٠١٥) من حديث عبد الرحمن بن يعمر قال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٤٦، رقم ٣٣٧٠) ومسلم (١/ ٣٠٥، رقم ٤٠٦).
(٤) جزء من حديث أخرجه ابن ماجة (١) ١٤٠، رقم (٤٠٠) عن سهل بن سعد ﵁ مرفوعا: «لا صلاة لِمَنْ لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يُصَلِّ على النبي ﷺ، ولا صلاة لمن لم يُحِبَّ الأنصار» وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (١) ٦٠، رقم ١٦٦) بضعف عبد المهيمن بن عباس بن سهل.
[ ١ / ٧١٤ ]
وَالفَرْضُ المَرْوِيُّ فِي التَّشَهُدِ هُوَ التَّقْدِيرُ.
(والفرض المروي)؛ أي: الذي روي في حديث ابن مسعود وهو قوله: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد (^١) (هو التقدير) كما قلنا.
ثم التشهد واجب عندنا لحديث ابن مسعود كما ذكرنا.
وفي شرح الإرشاد: التشهد سنة كالصلاة عندنا.
وقال مالك: القعدة الأخيرة والتشهد فيها كلاهما سنة (^٢).
وفي المحيط: ترك بعض التشهد يجوز، كما لو ترك الكل عند أبي يوسف، وهو ظاهر المذهب، وعن محمد لا يجوز؛ لأنه إذا شرع في القراءة افترض عليه الإتمام، فإذا ترك البعض فقد ترك الفرض فيفسد (^٣).
وفي مجمع التفاريق على عكسه، فقال: والاعتبار بالفراغ من التشهد عند أبي يوسف، وعند محمد بما يمكن القراءة فيه لو شرع (^٤).
ولو شرع المقتدي في قراءة التشهد وفرغ عنه قبل إمامه، ثم تكلم وذهب؛ فصلاته جائزة؛ لأنه تم عقدة الإمامة في حقه، حتى لو كرر التحيات قدر ما يمكنه قراءة التشهد جازت صلاته، ولو سلم الإمام أو تكلم قبل أن يتم المقتدي التشهد يتم، وإن لم يتم أجزأه. كذا في الْمُجْتَبى (^٥).
ثم الكلام في كيفية الصلاة على النبي ﵇، فقال عيسى بن أبان في كتاب الحج على أهل المدينة (^٦) -: أن محمدا سئل عن الصلاة عليه ﵇، فقال: «يقول: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد»
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) انظر: المدخل لابن الحاج (١/ ٥٨)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص ٤٧).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٧).
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥٣).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥٣).
(٦) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٧).
[ ١ / ٧١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو موافق لحديث كعب بن عجرة، وكان ابن عباس والزهري يصليان على نحو ما بينا، إلا أنهما كانا يزيدان: وارحم محمدا وآل محمد كما رحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. (^١)
وحكي عن محمد بن عبد الله بن عمر أنه كان يكره قول المصلي: (وارحم محمدًا …) إلى آخره، وكان يقول: هذا نوع ظن بتقصير الأنبياء ﵈، فإن أحدًا لا يستحق الرحمة إلا بإتيان ما يلام عليه، ونحن أمرنا بتعظيمهم، ولهذا لو ذكر النبي ﵇ لا يقال: (رحمة الله عليه) بل يصلي عليه. هذا ذكره شيخ الإسلام (^٢).
وفي مبسوط السَّرَخْسِي: لا بأس به؛ لأن الأثر ورد به من طريق أبي هريرة، ولا عتب على من اتبع الأثر، ولأن أحدا لا يستغني عن رحمة الله تعالى (^٣).
وهكذا قال الرُّسْتُغْفَنِي، وقال معنى قوله: (وارحم محمدا) راجعًا إلى الأمة، وهذا كمن جنى جناية، وللجاني أب شيخ كبير، وأرادوا أن يقيموا العقوبة على الجاني، يقولون للذي يعاقبه (ارحم هذا الشيخ الكبير)، وذلك الرحمة راجع إلى الابن حقيقة. كذا هذا في المحيط (^٤).
وفي الْمُجْتَبى: قال أبو جعفر: وأنا أقول: (وارحم محمدًا) واعتمادي على التوارث في بلاد المسلمين (^٥).
وفي الْمُجْتَبى (^٦)، والقنية: عن عليٍّ ﷺ أن النبي ﵇ عدهن في
_________________
(١) ورد بنحوه مرفوعا من حديث ابن مسعود أخرجه الحاكم (١/ ٤٠٢، رقم ٩٩١) والبيهقي في (٢/ ٣٧٩، رقم ٤١٣٦) وصححه الحاكم (١/ ٤٠١) وضعفه الشيخ الألباني في الضعيفة (١٤/ ١٠٨١، رقم ٦٩٨١) فقال: منكر بزيادة: الترحم.
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣١٨).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣١٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٨١).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٨).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥٤).
(٦) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥٣).
[ ١ / ٧١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يدي وقال: «عَدَّهُنَّ جبريل ﵇ في يدي وقال: هكذا نزلت من عند رَبِّي؛ اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلَى آلِ إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم تحنَّنْ عَلَى محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما تحنّنْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم سلّم على محمد وعلى آلِ محمدٍ، كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (^١).
وعن علي (^٢)، وابن مسعود (^٣)، وابن عباس (^٤)، وجابر ﵃ (^٥) أنهم قالوا الرسول الله ﷺ: عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال ﵇: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمدٍ وعلى آلِ محمد، وارْحَمْ محمدًا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد»، ثم قال الوبري: إن أخذ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في علوم الحديث (ص: ٣٢)، قال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٩٥): في إسناده عمرو بن خالد الواسطي وضاع.
(٢) أخرجه ابن الخطيب في تاريخ بغداد (١٦/ ٤٤٤، رقم ٧٥٦٦) من حديث علي مرفوعا بلفظ قريب لما ذكره الشارح، وفي سنده عبد الملك بن هاون بن عنترة قال البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٤٣٦، رقم ١٤٢٣): منكر الحديث.
(٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٩٣، رقم ٩٠٦) بأطول مما ذكره الشارح قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١١١، رقم ٣٣٢): رجاله ثقات إلا أن المسعودي اختلط بآخر عمره ولم يتميز حديثه الأول من الآخر فاستحق الترك كما قاله ابن حبان.
(٤) أخرجه ابن جرير الطبري بلفظ قريب للفظ الحديث الذي ذكره الشارح ذكره السيوطي في تحفة الأبرار بنكت الأذكار (ص: (٨١) ثم قال: إسناده ضعيف.
(٥) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٥٠٢) رقم ٣٨٧٠) من حديث جابر مرفوعا: «ما من عبد يقف بالموقف عشية عرفة فيقرأ بأم الكتاب مائة مرة ويقول: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد مائة مرة. ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، مائة مرة. إلا قال الله ﷿: يا ملائكتي ما جزاء عبدي هذا سبحني وهللني وأثنى عليَّ وصَلَّى على نبيي، أشهدكم يا ملائكتي أنّي قد غفرت له وشفَعتُه في نفسه ولو سألني عبدي أن أشَفَعَهُ من أهل الموقف لشَفَعْتُهُ».
[ ١ / ٧١٧ ]
قَالَ: (وَدَعَا بِمَا شَاءَ مِمَّا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ القُرْآنِ … … … ..
المصلي برواية كعب بن عُجْرَة فحسن، وإن أخذ بحديث علي فأحسن، وإن أخذ بحديث الصحابة فأحسن وأجود وبه نأخذ؛ لأن رواته أكثر، فالتمسك به أفضل.
وقال ركن الصادي: لو فرغ المقتدي عن التشهد قبل إمامه يسكت (^١).
وقال الغزالي: الصلاة على النبي ركن من الأركان عند الشافعي (^٢).
وقال الجويني (^٣): من فرائض الصلاة، وأقل مقدارها (اللهم صل على محمد)، وزاد الغزالي (وعلى آل محمد).
فإن قيل: كيف قال: (كما صليت على إبراهيم …) إلى آخره، والمشبه دون المشبه به، وهو أكرم على الله تعالى منه؟.
قلنا: ذاك قبل أن يبين الله تعالى منزلته فلما بين أبقى الدعوة، أو تشبيه لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا القدر، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أو هذا سؤال التسوية مع إبراهيم، ويزيد عليه في غيرها، أو التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا عليه، فكان قوله: (اللهم صل على محمد) منقطع عن التشبيه، أو المشبه الصلاة على محمد وآله وعلى إبراهيم وآله، ومعظم الأنبياء آل إبراهيم، فإذا تقابلت الجملة بالجملة؛ تعذر أن يكون آل الرسول ﵇ كآل إبراهيم.
والحميد بمعنى المحمود؛ أي: مستحق لجميع أنواع المحامد، عدل إلى صيغة المبالغة، والمجيد بمعنى الماجد؛ وهم من كمل في الشرف والكرم والصفات المحمودة.
قوله: (ودعا بما [شاء مما] يشبه ألفاظ القرآن): وفي المحيط، والجامع الصغير: ادع في الصلاة بكل شيء من القرآن ونحوه (^٤).
_________________
(١) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٥١١).
(٢) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ٨٦).
(٣) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ١٧٧).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٦٧).
[ ١ / ٧١٨ ]
وَالْأَدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ له قَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
نقل عن الفضلي أنه كان يقول: كل دعاء في القرآن إذا دعا بذلك لا تفسد صلاته، كما إذا قال: (اللهم اغفر لي ولوالدي)، ولو قال: (اللهم اغفر لأخي) أو (اغفر لزيد) تفسد؛ لأنه ليس في [القرآن] (^١) (^٢).
وعن الحلواني: لو قال: (اللهم اغفر لأخي) لا تفسد صلاته، ولو قال: (اللهم ارزقني من بقلها وقتائها وفومها وعدسها وبصلها) لا تفسد؛ لأن عينه في القرآن، ولو قال: (اللهم ارزقني عدسًا وبصلًا) تفسد؛ لأن عين هذا اللفظ ليس فيه. وكذا ذكر شيخ الإسلام أيضًا (^٣).
وفي الْمُجْتَبى (^٤): مما يشبه ألفاظ القرآن من الدعوات: اللهم اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب، وقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] الآية، وقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] الآية، وقوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٩٢] الآية.
قوله: (والأدعية): بالنصب عطفا على ألفاظ القرآن، والجر عطفا على بما المأثورة المروية عن النبي ﵇.
عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ: علمني دعاء يا رسول الله أدعو به في صلاتي، فقال ﵇: «قُلِ اللهم إني ظلمتُ نَفسي ظلمًا كثيرًا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفِرْ لي مغفرةً من عندِكَ وارْحَمني إنك أنت الغفور الرحيم» (^٥)، وكان ابن مسعود يدعو بكلمات منهن اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٨٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٧).
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من النسخة الثالثة.
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٧)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٥٠).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥٥).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٦٦، رقم ٨٣٤) ومسلم (٤/ ٢٠٧٨، رقم ٢٧٠٥).
[ ١ / ٧١٩ ]
وَالسَّلَامُ: «ثُمَّ اخْتَرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَطْيَبَهُ وَأَعْجَبَهُ إِلَيْكَ»، وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِجَابَةِ … … …
كله ما علمت منه وما لم أعلم (^١). كذا في المبسوطين (^٢).
وفي الْمُجْتَبى (^٣): من الأدعية المأثورة: ما روت عائشة عن النبي ﵇ أنه كان يدعو في الصلاة: «اللَّهُمَّ إني أعوذُ بك من عذاب القبر، وأعوذُ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذُ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» (^٤)، وعن ابن عباس أنه ﵇ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلم السورة من القرآن: «اللَّهُمَّ إني أعوذُ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذُ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (^٥)؛ لما روينا من حديث ابن مسعود.
في المبسوط (^٦): لما علم التشهد لابن مسعود قال له: «إذا قلت هذا أو فعلت هذا فاختر من الدعاء (^٧) أعجبه» (^٨).
وقوله: (أطيبه وأعجبه): بتذكر الضمير، صح في النسخ الموثوق بها، وكذا لفظ المبسوطين، وفي بعض نسخ الهداية: (أعجبها وأطيبها) بالتأنيث، على تأويل الكلمة، وليس بصحيح.
قوله: (ويبدأ بالصلاة على النبي ﵇؛ لقول ابن مسعود: ابدأ بالثناء على الله بما هو أهله، ثم بالصلاة على محمد، ثم سل حاجتك بعد
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٠٦، رقم ٣٠٨٢) وتتمته: اللَّهُمَّ إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما استعاذ به عبادك الصالحون، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رُسُلِكَ ولا تُخزِنا يومَ القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٠).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥٦).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ١٦٦، رقم ٨٣٢) ومسلم (١/ ٤١٢، رقم ٥٨٩).
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٤١٣، رقم ٥٩٠).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٠).
(٧) بعدها في الأصول: (ما) والسياق بدونها أحسن.
(٨) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٧٢٠ ]
(وَلَا يَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ) تَحَرُّزًا عَنْ الفَسَادِ، وَلِهَذَا يَأْتِي بِالمَأْثُورِ
ذلك (^١)، ولأنه ﵇ من خواص حضرته تعالى، ومن أتى باب الملك لسؤال شيء فلابد من تحفة لخواص حضرته؛ لينال شرف القبول، والنبي ﵇ من أخص خواصه، فلابد من تحفة صلاة عليه.
قوله: (ولا يدعو بما يشبه كلام الناس): وفسره أصحابنا بما لا يستحيل سؤاله من غير الله تعالى، أعطني كذا، أو زوجني امرأة، وما لا يشبه كلام الناس ما يستحيل سؤاله عنهم، كقوله: (اغفر لي) (^٢). كذا في الإيضاح (^٣).
وقال الفضلي: ما لا يوجد في القرآن يُفسد صلاته، سواء استحال سؤاله من العباد أو لا. كذا في الخبازية (^٤).
(تحرز عن الفساد)؛ أي: فساد الجزء الملاقي لكلام الناس، لا جميع الصلاة بالاتفاق؛ لأنه بعد التشهد، وهذا عندهما ظاهر، وكذا عند أبي حنيفة،؛ لأن كلام الناس صنع منه، فتتم صلاته لوجود الصنع منه، فكان بهذا خارجًا عن الصلاة كلها. كذا وجد بخط العلامة، وأشار إليه في شرح الطحاوي (^٥).
وفي الخبازية: يعني فساد التحريمة (^٦)، حتى لا يجوز الاقتداء به لغيره، ولا يقدر على إصابة لفظ السلام أو فساد أصل الصلاة؛ بأن كان ترك سجدة من
_________________
(١) أخرجه قوام السنة في الترغيب والترهيب (٣/¬٣٤، رقم ٢٠٢١) من حديث ابن مسعود مرفوعا: «اثنتا عشرة ركعة تصليهن من ليل أو نهار، وتشهد بين كل ركعتين فإذا تشهدت في آخر صلاتك فَأَثْنِ على الله ﷿ وصل على النبي ﷺ واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب سبع مرات، وآية الكرسي سبع مرات، وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، ثم قل: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، واسمك الأعظم وحدك وكلماتك التامة، ثم سل حاجتك، ثم ارفع رأسك، ثم سلم يمينًا وشمالًا، ولا تعلموها السفهاء فإنهم يدعون بها فيستجاب» وفي سنده عمر بن هارون البلخي متروك قاله ابن حجر في التقريب (ص: ٤١٧، رقم ٤٩٧٩).
(٢) انظر المتن ص ٢٢٢.
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٩٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٨).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٨)، والنهر الفائق السراج الدين بن نجيم (١/ ٢٢٥).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣١٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٩).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٧٩).
[ ١ / ٧٢١ ]
المَحْفُوظ، وَمَا لَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ العِبَادِ، كَقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ زَوِّجْنِي فُلَانَةَ» يُشْبِهُ كَلَامَهُمْ وَمَا يَسْتَحِيلُ كَقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِمْ،
صلاته، فبعد ما جرى على لسانه من ألفاظ الناس لا يقدر أن يأتي بها، فيفسد أصل الصلاة، وبمذهبنا: قال أحمد (^١)، وبعض أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي (^٢)، ومالك (^٣)، وأبو ثور له أن يدعو بما شاء من أمر الدنيا والآخرة؛ لقوله ﵇: «سلوا الله حوائجكم، حتّى الشِّسْع لنعالكم، والمِلْحَ القُدورِكُم» (^٤) لكن الأفضل أن يكون دعاؤه لأمر الآخرة، والمأثورة أحب من غيره. كذا في شرح الوجيز (^٥).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: احتج الشافعي (^٦) بعموم قوله ﵇ لابن مسعود: «اختر من الدعاء …» (^٧) ولم يفصل، وعنه ﵇ أنه قنت في الفجر فقال: «اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وربيعة …» الحديث (^٨).
ولأن قوله: (اللهم اغفر للمؤمنين) لا يوجب الفساد، وإذا كان الدعاء بالمغفرة لجميع المؤمنين لا يوجب الفساد؛ فلقوم بأعيانهم أولى أن لا يوجب.
ولنا: ما روى حكيم بن معاوية السلمي أنه قال: بينا نحن نصلي إذا عطس رجل، فقال آخر: (يرحمك الله)، إلى أن قال: «إنَّ صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام النّاسِ» (^٩)، فكان ما سوى التسبيح والتهليل من الذكر منهيا.
وأما حديث ابن مسعود؛ فمحمول على الدعاء الذي لا يشبه كلام الناس،
_________________
(١) انظر: الهداية للكلوذاني (ص) (٨٥)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٩٣).
(٢) انظر: المجموع للنووي (٣/ ٤٦٩)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٢٦٥).
(٣) انظر: الفواكه الدواني للنفراوي (١/ ١٨٣).
(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٨١) بنحوه من حديث ثابت البناني مرسلا، ورواه الترمذي (٥/ ٤٨١، رقم ٨/ ٣٦٠٤) من حديث أنس مقتصرا على سؤال الشسع وقال: غريب. وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع (٤٩٤٦).
(٥) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٥١٦).
(٦) انظر: المجموع للنووي (٣/ ٤٧٢).
(٧) تقدم تخريجه قريبا.
(٨) أخرجه البخاري (٢/¬٢٦، رقم ١٠٠٦) ومسلم (١/ ٤٦٦، رقم ٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٩) أخرجه مسلم (١/¬٣٨١، رقم ٥٣٧).
[ ١ / ٧٢٢ ]
وَقَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مِنْ قَبِيلِ الأَوَّلِ هُوَ الصَّحِيحُ لِاسْتِعْمَالِهَا فِيمَا بَيْنَ العِبَادِ»، يُقَالُ: «رَزَقَ الأَمِيرُ الجَيْش»، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ
وأما القنوت في الفجر؛ كان قبل نسخ الكلام في حال إباحته في الصلاة.
وأما قوله: (لو عم لا يوجب الفساد)؛ قلنا: لأنه حينئذ تشبيه لما في القرآن، وأما ما رواه من الحديث لا اختصاص له في الصلاة؛ فإنه مطلق، والغرض تعليم الناس للالتجاء إلى الله تعالى، في جميع حوائجهم الجليلة والحقيرة؛ صونًا لهم عن الاعتماد على العباد، وحثا لهم على التوكل على الله تعالى، وقطع النظر إلى الأسباب.
(اللهم ارزقني من قبيل الأول): اختلف فيه، قيل: لا تفسد؛ لأن الرازق هو الله تعالى، وهو موجود في القرآن. ذكره في المبسوط (^١).
والأصح: أنه يفسد؛ لأنه من قبيل كلام الناس؛ لما ذكر في الكتاب.
(وعن يساره مثل ذلك): وبه قال الشافعي في الجديد (^٢)، وأحمد (^٣).
وقال في القديم: إن كثر الناس واللفظ، والمسجد واسع؛ يسلم تسليمتين، وإن قلوا وسكتوا يسلم تسليمة واحدة، والأول أصح.
وقال مالك (^٤): يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، إمامًا كان أو منفردا، هكذا روت عائشة (^٥) وسهل بن سعد الساعدي (^٦).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٩٨).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٤٥)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٥٢).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٩)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٩٥).
(٤) انظر: الرسالة للقيرواني (ص) (٣٠)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٢٠٠).
(٥) أخرجه الترمذي (١/ ٣٨٤، رقم ٢٩٦) وابن ماجه (١/ ٢٩٧، رقم ٩١٩) قال الترمذي: وحديث عائشة، لا نعرفه مرفوعا، إلا من هذا الوجه. ثم نقل قول البخاري: زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق أشبه. وصوب الدارقطني في العلل (١٤/ ١٧٢) وقفه على عائشة ﵂. وصححه لغيره الشيخ الألباني في التعليقات الحسان (٣/ ٤١٦، رقم ١٩٩٢).
(٦) أخرجه ابن ماجه (١) ٢٩٧، رقم (٩١٨) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١١٣، رقم ٣٣٩): في إسناد عبد المهيمن قال فيه البخاري منكر الحديث. وله شاهد من حديث أنس صححه الشيخ الألباني في أصل صفة صلاة النبي ﷺ (٣/ ١٠٢٩).
[ ١ / ٧٢٣ ]
يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ» (وَيَنْوِي بِالتَّسْلِيمَةِ الأُولَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ … …
ولنا: ما روى ابن مسعود، وأنس (^١)، وابن عباس (^٢)، وكثير من الصحابة، والحديث مذكور في المتن رواه الترمذي (^٣)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو أولى؛ لأن عائشة كانت تقف في صف النساء، وسهل كان من جملة الصبيان، فيحمل على أنهما لم يسمعا التسليمة الثانية، على ما روي أنه ﵇ يسلم الثانية أخفض من الأولى، ولأنه يسلم قياسًا على الجانب الآخر. كذا ذكره شيخ الإسلام (^٤).
مع أن أهل الحديث ضعفوا حديث سهل، فقال يحيى: ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، وقال أبو بكر بن العربي المالكي: يرويه عبد العميري، وهو ضعيف.
قال البغوي في شرح السنة: في إسناده مقال (^٥).
قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من رواية زهير بن محمد من أهل الشام.
قال البخاري: يروي مناكير.
وفي شرح الطحاوي: الأولى للخروج، والثانية للتسوية وترك الجفاء؛ لأن معنى السلام بعد الصلاة؛ أن المصلي إذا تحرم لها غاب عن الناس، ويناجي ربه، وعند التحلل كأنه رجع إليهم، فيسلم. إليه أشار في المبسوط (^٦)، وجامع فخر الإسلام.
(وينوي)؛ لأن السلام قربة من وجه، فلابد فيه من النية.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في معرفة السنن (٣/ ٩٧، رقم ٣٨٥٥) قال ابن حجر في (١/ ١٥٩، رقم ١٩٢): رجاله ثقات.
(٢) واخرجه الحارث ابن أبي أسامة كما في إتحاف الخيرة (٢/ ٢٢٢، رقم ١٣٨٥) من فعل ابن عباس ﵄، وفي سنده محمد بن عمر الواقدي؛ متروك.
(٣) تقدم تخريج حديث ابن مسعود قريبا.
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٣٠)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢٠).
(٥) شرح السنة للبغوي (٣/ ٢٠٧).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٠).
[ ١ / ٧٢٤ ]
مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالحَفَظَةِ وَكَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ) لِأَنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَلَا يَنْوِي النِّسَاءَ فِي زَمَانِنَا، وَلَا مَنْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الخِطَابَ حَظٌّ
وقوله: (من الرجال): لفظ الجامع الصغير، وأما رواية المبسوط: بتقديم الحفظة على الرجال (^١).
وينويهم عند السلام. قال شيخ الإسلام وكذا في خارج الصلاة.
وقال الإمام السَّرَخْسِي: ينويهم؛ لِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُهُمْ بِوَجْهِهِ، وَيُخَاطِبُهُمْ بِلِسَانِهِ، ويَنْوِيهِمْ بِقَلْبِهِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ يَصِيرُ عَزِيمَةٌ بِالنِّيَّةِ (^٢).
ظن بعض مشايخنا أن ما ذكر في المبسوط بناء على قول أبي حنيفة الأول في تفصيل الملائكة على البشر، وما ذكر في الجامع بناء على قوله الآخر في تفضيل البشر عليها، وليس كما ظن؛ لأن الواو لا توجب الترتيب، ومن سلم على جماعة لا يمكنه أن يرتب بالنية، وأكثر مشايخنا يخص هذه النية بمن يشاركه في الصلاة.
(ولا ينوي النساء)؛ لأنهن لا يحضرن الجماعات؛ لفساد الزمان.
(ولا من لا شركة)؛ إذ السلام تحية الحاضرين.
وقال الحاكم الشهيد ينوي جميع الرجال والنساء، من يشاركه ومن لا يشاركه، كما في سلام التشهد. كذا في الجامع الأصغر (^٣)، وبه قال الشافعي (^٤).
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن قول الحاكم: (وفي سلام التشهد ينوي جميع الرجال والنساء)، قال ﵇: «إذا قال العبد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ أصابَ كلّ عبدٍ صالح من أهل السماء والأرض» (^٥).
قال أبو اليسر في جامعه: هذا شيء تركه جميع الناس؛ لأنه قل ما ينوي
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬٣٠).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٣١)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢٠).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٤٦)، والتنبيه للشيرازي (ص ٣٢).
(٥) أخرجه البخاري (٨/ ٥١، رقم ٦٢٣٠) من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ١ / ٧٢٥ ]
الحَاضِرِينَ (وَلَا بُدَّ لِلْمُقْتَدِي مِنْ نِيَّةِ إِمَامِهِ، فَإِنْ كَانَ الإِمَامُ مِنْ الجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوْ
أحد شيئًا (^١).
وفِي الْمُجْتَبى (^٢): قيل: ينوي بالسلام الأول الحضور، وبالثاني جميع عباد الله تعالى الصالحين.
وقيل: ينوي بهما جميع المؤمنين، وقيل: لا ينوي الفسقة، وكفى بالفسقة معرة وشينًا حيث لا نصيب لهم في الدنيا من سلام المصلين.
والأولى أن يقدم الحفظة لفضلهم أو لقربهم، أو لكونهم أحق بالدعاء لعظمتهم عن الكبائر والصغائر، وهذا مذهب المعتزلة.
وفي جامع الكردري: خلق الله تعالى في الآدمي العقل والشهوة، وفي الملائكة العقل دون الشهوة، وفي البهائم الشهوة دونه، فمن سلط منا عقله على شهوته، وعمل بمقتضى عقله وترك العمل بموجب شهوته؛ فهو أفضل من الملائكة، وإن سلط شهوته على عقله، وعمل بمقتضى شهوته لا عقله؛ فهو من البهائم، ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فكان المؤمن المتقي أفضل منها عند أهل السنة (^٣).
(ينوي الإمام) (^٤): تخصيص الإمام بالذكر؛ يؤيد قول من يقول: (ينوي من يشاركه في الصلاة دون غيره). كذا في جامع قاضي خان (^٥).
وفي المبسوط: قال ابن سيرين: المقتدي يسلم ثلاث تسليمات، إحداهن لرد سلام الإمام، وهذا ضعيف؛ فإن مقصود الرد حاصل بهما؛ إذ لا فرق في الجواب بين أن يقول: (عليكم السلام) وبين أن يقول: (السلام عليكم) (^٦).
وفي النوازل: لو قال: (السلام) ودخل رجل في صلاته؛ لا يصير داخلا، فثبت بهذا أن الخروج لا يتوقف على (عليكم)، ولو سلم أولًا عن
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٨٦)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ٣٥٣).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٥٨).
(٣) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٢٦)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ١١١).
(٤) انظر المتن ص ٧٢٧.
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٨٦).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬٣١).
[ ١ / ٧٢٦ ]
الأَيْسَرِ نَوَاهُ فِيهِمْ) وَإِنْ كَانَ بِحِذَائِهِ نَوَاهُ فِي الأُولَى عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَرْجِيحًا لِلْجَانِبِ الأَيْمَنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَوَاهُ فِيهِمَا (*)، لِأَنَّهُ ذُو حَظِّ مِنْ الجَانِبَيْنِ (وَالمُنْفَرِدُ يَنْوِي الحَفَظَةَ لَا غَيْرُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ سِوَاهُمْ (وَالإِمَامُ يَنْوِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ) هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا يَنْوِي فِي المَلَائِكَةِ عَدَدًا مَحْصُورًا، …
يساره؛ يسلم عن يمينه ولا يعيده، ولو سلم تلقاء وجهه يعيده (^١).
(نواه فيهما)؛ أي: في اليمين واليسار.
وقال الشافعي: ينويه في أيهما شاء، ويستحب جانب الأيمن، والمنفرد ينوي الحفظة لا غير؛ لأنهم هم الحاضرون (^٢).
وعلى قول الحاكم: ينوي جميع المسلمين في الدنيا.
وفي شرح الإرشاد: هذه المسألة تتفرع على ذلك الاختلاف.
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما قال بعض المشايخ: أن الإمام ينوي بالتسليمة الأولى. كذا ذكره قاضي خان (^٣).
(ترجيحًا لجانب اليمين): والأصح: الجمع؛ لأن الجمع عند التعارض ممكن، فلا يصار إلى الترجيح.
قال أبو اليسر: يجب أن لا ينوي الإمام؛ لأنه يجهر بالتسليمين، ويشير إليهم، وهو فوق النية، ولا حاجة إليها (^٤).
(عددا محصورًا): قال شيخ الإسلام (^٥): ينوي الحفظة، ولم يذكر كيف ينوي، واختلف فيه:
قيل: ينوي كرام الكاتبين وهما اثنان: واحد عن يمينه، وواحد عن يساره.
_________________
(١) (*) الراجح قول محمد.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٨٣).
(٣) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٥٢)، والمجموع للنووي (٣/ ٤٧٤).
(٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٨٧).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٨٧).
(٦) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١٤)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢١).
[ ١ / ٧٢٧ ]
لِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي عَدَدِهِمْ قَدْ اخْتَلَفَتْ فَأَشْبَهَ الإِيمَانَ بِالْأَنْبِيَاءِ ﵈، ثُمَّ إِصَابَةُ لَفْظِ السَّلَامِ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَتْ بِفَرْضِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ … ..
وقيل: ينوي جميع من معه من الملائكة؛ لأنه اختلفت الأخبار في عددهم، فعن ابن عباس أنه قال: مع كل مؤمن خمس من الحفظة: واحد عن يمينه يكتب الحسنات، وواحد عن يساره يكتب السيئات، وآخر أمامه يلقنه الخيرات، وآخر وراءه يدفع عنه المكاره، وآخر عند ناصيته يكتب ما يصلي على النبي ﵇، ويبلغه الرسول ﷺ (^١).
وفي بعض الأخبار: مع كل مؤمن ستون ملكًا، وفي بعضها: مائة وستون؛ فإنه جاء في الحديث: «وُكِّلَ بالعبد مائة وستون مَلَكًا يَذبُونَ عنه كما يُذَبُّ عن ضعفة النساء في اليوم الصائف الذباب، ولو بَدَوْا لَكُمْ لرأيتُموهم على كلِّ سهل وجبل، كلهم باسِطٌ يدَهُ فاغِرٌ فاهُ، ولو وُكِّلَ العبدُ إِلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عينٍ لاختطفته الشياطين» (^٢).
(بالْأَنْبِيَاءِ ﵈؛ يعني: عددهم ليس بمعلوم قطعًا، فينبغي أن يقال: آمنت بجميع الأنبياء: أولهم آدم ﵇، وآخرهم محمد ﵇.
وقيل: مائة وأربعة وعشرون ألفًا واجبة عندنا.
وفي جامع الكردري: قال بعض أصحابنا: إصابة لفظ السلام سنة.
وقال بعضهم: واجبة، وهو الصحيح (^٣).
وعند الشافعي: فرض، وأقل السلام: (السلام عليكم). كذا في خلاصتهم (^٤).
وفي تتمتهم: السلام ركن من أركان الصلاة (^٥).
_________________
(١) بمعناه ورد مرفوعا من حديث عثمان ذكره الفخر الرازي في تفسيره (١٧/¬١٩)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٦١٥) وعزاه لابن جرير.
(٢) في معناه ما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٦٧، رقم ٧٧٠٤) من حديث أبي أمامة ﵁، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٦٧، رقم ١١٩٠٢): فيه عفير بن معدان؛ ضعيف.
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢١).
(٤) انظر: تتمة الإبانة للمتولي (ص ٥٨٢).
(٥) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٥٧٧).
[ ١ / ٧٢٨ ]
هُوَ يَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ ﵊: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ».
وَلَنَا: مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَالتَّحْيِيرُ يُنَافِي الفَرْضِيَّةَ
وقال أحمد في أصح الروايتين عنه: تجب التسليمتان (^١).
وقال مالك: تجب تسليمة واحدة، والثانية غير فرض عنده (^٢).
وعندنا التسليمة الثانية سنة في قول، والأصح أنها واجبة. كذا في المختلفات.
(هو)؛ أي: الشافعي.
(يتمسك بقوله ﵇؛ روى أبو سعيد الخدري أنه ﵇ قال: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (^٣)، والألف واللام لاستغراق الجنس؛ لأنه لم يسبق هاهنا معهود حتى ينصرف إليه، فجعل أجناس السلام تحليلها، فمن أثبته بغيره فقد خالف النص؛ لأنه لا مدخل للقياس في ذلك كالتحريمة. وإليه أشير في شرح الوجيز (^٤).
(ولنا: ما روينا من حديث ابن مسعود)؛ وهو قوله ﵇: «إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد» (^٥).
(والتخيير ينافي الفرضية)؛ أي: بقاء الفرض والواجب عليه، وقد روي أنه ﵇ صلى الظهر خمسًا، ولم يرو أنه أعادها، ولو كانت إصابة لفظ السلام فرضًا لكان لا تجزيه صلاته، كما إذا قيد الخامسة بسجدة، كما لو كان المتروك سجدة، وحديث تعليم الأعرابي الصلاة كما ذكرنا، ولم يذكر فيه لفظ السلام.
_________________
(١) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٨٥)، والكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٩).
(٢) انظر: الرسالة للقيرواني (ص ٣٠)، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد (١/ ١٣٩).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٥٢٠).
(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٢٥٤، رقم ٩٧٠) قال ابن حجر في الدراية (١/ ١٥٧، رقم ١٨٩): اتفق الحفاظ على أن هذه الزيادة مدرجة من كلام ابن مسعود منهم ابن حبان والدارقطني والبيهقي والخطيب. قال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٤/ ١٢١، رقم ٨٩١): شاذ بزيادة إذا قلت، والصواب أنه من قول ابن مسعود موقوفا عليه.
[ ١ / ٧٢٩ ]
وَالْوُجُوبَ، إِلَّا أَنَّا أَثْبَتْنَا الْوُجُوبَ بِمَا رَوَاهُ احْتِيَاطًا، … … ..
وأما تعلقه بحديث أبي سعيد الخدري لا يصح؛ لأن مداره على عبد الله بن محمد بن عقيل، وعلى أبي سفيان طريف بن شهاب السعدي، وكلاهما ضعيف الرواية عند نقلة الحديث، ولئن سلمنا؛ فمعناه: أن التحليل يقع بالتسليم، وليس فيه أنه لا يقع بغيره؛ لأنه مسكوت عنه، فبالتسليم يقع الخروج بالنص، وبغيره بالقياس عليه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
وقوله: (لا مدخل للقياس فيه)؛ غير مسلم، وما قال في تتمتهم (حديث أبي سعيد يدل على أن السلام متعين للتحليل)؛ غير مسلم؛ لأن التخصيص بالاسم العلم لا يدل على نفي ما عداه، إذ لو لزم لا يسد باب القياس، مع أنه رو ابن عمرو عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا قضى الإمام صلاته ثم أحدث قبل أن يُسلِّم فقد [تمت] (^٢) صلاته وصلاةُ من خَلْفَهُ». ذكره في الإيضاح. رواه أبو داود (^٣).
وفي شرح الإرشاد: روي عن عطاء عن ابن عباس أنه ﵇ قال فيمن أحدث بعد ما فرغ من التشهد: «أنه تمت صلاته». رواه الترمذي (^٤).
ولأن السلام للخروج عن الصلاة، والخروج عن الشيء يقع بما يضاد الركن، وما يضاده لا يكون منه، فكان السلام مخرجًا له عنها من حيث إنه كلام يضاد الركن فاستوى فيه الحدث العمد والكلام، إلا أنه ﵇ خص السلام؛ لأنه أحسن الكلام، وهذا يرد إشكالا على قول أبي حنيفة؛ حيث
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٨٩).
(٢) في النسخ: نقضت والتصويب من مصادر التخريج.
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ١٦٧، رقم ٦١٧) والترمذي (١/ ٥٢٨، رقم ٤٠٨) وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوي، وقد اضطربوا في إسناده.
(٤) لم أقف عليه في سنن الترمذي من حديث ابن عباس وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١١٦) من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا: «من أحدث حدثًا بعدما يفرغ من التشهد فقد تَمَّتْ صلاتُهُ» ثم قال: غريب من حديث عمر بن ذر، تفرد به متصلا أبو مسعود الزجاج، ورواه غير واحد مرسلا. قال محققه غفر الله له: والزجاج اسمه عبد الرحمن بن الحسن قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٢٢٧): يكتب حديثه ولا يحتج به.
[ ١ / ٧٣٠ ]
وَبِمِثْلِهِ لَا تَثْبُتُ الفَرْضِيَّةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
يقول: (الخروج من الصلاة بفعل المصلي فرض)، وقد قال في المتن: (والتخيير ينافيه)، فكيف يتم الاستدلال على مذهبه؟.
قيل في جوابه: قد قال الكرخي: إن الخروج منها بفعل المصلي ليس بفرض عنده؛ إذ لو كان فرضًا لاختص بما هو قربة للخروج من الحج، ولما كان الحدث العمد مخرجًا، ويأتي جوابه في المسائل الاثنى عشرة (^١).
قال شمس الأئمة: والصحيح ما قاله الكرخي (^٢).
وقال صاحب التأسيس: قوله أحسن، وقول أبي سعيد البرذعي وأكثر المشايخ؛ وهو أن الخروج منها بفعل المصلي فرض، ليس بمنصوص عن أبي حنيفة (^٣).
والجواب على قول أبي سعيد: أنه إنما صار فرضًا لأداء صلاة أخرى؛ لأن أداءها لا يمكن إلا بالخروج منها، فكان فرضًا لأجل صلاة أخرى، لا لأجل هذه الصلاة، والتخيير يدل على أنه لم يبق عليه ركنًا أو فرضًا لهذه الصلاة لا لصلاة أخرى.
أو نقول: هذا الاستدلال على مذهبهما لا على مذهب أبي حنيفة، وأبو حنيفة يتمسك في المسألة بحديث الأعرابي كما قلنا، وبحديث ابن عباس وأبي بكر وعمر كما ذكرنا، وبالقياس على التسليم الثاني فإنه أحد التسليمتين، فلا يكون فرضًا كالسلام الثاني، فإنه ليس بفرض بالإجماع.
(وبمثله)؛ أي: بمثل ما روى الشافعي من قوله ﵇: «تحليلها التسليم» (^٤).
(لا تثبت الفرضية)؛ لأنه خبر واحد. كذا في الأسرار (^٥).
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ١٥١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩٠).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩٠).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩٠).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٢٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩٠).
[ ١ / ٧٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم لم يذكر هاهنا أن المقتدي متى يسلم؟
فعن أبي حنيفة روايتان، في رواية: يسلم مع الإمام كالتكبير.
قال أبو جعفر: المقتدي يخرج بسلام الإمام، فشرط أن يسلم معه ليكون خارجا مع سلام نفسه، فيكون مقيما للسنة.
وفي رواية: يسلم بعد سلام الإمام؛ لأن الخروج بالسلام، فيجب أن يتأخر خروجه عن خروج الإمام.
والفرق على هذه الرواية بين التكبير والتسليم: أن في مقارنة التكبير شرعة إلى العبادة، وفي مقارنة التسليم شرعة الخروج منها، فكان مقارنة التكبير أولى. كذا في المحيط (^١).
وقال الشافعي: المقتدي سلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى، فلو سلم مقارنا بسلامه؟
فلو قلنا: أن نية الخروج بالسلامة شرط لا يجزيه، كما لو كبر مع الإمام لا تنعقد له صلاة الجماعة، فعلى هذا تبطل صلاته، ويجعل كما لو تقدم على الإمام بركن.
وإذا قلنا: نية الخروج غير واجبة فيجزيه، كما لو ركع معه.
وفي وجوب نية الخروج عن الصلاة بالسلام وجهان: أحدهما: أنه يجب، والثاني: أنه لا يجب. كذا في تتمتهم (^٢).
وذكر في المبسوط: المقتدي يخرج من الصلاة بسلام الإمام.
وقيل: هو قول محمد، أما عندهما: يخرج بسلام نفسه (^٣).
وعن الحلواني (^٤): يتبين بهذه المسألة جهل بعض الناس، فمن يشتغل
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٣٧١).
(٢) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٥٨٥).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٩٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٢٩١).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٩٣).
[ ١ / ٧٣٢ ]