لما ذكر أصل الأوقات استدعى ذلك ذكر ما هو الكامل فيه وهو الوقت المستحب فقال: (ويستحب الإسفار بالفجر)، يقال: أسفر الصبح إذا أضاء، ومنه أسفر بالصلاة إذا صلاها بالإسفار والباء للتعدية، ثم يبدأ بالإسفار ويختم به في ظاهر الرواية.
وفي شرح الإرشاد: يستحب أن يدخل فيها بالتغليس، ويخرج منها بالإسفار، هكذا وقته محمد، وقال الطحاوي: إذا أراد تطويل القراءة يبدأ بالغلس ويختم به فهذا الذي ذكرنا في الحضر والسفر إلا الفجر بمزدلفة للحاج فإن التغليس بها أفضل، ولا ينبغي أن لا يؤخر تأخيرا يقع الشك في طلوع الشمس؛ لأن في ذلك فساد صلاته، كذا في شرح الطحاوي (^١).
وفي الْمُجْتَبى: حد التنوير ما قاله الحلواني والنسفي أنه شرع بعد انتشار البياض في وقت لو صلاها بقراءة مستوية مع ترتيل، ثم ظهر له سهو يمكنه إعادة الوضوء والصلاة جميعًا على وجه السنة قبل طلوع الشمس (^٢)، وكذا في فتاوى قاضي خان.
وفي القنية: لو ظهر أنه صلى جنبًا أو مُحدِثًا أمكنه أن يتطهر ويصلي بقراءة مستوية.
وقيل: حد التنوير أن يرى بعضهم بعضًا، وفي الكافي: حد الإسفار أن يرى مواقع النبل، وفي الأسرار: قال ﵇ لبلال: «نَوِّرْ بالفجر» (^٣)، حتى ينظر الناس إلى مواقع نبلهم.
وقال الشافعي: يستحب التعجيل في كل صلاة (^٤).
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٧٦)، وشرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٥٢٣).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٠٤).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٤٢٨، رقم ٦١٣)، والترمذي (١/ ٢٢١، رقم ١٥٢)، والنسائي (١/ ٢٥٨، رقم ٥١٩) واللفظ لهما من حديث بريدة بن الحصيب ﵁.
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٦٢)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٦٢).
[ ١ / ٤٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي شرح الوجيز: الأفضل عندنا تعجيل الصلوات وفضيلة الأولية بأن يشتغل بأسباب الصلاة كما دخل الوقت، وقيل: تتمادى الفضيلة إلى نصف الوقت للاختيار، ويستحب تأخير العشاء على أحد القولين، ويستحب الإبراد بالظهر في شدة الحر (^١).
وفي الحلية: الأفضل تقديم الفجر في أول وقتها، وبه قال مالك، وأبو ثور، وداود، ومحمد، والحسن في رواية (^٢).
احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وفيما قلنا إظهار المسارعة، وبقوله ﵇: «أول الوقتِ رِضْوانُ الله، وآخِرُ الوقتِ عَفْوُ اللهِ» (^٣)، فقال الشافعي: الرضوان للمحبين، والعفو يشبه أن يكون للمُقصِّرين، يؤيده قول أبي بكر ﵁: رضوان الله أحب إليَّ من عفوه.
وبقوله ﵇: «أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها» (^٤)، ولقول عائشة قالت: "كانت النساء ينصرفن من الصلاة مع رسول الله ﷺ متلفعات (^٥) بمروطهن (^٦) لا يعرفن من شدة الغلس (^٧). ويروى: ملفقات، والمعنى متقارب.
_________________
(١) فتح العزيز بشرح الوجيز للماوردي (٣/¬٤٥).
(٢) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/¬٢٣).
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٤٨٦، رقم ٩٨٤) من حديث جرير بن عبد الله ﵁. وضعفه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٣٥)، والنووي في خلاصة الأحكام (٧١٤)، وابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٢٠٦).
(٤) أخرجه أبو داود (١/ ١١٥، رقم ٤٢٦)، والترمذي (١/ ٢٣٧، رقم ١٧٠) عن أم فروة ﵂. قال الترمذي: حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا في هذا الحديث، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه.
(٥) قال العيني: بالعين المهملة بعد الفاء - أي: متجللات، واللفاع: ثوب يجلل به الجسد كله، كساء كان أو غيره، وتلفع بالثوب إذا اشتمل به، يعني: تجلل جميع جسده. شرح سنن أبي داود (٢/ ٢٩٣).
(٦) قال العيني: المروط: جمع مرط - بكسر الميم، وهو كساء من صوف، أو خز، أو كتان. شرح سنن أبي داود (٢/ ٢٩٣).
(٧) أخرجه البخاري (١/ ١٢٠، رقم ٥٧٨)، ومسلم (١/ ٤٤٦، رقم ٦٤٥).
[ ١ / ٤٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبحديث أنس أنه قال: كان النبي ﷺ يصلي الفجر ولا يعرف أحدنا من إلى جنبه من الغلس، وبحديث أسامة بن زيد الليثي، عن الزهري بسنده، وفيه: أنه ﵇ صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر، رواه أبو داود (^١)، قال الخطابي: حديث صحيح الإسناد.
ولنا الحديث المذكور في المتن رواية رافع بن خديج، أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، وابن ماجه، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (^٢)، ذكره في المغني لابن قدامة (^٣)، وفي شرح المهذب للنواوي (^٤).
وفي شهاب الأخبار: «نَوِّروا الفجر»، مكان: «أَسْفِروا»، هكذا رواه الطحاوي بإسناده (^٥)، ولأن المكث في مكان الصلاة مندوب إليه، قال ﵇: «من صلى الفجر ومكث حتى تطلع الشمس فكأنما أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيلَ ﵇» (^٦)، فإذا أسفر يتمكن من إحراز هذه الفضيلة، وعند التغليس قلما يتمكن منه، ولأنه وقت نوم وغفلة وفيه تقليل
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ١٠٧، رقم ٣٩٤)، وابن حبان (٤/ ٢٩٨، رقم ١٤٤٩)، والدارقطني (١/ ٤٦٩، رقم ٩٨٦). قال أبو داود: روى هذا الحديث عن الزهري: معمر، ومالك، وابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والليث بن سعد وغيرهم لم يذكروا الوقت الذي صلى فيه، ولم يفسروه. وقال ابن رجب الحنبلي: وقد تقدم أن أسامة تفرد به بهذا الإسناد، وإنما أصله: عن الزهري مرسلًا. فتح الباري (٤/ ٤٤٤).
(٢) وهو حديث: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ»، وتقدم في المتن.
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٨٦).
(٤) انظر: المجموع للنووي (٣/ ٥١).
(٥) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٧٩، رقم ١٠٦٨).
(٦) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٢٤، رقم ٣٦٦٧) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة».
[ ١ / ٤٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجماعة وهو مكروه، مع أنه في التغليس بعض الحرج، وفي التنوير تكثيرها.
مع أن التأخير يشتمل على أجران فضيلة الانتظار، قال ﵇: «المُنتَظِرُ للصَّلاةِ في الصَّلاةِ ما دامَ يَنتَظِرُها» (^١)، ولأن أصحاب النبي ﵇ ما اجتمع على شيء كاجتماعهم على تنوير الفجر، وتأخير العصر، رواه محمد بن خزيمة في صحيحه عن الأعمش، [عن] (^٢) إبراهيم هكذا، وهكذا رواه أبو جعفر الطحاوي (^٣).
والأصل في الدلائل الجمع والتوفيق، فحمل حديث عائشة على الابتداء حين يحضر النساء الجماعة، ثم انتسخ ذلك حين أمرن بالقرار في البيوت، كذا في المبسوطين (^٤).
وكذا حديث أنس مع أنه لا حجة لهم فيه لأول الوقت، لما أن التلفع والتلفق مع تغطية الرأس يستعمل، قال ابن حبيب: الالتفاع لا يكون إلا بها، فكانت علة عدم معرفتهن التستر بالمروط لا الغلس.
ولأنهم كانوا يصلون بمسجد النبي ﵇ ولم يكن لهم مصابيح وقت صلاة الصبح، إذ لو كانت لعرف الرجل جليسه في نصف الليل، والغلس يستمر إلى وقت الإسفار في الأبنية، يقال: هذا بيت غلس في النهار إذا كان فيه غلسة وظلمة يسيرة، وحمل قوله ﵇: «لِأَوَّلِ وَقتِها» على بعض الأوقات كما في الشتاء، مع أنه مضطرب ضعيف؛ لأنه يرويه قاسم بن غنام الأنصاري وهو سيء الحفظ، ضعيف النقل، ومع ذلك منقطع السند؛ لأنه يرويه عن فروة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر لأبيه ﵁، وهو لم يدركها.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٣٢، رقم ٦٥٩)، ومسلم (١/ ٤٦٠، رقم ٦٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة».
(٢) في الأصل، والثانية: (ابن)، وهو خطأ.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٨٤، رقم ١٠٩٧).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٦).
[ ١ / ٤٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصَّحيحُ حديثُ ابنِ مَسعودٍ أنَّهُ قال: «الصَّلاةُ لِوَقْتِها»، رِوايةُ البُخاريِّ ومُسلمٍ (^١)، ويُحمَلُ قوله ﵇: «آخِرُ الوَقْتِ عَفْوُ اللهِ» على فضلِهِ، فإنَّ العَفْوَ مُشتَرَكٌ يَحمِلُ العَفْوَ عن الذَّنبِ، ويَحتَمِلُ الفَضلَ، قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] أي الفضلَ، ولا يجوزُ حملهُ هاهُنا على التَّجاوُزِ عن التَّقصيرِ بدليلِ إمامةِ جِبريلَ في أواخرِ الأوقاتِ في اليومِ الثاني، ولهذا أمَّ جبريلُ ﵇ المَغرِبَ في اليومينِ في أوَّلِ الوَقتِ لمَّا كان التَّأخيرُ مَكروهًا، وما كان النَّبيُّ ﵇ يقصدُ إلى شيءٍ فيهِ تقصيرٌ، كذا في المَبسوطِ (^٢).
قال أبو حاتمٍ: حديثُ: «عَفْوُ اللهِ» حديثُ أبي مَحْذورةَ، وفيهِ إبراهيمُ بنُ زكريَّا وهو مجهولٌ، وحديثُهُ مُنكرٌ، وقال ابنُ عديٍّ: يُحدِّثُ عن الثِّقاتِ الأباطيلَ، قال أحمدُ: هذا لا يَثبتُ، ويرويهِ يعقوبُ بنُ الوَليدِ، عن ابنِ عُمرَ، وهو ضعيفٌ أيضًا، قال أحمدُ: هو من الكذَّابين الكِبار يَضَعُ الأحاديثَ، وقال النسائيُّ: متروكُ الحديثِ، وقال أحمدُ: لا أعرفُ شيئًا يثبتُ في أوقاتِ الصَّلاةِ أولَها وآخرَها، يعني العَفوَ والرِّضوانَ.
وأمَّا حديثُ اللَّيثيِّ، فقال أحمدُ: ليسَ بشيءٍ، وقال النسائيُّ، والدَّارقطنيُّ: ليسَ بالقويِّ.
قال الطحاويُّ: التَّغليسُ مَنسوخٌ بما رويَ عن الصَّحابةِ (^٣).
وأمَّا المُسارعةُ فمعناها تهيئةُ أسبابِ العِبادةِ وهو المُختارُ عندنا؛ فإنَّ الأفضلَ أن يُقدِّمَ طهارةَ البدنِ والمكانِ والثَّوبِ والوُضوءَ، ويُقدِّمَ الجلوسَ مستقبلَ القبلةِ مُنتظرَ الصَّلاةِ.
وفي المَبسوطِ: قُلنا: المُسارعةُ إلى المَغفرةِ إنما تكونُ في المُسارعةِ إلى الشيءِ الذي هو أفضلُ عندَ اللهِ تعالى من غيرِهِ وذلك في تكثيرِ الجماعةِ لا في
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/ ١٥٦، رقم ٧٥٣٤)، ومسلم (١/ ٨٩، رقم ٨٥).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٨).
(٣) انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٧٦)، وشرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٥٢٣).
[ ١ / ٤٩٦ ]
لِقَوْلِهِ ﵊: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُسْتَحَبُّ التَّعْجِيلُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ وَمَا نَرْوِيهِ.
تقليلها وذلك لا يكون إلا في التنوير فكان فيه مسارعة إلى المغفرة لا في التغليس (^١).
على أن الآية عامة فنحملها على بعض الصلوات بدليل ما روينا عن الأوزاعي.
وعن مشايخنا: للمرأة أن تصلي الفجر بغلس؛ لأنه أقرب إلى الستر، وفي سائر الصلوات ينتظر حتى يفرغ الرجال من الجماعة.
وقيل: الأفضل لها في الصلوات كلها أن تنتظر فراغ جماعة الرجال، كذا في القنية.
وقوله: (ما رويناه)، إشارة إلى قوله ﵇: «أسفروا بالفجر»، وما يرويه إشارة إلى قول أنس: " وإذا كان بالصيف أبردوا ".
وفي شرح الوجيز: أما الظهر فيجب تعجيلها إلا إذا اشتد الحر فظاهر المذهب أنه يستحب إبرادها لقوله ﵇: «أَبْرِدُوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم»، ثم الإبراد المستحب أن يؤخر إقامة الجماعة في مسجد يأتيه الناس من بعيد بقدر ما يقع للحيطان ظل يمشي فيه الساعون إلى الجماعة، ولا ينبغي أن يؤخر عن نصف الأول من الوقت، ولو كان منازل القوم قريبة من المسجد، أو حضر جمع في موضع ولا يأتيهم غيرهم فلا يبردون بالظهر، وهل تلحق صلاة الجمعة بالظهر في الإبراد؟ فيه وجهان، أحدهما: نعم كالظهر في سائر الأيام، والثاني: لا، لشدة الخطر في فواتها، فإنها إذا أخرت ربما يتكاسلون فيها، وهذا أظهر (^٢).
وعندنا تؤخر في الصيف مطلقا (^٣)، وقال مالك: يؤخر الظهر في الشتاء حتى يصير الفيء قدر ذراع (^٤).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٦).
(٢) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/¬٥٠).
(٣) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ١٤٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٧٥).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٥٦)، والذخيرة للقرافي (٢/¬٢٥).
[ ١ / ٤٩٧ ]
قَالَ: (وَالإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ، وَتَقْدِيمُهُ فِي الشَّتَاءِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِرِوَايَةِ أَنَسِ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ فِي الشَّتَاءِ بَكَّرَ بِالظُّهْرِ، وَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْفِ أَبْرَدَ بِهَا» (وَتَأخِيرُ العَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّر الشَّمْسُ فِي الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ)
وفي قول: إذا كان يصلي في بيته فلا إبراد (^١).
وفي المبسوط: احتج الشافعي بحديث خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حَرَّ الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا، فدل أنه كان يعجل الظهر، ولنا قوله ﵇: «أبرِدُوا»، الحديث، وفي حديث أبي هريرة قال: كان النبي ﵇ في سفر، فلما زالت الشمس جاء بلال ليؤذن، فقال له: «أَبْرِدْ»، هكذا مرارًا، فلما صار للتلول فيء قال: «أَذَّنْ إِذَا» (^٢)، ولأن في التعجيل في الصيف تقليل الجماعة وإضرارًا بالناس فإن الحر يؤذيهم، وتأويل حديث خباب أنهم طلبوا ترك الجماعة بدليل أنهم إذا دخلوا المسجد لا يؤذيهم حر الرمضاء على أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: " فلم يشكنا ": لم يدعنا في الشكاية، بل أزال شكوانا بالأمر بالإبراد، وقد مر جوابان آخران، أما في الشتاء فيستحب تعجيلها لحديث أنس، ولقوله ﵇ لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: «إذا كان الصيف فأبرد بالظهر فإنّ الناسَ يَقيلونَ، فَأَمْهِلْهُمْ حتى يُدركوا، وإذا كان الشتاء فصَلِّ الظهر حين تزول الشمسُ فإنّ الليالي طوال» (^٣).
قوله: (وتأخير العصر)، إلى آخره، وبقولنا قال ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو قلابة، وإبراهيم النخعي، والثوري وابن شبرمة، وأحمد في رواية (^٤).
قال الشافعي أنه يستحب تعجيلها (^٥)، وهو ظاهر قول أحمد، وبه قال
_________________
(١) هذا الجزء تكملة لكلام الرافعي السابق.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١١٣، رقم ٥٣٥)، ومسلم (١/ ٤٣١، رقم ٦١٦) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٦).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٨٣)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٣٤). قال المرداوي: قوله (وتعجيلها أفضل بكل حال) هذا المذهب مطلقا، وعليه الأصحاب، وعنه: يستحب تعجيلها مع الغيم دون الصحو، نقلها صالح، قاله القاضي، ولفظ رواية صالح: " يؤخر العصر أحب إلي ".
(٥) انظر: الأم للشافعي (١/ ٩١)، والبيان للعمراني (٢/¬٤١).
[ ١ / ٤٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الليث، والأوزاعي لحديث عائشة: كان النبي ﷺ يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي (^١)، ولحديث أنس: كان النبي ﵇ يصلي العصر فيذهب الذاهب إلى العوالي، وينحر الجزور ويطبخ ويؤكل قبل غروب الشمس، والعوالي أربعة أميال من المدينة (^٢).
وقيل: ستة أميال، وعند مالك يستحب تأخير العصر قليلًا (^٣).
ولنا ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وحديث رافع بن خديج: " أنه ﵇ كان يأمرنا بتأخير العصر"، رواه الدارقطني وغيره (^٤)، وحديث ابن مسعود: " أنه ﵇ كان يصلي العصر والشمس بيضاء نقية "، رواه أبو داود (^٥)، وهذا منه بيان تأخيره للعصر.
وقالت أم سلمة: أنتم أشد تأخيرًا للظهر من رسول الله ﷺ، والنبي ﵇ أشد تأخيرا للعصر منكم، رواه الترمذي (^٦).
وعن أبي قلابة، وطاووس: إنما سمي العصر عصرًا لأنها تعصر، أي تأخر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١١٤، رقم ٥٤٦)، ومسلم (١/ ٤٢٦، رقم ٦١١).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١١٥، رقم ٥٥٠)، ومسلم (١/ ٤٣٣، رقم ٦٢١).
(٣) انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب (٣٨١)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٩٠). قال المرداوي: قوله (وتعجيلها أفضل بكل حال) هذا المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، وعنه: يستحب تعجيلها مع الغيم دون الصحو، نقلها صالح، قاله القاضي، ولفظ رواية صالح: " يؤخر العصر أحب إلي".
(٤) أخرجه الدارقطني (١/ ٤٧٢، رقم ٩٩٠)، والبيهقي (١/ ٤٤٢، رقم ٢١٧١). قال الدارقطني: هذا حديث ضعيف الإسناد من جهة عبد الواحد هذا؛ لأنه لم يروه عن ابن رافع بن خديج غيره، وقد اختلف في اسم ابن رافع هذا، ولا يصح هذا الحديث عن رافع ولا عن غيره من الصحابة، والصحيح عن رافع بن خديج وعن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ضد هذا، وهو التعجيل بصلاة العصر والتبكير بها. وكذا ضعفه البيهقي.
(٥) أخرجه أبو داود (١/ ١١١، رقم ٤٠٨) من حديث علي بن شيبان ﵁.
(٦) أخرجه الترمذي (١/ ٢٣١، رقم ١٦١) عن أم سلمة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلا للعصر منه.
[ ١ / ٤٩٩ ]
لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ النَّوَافِلِ لِكَرَاهَتِهَا بَعْدَهُ، وَالمُعْتَبَرُ تَغَيَّرُ القُرْصِ، وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ بِحَالٍ لَا تَحَارُ فِيهِ الْأَعْيُنُ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَالتَّأْخِيرُ إِلَيْهِ مَكْرُوهُ.
قال الطحاوي: قد تواترت الآثار عن النبي ﵇ وعن أصحابه بالتأخير ما لم تتغير الشمس، وقد كتب عمر ﵁ إلى عماله وهم أصحاب النبي ﵇ يأمرهم أن يصلوا العصر والشمس بيضاء مرتفعة (^١).
ولأن في تأخيرها تكثير النوافل؛ لأن أداء النوافل بعدها مكروه وتكثيرها أفضل، ولأن المكث بعدها إلى غروب الشمس في موضع الصلاة مندوب إليه، قال ﵇: «من صلى العصر ومكث في المسجد إلى غروب الشمس فكأنما أعتق ثمانيًا من ولد إسماعيل»، وإذا أخر العصر تمكن من إحراز هذه الفضيلة.
وأما حديث عائشة فقد كانت حيطان حجرتها قصيرة فتبقى الشمس طالعة فيها إلى أن تتغير الشمس، وحديث أنس فقد كان ذلك في وقت الصيف، ويتأتي مثله للمستعجل، أو كان ذلك في وقت مخصوص لعذر، كذا في المبسوط (^٢).
(لا تحار فيه الأعين)، أي ذهب ضوؤها فلا يتحير فيه البصر، كذا في المغرب (^٣).
وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عما روي عن سفيان الثوري، والنخعي حيث اعتبرا تغير الضوء الذي يقع في الجدران، وبه أخذ الحاكم الشهيد.
قال شمس الأئمة: أخذنا بقول الشعبي وهو اعتبار تغير القرص - وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف في النوادر - لأن تغير الضوء يحصل بعد الزوال (^٤).
وفي المحيط: وبه أخذ مشايخ بلخ والفضلي.
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٩٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٧).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ١٣٤).
(٤) المبسوط لشمس الأئمة للسرخسي (١/ ١٤٤).
[ ١ / ٥٠٠ ]
(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَعْجِيلُ المَغْرِبِ) لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا مَكْرُوهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِاليَهُودِ.
ثم قال: تكلموا في معرفة التغير، فقال بعضهم: إذا قامت الشمس قدر رمح أو رمحين لم تتغير، وإذا صار أقل من ذلك تغيرت، وقال بعضهم: يوضع طست ماء في الصحراء وينظر فيه، فإن كان القرص يبدو للناظر فقد تغيرت، وإلا فلا (^١).
فكان تفسير الكتاب احترازًا عن هذين التفسيرين.
(والتأخير إليه)، أي إلى تغير الشمس مكروه.
وفي الْمُجْتَبى: قول المصنف (ما لم تتغير الشمس) مبهم لابد من بيانه، وعن أصحابنا إنما يكره التأخير إليه لا الفعل (^٢)؛ لأن الفعل فيه مأمور به، ولا يستقيم إثبات الكراهية مع الأمر، كذا في الإيضاح، والمحيط (^٣)؛ لما روي عن أنس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافقين - ثلاثا - يجلس أحدكم حتى اصفرت الشمس وكانَتْ بين قَرْنَي الشيطان ينقر كنقرِ الدِّيكِ لا يذكر الله إلا قليلا» (^٤)، كذا في السهيلي.
وفي القنية: هذه الكراهة كراهة التحريم.
قوله: (لأن تأخيرها مكروه)، في القنية: إلا أن يكون التأخير قليلا.
وفي المنية: لا يكره في السفر والمائدة، أو كان يوم غيم كما يجيء (^٥).
وفي القنية: لو أخره بتطويل القراءة فيه خلاف، وروى الحسن، عن أبي حنيفة أنه لا يكره تأخيره ما لم يغب الشفق.
وفي المبسوط: كان عيسى بن أبان يقول: الأولى تعجيلها للآثار، ولكن لا يكره التأخير مطلقا، ألا ترى أن بعذر المرض والسفر تؤخر المغرب ليجمع بينها وبين العشاء فعلا، فلو كان المذهب التأخير مطلقا لما أبيح ذلك لعذر السفر،
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٧٥).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٠٥).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٤٦).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٤٣٤، رقم ٦٢٢).
(٥) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٢٧)، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٨٤).
[ ١ / ٥٠١ ]
وَقَالَ ﵊: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا المَغْرِبَ وَأَخَّرُوا العِشَاءَ».
والمرض، كما لا يباح تأخير العصر إلى تغير الشمس بهما.
واستدل فيه بما روي أنه ﵇ قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب ليلة (^١)، وبما روي أنه ﵇ أخر المغرب إلى اشتباك النجوم، وإنما يحمل ذلك على بيان امتداد الوقت، وإباحة التأخير (^٢).
وذكر شمس الأئمة في المبسوط قوله مع دليله ولم يرده.
فإن قيل (^٣): لا يلزم من انتفاء الكراهة بترك التأخير استحباب التعجيل لأن بينهما واسطة وهي الإباحة، ألا ترى أنه لا يلزم من ترك تأخير العشاء إلى النصف الأخير الذي كان تأخيره إليه يوجب الكراهة بثبوت الاستحباب حيث أبيح التأخير إلى نصف الليل، ولا يثبت الاستحباب منه على ما يجيء.
قلنا: يلزم من انتفاء الكراهة إثبات استحباب التعجيل فيما لا واسطة بينهما، وهاهنا كذلك؛ لأن وقت المغرب ينقسم على تعجيل وتأخير فيثبت في أحدهما الاستحباب، وفي الآخر الكراهة؛ لقيام الدليل فيصح الاستدلال، كذا قيل.
(«ما عجَّلوا»)، «ما» هاهنا توقيت للفعل بمعنى المصدر، أي زمان تعجيلهم، كذا في المغرب لما فيه من التشبه، قال ﵇: «عَجِّلوا بالمغرب ولا تتشبّهوا باليهود».
وفي الإيضاح والنافع تمسك بقوله ﵇: «لا تزال أمتي بخير ما لم
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٥٣، رقم ٧٦٤)، وأبو داود (١/ ٢١٥، رقم ٨١٢) عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار، وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بطولى الطوليين. زاد أبو داود: قال: قلت: ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف، والأخرى الأنعام.
(٢) المبسوط لشمس الأئمة للسرخسي (١/ ١٤٤).
(٣) كتب في حاشية الأصل: (استدل هنا بكراهة التأخير على ثبوت الاستحباب)، وأشار إلى وضعها بعد قوله (فإن قيل)، ولا نجد لها هاهنا وجه.
[ ١ / ٥٠٢ ]
قَالَ: (وَتَأْخِيرُ العِشَاءِ إِلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَوْلَا
يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم» (^١)، واشتباكها كثرتها، وروي: «إلى طلوعها»، رواه أبو داود.
وجه التمسك أن التأخير لما كان سببا لزوال الخير كان التعجيل سببا لاستجلاب الخير فيكون مستحبا.
قوله: (إلى ما قبل ثلث الليل)، وفي القدوري: (إلى نصف الليل) (^٢).
وعن الطحاوي: التأخير إلى ثلث الليل مستحب (^٣)، وبه قال مالك (^٤)، وأحمد (^٥)، وأكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم قاله الترمذي (^٦).
وإلى النصف مباح، وما بعده مكروه.
وقال الشافعي في القديم: تقديمها أفضل، وهو الأصح كسائر الصلوات.
وفي الجديد: تأخيرها أفضل ما لم تجاوز وقت الاختيار؛ لقوله ﵇: «لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه» (^٧)، كذا في شرح الوجيز (^٨).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ١١٣، رقم ٤١٨)، وابن خزيمة (١/ ١٧٤، رقم ٣٣٩)، وأحمد (٤/ ١٤٧، رقم ١٧٣٦٧)، والحاكم (١/ ١٩٠، رقم ٦٨٥) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وله شاهد صحيح الإسناد.
(٢) انظر: الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري للحدادي (١/¬٤٣).
(٣) انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٥٧)، وشرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٥٢٠).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٥٦)، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب (١/ ٣٩٨). قال ابن القاسم: وسألنا مالكا عن الحرس في الرباط يؤخرون صلاة العشاء إلى ثلث الليل، فأنكر ذلك إنكارا شديدا، وكأنه كان يقول: يصلون كما يصلي الناس، وكأنه يستحب وقت الناس الذين يصلون فيه العشاء الأخيرة يؤخرون بعد مغيب الشفق قليلا، قال: وقد صلى رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمر فلم يؤخروا هذا التأخير.
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٨٤)، والفروع لابن مفلح (١/ ٤٣٢).
(٦) انظر: سنن الترمذي (١/ ٢٣٤).
(٧) أخرجه الترمذي (١/ ٢٣٤، رقم ١٦٧)، وابن ماجه (١/ ٢٢٦، رقم ٦٩١)، وابن حبان (٤/ ٣٩٩، رقم ١٥٣١) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٨) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/¬٢٨).
[ ١ / ٥٠٣ ]
أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْت العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ السَّمَرِ المَنْهِيِّ عَنْهُ
وفي المبسوط: تمسك الشافعي بحديث نعمان بن بشير أنه ﵇ يصلي العشاء حين سقط القمر الليلة الثالثة، وذلك عند غيبوبة الشفق يكون، ولأن في تعجيلها تكثير الجماعة خصوصا في زمان الصيف.
ولنا ما روي أنه ﵇ أخر العشاء إلى هذا الوقت فوجد أصحابه في المسجد ينتظرونه، فقال: «أما إنهُ لا يَنتظِرُ هذه الصلاة في هذا الوقت أحد غيركم، ولولا سقمُ السّقيم وضعف الضعيف لأخرتُ العِشاء إلى هذا الوقت» (^١)، وفي حديث آخر: لولا أن أشُقَّ على أمتي الحديث، وفي رواية: «إلى ما قبل ثلث الليل».
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أن صَلِّ العشاء حين يذهب ثلث الليل، فإن أبيت فإلى نصف الليل، فإن نمت فلا نامت عيناك، وفي رواية: فلا تكن من الغافلين (^٢).
فإن قيل: كيف يثبت الاستحباب هاهنا والسنة في السواك مع أن «لولا» فيهما على نسق واحد.
قلنا: لا نسلم أنهما على نسق واحد؛ لأن الممتنع في السواك الأمر «لولا» المشقة، ولو أمر كان واجبًا، فلما لم يكن الأمر بوجوبها يلزم ثبوت ما دون مقتضى الأمر وهو السنة، والممتنع هنا التأخير، فلو أخر لكان سنة؛ لأن مطلق أحواله محمول على السنة فلما لم يؤخر ثبت ما دونها وهو الاستحباب.
على أن ذلك لم يرد على المصنف؛ لأنه لم يتمسك في سنية السواك بذلك الحديث، بل تمسك بمواظبته ﵇، ولولا مواظبته لقلنا بالاستحباب أيضًا، ولو لم توجد المواظبة هاهنا لما ذكرنا.
(السمر) كلام لأجل المؤانسة، كذا في المغني.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١١٨، رقم ٥٦٧)، ومسلم (١/ ٤٤٣، رقم ٦٤١) بنحوه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وفيه: فوافقنا رسول الله ﷺ أنا وأصحابي وله بعض الشغل في أمره، حتى أعتم بالصلاة حتى ابهار الليل.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٧).
[ ١ / ٥٠٤ ]
بَعْدَهُ، وَقِيلَ: فِي الصَّيْفِ تُعَجَّلُ كَيْ لَا تَتَقَلَّلَ الجَمَاعَةُ، وَالتَّأْخِيرُ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مُبَاحٌ لِأَنَّ دَلِيلَ الكَرَاهَةِ، وَهُوَ تَقْلِيلُ الجَمَاعَةِ، عَارَضَهُ دَلِيلُ النَّدْبِ، وَهُوَ قَطْعُ السَّمَرِ بِوَاحِدَةٍ، فَتَثْبُتُ الإِبَاحَةُ، وَإِلَى النِّصْفِ الأَخِيرِ مَكْرُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ
والسمر منهي لقوله ﵇: «لا سَمَرَ بعد العشاء» (^١)، والمعنى فيه أن يكون اختتام الصحيفة بالعبادة كما جعل ابتداؤها بها لتمحي ما حصل من الزلات فيما بين ذلك على ما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، كذا ذكره شيخ الإسلام.
وقيل: في الصيف يعجل.
وفي فتاوى قاضي خان: يؤخر العشاء في الشتاء إلى ثلث الليل؛ لقوله ﵇ لمعاذ: «أخر العشاء في الشتاء فإنّ الليل فيه طويل، وعَجِّل في الصيف لأن الليل فيه قصير» (^٢).
قوله: (بواحد)، أي: بواحد من الناس، وهذا عبارة عن المبالغة في قطع السمر؛ لأنه لما انقطع بواحد كان منقطعا باثنين وما فوقه أيضًا، وفي بعض النسخ: (بواحدة) بالتاء، أي بمرة واحدة، يعني بالكلية.
(وقد انقطع السمر) يعني علم دليل الكراهة، وهو تقليل الجماعة، عن معارضة دليل الندب وهو قطع السمر؛ لأنه ليس في هذا التأخير قطع السمر؛ لأنه لا يتصور السمر في النصف الأخير غالبًا.
فإن قيل: يشكل على هذا تعجيل الفجر في أول الوقت حيث هو مباح - ذكره في مبسوط شيخ الإسلام - وإن كان فيه دليل الكراهة وهو تقليل الجماعة سالمًا عن معارضة دليل الندب.
_________________
(١) أخرجه الطيالسي في المسند (١/ ٢٨٤، رقم ٣٦٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٢١٨) من حديث ابن مسعود ﵁. وأخرجه ابن ماجه (١/ ٢٣٠، رقم ٧٠٣)، وابن خزيمة (٢/ ٢٩٠، رقم ١٣٤٠)، وابن حبان (٥/ ٣٧٧، رقم ٢٠٣١) من حديث ابن مسعود به ﵁ قال: " جدب لنا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء"، يعني زجرنا.
(٢) فتاو قاضي خان (١/¬٣٥).
[ ١ / ٥٠٥ ]
الجَمَاعَةِ، وَقَدْ انْقَطَعَ السَّمَرُ قَبْلَهُ.
(وَيُسْتَحَبُّ فِي الوَتْرِ لِمَنْ يَألَفُ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ، فَإِنْ لَمْ يَثِقُ بِالِانْتِبَاءِ أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ
قلنا: لا نسلم سلامته عن المعارض، بل عارضه دليل أقوى وهو قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣]، كذا قيل، وفيه تأمل.
وفي القنية: كراهة التأخير إلى النصف الأخير للتحريم، وفي بعض النسخ: لمن يألف صلاة الليل آخر الليل بالنصف ليوافق رواية شرح الطحاوي، وفتاوى قاضي خان حيث ذكر فيهما بكلمة: (في)، ويوافق لفظ الحديث بعده، والنصب على الظرفية.
ثم وقت الوتر من حين تصلى العشاء إلى الفجر، والأفضل تأخيرها إلى آخر الليل لحديث خارجة بن حذافة: أنه ﵇ قال: «إِنَّ اللهَ تعالى أمدَّكُم بصلاة هي خير لكم من حُمُرِ النَّعَمِ، أَلَا وَهِيَ الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» (^١)، وقالت عائشة: " أوتر النبي ﷺ من كل الليل، من أوله، وأوسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السحر " (^٢)، وقال ﵇: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خَشِيتَ الصّبحَ فأوتر بركعة توتِرُ لك ما قبله» (^٣)، وكان أبو بكر يوتر من أول الليل، وعمر من أخره، فقال ﵇ لأبي بكر: «أخِذْتَ بالثقة»، ولعمر: «أخِذْتَ بفضل القُوَّةِ» (^٤)، كذا في المبسوط (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦١، رقم ١٤١٨)، والترمذي (١/ ٥٧٤، رقم ٤٥٢)، وابن ماجه (١/ ٣٦٩، رقم ١١٦٨)، والحاكم (١/ ٣٠٦، رقم ١١٤٨) من حديث خارجة بن حذافة العدوي ﵁. قال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب، وصححه الحاكم، وقال ابن حجر: ضعفه البخاري، وقال ابن حبان: إسناد منقطع، ومتن باطل. تلخيص الحبير (٢/¬٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٢/¬٢٥، رقم ٩٩٦)، ومسلم (١/ ٥١٢، رقم ٧٤٥).
(٣) أخرجه البخاري (٢/¬٢٤، رقم ٩٩٠)، ومسلم (١/ ٧١٦، رقم ٧٤٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/¬١٤، رقم ٤٦١٥)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٧٣، رقم ٢٦٢٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٤٢، رقم ٢٠١٦).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٠).
[ ١ / ٥٠٦ ]
اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ» (فَإِذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ فَالمُسْتَحَبُّ فِي الفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالمَغْرِبِ تَأْخِيرُهَا، وَفِي العَصْرِ وَالعِشَاءِ تَعْجِيلُهُمَا) لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ العِشَاءِ تَقْلِيلَ الجَمَاعَةِ عَلَى اعْتِبَارِ المَطَرِ، وَفِي تَأْخِيرِ
والاستدلال بما ذكر على أفضلية الوتر مشكل في الإيضاح: فإن كان لا يثق من نفسه بالاستيقاظ أوتر أول الليل، وإن كان يثق فالأفضل آخر الليل؛ لما روي أنه ﵇ قال لأبي بكر: «أَخَذْتَ بِالثِّقَةِ»، ولعمر: «أَخَذْتَ بِالفَضْلِ».
(على اعتبار المطر)، يعني يتكاسل الناس في الخروج إلى المسجد مترخصين لقوله ﵇: «إذا ابتلتِ النِّعالُ فالصّلاةُ فِي الرحال» (^١)، فكان التعجيل أولى، وإن كان سببًا إلى السمر لما أن كراهية تقليل الجماعة أبعد من كراهية السمر؛ لأنه لا يباح بوقت ما بغير عذر والسمر في هذا الوقت مباح.
قال شيخ الإسلام، والطحاوي: كل صلاة فيها عين تعجل يوم الغيم كالعصر والعشاء، والباقي يؤخر كيلا يقع قبل الوقت، وبه قال مالك (^٢)، وأحمد (^٣)، وعن أبي حنيفة روى الحسن عنه التأخير في يوم الغيم؛ لأنه أقرب إلى الاحتياط (^٤).
وجه ظاهر الرواية أن التأخير في الفجر مستحب؛ لأنه لو عجل بها لم يأمن أن يقع قبل طلوع الفجر، ولأن الناس يلحقهم الحرج في التعجيل عند الظلمة بسبب الغيم فيؤخر ليكون فيه تكثير الجماعة، وكذا في الظهر يؤخر لئلا يقع قبل الوقت، وكذا في المغرب كيلا يقع قبل الغروب.
وفي الإيضاح: والمراد من التأخير في المغرب قدر ما يستيقن بالغروب،
_________________
(١) قال ابن الملقن: لم أجده بعد البحث عنه كذلك في كتاب حديث. البدر المنير (٤/ ٤١٩). لكن أخرج البخاري (١/ ١٢٩، رقم ٦٣٢)، ومسلم (١/ ٤٨٤، رقم ٦٩٧) عن ابن عمر أنه نادى بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ومطر، فقال في آخر ندائه: ألا صلوا في رحالكم، ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في السفر أن يقول: «ألا صلوا في رحالِكُم».
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/¬٣٤)، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب (١/ ٣٨٧).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٨٣)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٣١).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٨)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٢٦).
[ ١ / ٥٠٧ ]
العَصْرِ تَوَهُمَ الوُقُوعِ فِي الوَقْتِ المَكْرُوهِ، وَلَا تَوَهُمَ فِي الفَجْرِ لِأَنَّ تِلْكَ المُدَّةَ مَدِيدَةٌ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: التَّأْخِيرُ فِي الكُلِّ لِلِاحْتِيَاطِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ الأَدَاءُ بَعْدَ الوَقْتِ لَا قَبْلَهُ.