الأيام المحتدم القاني الذي يضرب إلى السواد، وفي بعضها: أحمر مشرق، أو أصفر فإنها ترد إلى السواد بشرط أن لا ينقص السواد عن يوم وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يومًا، وبه قال مالك من غير اعتبار الاستظهار لقوله ﵇: «دَمُ الحَيضِ عبيطٌ أسود»، وكان المغيرة من أصحابه يحكي أنها تغتسل وتصلي وتصوم، ولكن لا يطأها الزوج.
وعندنا لا تعمل بالتمييز في الحيض باللون؛ لأن كل الألوان حيض، قال ﵇: «دَعِي الصّلاةَ أيام أقرائِكِ»، فاعتبر الأيام دون اللون، بل حيضها عشرة من كل شهر، والباقي استحاضة؛ لأن الابتداء وقع حيضًا بالاتفاق، والدم في العشرة الأولى دم في أيام تصلح أن تكون حيضًا فكان حيضًا لأنا تيقنا الدخول فيه فلا تخرج بالشك، فإذا تجاوز الدم العشرة تيقنا بخروجها فكانت طاهرة حكمًا.
ومذهبنا مروي عن علي، وابن عباس وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، ومكحول، والحسن، وابن سيرين، والحكم بالست أو السبع غالب ممنوع، والاعتبار بالعشرة يفيد لاختلاف الطبائع والقوى، وما روي موقوف على عائشة مع أنه معارض بقول علي وابن عباس وبنت جحش يحتمل أن تكون معتادة جاهلة بعادتها، لكن عرف من عادتها أحد العددين الغالبين، لكن لم تعرف عينه فلذلك قال ﵇: «تحيضي ستا، أو سبعًا»، ولهذا تردد الشافعي أنها مبتدأة أو معتادة فلا يكون حديثها حجة.
فصل المستحاضة
قدم المستحاضة على النفاس لأنها أكثر وقوعًا لكثرة أسبابها، [الرقى والرقو باز يستاذن خون باشك] (^١).
_________________
(١) جملة كتبت بالفارسية رسمناها كما هي.
[ ١ / ٣٩٩ ]
(وَالمُسْتَحَاضَةٌ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ، وَالجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ، يَتَوَضَّرُّونَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، فَيُصَلُّونَ بِذَلِكَ الوُضُوءِ فِي الوَقْتِ مَا شَاؤُوا مِنْ الفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَقَالَ
ثم المصنف فسر المستحاضة في آخر الفصل بقوله: (هي التي)، إلى آخره، والصحيح فيه أن يقال: المستحاضة من لا تخلو وقت الوضوء أو بعده في الوقت من الحدث الذي ابتليت بدوامه؛ لأنه يرد ما ذكره ما لو رأت الدم في أول الوقت، ثم انقطع فتوضأت ودام الانقطاع حتى خرج الوقت لا ينتقض وضوءها، ولو كان تفسيرها ما قال لانتقض وضوؤها؛ لأن طهارتها تنتقض بخروج الوقت، ولابد من العناية بأن يقال: المراد من وجوده في وقت الصلاة هو أن يوجد في الوضوء فيه، أو بعد الوضوء في وقت الصلاة.
يوضح هذا ما قال شمس الأئمة في الجامع الكبير: لو توضأت في وقت العصر والدم منقطع وصلت ركعتين، ثم دخل وقت المغرب، ثم سال الدم فعليها أن تتوضأ وتبني؛ لأن الانتقاض بالحدث لا بالخروج، وهذا لأن الخروج عينه ليس بحدث، ولكن الطهارة تنتقض بسيلان مقارن (^١).
وحاصله أن السيلان معه ناقض، فلو تجرد أحدهما عن الآخر لم يكن ناقضا لأن المتعلق بوصفين ينعدم بانعدام أحدهما.
وفي المستصفى: ما ذكره المصنف في حال بقاء الاستحاضة دون ابتدائها فإن في ابتدائها يجب استغراق الوقت بالدم بحيث لا يجد مقدار ما تتوضأ وتصلي بدون السيلان؛ لأن حكمها إنما يثبت بالاستغراق أولا، نص عليه التمرتاشي، والمرغيناني (^٢).
ثم لو انقطع حال البقاء أقل من وقت صلاة تام يجعل كالموجود، يقال: شيء سلس، أي: سهل، ورجل سلس، أي: لين منقاد.
وقد قيل: سلس البول إذا كان لا يستمسكه.
قوله: (ما شاؤوا من الفرائض والنوافل)، ليس بمنحصر فيهما، بل يصلون
_________________
(١) انظر: المبسوط لشمس الأئمة للسرخسي (٢/ ١٣٤).
(٢) المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٣٧٩).
[ ١ / ٤٠٠ ]
الشَّافِعِيُّ ﵀: تَتَوَضَّأُ المُسْتَحَاضَةُ لِكُلِّ مَكْتُوبَةٍ لِقَوْلِهِ ﵊: «المُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا ضَرُورَة أَدَاءِ المَكْتُوبَةِ، فَلَا تَبْقَى بَعْدَ الفَرَاغِ مِنهَا. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «المُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَهُوَ المُرَادُ بِالأَوَّلِ، لِأَنَّ اللَّامَ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ، يُقَالُ:
الواجبات أيضًا، وبقولنا قال أحمد (^١)، وقال مالك (^٢): لا تتوضأ المستحاضة؛ لأن دم الاستحاضة ليس بحدث عنده لقوله ﵇: «توضئي وصَلِّي وإن قطر الدَّم عَلَى الحَصِير» (^٣)، وقال الأوزاعي، والليث بن سعد: تجمع بطهارة واحدة بين الظهر والعصر، وقال النخعي: تغتسل في آخر وقت الظهر فتصلي الظهر في أول وقت العصر في آخر وقته، وكذلك تغتسل في آخر وقت المغرب فتصلي، وكذلك في العشاء والفجر.
ولا يأت الخلاف بيننا وبين الشافعي في الجرح السائل، والرعاف الدائم؛ لأنه لا يرى الخارج من غير السبيلين حدثا.
و(قوله ﵇: «المستحاضة تتوضأ») إخبار من الشارع فيفيد الوجوب؛ لأنه بمعنى الأمر.
(فلا تبقى)، أي الضرورة بعد الفراغ من المكتوبة وإنما تبقى طهارتها للنوافل عنده (^٤)، وبقوله أخذ الثوري؛ لأن حاجتها لم ترتفع في حق النوافل؛
_________________
(١) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ١٥٠)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٧٩).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٢٠)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٨٩).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٠٤، رقم ٦٢٤) من حديث عائشة ﵂. وأخرجه البخاري (١/ ٦٦، رقم ٢٢٨)، ومسلم (١/ ٢٦٢، رقم ٣٣٣) بلفظ: «إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي»، وفي لفظ: «ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ء ذلك الوقت». وأخرج البخاري (١/ ٧٣ رقم ٣٢٧)، ومسلم (١/ ٢٦٣ رقم ٣٣٤) من حديث عائشة ﵂: أن أم حبيبة بنت جحش - ختنة رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف - استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك، فقال رسول الله ﷺ: «إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي»، قالت عائشة: فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء.
(٤) انظر: الحاوي الكبير (١/ ٤٤٤)، والبيان للعمراني (١/ ٤١٣).
[ ١ / ٤٠١ ]
«آتِيكَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ»: أَيْ وَقْتِهَا، وَلِأَنَّ الوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الأَدَاءِ
لأنه خبر موضوع في كل وقت.
وفي الكافي: وعند مالك تتوضأ لأجل السنن لظاهر قوله ﵇: «تَتَوَضَّأُ لكلِّ صلاة»، والسنة صلاة، وهذا في غير المستحاضة؛ لأن فيها لا يجب الوضوء عنده لما ذكرنا.
وفي التمهيد: قال مالك: لا يجب الوضوء عليها ومن به سلس البول ونحوه وإنما الوضوء مستحب عنده لكل صلاة (^١)، وهذا خلاف ما ذكره أصحابنا في كتبهم.
قوله: (لأن)، اللام تستعار للوقت، قال شيخ الإسلام: المراد من الصلاة المذكورة في الحديث وقتها، والصلاة تذكر ويراد [بها] (^٢) الوقت، وذلك بالكتاب والسنة، وتعارف الناس.
أما الكتاب: بقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]، قيل: أوقات الصلاة.
وأما السنة: ما قال ﵇: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدًا، فأينما أَدْرَكَتْني الصَّلاةُ تيممتُ» (^٣)، أراد وقتها لأنها فعله، وفعله لا يسبقه، وقال ﵇: «إنّ للصَّلاةِ أوَّلًا وَآخِرًا» (^٤)، أي لوقتها.
_________________
(١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٦/ ٩٧).
(٢) في النسخ الخطية: (به)، ولا وجه له.
(٣) أخرجه البخاري (١/ ٧٤، رقم ٣٣٥)، ومسلم (١/ ٣٧٠، رقم ٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، بلفظ: «فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان».
(٤) أخرجه الترمذي (١/ ٢٢٠، رقم ١٥١)، وأحمد (٢/ ٢٣٢، رقم ٧١٧٢) والدراقطني (١/ ٤٩٢، رقم ١٠٣٠) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: سمعت محمدًا يقول: حديث الأعمش، عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، وحديث محمد بن فضيل خطأ أخطأ فيه محمد بن فضيل. وقال الدارقطني: هذا لا يصح مسندا، وهم في إسناده ابن فضيل، وغيره يرويه عن الأعمش، عن مجاهد مرسلًا. وقال ابن رجب: له علة، وهي أن جماعة رووه عن الأعمش، عن مجاهد قال: كان يقال ذلك. وهذا هو الصحيح عند ابن معين، والبخاري، والترمذي. فتح الباري (٤/ ٣٥٨).
[ ١ / ٤٠٢ ]
تَيْسِيرًا فَيُدَارُ الحُكْمُ عَلَيْهِ
وفي العرف: أتتك صلاة الظهر، أي: وقتها، فيحمل على هذا توفيقا بين الحديثين، مع أن الحفاظ اتفقوا على ضعف حديثه، حكاه النواوي في المهذب.
قوله: (تيسيرًا)، وفي جامع شمس الأئمة: ثم في تقدير طهارتها بالصلاة بعض الجهالة والحرج؛ لأن الناس متفاوتون في الأداء المطول والمقصر فلم يمكن ضبطه، ولأن منهم من يرى الأداء أول الوقت أولى، وبالعكس، وربما يعتريه مانع من الأداء فيه فيحتاج إلى تأخيره إلى آخره، لبعد المسافة بينه وبين الماء، أو كان رجلًا موسوسًا يحتاج إلى إعادتها قطعًا للوسواس، ولهذا المعنى لم يجعل الشارع وقت الصلاة معيارًا، وأقام الوقت مقام الأداء هاهنا ليستوي الكل في بقاء الطهارة، وتيسيرًا للأمر على المكلفين.
(فيدار الحكم عليه)، أي على الوقت، كذا في الخبازية.
وفي جامع الكردري: الأصل أن يستغرق الوقت للأداء؛ لأنه شكر نعمة الوقت، والنعمة تستغرق الوقت، فكذا شكرها، لكن الشرع أطلق للمكلف صرف بعض الوقت إلى مصالح بقاء نفسه رخصة؛ لأنه لو لم يفعل ذلك لما بقي فصار صرف بعض الوقت إليه وسيلة إلى الأداء في البعض، والوسيلة تأخذ حكم المقصود فصار الأداء في البعض أداء في الكل تقديرًا فيكون الأداء باقيًا تقديرًا ما بقي الوقت.
والشرع علق الحكم بالأداء التقديري لا الحقيقي لتعذر تعليقه بالحقيقي؛ لأنه قد يوجد، وقد لا يوجد، وقد يطول وقد يقصر.
والأداء التقديري لا يتفاوت، لكنه خفي فقام دليل الجلي مقامه تيسيرًا، وأدير الحكم عليه وجودًا وعدمًا.
وفي جامع فخر الإسلام: الحكم في العزيمة أن تبقى الطهارة من أول الوقت إلى آخره تخفيفًا على العبد فلا يجوز أن يبطل هذا الحكم في الرخصة التي ثبتت له بالعذر لأنه لو سقط تصير الرخصة تغليظا عليه، وهذا قلب الموضوع؛ فإن العزيمة أن تصلى خمس صلوات مع سننها بخمس طهارات،
[ ١ / ٤٠٣ ]
(وَإِذَا خَرَجَ الوَقْتُ بَطَلَ وُضوؤُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى) وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ زُفَرُ: اسْتَأْنَفُوا إِذَا دَخَلَ الوَقْتُ (فَإِنْ تَوَضَّؤُوا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُمْ
ولو انتقض طهارتها بعد الفراغ لانقلبت الرخصة تغليظا في موضوع الرخصة؛ لأن صاحب الشرع جعل الوقت متسعا، وللعبد أن يشغله بالأداء فتبقى الطهارة، فإذا صرف بعضه إلى حاجة نفسه برخصة الشرع لم يجز له أن يبطل حكم تعلق تلك العزيمة به، وصار له حكم شغل كل الوقت بالأداء.
قوله: (واستأنفوا الوضوء لصلاة أخرى)، فإن قيل: ما الفائدة في هذا فإن البطلان يستلزم استئناف الوضوء لا محالة؟
قال مولانا حافظ الدين في جوابه: جاز أن يبطل الوضوء لحق صلاة، ولا يبطل لحق صلاة أخرى، فلا يجب الاستئناف في حق تلك الصلاة، كما قال الشافعي ببطلان طهارتها في حق المكتوبة دون النفل.
ثم إضافة البطلان إلى الخروج بقوله: (وإذا خرج الوقت بطل وضوؤهم) مجازا؛ لأن ذلك ليس من صفات الإنسان، فضلا أن يكون حدثا، بل الانتقاض بالحدث السابق، لكن أثره يظهر عنده؛ لأن الوقت مانع، فإذا زال ظهر أثره، والشرط يقام مقام العلة في حق إضافة الحكم، إليه أشير في جامع فخر الإسلام (^١).
فإن قيل: لو استند الانتقاض إلى الحدث السابق لوجب أن يقال: بعد الشروع في التطوع لو خرج الوقت لا يلزمها القضاء؛ لأنها حينئذ تعلم أنها شرعت بلا وضوء.
قلنا: هذا ظهور من وجه، اقتصار من وجه، فأظهرنا الاقتصار في حق القضاء، والظهور في حق الأداء والمسح أيضا حتى لا يجوز لها المسح، كذا في الذخيرة.
وإنما لم نعكس ليكون عملا بالاحتياط، وفي العكس لا يكون عملا به.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٨١)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٦٧٩).
[ ١ / ٤٠٤ ]
عَنْ فَرْضِ الوَقْتِ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ: أَجْزَأَهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ (*)، وَحَاصِلُهُ أَنَّ طَهَارَةَ المَعْذُورِ تنتقض بِخُرُوجِ الوَقْتِ، أَيْ: عِنْدَهُ بِالحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِدُخُولِهِ فَقَطْ عِنْدَ زُفَرَ، وَبِأَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَفَائِدَةُ الاخْتِلَافِ لَا تَظْهَرُ
(وهذا)، أي بطلان وضوئها بالخروج عند العلماء الثلاثة.
(أي عنده)، أي عند خروج الوقت.
قوله: (وبأيهما كان عند أبي يوسف)، وبه قال أحمد في رواية (^١)، فظاهر قوله مع زفر، وظاهر مذهب الشافعي لا ينتقض بشيء من ذلك بل بالفعل (^٢).
وفي الفوائد الظهيرية والمحققون من مشايخنا قالوا: على قول أبي يوسف لا ينتقض بدخول بلا خروج، أما ينتقض بخروج بلا دخول كما هو قولهما ثم فيما إذا توضأت قبل الزوال ودخل وقت الظهر، إنما يحتاج إلى الطهارة عنده لا لأنها انتقضت بدخول الوقت عنده بل باعتبار أن طهارتها ضرورية، ولا ضرورة قبل الوقت (^٣).
وذكر فخر الإسلام في طرق زفر فقال: يظن السائل أن زفر لم يجعل الخروج حدثًا، بل جعل الدخول حدثًا، وليس كذلك، بل الصحيح من مذهبه أن شيئًا من ذلك ليس بحدث وإنما لم تنتقض الطهارة بطلوع الشمس؛ لأن قيام الوقت جعل عذرًا، وقد بقيت شبهة حتى لو قضى صلاة الفجر قضاها مع سنتها فكان كمال الخروج بدخول وقت آخر، ولم يوجد، فبقيت شبهة الوقت فصلحت لبقاء حكم العذر تخفيفًا، وبهذا التقدير يعلم أن العلماء الأربعة متفقون على أن الحدث السابق إنما يعمل عند خروج الوقت، إلا أن عند أبي يوسف تقديم الطهارة على الوقت غير معتبر لعدم الحاجة فيجب عليها ثانيًا،
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حينفة ومحمد.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٤٨)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٢٩٥).
(٣) انظر: المجموع للنووي (٢/ ٥٣٧)، والبيان للعمراني (١/ ٤١٣).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٥٦)، ومجمع الأنهر لشيخي زاده (١/ ٥٧).
[ ١ / ٤٠٥ ]
إِلَّا فِيمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. لِزُفَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ المُنَافِي لِلْحَاجَةِ إِلَى الأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الوَقْتِ، فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الوَقْتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الأَدَاءِ كَمَا دَخَلَ الوَقْتُ، وَخُرُوجُ الوَقْتِ دَلِيلُ زَوَالِ الحَاجَةِ، فَظَهَرَ اعْتِبَارُ الحَدَثِ عِنْدَهُ، وَالمُرَادُ بِالوَقْتِ: وَقْتُ المَفْرُوضَةِ، حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ المَعْذُورُ لِصَلَاةِ العِيدِ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهِ عِنْدَهُمَا،
وعند زفر لم يوجد الخروج من كل وجه (^١).
(فلا تعتبر) أي الوضوء السابق قبل الوقت.
فإن قيل: لما لم يعتبر عنده قبل الوقت، فكيف يوصف بالانتقاض عند الدخول؟
قلنا: عدم الاعتبار قبله باعتبار أن الحاجة بأداء الوقتية منعدمة قبله في حق تلك الطهارة، لا أنها غير معتبرة أصلا في جواز النوافل، وقضاء الفوائت.
وفي جامع الكردري: وجه قول زفر أن طهارتهم مقدرة بالوقت لما قلنا، والتقدير بالوقت يمنع الزيادة والنقصان، فلو قلنا لا ينتقض بالدخول لازدادت المدة المقدرة شرعًا وأنه لا يجوز.
قوله: (ليتمكن من الأداء كما دخل الوقت)، الكافي للمفاجأة لا للتشبيه، أي ليفاجئ تمكن الأداء دخول الوقت.
وذكر فخر الإسلام الوقت مقام الأداء في موضع الرخصة كما ذكر، ولأن تقديم الطهارة على الأداء واجب، فكان تقديمها على وقت الأداء جائز، ولهذا قال بعضهم على قياس قولهما: لو توضأ للعصر قبل وقت العصر جاز أن يصلي العصر به وقال بعضهم: لا يجوز؛ لما أن هذا دخول مشتمل على الخروج، وبه ينتقض لا بالدخول، وإليه أشار بقوله: (فعندهما)، أي عند أبي حنيفة ومحمد.
_________________
(١) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ١٨٢)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٨٢).
[ ١ / ٤٠٦ ]
وَهُوَ الصَّحِيحُ (*) لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةٌ لِلظَّهْرِ فِي وَقْتِهِ، وَأُخْرَى فِيهِ لِلْعَصْرِ، فَعِنْدَهُمَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ بِهِ، لِانْتِقَاضِهِ بِخُرُوجِ وَقْتِ المَفْرُوضَةِ. وَالمُسْتَحَاضَةُ: هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إِلَّا وَالحَدَثُ الَّذِي
(ليس له أن يصلي العصر)، وخصهما بالذكر مع أن الحكم عند الكل كذلك لما أن الشبهة ترد على قولهما حيث جوزا تقديم الوضوء على الوقت وما قالا بالانتقاض بالدخول، والمراد بالوقت أي الوقت الذي اعتبر خروجه ودخوله وقت المفروضية (^١).
(أن يصلي الظهر به)، أي بذلك الوضوء، ولو توضأ لصلاة الضحى له أن يصلي الظهر به أيضًا.
وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عما ذكر في الجامع الحسامي، وقال بعضهم: ليس له أن يصلي الظهر به لأنه خرج وقت صلاة واجبة، إذ صلاة العيد واجبة.
(لأنها)، أي صلاة العيد ليست بمكتوبة، بل هي واجبة أو سنة فأشبهت صلاة الضحى، حتى قال بعض المشايخ أنها صلاة الضحى أديت مع الجماعة.
قوله: (ولو توضأ مرة للظهر)، وقيل: إنما وضع المسألة في الظهر ليتبين أنه ليس بين وقت الظهر والعصر وقت مهمل، وما روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا صار كل شيء مثله يخرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر لا يصح، كذا في الخبازية (^٢).
قوله: (والمستحاضة هي التي) إلى آخره، هذا في حق الدوام والبقاء، أما في الابتداء فاستيعاب الوقت بالحدث شرط لتصير مستحاضة كما ذكرنا.
قال التمرتاشي والمرغيناني كما يشترط دوام السيلان في الوقت لثبوت حكم الاستحاضة يشترط دوام عدم السيلان لسقوط حكمها، ثم لا تجب عليها
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حينفة ومحمد.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٦٨٣).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٧٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ١٤٢).
[ ١ / ٤٠٧ ]
ابْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهَا،
أن تنظر إلى فرجها وقت كل صلاة، ولا يجب عليها الاستنجاء أيضًا لوقت كل صلاة، كذا في القنية (^١).
ويجب عليها غسل الثوب من الدم لكل صلاة في قول مقاتل، وقال ابن سلمة: ليس عليها ذلك؛ لأن أمر الثوب ليس أكد من أمر البدن.
وقال أبو القاسم في المبطون إذا كان بحال لا يبسط تحته ثوب إلا نجسه من ساعته: فإن له أن يصلي على حاله.
وفي الْمُجْتَبى: قال القاضي: لو غسلت ثوبها وهو بحال يبقى طاهرًا إلى أن يفرغ ولا يبقى أن يخرج الوقت عندنا يصلي بدون غسل الثوب، وعند الشافعي لا؛ لأن الرخصة عندنا مقدرة بخروج الوقت، وعنده بالفراغ من الصلاة.
وفي صلاة البقالي: لو نعلم أنها لو اغتسلته يبقى طاهرًا إلى أن تصلي يجب غسله بالإجماع، ولو علمت [أنه يعود] (^٢) نجسا غسلته عند أبي يوسف دون محمد (^٣).
وفي الحاوي: قال أبو القاسم: جرح سائل، فإن كان يسيل في كل وقت مرتين أو ثلاثًا توضأت لوقت كل صلاة، وإن كان يسيل مرةً، أو في وقتين مرةً توضأت لكل مرة، ومتى قدر على رد السيلان برباط، أو حشو، أو جلوس في الصلاة إيماء ولم يعالج لم يجزه (^٤).
وقال البزدوي: يجب رد السيلان بعلاج إن قدر، ولو سال عن جرحه دم انتظر آخر الوقت، ثم يتوضأ ويصلي قبل خروجه، فإن دخل وقت آخر ثم انقطع يتوضأ ويعيد، وإن لم ينقطع حتى خرج الوقت لا يعيد اعتبارًا للثبوت بالسقوط حتى لو انقطع دمها في خلاف صلاة الظهر ودوام الانقطاع إلى غروب الشمس أعادت الظهر، وإلا فلا.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١٨٤)، والبحر الرائق لابن نجم (١/ ٢٢٨).
(٢) في النسخ الخطية: (أنها تعود)، ولا يستقيم معها السياق، وما أثبتناه من المجتبى.
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٨٠).
(٤) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ١٨٥)، والبحر الرائق لابن نجم (١/ ٢٢٧).
[ ١ / ٤٠٨ ]
وَهُوَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ، وَمَنْ بِهِ اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ وَانْفِلَاتُ رِيحٍ، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ بِهَذَا تَتَحَقَّقُ، وَهِيَ تَعُمُّ الكُلَّ.