ولو وقع فيها عظم الميتة فإن كان عليه لحم أو دسم ينجس الماء لشيوع النجاسة في الماء، فأما عظم الخنزير فمحكوم بالنجاسة شرعًا، ولو ماتت فأرة في مائع ينجس وجاز الانتفاع به واستعماله في غير الأبدان وبيعه، ولو كان جامدا يلقى ما حولها وينتفع بالباقي أكلا وغيره؛ لما روي أنه ﵇ سئل عن فأرة تموت في السمن قال: «إن كانَ مائِعًا استضاؤوا به، وإن كان جامدًا فألقوها وما حولها وكُلوا» (^١).
[فَصْلٌ فِي الْأَسْارِ وَغَيْرِهَا]
لما ذكر أحكام ماء البئر لمناسبة ذكرناها، وتلك الأحكام مبنية على مجاورة الماء نفس الحيوان استدعى ذلك ذكر أحكام تتعلق بماء يجاور بعض الحيوان إذ الجزء يتبع الكل.
السؤر: بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء، ثم عم استعماله فيه وفي الطعام، والجمع: الأسار، والفعل: أسأر، أي أبقى مما شرب.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٨)، وأبو داود (٣/ ٣٦٤، رقم ٣٨٤٢)، وابن حبان (٤/ ٢٣٧، رقم ١٣٩٣) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه». قال الترمذي: وروى معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه، وهو حديث غير محفوظ، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: وحديث معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وذكر فيه أنه سئل عنه، فقال: «إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه، هذا خطأ، أخطأ فيه معمر، قال: والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس، عن ميمونة. السنن (١٧٩٨). وقال أبو حاتم الرازي: وهم، والصحيح: الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ .. علل الحديث (١٥٠٧). على أن عبد الرزاق قال عقب روايته وربما حدث به معمر عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ. وأخرجه النسائي (٧/ ١٧٨، رقم ٤٢٦٠) من حديث ميمونة، عن النبي ﷺ أنه سئل عن الفأرة تقع في السمن؟ فقال: إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه». ولم نقف على اللفظ الذي ذكره المؤلف هنا.
[ ١ / ٢٣٧ ]
(وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُوْرِهِ)، لِأَنَّهُمَا يَتَوَلَّدَانِ مِنْ لَحْمِهِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا حُكْمَ صَاحِبِهِ. قَالَ: (وَسُؤْرُ الآدَمِيّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ)، لِأَنَّ المُخْتَلِطَ بِهِ اللُّعَابُ وَقَدْ تَوَلَّدَ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ، فَيَكُونُ طَاهِرًا، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الجَوَابِ الجُنُبُ وَالحَائِضُ وَالكَافِرُ.
وقوله: (وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُورِهِ)، أي حكمها واحد، ولا مفارقة بينهما في الحكم، لا أن يكون أحدهما مقيسًا والآخر مقيسًا عليه؛ لأنهما متولدان من اللحم.
فإن قيل: ينتقض هذا بعرق الحمار فإنه طاهر غير مشكوك، وسؤره مشكوك.
قلنا: الأصل هذا إلا أنه خص عرقه بالنص، وهو ركوب النبي ﵇ الحمار مُعْرَوْرِيا (^١) والحَرُّ حَرُّ الحجاز أو نقول: الأصل مستمر غير منتقض لأن الشك في طهورية سؤره على الأصح لا في طهارته كما يجيء لأنهما أي اللعاب والعرق ذكر ضمير اللعاب وإن لم يذكره لما أن ذكره السؤر وهو ما خالطه اللعاب ذكر له كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر: ٤٥]، أي ظهر الأرض، فإن ذكر الناس ذكر لها لأن الناس على وجهها.
(يتولدان)، أي العرق واللعاب إذ كل واحد رطوبة متحللة من اللحم.
ثم اعلم أن الأشار أربعة: طاهر، ونجس، ومكروه، ومشكوك، فالطاهر سؤر الآدمي وما يؤكل لحمه.
وفي جامع الكردري: هذا إذا لم [يعلم] (^٢) شربه ونجاسته، أما لو علم شربه الخمر ثم شرب من ساعته الماء على الفور يحكم بنجاسته، وإن شرب بعد ساعة أو ساعتين فعلى الخلاف الذي يأتي في الهرة في هذا الجواب.
وهو قوله: (سؤر الآدمي) الجنب والحائض والكافر والمسلم، أما المسلم
_________________
(١) قال المطرزي: (وَاعْرَوْرَى الدَّابَّةَ) رَكِبَهَا عُرْيًا، (وَمِنْهُ): كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا، وَهُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ الْمُسْتَكِنِّ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الْمَفْعُولِ لَقِيلَ: مُعْرَوْرِيُّ. المغرب في ترتيب المعرب (ص ٣١٤).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ٢٣٨ ]
(وَسُؤْرُ الكَلْبِ) نَجِسٌ، وَيُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
فلما روي أنه ﵇ أتي بقدح من لبن فشرب، وناول الباقي أعرابيا كان على يمينه فشربه، ثم ناوله أبا بكر ﵁، كذا في المبسوط (^١).
فإن قيل: ينبغي أن يكون سؤر الجنب نجسا على قول أبي يوسف لوجود إسقاط الفرض عن فمه بشربه.
قلنا: في رواية عنه لم يرتفع الحدث هاهنا، وفي رواية أخرى عنه - وهو قول أبي حنيفة - يسقط الفرض، إلا أنه لم يحكم بنجاسة الماء نفيا للحرج، كذا ذكره شيخ الإسلام في مبسوطه (^٢).
وقال بعض أصحاب الظواهر: سؤر المشرك مكروه لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (^٣).
وقلنا: المراد به خبث الاعتقاد بدليل ما روي أنه ﵇ أنزل وفد ثقيف في المسجد وكانوا مشركين (^٤)، فلو كان عينه نجس لما أنزلهم، كذا في المبسوط (^٥).
ولأنه ﵇ أكل الطعام مع الكافر.
وأما سؤر الجنب والحائض: فلما روي أن حذيفة استقبل النبي ﷺ فأراد أن يصافحه فحبس يده، وقال: إني جنب، فقال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنجَس» (^٦)، وقال ﵇ لعائشة: ناوليني الخمرة، فقالت: أنا حائض، فقال عليه
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٧).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٢٤)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬١٩).
(٣) انظر: المحلى لابن حزم (١٣٧١)، وبداية المجتهد لابن رشد (١/¬٣٤).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ١٦٣، رقم ٣٠٢٦)، وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٢٨٥، رقم ١٣٢٨)، وأحمد (٤/ ٢١٨، رقم ١٧٩٤٢) من حديث عثمان بن لَهُ أبي العاص ﵁. وحسنه ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٢٠٧).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٧).
(٦) أخرجه مسلم (١/ ٢٨٢، رقم ٣٧٢) بلفظ: «إن المسلم لا ينجس». أما لفظ: «إن المؤمن لا ينجس» فقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجه البخاري (١/ ٦٥، رقم ٢٨٥)، ومسلم (١/ ٢٨٢، رقم ٣٧١).
[ ١ / ٢٣٩ ]
وَالسَّلَامُ: «يُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الكَلْبِ ثَلَاثًا» وَلِسَانُهُ يُلاقِي المَاءَ دُونَ الإِنَاءِ، فَلَمَّا تَنَجَّسَ الإِنَاءُ فَالمَاءُ أَوْلَى، وَهَذَا يُفِيدُ النَّجَاسَةَ وَالعَدَدَ فِي الغَسْلِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِي ﵀ فِي اشْتِرَاطِ السَّبْعِ، وَلِأَنَّ مَا يُصِيبُهُ بَوْلُهُ يَطْهُرُ بِالثَّلَاثِ، فَمَا يُصِيبُهُ
السلام: «حَيضُكِ ليسَ في يدكِ» (^١)، فكذا نقول في فمها، ولأن عائشة قالت: شَرِبتُ من إناء وأنا حائض، فوضع النبي ﷺ فَمَهُ موضعَ فَمِي وشَرِبَ (^٢).
وكذا سؤر ما يؤكل لحمه، لما روي أنه ﵇ توضأ بسؤر بعير أو شاة. وقال: «سؤر ما يؤكل لحمه طاهر»، ما خلا الدجاجة المخلاة فإن سؤرها مكروه لتفتيشها الجيف ومنقارها لا يخلو عن نجاسة، ولكن مع هذا لو توضأ جاز لأن طهارة منقارها بيقين وشك في نجاستها والشك لا يعارض اليقين، ولأن لحمها طاهر ولعابه متولد منه، كذا في المبسوط (^٣).
(الولوغ): (أب خوردن سباع بسرزبان)، قال أبو عبيد: الولوغ بضم الواو إذا شرب قليلا، وإذا كثر فهو بفتحها، والولوغ للسباع كالشرب لبني آدم، وقد يستعمل الشرب له ولا يستعمل الولوغ لبني آدم.
الكلب نجس عندنا، ويغسل الإناء من ولوغه ثلاثا، وعند مالك سؤر الكلب والخنزير وكل سبع طاهر؛ لأن الحيوان طاهر لكونه حيا وينجس بالموت (^٤)، وسئل النبي ﵇ عن الحياض التي تردها الكلاب والسباع فقال: «مَا وَلَغَتْ في بُطُونِها لَها وَمَا أَبْقَتْ فَهُوَ لَنَا شَرَابٌ طهور» (^٥).
وقلنا: هذا محمول على إذا ما كانت المياه كثيرة، وهو الغالب في مياه الفلوات لحديث ذكر في المتن وبه نقول إذا كان الماء كثيرا لا ينجس بولوغها، كذا في جامع الكردري.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٤٤، رقم ٢٩٨).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٢٤٥، رقم ٣٠٠).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٤٧).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١١٦)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٢١٦).
(٥) أخرجه الدارقطني (١/¬٣٦، ٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁. وضعفه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٥٨)، والنووي في خلاصة الأحكام (٤٤١).
[ ١ / ٢٤٠ ]
سُؤْرُهُ وَهُوَ دُونَهُ أَوْلَى.
وَالْأَمْرُ الوَارِدُ بِالسَّبْعِ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الإِسْلَامِ.
وما قيل أن حديث أبي هريرة مما تفرد به عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل ابن عياش وهما ضعيفان عند النقلة، طعن مبهم، والطعن المبهم لا يكون جرحًا عند الفقهاء، ولهذا لا يعتبر الجرح المبهم في باب الشهادة مع أنه أضيق من باب الرواية ففي بابها أولى أن لا يعتبر.
مع أن الطحاوي [روى] (^١) عن سليمان بن أبي إسحاق، عن أبي نعيم، عن عبد السلام بن حرب، عن أبي هريرة في الإناء ولغ فيه الهر أو الكلب يغسل ثلاث مرات (^٢)، وأبو هريرة أحد رواة السبع، والراوي متى عمل بخلاف روايته كان عمله دليلًا على نسخ الحديث أو تخصيصه، أو علمه بدلالة الحال أن مراد النبي ﷺ الندب فيما وراء الثلاث (^٣).
وفي القنية: لو أفتى مفتي بقول مالك أجزأه.
وفي المبسوط: سؤر الكلب طاهر عند مالك بناء على مذهبه في تناول لحمه (^٤).
ثم عند الشافعي يغسل الإناء من ولوغهما سبعًا أولاهن وأخراهن بالتراب، وفي شرح الوجيز: إحداهن بالتراب (^٥)، وعند أحمد يغسل ثمانية في رواية (^٦)، وعند مالك يغسل ثمانية من ولوغه تعبدًا، ومن أصحابه من يقول: العدد
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/¬٢٣، رقم ٧٤) وقال: فلما كان أبو هريرة قد رأى أن الثلاثة تطهر الإناء من ولوغ الكلب فيه. وقد روي عن النبي ﷺ ما ذكرنا ثبت بذلك نسخ السبع، لأنا نحسن الظن به، فلا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي ﷺ إلا إلى مثله، وإلا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته ولو وجب أن يعمل بما روينا في السبع ولا يجعل منسوخا لكان ما رو عبد الله بن المغفل في ذلك عن النبي ﷺ أولى مما روى أبو هريرة لأنه زاد عليه.
(٣) انظر: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب للمنبجي (١/ ٨٨).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٨).
(٥) انظر: الأم للشافعي (١/¬١٩)، والحاوي للماوردي (١/ ٣٠٦)، والمجموع للنووي (٢/ ٥٨٠).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (١/¬٣٩)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣١١).
[ ١ / ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مستحب، ولا يغسل من غير الولوغ لأن الكلب طاهر عنده، والغسل في الولوغ تعبد، وكذا الخنزير عنده (^١).
وفي الحلية: قال أحمد كل حيوان يؤكل لحمه فسؤره طاهر وكذلك الهرة وحشرات الأرض، وعنه في السباع روايتان، وكذا في البغل والحمار روايتان أصحهما أنه نجس، والثانية أنه مشكوك (^٢).
وفي شرح الوجيز ولو كان مكان التراب أشنانا ونحوه فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز، والثاني: لا يجوز (^٣).
واحتج الشافعي بما روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «طهور إناءِ أحدكم إذا وَلَغَ فيه الكلب أن يُغسل سبعًا أولاهُنَّ وأخراهُنَّ بالتراب» (^٤).
وفي المبسوط وفي بعض الروايات قال: «سبعًا، ويُعَفِّرُ الثامنة بالتراب» (٥). ب (^٥)، فلما تنجس الإناء من ولوغه فالماء أولى (^٦).
فإن قيل: يحتمل أن يكون الأمر بغسل الإناء للتعبد لا للتنجس كما قال مالك.
قيل في جوابه: هذا لا يصح لأن الجماد لا يصح لحكم العبادة.
فإن قيل: الحجر الذي رمى به إن أراد أن يرميه ثانيًا يغسل.
قلنا: الحجر آلة القربة وأقيم به القربة فيكون نجسا بعد الرمي كمال الزكاة، كذا في الكاثي، وفيه تأمل لأن غسله من قبيل العبادات كغسل الأعضاء الأربعة.
وقيل: لو كان تعبدا لوجب غسل غير موضع النجاسة كما في الحديث، وبالإجماع هذا الغسل يجب في موضع النجاسة فعلم أنه لإزالتها، وفيه تأمل أيضًا.
_________________
(١) انظر: الذخيرة للقارفي (١/ ١٨٢)، والمقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٩٠).
(٢) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢٤٤).
(٣) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (١/ ٢٦٠).
(٤) أخرجه البخاري (١/¬٤٥، رقم ١٧٢)، ومسلم (١/ ٢٣٤، رقم ٢٧٩).
(٥) أخرجه مسلم (١/¬٢٣٥، رقم ٢٨٠) من حديث عبد الله بن مغفل ﵁.
(٦) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٨).
[ ١ / ٢٤٢ ]
(وَ) سُؤْرُ (الخِنْزيرِ) نَجِسٌ لِأَنَّهُ نَجِسُ العَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ، (وَ) سُؤْرُ (سِبَاعِ البَهَائِمِ نَجِسٌ)،
وقيل في جوابه: الأمر بالغسل لنجاسته بدليل ما روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «طهور إناء أحدِكم إذا وَلَغَ فيه الكلب أن يُغسَلَ سبعًا»، وما روي عنه ﵇ أنه قال: «إذا ولَغَ فَلْيُرِقْهُ ثم يغسِلْهُ سَبْعًا» (^١).
والطهور مصدر كالطهارة فيقتضي سابقة حدث، وكذا الإراقة، ولأن ما يصيبه بوله يطهر بالثلاث.
وفي الخبازية: فيه نظر؛ لأن عند الشافعي بوله ودمه، وسائر ما هو نجس منه لا يطهر إلا بالغسل سبعًا، ذكره في التهذيب.
وفي شرح الوجيز: سائر فضلاته وأجزائه كلعابه، وفي وجه كسائر النجاسات، فعلى هذا الوجه يتم الإلزام محمول على الابتداء؛ فإنه ﵇ كان يشدد في أمر الكلاب في الابتداء منعًا من اقتنائه على ما روي أنه ﵇ قال: «من اقتنى كلبًا إلا لماشيته أو صيده نقص من أجره كلَّ يومٍ قيراط» (^٢)، والدليل عليه أنه قال: «وعَفَّروا الثامنة بالتراب»، والتعفير ليس بواجب بالاتفاق، كذا في الفوائد الظهيرية، وفيه تأمل لأنه ذكر في شرح الوجيز التعفير واجب، إلا أن نقول تعفير الثامنة بالتراب غير واجب بالاتفاق.
قوله: (وسؤر سباع البهائم نجس)، كالفهد، والأسد، والذئب، والنمر نجس، خلافًا للشافعي (^٣)، ومالك (^٤)، وأحمد في رواية (^٥)، لهم حديث ابن عمر أنه ﵇ سئل فقيل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: «نعم، وبما أفْضَلَتِ السّباعُ كلُّها» (^٦)، وبما روى جابر أنه ﵇ سئل عن الحياض كما
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٣٤، رقم ٢٧٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ١٠٣، رقم ٢٣٢٣)، ومسلم (٣/ ١٢٠٤، رقم ١٥٧٦) من حديث سفيان بن أبي زهير ﵁.
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/¬١٨)، والمجموع للنووي (١/ ١٧٢).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١١٥)، والمقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٨٨).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (١/¬٣٦)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٤٢).
(٦) أخرجه: الدارقطني (١/¬١٨، ٢١) من حديث ابن عمر ﵄. قال الدارقطني: فكان في هذه الرواية قوة لرواية محمد بن إسحاق.
[ ١ / ٢٤٣ ]
خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ ﵀ فِيمَا سِوَى الكَلْبِ وَالخِنْزِيرِ، لِأَنَّ لَحْمَهَا نَجِسٌ، وَمِنهُ يَتَوَلَّدُ اللُّعَابُ، وَهُوَ المُعْتَبَرُ فِي البَابِ.
روينا (^١)، ولأنها طاهرة بدليل طهارة جلدها وحرمة أكل لحمها لصون طباع بني آدم عن تعدي طباعها بواسطة التعدي دون النجاسة.
ولنا حديث عمرو بن العاص، وعمر ﵄ أنهما وردا حوضا فقال عمرو: يا صاحب الحوض أترد السباع ماءكم هذا؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا (^٢)، ولولا أنهما كانا يريان التنجس بورودهما وإلا لم يكن لسؤال عمرو ونهي عمر معنى، ولأنه سؤر سباع يمكن الاحتراز عنها فكان نجسا كسؤر الخنزير،
وتأويل الحديثين أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام قبل تحريم لحم السباع، أو السؤال وقع عن الحياض الكبار، كذا في المبسوطين (^٣).
وقيل: روى حديث: «وبِما أَفْضَلَتِ السِّباعُ» داود بن الحصين، عن جابر ولم يَلقَه فَضعُف الاحتجاج به، ولئن ثبت فهو محمول على الماء الكثير في الغدران.
قوله: (لأن لحمها نجس)، بدليل حرمة الأكل لأن حرمة الأكل قد ثبتت لفساد الغذاء كالذباب والخنفساء والتراب لأن الأكل في الأصل ما أبيح إلا للغذاء فصار بدونه عبثًا أو للخبث طبعًا كالضفدع والخنفساء مما لا يعتاد الناس أكله بغير شرع لاستخباثهم إياها أو للنجاسة لأنه تعالى حرَّم أكل كل نجس بنفسه كالخمر، أو للمجاورة كماء وقعت فيه نجاسة، أو للاحترام كما في الآدمي ليبقى محترما، ولا احترام للسباع ولا خبث فيها فإنها كانت تؤكل قبل
_________________
(١) أخرجه: الشافعي في "المسند" (١٠)، والدارقطني (١/ ١٠١، ١٧٥)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٤٩، رقم ١٢٢٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵄. وضعفه النووي في خلاصة الأحكام (٤٤٢)، وابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٦٢)
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (١/¬٢٣، رقم ١٤)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٠٩، رقم ٢٣٤)، والدارقطني (١/¬٣٨، رقم ٦٢).
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٤٩).
[ ١ / ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التحريم، ولا عدم الفساد وهو ظاهر، فلم يبق إلا النجاسة، ولا يجوز أن تكون الحرمة لتعدي الطبع؛ لأن في الطباع نفرة عنها بخلاف الخمر ولهذا تؤكل قبل التحريم، كذا قيل فلما حرم لحمها علم أنه نجس.
فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز بيعها لأنها نجس العين كالخنزير، ولكن الحرمة غير شاملة للجلد والعظم والشعر والعصب وما لا يؤكل منه طاهر فأشبه دهنا نجسًا للمجاورة، وجلده إنما يطهر بالدباغ لأنه بين اللحم والجلد جلدة رقيقة تمنع مماسة اللحم الجلد ذكره في الأسرار، وهو اختيار المحققين من أصحابنا.
وبعضهم يقول: يطهر اللحم وجلده بالذكاة، وهو اختيار المصنف، وتمسكوا بحديث ذكرناه، ولكن يلزم على المصنف حيث تمسك في نجاسة السؤر بنجاسة اللحم، وقد ذكر أنه يطهر بالذكاة فكان نجسا من المجاور من الدماء والرطوبات النجسة فيلزم أن يكون لعابه طاهرًا؛ فإن لحم الشاة نجس بالمجاورة أيضًا حتى لو لم يُذَكَّ لم يطهر فكان الإشكال عليه لازما، كذا قرره شيخي ﵀.
وأجيب عنه بأن اللحم وإن كان نجس العين يحتمل أن يتبدل إلى الطهارة بأمر شرعي، فإن جلد الميتة نجس العين حتى لم يجز بيعه بالاتفاق، ولو كان نجسا بالمجاورة لجاز بيعه كالثوب النجس، واللبن النجس (^١).
ثم الدباغ أثر فيه وطهره كتحليل الخمر، فعلم أن ما هو نجس العين يحتمل التبدل إلى الطهارة بأمر شرعي، ثم الذكاة تؤثر في تبديل الجلد الذي هو نجس العين إلى الطهارة فيجوز أن تؤثر في اللحم أيضًا فيكون اللحم نجس العين قبل الذكاة وبعده طاهر، كالخمر قبل التخليل نجس العين وبعده طاهر، ولا يلزم عليه الخنزير لأن الذبح لم يؤثر بالتطهير في جلده لإخراج الشرع إياه عن قبوله لم يؤثر في لحمه أيضًا فثبت أن طهارة اللحم بالذبح لأنها في النجاسة قبله.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٧٨).
[ ١ / ٢٤٥ ]
(وَسُؤْرُ الهِرَّةِ) طَاهِرٌ مَكْرُوهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهِ، لِأَنَّ «النَّبِيَّ
قيل: في هذا الجواب ضعف؛ لأنه يؤدي إلى تخصيص العلة لأن نجاسة اللحم إنما عرفت من حرمة الأكل، لا للكرامة مع صلاحية الغذاء وهي باقية بعد الذكاة.
فلو قلنا بطهارة اللحم مع بقاء الحرمة المستدعية للنجس كان نقضًا وتخصيصا، ولأن الذكاة إنما عرف مطهرًا شرعًا بواسطة إراقة الدماء، وإزالة الرطوبات النجسة، وإليه أشار النبي ﵇ بقوله: «كُلُّ ما أنهرَ الدَّمَ» (^١)، لا بواسطة تبديل العين، ولهذا لا يؤثر في جلد الخنزير ولحمه بوجه، فجعل الذبح مبدلًا خلاف ما اقتضاه دليل الشرع.
وحرمة بيع جلد الميت ليست لنجاسة العين، بل باعتبار اتصال الرطوبات النجسة خلقة بالجلد، جعل ذلك أصلا فألحق باللحم لا بما تنجس بمجاور، وقد قال علماؤنا في ودك الميتة تختلط بودك الذكية وودك الميتة غالب: لا يجوز بيعه، وإن تنجس بالمجاور فكان الجلد بتلك المنزلة قبل الدبغ، إليه أشير في الأسرار (^٢).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: ذكر محمد نجاسة سؤر السباع ولم يُبين أنها خفيفة أم غليظة، فعن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: غليظة، وعن أبي يوسف أن سؤر ما لا يؤكل لحمه كبول ما يؤكل لحمه، وفي الإيضاح: عن محمد سؤر الفيل مكروه لأنه ذو ناب (^٣).
قوله: (طاهر مكروه)، وفي المبسوط: هذا لفظ الجامع الصغير، وأما لفظ كتاب الصلاة قال: وإن توضأ بغيره أحب إلي، وذكر شيخ الإسلام عن أبي يوسف: لا بالتوضي به، وهو قول الشافعي (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦)،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٤٢، رقم ٢٥٠٧)، ومسلم (٣/ ١٥٥٨، رقم ١٩٦٨) من حديث رافع بن خديج ﵁.
(٢) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (٣/¬١٩)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٥/ ٤٢٠).
(٣) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬١٩)، والبحر الرائق لابن نجم (١/ ١٣٧).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ٣١٧)، والمجموع للنووي (١/ ١٧٢).
(٥) انظر: عيون الأدلة لابن القصار (٢/ ١٢٣)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/¬٤٤).
(٦) انظر: المغني لابن قدامة (١/¬٣٦)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٤٣).
[ ١ / ٢٤٦ ]
﵊ كَانَ يُصْغِي لَهَا الإِنَاءَ فَتَشْرَبُ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ». وَلَهُمَا: قَوْلُهُ ﵊: «الهِرَّةُ سَبْعٌ» وَالمُرَادُ بَيَانُ الحُكْمِ دُونَ الخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ (*)،
واحتجوا بالحديث المذكور في الكتاب، وبما روي عن عائشة أنها كانت تصلي وفي بيتها قصعة من هريسة فجاءت هرة وأكلت منها، فلما فرغت من صلاتها دعت جاراتها فكُنَّ يَتَحَامَين من موضع فمها، فمدت يدها وأخذت من موضع فمها وأكلت وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الهِرَّةُ ليسَتْ بنجِسَةٍ فإنها مِنَ الطَّوافِينَ»، فما بالكم لا تأكلن (^١).
وقوله: (ليست بنجسة): يكون في موضع النفي فيقتضي أن لا تكون نجسة بوجه، وفي الكراهة شيء منها خصوصا إذا كانت للتحريم، ولأنها نوع بهيمة يجوز اقتناؤها على الإطلاق فلا يكره التوضؤ بسؤرها قياسًا على الإبل.
ولنا حديث عمر قال: يغسل الإناء من ولوغ الهرة مرةً، وفيه إشارة إلى الكراهة، والحديث المذكور في المتن، وقد حكم عبد الله بن مسلمة من أصحاب مالك في الدجاج والإوز تأكل العذرة فتشرب من الإناء أنه مشكوك فيجمع بينه وبين التيمم كما في سؤر الحمار.
قال القاضي الإمام ظهير الدين: السبع مأخوذ من السبع وهو القهر وسمي يوم القيامة يوم السبع لأنه يوم يقع فيه القهر على أعداء الله تعالى، والهرة على هذا سبع لقهرها الحشرات.
وقوله: (المراد بيان الحكم)، بيان لوجه التمسك، يعني أنه ﵇ بعث لبيان الشرائع لا لبيان الحقائق فيكون المراد به بيان الحكم.
ثم الحكم إما بنجاسة السؤر، أو كراهية السؤر، أو حرمة اللحم، ولا يجوز أن يلحق به في جميع الأحكام؛ لأن القول بنجاسة سؤره مع الكراهة غير ممكن، أو في حرمة اللحم لما أنها ثابتة بنهي النبي ﷺ عن أكل ذي ناب من
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(٢) أخرجه أبو داود (١/¬٢٠، رقم ٧٦)، والدارقطني (١/ ١١٧، رقم ٢١٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٤٦، رقم ١٢١٠). قال الدارقطني: ورواه عنه هشام بن عروة ووقفه على عائشة.
[ ١ / ٢٤٧ ]
إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَت النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوافِ فَبَقِيَت الكَرَاهَةُ. وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ، ثُمَّ قِيلَ: كَرَاهَتُهُ لِحُرْمَةِ اللَّحْمِ، وَقَبِل: لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةِ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى التَّنَزُّهِ وَالْأَوَّلُ إِلَى القُرْبِ مِنَ التَّحْرِيمِ … … .
السباع، أو في كراهة السؤر وهو المراد، أو في نجاسته وهي منتفية بالإجماع، أو بما روينا، أو بالضرورة، ولأن في القول بالكراهة جمعًا بين الحديثين.
فإن قيل: هذا الكلام إنما يستقيم أن لو كان هذا الحديث واردا بعد تحريم السباع.
قلنا: حرمة لحمه إن كانت قبل هذا الحديث فظاهر، وإن لم تكن لا تكون الحرمة من لوازم كونه سبعًا فلا يمكن جعله مجازا فيها.
أو نقول: لا يجوز أن تكون حرمة اللحم مرادة من هذا الحديث؛ لأن فيه حمل كلام النبي ﵇ على الإعادة لا على الإفادة، سواء كان هذا الحديث سابقًا، ولا تأمل يرد.
وفي الخبازية: أو نقول: إذا لم يعرف التاريخ تجعل كأنهما وردا معًا، وإضافة الحرمة إلى ما هو صريح في التحريم أولى، فبقيت الكراهية لقصور العلة لأنه يمكن حفظ الأواني فيها بحيلة بأن تسد أفواهها.
(وما رواه): أي أبي يوسف.
(محمول على ما قبل التحريم) السباع، أو على أنها لا تأكل الفأرة كرامة للنبي ﵇، وأما غيرها فيأكل فيحمل أنها شربت عقيب أكل الفأرة، ويحتمل غير ذلك فكان مكروها (^١).
(ثم قيل: كراهته لحرمة اللحم)، كذا قاله الطحاوي، وهذا يدل على أنه إلى التحريم أقرب.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: قال الكرخي: كراهة سؤرها ليست لنجاسة لحمها فإنه ﵇ نص على أنها ليست بنجسة، وإنما الكراهة لتوهم النجاسة في فمها؛ فإنها لا تتوقى عنها غالبًا، ولأنها تأكل الفأرة عادة فيتنجس
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٨٥).
[ ١ / ٢٤٨ ]
وَلَوْ أَكَلَتْ فَأَرَةٌ ثُمَّ شَرِبَتْ عَلَى فَوْرِهِ المَاءَ تَنَجَّسَ، إِلَّا إِذَا مَكَثَتْ سَاعَةً لِغَسْلِها فَمَهَا بِلُعَابِهَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الصَّبِّ لِلضَّرُورَةِ.
فمها، غير أن الغسل متعذر فتسقط نجاستها، وبقيت الكراهة.
أو نقول: فمن حيث إن النجاسة موهومة غالبًا أثبتنا الكراهة، ومن حيث إنها غير ثابتة بيقين لم يحكم بنجاسته كما في يد الصبي.
وفي النهاية: هو الأصح لموافقته الأثر.
وفي جامع فخر الإسلام: دليل كراهة سؤرها إجماعهم على كراهة سؤر الفأرة والحية، وإنما أخذ حكمها من الهرة فلا يصح أن يفارق الأصل حكم الفرع، ومما يجب حفظه أنها إذا لحست عضوًا ينبغي أن لا يستهان به فيصلي من غير غسل لأن ذلك مكروه (^١).
وفي جامع شمس الأئمة: وبهذا يتبين جهل العوام فإنهم يتركون الهرة لتدخل تحت لحافهم وتلحسهم ولا يغسلون ذلك الموضع وذلك مكروه ويضعون الطعام بين يديها فتأكل بعضه فيرفعه ذلك الجاهل ويأكله (^٢).
قوله: (ولو أكلت فأرة ثم شربت على فوره)، وفي جامع الكردري، والمجتبى: وكذا حكم من شرب الخمر، ثم شرب الماء على الفور ينجس الماء بالإجماع أيضًا (^٣).
(والاستثناء)، يعني به قوله: (إلا إذا مكثت ساعة) على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن عند محمد، وزفر، والشافعي: لا يجوز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة فلا يطهر فمه عندهم، ولو شرب الماء الطاهر يطهر.
وعندهما يجوز، لكن سقط اشتراط الصب للتطهير عند أبي يوسف هاهنا للضرورة، كما سقط في غسل الثوب النجس في الإجانة بالاتفاق.
و(للضرورة) على أظهر القولين منه.
_________________
(١) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٢٠)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٢٦).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٣٩).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٣٩).
[ ١ / ٢٤٩ ]
(وَ) سُؤْرُ (الدَّجَاجَةِ المُخَلَّاةِ) مَكْرُوهُ، لِأَنَّهَا تُخَالِطُ النَّجَاسَةَ، وَلَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةٌ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنْقَارُهَا إِلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهَا لَا يُكْرَهُ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ عَنِ المُخَالَطَةِ (وَ) كَذَا سُؤْرُ (سِبَاعِ الطَّيْرِ) لِأَنَّهَا تَأْكُلُ المَيْتَاتِ فَأَشْبَهَ المُخَلَّاةَ.
وكذا لو قاء صبي على ثدي أمه، ثم مصها مرارا، أو أصاب عضوه أو ثوبه نجاسة فلحسها بلسانه حتى زال أثرها تطهر عند أبي حنيفة.
(ولو كانت محبوسة بحيث لا يصل)، قيد بهذا لأن هذا أحد وجهي كونها محبوسة، وفي مبسوط شيخ الإسلام: لو كانت محبوسة لا يكره لعدم النجاسة على منقارها، لا من حيث الحقيقة، ولا من حيث الاعتبار لأنها لا تجد عذرات غيرها حتى تجول فيها، وهي في عذرات نفسها لا تجول (^١).
والوجه الثاني: ما حكي عن الإمام الحاكم عبد الرحمن أنه قال: لم يرد بكونها محبوسة أن تكون محبوسة في بيتها؛ لأنها وإن كانت محبوسة في بيتها تجول في عذرات نفسها فلا يؤمن من أن يكون على منقارها قذر فيكره كما لو كانت مخلاة، وإنما يريد محبوسيتها أن تحبس في بيت لتسمن بالأكل فيكون رأسها وعلفها وماؤها خارج البيت فلا يمكنها أن تجول في عذرات نفسها، وما ذكر في الكتاب من هذا الوجه (^٢).
قوله: (وكذا سؤر سباع الطير)، معطوف على قوله: (وسؤر الدجاجة المخلاة)، ثم كراهة سؤر سباع الطير يثبت استحسانا لأن القياس يوجب نجاسته؛ لأن السؤر معتبر باللحم، وفي الاستحسان طاهر مكروه؛ لأنها تشرب بمنقارها وهو عظم جاف، بخلاف سباع الوحش فإنها تشرب بلسانها، ولسانها رطب بلعابها، ولأن في سباع الطير ضرورة وبلوى لأنها تنقض من الهواء فتشرب فلا يمكن صون الأواني عنه خصوصا في الصحاري، بخلاف سباع الوحش، كذا في المبسوط (^٣).
وذكر التمرتاشي: لكن تناولها الجيف غالبا فأخذت الكراهة، ولو توضأ به
_________________
(١) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١/¬٢٧)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٢٠).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٤٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٢٥).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٨).
[ ١ / ٢٥٠ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةٌ وَيَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ لَا قَذَرَ عَلَى مِنقَارِهَا لَا يُكْرَهُ، وَاسْتَحْسَنَ المَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ (وَ) سُؤْرُ (مَا يَسْكُنُ البُيُوتَ كَالحَيَّةِ وَالفَارَةِ مَكْرُوهُ)، لِأَنَّ حُرْمَةَ اللَّحْمِ أَوْجَبَتْ نَجَاسَةَ السُّوْرِ، إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَت النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوافِ فَبَقِيَت الكَرَاهَةُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى العِلَّةِ فِي الهِرَّةِ.
قَالَ: (وَسُؤْرُ الحِمَارِ وَالبَغْلِ مَشْكُوكٌ فِيهِ)،
عند عدم الماء المطلق يجوز بلا كراهة، وكذا في الهرة، ذكره في جامع قاضي خان (^١).
وفي المحيط: أن أبا يوسف اعتبر الكراهة لتوهم إيصال النجاسة بمنقارها لا لوصول لعابها، فإذا لم يكن على منقارها نجاسة لا تكره، واستحسن المتأخرون روايته وأفتوا بها (^٢).
(والتنبيه على العلة)، أي نفي التنبيه على العلة، فإنه ﵇ لما علل بسقوط نجاسة الهرة بالتطوف دفعًا للضرورة فكان مقتضاه أن يوجد الحكم المرتب على تلك العلة أينما وجدت العلة، وقد وجدت في سواكن البيوت بعينها، بل أزيد منها؛ فإن ثلمة البيت إذا سدت لا يمكن للهرة أن تدخل فيه.
وما يسكن البيوت كالحية والفأرة لا يمكن منعها عن الطواف في البيت فتسقط النجاسة فيها بالطريق الأولى، وتعدي الحكم فيها بالعلة المنصوصة، وكان الكردري يقول: إنه تعالى علل لسقوط وجوب الاستئذان بعلة الطواف فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النور: ٢٩] إلى قوله ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]، واستدل النبي ﵇ في سؤر الهرة بتعليل الله فيه على سقوط النجاسة، ثم استدل أبو حنيفة بتعليله ﵇ في سؤر الهرة على سقوط نجاسة سؤر سواكن البيوت لعلة الطواف أيضًا (^٣).
قوله: (سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه)، وبه قال أحمد في رواية (^٤)،
_________________
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٢٦).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/¬٤٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٢٥).
(٣) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ١١٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٨٤).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/¬٣٦)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٤٢).
[ ١ / ٢٥١ ]
قِيلَ: الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَكَانَ طَهُورًا مَا لَمْ يَغْلِبُ اللُّعَابُ عَلَى المَاءِ، وَقِيلَ: الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ المَاءُ المُطلَقُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رَأْسِهِ، … … ..
وقال الشافعي: طاهر وطهور (^١)، وبه قال مالك (^٢).
وفي السهيلي: فالأسار على قول الشافعي نوعان نجس وهو سؤر الكلب والخنزير، وطاهر وطهور وهو سائر الآسار.
وفي المبسوط: كان أبو طاهر الدباس ينكر هذا القول، ويقول: لا يجوز أن يكون شيء من أحكام الشرع مشكوكا، ولكن معناه يحتاط فيه فلا يتوضأ به حالة الاختيار، وإذا لم يجد غيره يجمع بينه وبين التيمم (^٣).
وذكر فخر الإسلام: وسمي مشكلا لتعارض الأدلة في طهارته وعدم طهارته، لا أن يعني بكونه مشكلا الجهل بحكم الشرع، وفي شرح القدوري: القول بالتوقف عند تعارض الأدلة دليل العلم وغاية الورع، والشك حكم بطهارته مع قوله ﵇ في الحمار أنه رجس.
قوله: (وقيل الشك في طهارته)، الأجود أن يكون بغير واو لأنه أول القولين فلا عطف.
(ما لم يغلب اللعاب على الماء)، إذ اختلاط الطاهر لا يخرجه عن كونه طهورا ما لم يصر مغلوبا.
(لا يجب عليه غسل رأسه)، أي ما مسحه بسؤر الحمار فلو كان الشك في طهارته لوجب، وإنما عَيَّن الرأس لأن غيره من الأعضاء يطهر بصب الماء عليه حقيقة وحكما وهو أي قوله: (وقيل: الشك في طهوريته).
ثم عطف عليه لبنه وعرقه بكونهما طاهرين مطلقًا، وهذا في العرق بحكم الروايات الظاهرة صحيح، أما في اللبن فغير صحيح، لما أن الرواية في الكتب المعتبرة بنجاسة لبنه أو تسوية النجاسة والطهارة بذكر الروايتين.
_________________
(١) انظر: البيان للعمراني (١/ ٥٣)، والمجموع للنووي (٢/ ٥٥٩).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١١٥)، وعيون الأدلة لابن القصار (٢/ ١٢٣).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٩).
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَكَذَا لَبَنُهُ طَاهِرٌ وَعَرَقُهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَإِنْ فَحُشْ، فَكَذَا سُؤْرُهُ، وَهُوَ الأَصَحُ، وَيُرْوَى: نَصَّ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى طَهَارَتِهِ (*)،
ولم يرجح جانب الطهارة أحد إلى في رواية غير ظاهرة عن محمد، فقد ذكر في المبسوط في تعليل سؤره، وكذلك اعتبار سؤره بعرقه يدل على طهارته، واعتباره بلبنه يدل على نجاسته، فجعل لبنه نجسا كما ترى (^١).
وفي المحيط: لبنه نجس في ظاهر الرواية، وعند محمد أنه طاهر ولا يؤكل (^٢).
واعتبر التمرتاشي، والبزدوي فيه الكثير الفاحش، وهو الصحيح، وعن عين الأئمة أنه نجس نجاسة غليظة؛ لأنه حرام بالإجماع (^٣).
وفي فتاوى قاضي خان: في طهارته روايتان (^٤).
وأما في عرقه: فعن أبي حنيفة ثلاث روايات: في رواية: نجاسة غليظة، وفي رواية: خفيفة، وفي رواية: طاهر، وعليه الاعتماد.
وفي القدوري: أنه طاهر في الروايات المشهورة، كذا في المحيط (^٥).
وفي المُجْتَبَى: روي أن سؤر الحمار غير معفو عنه في الماء دون الثوب والبدن.
وقيل: سؤر الفحل نجس لأنه يشم البول فيتنجس فمه، وسؤر الأتان مشكل، والأصح عدم الفرق؛ لأن هذا موهوم فلا يتنجس به.
وعن أبي حنيفة، وزفر، والحسن: ينجس (^٦).
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٩).
(٣) المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازة (١/ ١٣١).
(٤) شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ١١٤).
(٥) فتاوى قاضي خان (١/¬٨).
(٦) المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازة (١/ ١٣١).
(٧) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٣٩).
[ ١ / ٢٥٣ ]
وَسَبَبُ الشَّكِّ تَعَارُضُ الأَدِلَّةِ فِي إِبَاحَتِهِ وَحُرْمَتِهِ، أَوْ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ.
وروي أن لبنه طاهر، واتفقوا على طهارة عرقه، وذكر القدوري أن لبنه نجس، نص محمد في مبسوط شيخ الإسلام روي عن محمد أنه قال: أربع لو غمس فيه الثوب لم ينجس: سؤر الحمار، والماء المستعمل، ولبن الأتان، وبول ما يؤكل لحمه.
وفي جامع الكردري: روي عن محمد نصا أن سؤر البغل والحمار طاهر ولبن الأتان طاهر ولا يؤكل وبه قال الإِصْطخري من أصحاب الشافعي.
قوله: (وسبب الشك)، في المبسوط (^١): تعارضت الأخبار في أكل لحمه، فإنه روي أنه ﵇ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (^٢)، وروي أن مالك بن أبجر (^٣) قال: لم يبق لي مال إلا حميرات، فقال ﵇: «كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ» (^٤).
قال شيخ الإسلام في مبسوطه: هذا لا يقوى لأن لحمه حرام بلا إشكال؛ لأنه اجتمع المحرم والمبيح فغلب المحرم عليه، كما لو أخبر عدل بأن هذا اللحم ذبيحة مجوسي، والآخر أنه ذبيحة مسلم لا يحل أكله لعلة الحرمة، فكان لحمه حرام بلا إشكال، ولعابه متولد منه فيكون نجسا بلا إشكال (^٥).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/¬٤٩).
(٢) أخرجه البخاري (٧/¬١٢، رقم ٥١١٥)، ومسلم (٢/ ١٠٢٧، رقم ١٤٠٧) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٣) في المبسوط: (غالب بن أبجر)، وقد اختلفت الرواة في ضبط اسمه، فيل: أبجر، وقيل: ابن أبجر، وقيل: غالب بن أبجر، وقيل: غالب بن ديح، وقيل: غالب بن ذريح، غير أننا لم نقف على أحد سماه: (مالك بن أبجر).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٥٦، رقم ٣٨٠٩)، والطيالسي في المسند (٢/ ٦٣٩، رقم ١٤٠١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٧٧، رقم ٢٤٨٢٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٠٣، رقم ٦٣٧٠). وضعفه ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٢٨٩).
(٥) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٩٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٩٢).
[ ١ / ٢٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: سبب الإشكال اختلاف الصحابة، فإنه روي عن ابن عمر أنه كان يكره التوضؤ بسؤر البغل والحمار، وعن ابن عباس أنه قال: الحمار يعتلف القت والتبن فسؤره طاهر.
قال شيخ الإسلام: وهذا لا يقوى أيضًا؛ لأن الاختلاف في طهارة الماء ونجاسته لا يوجب الإشكال، كما في إناء أخبر عدل أنه طاهر، وآخر أنه نجس فالماء لا يصير مشكلًا، وقد استوى الخبران، وبقي العبرة للأصل فكذا هاهنا.
ولكن الأصح في التمسك أن دليل الشك هو التردد في الضرورة فإن الحمار يربط في الدور والأفنية فيشرب من الأواني، وللضرورة أثر في إسقاط النجاسة كما في الهرة والفأرة، إلا أن الضرورة فيه دون الضرورة فيهما لدخولهما مضايق البيت بخلاف الحمار، ولو لم تكن الضرورة ثابتة أصلًا كما في الكلب والسباع لوجب الحكم بالنجاسة بلا إشكال.
ولو كانت الضرورة مثل الضرورة فيهما لوجب الحكم بإسقاط النجاسة، فلما ثبتت الضرورة من وجه دون وجه، واستوى ما يوجب الطهارة والنجاسة تساقطا للتعارض فوجب المصير إلى الأصل، والأصل هاهنا شيئان: الطهارة في جانب الماء، والنجاسة في جانب اللعاب؛ لأن لعابه نجس كما بينا، وليس أحدهما بأولى من الآخر يبقى الأمر مشكلًا نجسًا من وجه، طاهرًا من وجه، فكان الإشكال عند علمائنا بهذا الطريق لا لإشكاك في لحمه، ولا لاختلاف الصحابة في سؤره، وبهذا التقرير يندفع كثير من الأسئلة.
وقيل: وجه الإشكال أن عرقه طاهر ولبنه حرام، فلو ألحقنا لعابه بعرقه يكون طاهرًا، ولو ألحقناه بلبنه يكون نجسًا، منها أن المبيح والمحرم إذا اجتمعا فغلب المحرم احتياطًا فإن القول بالاحتياط إنما يكون في ترجيح الحرمة في غير هذا الموضع، أما هاهنا الاحتياط في إثبات الشك لأنا لو رجحنا الحرمة للاحتياط يلزم ترك العمل به؛ لأنه حينئذ لا يجوز استعمال سؤر الحمار مع احتمال كونه مطهرًا باعتبار الشك فكان متيممًا عند وجود الماء في أحد الوجهين، وذلك حرام فلا يكون عملًا بالاحتياط، ولا بالمباح.
[ ١ / ٢٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما قيل أن في تغليب الحرمة تقليل النسخ فذلك في تعارض النصين لا في الضرورة.
ومنها أن يقال: لما وقع التعارض في سؤره وجب المصير إلى الخلف وهو التيمم كمن له إناءان أحدهما طاهر والآخر نجس فاشتبه عليه فإنه يسقط استعمال الماء ويجب التيمم فكذا هاهنا.
قلنا: الماء هاهنا طاهر لما ذكرنا أن قضية الشك أن يبقى كل واحد على حاله ولم يزل الحدث لأنه ثابتا بيقين، فيبقى أن يوجد المزيل بيقين، والماء طاهر ووقع الشك في طهوريته فلا يسقط استعماله بالشك بخلاف الإناءين؛ فإن أحدهما نجس يقينا، والآخر طاهر يقينا، لكنه عجز عن استعماله لعدم علمه فيصار إلى الخلف.
ومنها: أن التعارض لا يوجب الشك كما في إخبار عدلين بالطهارة والنجاسة حيث يتوضأ بلا تيمم.
قلنا: في تعارض الخبرين وجب تساقطهما فرجحنا كون الماء مطهرًا باستصحاب الحال، والماء كان مطهرًا قبله وهاهنا تعارضت جهتا الضرورة فتساقطا، فأبقينا ما كان على ما كان أيضًا، إلا أن هاهنا ما كان ثابتا على حاله قبل التعارض شيئان: جانب الماء، وجانب اللعاب، وأحدهما ليس بأولى من الآخر فوجب الشك.
ومنها: ما قيل في استعمال الماء ترك العمل بالاحتياط من وجه آخر؛ لأنه إن كان نجسا ففيه تنجس العضو.
قلنا: الشك في كونه مطهرًا لا في كونه طاهرًا، فحينئذ لا يرد السؤال، وعلى الرواية الأخرى الشك وإن كان في طهارته لكن الاحتياط أيضًا في استعماله؛ لأن العضو طاهر بيقين فلا يتنجس بالشك، والحدث ثابت بيقين فلا يزول به، فيجب ضم التيمم إليه وهذا الواضح مقتبس من تلويحات شيخ الإسلام في مبسوطه بتقريره، ومن فوائد العلامة.
[ ١ / ٢٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الخبازية: أخذ الأوزاعي ومن تابعه بحديث أبجر، فقالوا: يباح لحمه، والعامة قالوا بحرمة لحمه ورجحوا المحرم على المبيح، وقد ثبت طهارة السؤر مع حرمة اللحم لأجل البلوى كما ذكرنا.
ثم قال: فإن قيل لما تعارضت الأدلة في لحمه وقد ترجح المحرم ينبغي أن يكون سؤره نجسًا للاحتياط أيضًا كما هو رواية عن أبي حنيفة؛ لأن حرمة الشيء مع كونه صالحًا للغذاء دليل نجاسته.
قلنا: الأصل في التعارض الجمع إلا أن لا يمكن، ولم يمكن في اللحم للتضاد، وفي السؤر يمكن بأن يكون واجب الاستعمال عملا بدليل الطهارة، ووجب ضم التيمم عملا بدليل النجاسة.
فإن قيل: المرجح هنا المحرّم، قلنا: المسح هنا مؤيد بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [الحج: ٧٨]، ولأن المحرّم لا يرجح عند تعارض الحاجة والضرورة كما في الهرة، ألا ترى أن البعرة لو وقعت في المحلب عند الحلب فأخرجت من ساعته يتنجس.
فإن قيل: لا يصير الماء مشكوكًا بتعارض الخبرين كما في مسألة خبر العدلين أحدهما بطهارة الماء، والآخر بنجاسته.
قلنا: لا تعارض ثمة لأنه أمكن ترجيح أحدهما، فإن المخبر عن طهارته لو استقصى في ذلك وقال: أخذته من النهر وسددت فم الإناء ولم يخالطه شيء أصلا رجحنا خبره لتأيده بالأصل، وإن بني خبره على الاستصحاب رجحنا خبر النجاسة لأنه أخبر عن محسوس مشاهد.
فأما في سؤر الحمار فالتعارض قائم فإن لحمه نجس، وعرقه طاهر، والبلوى فيه من وجه دون وجه فلا يمكن إلحاقه بأحدهما، فوجب المصير إلى ما كان ثابتا فلا يطهر به نجس، ولا يتنجس به طاهر.
فإن قيل: غرف الماء طاهرًا يوجب أن يبقى كذلك؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ نَجِسٌ تَرْجِيحًا لِلْحُرْمَةِ وَالنَّجَاسَةِ، … … … .
قلنا: وجب أن يصير مشكوكا كلعاب الحمار؛ لأن الماء إذا أصابه شيء يتصف بصفة ذلك الشيء.
قوله: (ترجيحا للحرمة والنجاسة)، وفي الكافي: وما قال في الهداية: والنجاسة مشكل لأن عدلا لو أخبر بطهارة الماء، وآخر بنجاسته نحكم بطهارته، فكيف نرجح النجاسة هاهنا، ولهذا قيل: إن تعارض الأثران لا يقتضي الإشكال إذ مقتضاه الطهارة.
قال شيخي ﵀: فعلى هذا ترجيح الحرمة مشكل أيضا لأن عدلا لو أخبر بحل الطعام وآخر بحرمته ترجح خبر الحل نص عليه محمد في كتاب الإستحسان كما في خبر الماء تمسكا بأصل الحل والطهارة، ثم إنه فرق بينهما فسلم ترجيح الحرمة، ولم يسلم ترجيح النجاسة وادعى الإشكال فيها فكان ما ذكره مشكلا.
والجواب عن الإشكال: أن تعارض الخبرين في الماء يوجب التهاتر، والعمل بالأصل لوقوع الشك في اختلاط النجاسة به، والأصل عدمه، فبقى الماء على الطهارة الخلقية، فأما هاهنا فقد اختلط اللعاب المتولد من اللحم بالماء بيقين، وقد ترجح جهة الحرمة فيه باتفاق الروايات عن أصحابنا، وهي مبنية على النجاسة على [ما] (^١) بينا فيجب ترجيحها لهذا الدليل.
وأما ترجيح الحرمة في تعارض الخبرين في الطعام فلما قلنا من وجوب التهاتر والعمل بالأصل وهو الحل، إذ لو رجح جانب الحرمة لزمه ترجيح أحد المتساويين بلا ترجيح مع ترك العمل بالأصل، ولا يجوز ترجيح الحرمة بالإحتياط لإستلزامه تكذيب المخبر بالحل من غير دليل.
فأما تعارض أدلة الشرع في حل الطعام وحرمته فيوجب ترجيح الحرمة تعليلا للنسخ الذي هو خلاف الأصل على ما عرف، وعملا بالإحتياط الذي هو الأصل في أمور الدين عند عدم المانع.
_________________
(١) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ مُثْبَتٌ مِنَ النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وَالبَغْلُ مِنْ نَسْلِ الحِمَارِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ، … .
قوله: (فيفيد الجمع)، وفي النهاية: المراد بالجمع أن لا تخلو صلاة واحدة عنهما حتى لو توضأ بالسؤر وصلى ثم أحدث وتيمم وصلى تلك الصلاة جاز؛ لأنه جمعهما في صلاة واحدة، وكذا في الْمُجْتَبى (^١).
فإن قيل: هذا الطريق يستلزم أداء الصلاة بغير طهارة في إحدى المرتين لا محال، وهو مستلزم للكفر لتأديته إلى الاستخفاف بالدين فينبغي أن لا يجوز، ويجب الجمع في أداء واحد.
قلنا: ذلك فيما أدي بغير طهارة بيقين، فأما إذا كان أداؤه بطهارة من وجه فلا لانتفاء الاستخفاف لأنه عمل بالشرع من وجه، وهاهنا كذلك؛ لأن كل واحد من السؤر والتراب مطهر من وجه دون وجه فلا يكون الأداء بغير طهارة من كل وجه، فلا يلزم الكفر، كما لو صلى حنفي بعد الفصد والحجامة لا تجوز صلاته ولا يكفر لمكان الاختلاف، وهذا أولى بخلاف ما لو صلى بعد البول.
وفي جامع المحبوبي عن نصير: في رجل لم يجد إلا سؤر حمار يهريق ذلك حتى يصير عادمًا للماء ثم يتيمم واختار الصفار ذلك (^٢).
وعن محمد في النوادر: توضأ بسؤر الحمار وتيمم، ثم أصاب ماءً نظيفًا ولم يتوضأ به حتى ذهب الماء، ومعه سؤر الحمار، فعليه إعادة التيمم دون الوضوء؛ لأنه إن كان مطهرا فقد توضأ به، وإن كان نجسا فليس عليه الوضوء لا في المرة الأولى، ولا في المرة الثانية، والبغل من نسل الحمار (^٣).
وفي شرح القدوري: والبغل متولد من الحمار والفرس فصار سؤره كسؤر فرس اختلط بسؤر الحمار فصار مشكوكا يتوضأ ويتيمم (^٤).
وفي بعض النسخ: (يتوضأ بهما)، أي سؤري الحمار والبغل، وبقول زفر
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٣٩).
(٢) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٤٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٩٦).
(٣) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ١١٢، ١٢٨).
(٤) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٣٨)، والجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري (١/¬٢٠).
[ ١ / ٢٥٩ ]
وَيَجُوزُ أَيُّهُمَا قَدَّمَ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُقَدِّمَ الوُضُوءَ، لِأَنَّهُ مَاءٌ وَاجِبُ الاسْتِعْمَالِ، فَأَشْبَهَ المَاءَ المُطْلَقَ وَلَنَا: أَنَّ المُطَهِّرَ أَحَدُهُمَا فَيُفِيدُ الجَمْعُ دُونَ التَّرْتِيبِ. (وَسُؤْرُ الفَرَسِ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا)، لِأَنَّ لَحْمَهُ مَأْكُولٌ (وَكَذَا عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ)، لِأَنَّ الكَرَاهَةَ لِإِظْهَارِ شَرَفِهِ. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ، … …
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ (^١).
(ويجوز أيهما)، أي الوضوء والتيمم، فيفيد الجمع دون الترتيب.
وفي المبسوط: الاحتياط في الجمع لا في الترتيب؛ لأن الماء إن كان طاهرًا توضأ به قدّم أو أخر، وإن كان نجسًا ففرضه التيمم وقد أتى به، والأفضل تقديم الماء ليخرج من الخلاف والمراعاة وجود صورة الماء.
وقوله: (وسؤر الفرس)، وفي الأصل: لا بأس بسؤر الفرس (^٢)، من غير ذكر خلاف.
وفي المبسوط: سؤر الفرس طاهر في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة مكروه كلحمه (^٣).
وفي المحيط: في سؤره أربع روايات، قال في رواية: أحب إليّ أن أتوضأ بغيره، وهي رواية البلخي عنه، وفي رواية الحسن عنه مكروه كلحمه، وفي رواية: هو مشكوك، وفي رواية كتاب الصلاة: وهو طاهر، وهو الصحيح من مذهبه؛ لأن كراهة لحمه لاحترامه عنده (^٤).
فإنه دابة يرهب به عدو الله فيقع به إعزاز الدين وإعلاء كلمة الله كما يقع بالآدمي، ولهذا اختص من بين الحيوانات بإقرار السهم كالآدمي فلا يؤثر تحريمه في سؤره كما في الآدمي، وكذا ذكره في مبسوط شيخ الإسلام.
وقوله: (إلا نبيذ التمر)، وإنما ذكر هذه المسألة في فصل الأسار لأن للنبيذ
_________________
(١) أي أنه يلزمه تقديم الماء الذي فيه سؤر حمار أو بغل على التيمم. انظر: المغني لابن قدامة (١/¬٣٦)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٤٢).
(٢) الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١/¬٢٨).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/¬٥٠).
(٤) المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازة (١/ ١٣٠).
[ ١ / ٢٦٠ ]
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ)، …
مناسبة بسؤر الحمار خصوصًا على أصل محمد، فإنه لما وقع الإشكال في أن خبر النبيذ مقدم أم لا؟ وقع الشك، فإنه لو كان مقدمًا على آية التيمم لكان منسوخا بها ولو كان متأخرًا وأنه من المشاهير كان زيادة على الكتاب، والتاريخ مجهول، فأوجب ذلك شكا فيه، فوجب ضم التيمم إليه كما في سؤر الحمار.
ثم الكلام فيه في ثلاثة مواضع:
أحدها: في جواز التوضي به، والثاني في وقته، والثالث: في نفسه.
أما الأول: فعن أبي حنيفة ثلاث روايات ذكر في الجامع الصغير والزيادات: يتوضأ ولا يتيمم، وذكر في كتاب الصلاة: إن توضأ به ويتيمم كان أحبّ إليّ، وهو قول محمد (^١)، وفي جامع الكردري: لم يرد به الترتيب، بل أراد به الجمع بينهما، والثالث: أنه لا يتوضأ به ويتيمم، وهو قول أبي يوسف.
قال قاضي خان: هو الصحيح (^٢)، واختاره الطحاوي.
ورو نوح ابن مرم (^٣) عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قول أبي يوسف (^٤)، وهو قول زفر، والشافعي (^٥)، ومالك (^٦)، وأحمد (^٧) وغيرهم من العلماء.
وفي الحلية: النبيذ نجس عندنا (^٨).
وفي شرح الوجيز: الجمادات كلها على الطهارة إلا الخمر والنبيذ
_________________
(١) انظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ٧٤).
(٢) فتاو قاضي خان (١/¬٨).
(٣) هكذا في الأصول، والصواب: نوح بن أبي مريم، وهو نوح بن أبي مريم - واسمه مابنة، ويقال: مافنة، وقيل: يزيد بن جعونة المروزي -، أبو عصمة القرشي قاضي مرو، ويعرف بنوح الجامع. انظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٣٠/ ٥٦).
(٤) انظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ٧٥).
(٥) انظر: البيان للعمراني (١/¬١٧)، والحاوي الكبير للماوردي (١/¬٤٧).
(٦) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١١٤)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ١٨٠).
(٧) انظر: المغني لابن قدامة (١٠١)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ١١٦).
(٨) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (١/ ٢٤٢).
[ ١ / ٢٦١ ]
لِحَدِيثِ لَيْلَةِ الجِنِّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَوَضَّأَ بِهِ حِينَ لَمْ يَجِد الْمَاءَ،
المسكر، والحيوانات كلها على الطهارة إلا الكلب والخنزير وفروعهما (^١).
وفي جامع الكردري عن أبي طاهر الدَّبّاس أنه قال: إنما اختلفت أجوبة أبي حنيفة ﵁ لاختلاف الأسئلة، فإنه سئل: إذا كانت الغلبة للحلاوة فيه؟ قال: يتيمم ولا يتوضأ، وسئل عنه أيضًا: إذا كانا على السواء؟ قال: بالجمع بينهما، وسئل عنه أيضًا: إذا كانت الغلبة للماء؟ قال: يتوضأ ولا يتيمم، ولا خلاف في الحقيقة (^٢).
وذكر القدوري في شرحه عن أصحابنا أنه لا يجوز التوضؤ به إلا بالنية لأنه بدل عن الماء كالتراب، حتى لا يجوز الوضوء به حال وجود الماء، وينتقض الوضوء به أيضًا عند وجود الماء كالتيمم.
وأما الثاني: قال أبو حنيفة: كل وقت يجوز التيمم فيه يجوز التوضؤ به وإلا فلا.
وأما الثالث: فذكر محمد في النوادر: يلقى في الماء تميرات فتخرج حلاوتها، فلو توضأ به قبل خروج الحلاوة يجوز، وبعده إن كان رقيقًا يسيل على الأعضاء يجوز أيضًا.
قوله: (لحديث ليلة الجن)، وقضيته ما روى أبو رافع وابن المعتمر، عن ابن عباس: أنه ﵇ خطب ذات ليلة، ثم قال: «لِيَقُمْ مَعِي مَنْ لَمْ يَكُنْ في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقام ابن مسعود، فحمله النبي ﵇ مع نفسه، فقال عبد الله بن مسعود خرجنا من مكة، وخط النبي ﵇ حولي خطا، وقال: «لا تَخُرج من هَذا الخَطّ فإنك [إن] (^٣) خَرَجْتَ عَنهُ لَم تَلْقَنِي إِلَى يوم القيامة»، ثم ذهب يدعو الجن إلى الإيمان ويقرأ عليهم القرآن حتى طلع الفجر، ثم رجع بعد طلوع الفجر وقال لي: «هل معك ماء أتوضأ به؟» فقلت: لا، إلا نبيذ التمر في إدارة، فقال ﵇: «تمرة طيبة، وماء طهور»،
_________________
(١) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (١/ ١٥٥).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٩٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٤٤).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ٢٦٢ ]
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَظْلَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ للهُ عَمَلًا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهَا أَقْوَى، أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِهَا، لِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَلَيْلَةُ الجِنِّ كَانَتْ مَكَّيَّةٌ.
(وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ) (*)، لِأَنَّ فِي الحَدِيثِ اضْطِرَابًا،
وأخذ وتوضأ به وصلى الفجر (^١).
قوله: (عملا بآية التيمم)، فإنها تنقل التطهير من الماء إلى التراب عند عدم الماء المطلق والنبيذ: ماء من وجه فيكون الحديث مردودا بها.
(لأنها)، أي الآية أقوى من الحديث، وهو ظاهر.
(أو هو)، أي الحديث، (منسوخ بها) أي بالآية.
فإن قيل: نسخ الكتاب بالسنة، أو السنة بالكتاب لا يجوز عند الشافعي، فكيف يستقيم قوله: (أو هو منسوخ بآية التيمم).
قلنا: يجوز أن يكون إثبات النسخ على قول أبي يوسف لا على قول الشافعي؛ لأن عنده في الحديث اضطرابا فلا يعمل به، بل يعمل بالآية.
وقوله: (لأنها أقوى)، دليله ودليل أبي يوسف أيضًا.
قوله: (اضطرابًا)، بيانه أن مدار هذا الحديث على أبي زيد مولى عمرو بن الحريث، روى عنه أبو فزارة نباذًا روى هذا الحديث ليهون أمر النبيذ على الناس، وأبو زيد كان مجهولًا عند النقلة، ولأنه روى عن [أبي] (^٢) عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه قيل له: هل كان أبوك مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ولوددت أن لو كان أبي صاحب رسول الله (^٣)، ولو كان هو مع النبي ﵇
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) أخرجه أبو داود (١/¬٢١، رقم ٨٤)، والترمذي (١/ ١٤٧، رقم ٨٨)، وابن ماجه (١/ ١٣٥، رقم ٣٨٤) بنحوه. قال الترمذي: أبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا تعرف له رواية غير هذا الحديث. وأخرجه الدارقطني (١٣١١) من طرق عن ابن مسعود ﵁، وضعفها، وضعفه كذلك ابن عدي في الكامل في الضعفاء (١٩٤٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/¬٩).
(٣) ما بين المعقوفين مثبت من النسخة الثانية.
(٤) أخرجه الدارقطني (١/ ١٣١، رقم ٢٤٦).
[ ١ / ٢٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكان فخرًا له عظيمًا، ومنقبة لعقبه بعده، فأنكر كون أبيه مع النبي ﵇، ولو كان لكان لا يخفى على ابنه، وعن علقمة: أن ابن مسعود لم يكن مع النبي ﵇ ليلة الجن (^١).
وقلنا: مداره كما كان على أبي فزارة كان على كبار الصحابة الذين لا طعن فيهم، مع أنه غير مطعون، فإن مصنف الصحيح ذكر أن اسمه كان راشد بن كيسان الزاهد، سمي زاهدًا لديانته وبيع النبيذ لا يوجب طعنا لجواز أنه باع نبيذا اتفق الناس على إباحته.
وقوله: (وأبو زيد كان مجهولًا) (^٢)، قلنا: لا، بل هو من كبار أئمة التابعين، وكان معروفًا عن الكرخي، عن يعقوب بن شيبة أنه قال في كتاب الطبقات: أن أبا زيد لقي عبد الله بن مسعود وسمع منه، وكان من علماء التابعين من طبقات الأولى بعد أصحاب رسول الله ﷺ (^٣).
وأما ما روي أن ابن مسعود لم يكن مع النبي ﵇، فقلنا: لا، بل كان معه فإن [محمد بن] (^٤) إسماعيل البخاري أثبت كونه مع النبي ﵇ باثني عشر وجها، ومعنى قول ابنه أنه لم يكن مع النبي ﵇، أي لم يكن معه حالة الخطاب والدعوة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وجامع
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٣٣٣، رقم ٤٥٠).
(٢) هذه الجملة غير موجودة بمتن الهداية " المشروح، والغالب أنه يقصد الترمذي لأنه قال عقب الحديث: وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا تعرف له رواية غير هذا الحديث.
(٣) أبو زيد القرشي المخزومي الكوفي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبو زايد، أو زيد بالشك. قال البخاري: رجل مجهول، لا يعرف بصحبة عبد الله، وقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان: مجهول، وقال ابن حبان: يروي عن ابن مسعود ما لا يتابع عليه، ليس يدرى من هو، لا يعرف بلده، ولا أبوه، والانسان إذا كان بهذا النعت ثم لم يَرْوِ إلا خبرًا واحدًا خالف فيه الكتاب والسنة والاجماع والقياس والنظر والرأي يستحق مجانبته فيها، ولا يحتج به، وقال الحاكم أبو أحمد: رجل مجهول لا يوقف على صحة كنيته ولا اسمه، ولا يعرف له راويا غير أبي فزارة، ولا رواية من وجه ثابت إلا هذا الحديث الواحد، وقال ابن عدي: مجهول. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر (١٢/ ١٠٣).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةٌ فَوَجَبَ الجَمْعُ احْتِيَاطًا. قُلْنَا: لَيْلَةَ الجِنِّ كَانَتْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ، وَالحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَمِلَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ ﵃، وَبِمِثْلِهِ … …
المحبوبي (^١).
وفي شرح المصابيح: ويحتمل أنه لم يكن مع النبي ﵇ حين خرج، ثم لحقه بعد فراغه من دعوة الجن في ليلته لما في بعض طرق علقمة، عن ابن مسعود أن علقمة قال لابن مسعود: هل صحبت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال ما صحبته، ولكن فقدناه ذات ليلة، فلما كان في وجه الصبح أو في السحر إذا نحن به يجيء من قبل حراء، ثم ساق الحديث، وكذا أورده مسلم في كتابه، ولا ينافي بينه وبين قوله: (قلنا لي ليلة الجن)؛ لأن سحر تلك الليلة منها.
قوله: (وفي التاريخ جهالة)، وفي جامع قاضي خان: تكلموا في انتساخ هذا الحديث لجهالة التاريخ، قال بعضهم: نسخ ذلك بآية التيمم، وقال بعضهم: لم ينسخ لأنها نزلت في شأن الأسفار، والنبيذ يستعمل في العادات فيما قرب من الأمصار فيجب الجمع احتياطا.
(غير واحدة)، أي ليال، فيحتمل أن تكون ليلة الجن بعد آية التيمم عملت به الصحابة؛ فإنه روى الحارث عن علي ﵁ أنه قال: الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لم يجد الماء، وروي عنه من طرق مختلفة أنه لا يرى بأسًا بالوضوء به.
وروى عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: "توضؤوا بنبيذ التمر، ولا تتوضؤوا باللبن"، وروي عنه من طرق مختلفة بأنه لا يرى بأسًا بالوضوء به (^٢).
وعن ابن مسعود: يجوز التوضؤ به، وهم كانوا من أئمة الفتوى فيكون قولهم مقدمًا على القياس.
(وبمثله)، أي بمثل الحديث المشهور.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/ ١٤٤).
(٢) أخرج الدارقطني (١/ ١٢٨، رقم ٢٤٢، ٢٤٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/¬١١) وضعفاه.
[ ١ / ٢٦٥ ]
يُزَادُ عَلَى الكِتَابِ.
وَأَمَّا الاغْتِسَالُ بِهِ فَقَدْ قِيلَ: يَجُوزُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالوُضُوءِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّه فَوْقَهُ، وَالنَّبِيذُ المُخْتَلَفُ فِيهِ …
(يزاد على الكتاب) كما في المُطلقة ثلاثًا فإنه يزاد الدخول على الكتاب بالحديث المشهور، وفي كون الحديث مشهورا تأمل. والجواب عن تعلقه بالآية أنها تشهد لنا؛ لأن (ما) نكرة في النفي فتعم، فيتناول بعمومه كل ماء، وفي نبيذ التمر ماء فيتناوله ظاهر الآية، كذا ذكره شيخ الإسلام، وفيه تأمل
قوله: (وأما الاغتسال به)، أي بالنبيذ اختلف فيه، فقيل: لا يجوز؛ لأن الأثر جاء في الوضوء خاصة، والأصح أنه يجوز؛ لأن المخصوص من القياس بالنص يلحق به ما في معناه من كل وجه، كذا في المبسوط (^١). (لأنه)، أي للاغتسال فوق الوضوء، وفي جامع قاضي خان: الجنابة فوق الحدث فلا يجوز إلحاقها بالحدث فيما يثبت بخلاف القياس.
قوله: (والنبيذ المختلف فيه)، وفي بعض النسخ: (المختلف فيه)، ما ذكره محمد في النوادر أن يلقى في الماء تميرات حتى صار الماء حلوا رقيقا ولا يكون مشتدا ومسكرًا، كذا في جامعي قاضي خان، والكردري (^٢). ولو اشتد وصار مرا لا يجوز الوضوء به بالإجماع لأنه صار مسكرًا، والوضوء بالمسكر لا يجوز.
وإن طبخ أدنى طبخة ثم غلا واشتد لا يجوز الوضوء به عند أبي يوسف؛ لأن عنده بغير المشتد لا يجوز، فبالمشتد أولى، وعند محمد لا يجمع عنده لأن شربه حرام، وعند أبي حنيفة يجوز لأن شربه حلال عنده، كذا في جامع الكردري (^٣).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٨٩).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١٣٢١)، واللباب للخزرجي (١/ ٥١).
(٣) انظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ٧٥).
[ ١ / ٢٦٦ ]
أَنْ يَكُونَ حُلْوًا رَقِيقًا يَسِيلُ عَلَى الأَعْضَاءِ كَالمَاءِ، وَمَا اشْتَدَّ مِنهَا صَارَ حَرَامًا لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنْ غَيَّرَتْهُ النَّارُ فَمَا دَامَ حُلْوًا رَقِيقًا فَهُوَ عَلَى الخِلَافِ، وَإِنْ اشْتَدَّ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، لِأَنَّهُ يَحِلُّ شُرْبُهُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يُتَوَضَّأُ لِحُرْمَةِ شُرْبِهِ عِنْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَنْبِذَةِ جَرْيًا عَلَى قَضِيَّةِ القياس.