(لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ قِيَامِهَا فِي الظَّهِيرَةِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ ﵁ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ
ومن تعجيل العصر قدر ما يقع عنده أنه لا يقع في الوقت المكروه، ويجوز الجمع بين الصلاتين فعلا لا وقتا عندنا لتكثير الجماعة، وهذا البحث بتمامه يجيء في باب صلاة المسافر.
(فَصْلٌ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ)
قوله: (لا تجوز الصلاة) إلى آخره، فإن قيل: (الصلاة) محلى باللام فيتناول الجنس الفرض والنفل، فحينئذ ينبغي أن لا يصح الشروع فيها في النفل، وقد ذكر شمس الأئمة في أصوله، والتمرتاشي في جامعه: أن الشروع في النفل فيها يصح حتى يلزمه القضاء، إلا أنه (^١) ذكر قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وشمس الأئمة ما ذكر الخلاف.
قلنا: معنى قوله: (لا تجوز)، أي: لا يجوز فعله، أما لو شرع يلزم، كما في البيع الفاسد؛ لأن النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي المشروعية.
وفي الزاد: أراد به ما سوى النفل.
وفي الخبازية: لقب الفضل بالكراهة، ثم بدأ بقوله: (لا تجوز) إما لأنه اعتبر الغالب، أو لأن عدم الجواز مستلزم للكراهة، والمراد بقوله (لا تجوز) لا ينبغي أن يفعل، ولو فعل يجوز.
والأوجه أن يقال: الكراهة شاملة للفرض والنفل لمعنى في الوقت،
_________________
(١) أي التمرتاشي، كما صرح به في النسخة الثانية.
[ ١ / ٥٠٨ ]
نُصَلِّيَ فِيهَا وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَعِنْدَ زَوَالِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «وَأَنْ نَقْبُرَ»: صَلَاةُ
والكراهة إذا كانت لمعنى في الوقت توجب نقصانا في الصلاة، ولهذا لا يجوز فيه القضاء، وينبغي أن يجوز فيه القضاء كما في الأرض المغصوبة؛ لأن النهي ورد فيهما لمعنى غير المنهي عنه، إلا أن اتصال الفعل بالزمان أكثر على ما عرف في النحو وأصول الفقه، فصار الزمان كجزء الفعل، فتؤثر الكراهة باعتبار نقصانها في نفس الصلاة لشدة الاتصال على ما عرف في الأصول.
(تَضَيَّفُ)، أي تميل، يقال: ضافت الشمس، وضيفت، وتضيفت، أي مالت للغروب، حجة على الشافعي في تخصيص الفرائض ومكة، قال الشافعي: يجوز في هذه الأوقات الفرائض، ومن النوافل ما له سبب؛ كتحية المسجد، وركعتي الطواف، دون النوافل المطلقة، وفي مكة تجوز النوافل المطلقة أيضًا (^١)، ومن أصحابه من قال: يختص ذلك بركعتي الطواف، وكذا في الجمعة وقت الزوال، كذا في السهيلي (^٢).
وعن مالك أنه يقضي الفرائض فيها، ولا يصلي النوافل، سواء كان لها سبب أو لا (^٣)، وبه قال أحمد، إلا أنه أجاز ركعتي الطواف، وصلاة الجماعة مع إمام الحي لخوف الفوت (^٤).
واختلفت الرواية عن مالك في صلاة الكسوف، وسجود القرآن في وقت النهي.
للشافعي قوله ﵇: «مَنْ نامَ عَنْ صَلاةٍ أو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» (^٥)، جعل وقت التذكر وقت الفائتة مطلقا.
وله في جواز النفل بمكة الاستثناء الوارد في حديث عقبة: "إلا بمكة"،
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/¬٣٢، ٢٧١)، والمجموع للنووي (١/ ٤٦٩).
(٢) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/ ١٥٤).
(٣) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ١٩٥)، والذخيرة للقرافي (٢/¬١١، ٣٨١).
(٤) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٣٩)، والإقناع للحجاوي (١/ ١٥٧).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٢٢، رقم ٥٩٧)، ومسلم (١/ ٤٧٧، رقم ٦٨٤) من حديث أنس بن مالك ﵁.=
[ ١ / ٥٠٩ ]
الجِنَازَةِ، لِأَنَّ الدَّفْنَ غَيْرُ مَكْرُوهِ، وَالحَدِيثُ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي تَخْصِيصِ الفَرَائِضِ، وَبِمَكَّةَ فِي حَقِّ النَّوَافِلِ، وَحُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِي إِبَاحَةِ النَّفْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَقْتَ الزَّوَالِ. قَالَ: (وَلَا صَلَاةُ جِنَازَةٍ) لِمَا رَوَيْنَا (وَلَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ)
وفي الجمعة حديث أبي سعيد: أنه ﵇ نهى عن الصلاة في نصف النهار إلا يوم جمعة (^١)، وكذا ورد هذا الاستثناء في حديث العقبة، وبه يتمسك أبو يوسف، ولأن [للناس] (^٢) بلوى في تحية المسجد يوم الجمعة عند الزوال، وفي مكة قوله ﵇ أيضًا: «يا بَنِي عبد منافٍ مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ مِنْ أمورِ النَّاسِ شيئًا فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت وصلَّى أي ساعة شاء» (^٣)، كذا في السهيلي.
وفي تحية المسجد وركعتي الطواف إطلاق وما ورد فيهما.
ولنا ولأحمد إطلاق النهي الوارد عن الصلاة في هذه الأوقات، والجمع بين الحديثين ممكن بتخصيص التذكر خارج هذه الأوقات، وهذا الحديث خاص باعتبار الزمان المنهي عنه عن الصلاة فيه، والأول عام، فهذا مخصص، وما ورد من الاستثناء غريب لم يرد في المشاهير فلا يراد على المشهور، وفيه تأمل.
أو يحمل ذلك على أنه قبل النهي.
وأما في حديث عبد مناف أورده أبو داود في إباحة الدعاء فرأى معنى «صلى» دعا.
وقيل: إن حديث أبي سعيد منقطع فلا يجوز التمسك به، ثم لم تجز
_________________
(١) أخرجه الشافعي في المسند (ص ٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في الأصل (بلوى بلوى)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ١٨٠، رقم ١٨٩٤)، والترمذي (٢/ ٢١٢، رقم ٨٦٨)، والنسائي (١/ ٢٨٤، رقم ٥٨٥)، وابن ماجه (١/ ٣٩٨، رقم ١٢٥٤)، وابن خزيمة (٢/ ٢٦٣، رقم ١٢٨٠)، وابن حبان (٤/ ٤٢١، رقم ١٥٥٣)، وأحمد (٤/ ٨٠، رقم ١٦٧٨٢) من حديث جبير بن مطعم ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. المستدرك (١/ ٤٤٨).
[ ١ / ٥١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفرائض في هذه الأوقات، فلو شرع فيها ثم قهقه هل ينتقض وضوؤه؟
وفي المبسوط: لو طلعت الشمس خلال الصلاة، ثم قهقه قبل السلام فليس عليه وضوء لصلاة أخرى، أما على قول محمد فلأنه صار خارجا عن الصلاة بالطلوع، وهو رواية عن أبي حنيفة، وفي رواية أخرى: فسدت صلاته به؛ لأنه لا يجوز أداء الفرائض في هذا الوقت، فالضحك في هذه الحالة لا يجعل حدثًا، وعلى قياس قول أبي يوسف يلزمه الوضوء، خصوصًا على الرواية التي رويت عنه أنه يصبر حتى تطلع الشمس قدر رمح، ثم يتم الصلاة فيكون ضحكه صادف حرمة صلاة مطلقة فكان حدثًا (^١).
ثم اختلف في القدر الذي تباح فيه الصلاة بعد الطلوع، قال في الأصل: إذا ارتفعت الشمس قدر رمح أو رمحين تباح الصلاة (^٢)، وقال الفضلي: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرصها فالشمس في الطلوع، ولا تباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر يباح.
وقال أبو حفص السفكردري (^٣): يؤتى بطست ويوضع في أرض مستوية فما دامت الشمس تطلع على حيطانه فهي في الطلوع، وإذا وقعت في وسطه فقد طلعت وحلت الصلاة كذا في المحيط (^٤).
وفي الْمُجْتَبى، والقنية: قال أبو شجاع: سألت الحلواني عن الكسالى أنهم يصلون الفجر وقت طلوع الشمس، أنكر عليهم؟ قال: لا، لأنهم لو منعوا يتركونها أصلا ظاهرًا، ولو صلوها عنده يجوز عند أهل الحديث، والأداء الجائز عند البعض أولى من الترك.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٠١).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٣٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٥٦).
(٣) في الأصل: (أبو جعفر السفكردري)، والمثبت من النسخة الثانية، وهو الصواب. قال اللكنوي: أبو حفص السَّفَكَردي كان شيخًا كبيرًا زاهدًا متورعًا معتمدًا، سمع منه الشيخ الزندويني. الفوائد البهية في تراجم الحنفية (ص ٦٨).
(٤) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٧٧).
[ ١ / ٥١١ ]
لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ (إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ عِنْدَ الغُرُوبِ) لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الجُزْءُ القَائِمُ
وفي فتاوى قاضي خان، والإيضاح: لو شرع في النفل في هذه الأوقات يجب أن يقطعه، ويقضيه في وقت آخر في ظاهر الرواية (^١).
وذكر في الإيضاح: يصل القطع ولو مضى على ذلك خرج عما وجب عليه.
وفي المبسوط: يخرج، لكن القطع أفضل (^٢).
وفي البحر: لو قطعه وقضاه في وقت الغروب جاز لما قدمنا، وهو قوله: " وأن نقبر موتانا ".
وفي المبسوط: ليس المراد به الدفن فإنه جائز بالاتفاق، بل كناية عن الصلاة على الجنازة لملازمة بينهما (^٣).
(لأنها)، أي سجدة التلاوة في معنى الصلاة باعتبار حصول التشبيه بعبدة الشمس، إذ التشبه يحصل بالسجود أيضا، كذا في المبسوط (^٤).
(إلا عصر يومه)، يعني لو صلاها عند الغروب يجوز؛ لقوله ﵇: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك العصر» (^٥)، وكذا ورد التقييد في بعض ألفاظ حديث عقبة: "نهانا عن الصلاة عند الغروب إلا عصر يومه "، ولأن هذا الوقت سبب لوجوبها، حتى لو أسلم الكافر، وبلغ الصبي في هذا الوقت يلزمهما الصلاة، ويجب أداؤها في هذا الوقت، ويستحيل أن يجب الأداء ويكون ممنوعا عنه، كذا في المبسوط (^٦).
وقال أبو الفضل الكرماني: إنما جاز أداء العصر لأن معنى الكراهة يظهر في حق القضاء لا الأداء؛ لأنه إنما يكون لحق الوقت القائم للحال، ألا ترى أن الكافر لو أسلم، والصبي لو بلغ، والحائض لو طهرت في هذا الوقت لزمهم
_________________
(١) انظر: فتاو قاضي خان (١/¬٣٦).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٩).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٢).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٢).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٢٠، رقم ٥٧٩)، ومسلم (١/ ٤٢٤، رقم ٦٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٢).
[ ١ / ٥١٢ ]
مِنْ الوَقْتِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ بِالكُلِّ لَوَجَبَ الأَدَاءُ بَعْدَهُ، وَلَوْ تَعَلَّقَ بِالجُزْءِ المَاضِي فَالمُؤَدِّي فِي آخِرِ الوَقْتِ قَاضٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ،
الأداء، وإنما الكراهة في التأخير إلى هذا الوقت، ولهذا قلنا غربت الشمس في خلال الصلاة أتمها؛ لأن ما وجد قبل الغروب وقع أداء ولا كراهة في الأداء، وما بعده وقع قضاءً ولا كراهة في القضاء، بخلاف ما لو أدى ركعة من الفجر ثم طلعت الشمس حيث تفسد صلاته، إلا رواية عن أبي يوسف؛ لأن ما بعد الطلوع وقت القضاء وهو مكروه ناقص فلا يتأدى به الواجب الكامل على ما عرف في الأصول.
وقال أيضًا: تأخير العصر إلى وقت التغير مكروه لا الفعل فيه كما ذكرنا. قوله: (فالمؤدي في آخر الوقت قاض)، وفي الكافي: فيه إشكال؛ فإنه غير قاض، بل مؤد باعتبار بقاء الوقت (^١).
وفي الخبازية: في جوابه أجزاء الوقت فارقت أجزاء خارج الوقت في كون الموجود في الوقت أداء، وفي خارجه قضاء وما المفارقة بينهما إلا لمعنى مختص بأجزاء الوقت، ولا اختصاص لها إلا بصلاحية كل جزء منها للسببية، فكانت هذه الصلاحية هي المناط لكون الموجود في الوقت أداء وخارجه قضاء. وعلى اعتبار تقرر السببية على الجزء الماضي بطلت صلاحية سائر الأجزاء لها فكانت هذه الأجزاء كما عداها في عدم الصلاحية.
قلنا: إن منع بقاء الوقت لأن وقت الصلاة عندنا عبارة عن أجزاء كل منها صالح لأن يصير سببًا فينتهي الوقت بانتهاء الصلاحية ضرورة، فهذا منع مستقيم، وإن كان يتراءى مكابرة ولا يقال المفارقة ثابتة بين الوقت وخارجه باعتبار معنى آخر وهو أن الشارع عين الوقت لأداء الصلاة، وأثره على سائر الأوقات لأدائها لأنا لا نسلم أنه معنى آخر غير ما ذكرنا، بل تعينيه وإيثاره يجعل كل جزء منه صالحًا للسببية، وفيه ضعف كما ترى.
وقال شيخي ﵀ في جوابه: أنه لو يعين جزء من الوقت لها ولم ينتقل
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢٣٥).
[ ١ / ٥١٣ ]
بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةٌ فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ.
قَالَ ﵁: وَالمُرَادُ بِالنَّفْيِ المَذْكُورِ فِي صَلَاةِ الجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التَّلَاوَةِ الكَرَاهَةُ، حَتَّى لَوْ صَلَّاهَا فِيهِ أَوْ تَلَا سَجْدَةً فِيهِ فَسَجَدَهَا جَازَ، لِأَنَّهَا أُدِّيَتْ نَاقِصَةٌ كَمَا وَجَبَتْ، إذ الوُجُوبُ بِحُضُورِ الجِنَازَةِ وَالتَّلَاوَةِ.
إلى ما بعده، فالتأخير عنه يكون تفويتا، والأداء بعده قضاء؛ لأنه ثبت بالاستقراء في قوانين الشرع أن جزءًا من الوقت إذا تعين للسببية في العبادات المؤقتة كان التأخير عنه تفويتا؛ كالجزء الأخير من الوقت في الصلاة، والجزء الأول من اليوم في الصوم، فلو تعين الجزء الماضي لها لثبت بالقياس عليه إذا لم يرد نص بتعيينه، ولم ينعقد إجماع عليه، ولا يجوز أن يثبت التعيين في الفرع على خلاف التعيين في الأصل، فعرفنا أنه لو ثبت يكون التأخير عنه تفويتا، ولا وجه لجعله مفوتًا مع بقاء الوقت فيثبت أن السببية تنتقل من جزء إلى جزء، وأن السبب هو الجزء القائم، وقيل: فيه، وهذا أول المسألة.
وقوله: (إلا عصر يومه) (^١)، بالإضافة احترازًا عن قضاء عصر سابق وقت التغيير حيث لا يصح، والفرق مذكور في الأصول.
(بخلاف غيرها)، أي غير عصر اليوم بالنفي المذكور وهو قوله: (ولا صلاة جنازة) إلى آخره.
(بحضور الجنازة والتلاوة)، أي فيها، أما لو حضرت الجنازة، ووجبت السجدة بتلاوة في وقت غير مكروه لا يجوز أداؤهما في هذا الوقت؛ لأنها وجبت كاملة فلا يتأدى بصفة النقصان.
وفي التحفة: ولو تلا آية السجدة، أو نذر أن يصلي فيها، أو شرع فيها فأداها جاز مع الكراهة، ولكن الأفضل في صلاة الجنازة أن يؤديها فيها إذا حضرت؛ لقوله ﵇: «ثلاث لا يُؤَخَّرْنَ، منها: الجنازة إذا حضرت» وفي النفل المبتدأة -، وسجدة التلاوة الأفضل أن تقطع فيؤديها في وقت آخر؛ لأن الوقت في حقها سبب الوجوب لا شرط الأداء، بل الأداء وجب مطلقا فلا يفوت عن الوقت.
_________________
(١) انظر المتن ص ٥١٢.
[ ١ / ٥١٤ ]
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ ذَلِكَ.
(وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ الفَوَائِتَ،
أما لو تلا آية السجدة في غيرها، أو نذر مطلقا، أو في غيرها فأداها فيها لا يجوز (^١)، وفيه تأمل لما روي أنه ﵇ نهى عن ذلك.
في المبسوط: عن ابن عباس ﵁ أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عمر، أنه ﵇ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغيب الشمس (^٢)، وكذا يرويه أبو سعيد الخدري، ومعاذ ابن عفراء، وجماعة كذلك في الأسرار.
والحديث في الصحيحين، والنهي في التطوع خاصة، أما تجوز الفرائض وصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة بلا كراهة فبالإجماع، وبإطلاق قوله ﵇: «من نام عن صلاة»، الحديث.
(كالمشغول به)، أي: بالفرض، والفرض التقديري أقوى من النفل؛ لأن ثواب الفرض أعظم من ثوابه، ولا تمنع الفرائض لأن التحقيقي أقوى من التقديري، لا لمعنى في الوقت بل لشغل الوقت بالأولى وحق الفرض، فلا يوجب نقصا في المؤدى، كمن رأى أعمى يسقط في البئر ينهى عن الاشتغال بالصلاة، لكن لو أتى بها يجوز، ولهذا لو ابتدأ العصر في أول الوقت ومده إلى الغروب لا يكره بالاتفاق، فلو كانت الكراهة لمعنى في الوقت لكان هذا مكروها، كذا ذكره قاضي [خان] (^٣)، عنى في حق الفرائض، وكذا الوتر عند أبي حنيفة لأنه فرض عملًا عنده.
وقوله: (حتى تطلع الشمس) مُؤَوَّل، ومراده حتى تتغير، فإنه قال بعد ذلك: (ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين الفوائت)، وقضاؤها لا يجوز بعد تغير
_________________
(١) تحفة الفقهاء للسمر قندي (١/ ١٠٥).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٢٠، رقم ٥٨١)، ومسلم (١/ ٥٦٦، رقم ٨٢٦).
(٣) ما بين المعقوفتين من النسخة الثانية.
[ ١ / ٥١٥ ]
وَيَسْجُدَ لِلتَّلَاوَةِ، وَيُصَلِّيَ عَلَى الجِنَازَةِ ولا يُصلِّي ركعتي الطوافِ) لِأَنَّ الكَرَاهَةَ كَانَتْ لِحَقِّ الفَرْضِ، لِيَصِيرَ الوَقْتُ كَالمَشْغُولِ بِهِ لَا لِمَعْنَى فِي الوَقْتِ، فَلَمْ تَظْهَرْ فِي حَقِّ الفَرَائِضِ، وَفِيمَا وَجَبَ لِعَيْنِهِ كَسَجْدَةِ التَّلَاوَةِ، وَظَهَرَتْ فِي حَقِّ المَنْذُورِ، لِأَنَّهُ
الشمس؛ لما عرف أن الكامل لا يتأدى بالناقص، وقد صرح بذلك في المبسوط بعد صلاة العصر قبل تغير الشمس، وبعد الفجر قبل طلوع الشمس (^١).
قوله: (وفيما وجب لعينه) إلى آخره، فإن قيل: قد ذكر في الأصول أن سجدة التلاوة ليست بقربة مقصودة حتى جاز إقامة الركوع مقامها، بخلاف سجود الصلاة، وهذا يوهم أنها واجبة لغيرها.
قلنا: أراد بما وجب لعينه هاهنا ما شرع واجبًا ابتداء، لا أنه شرع نفلًا في الأصل ثم صار واجبًا بعارض كالمنذور، ثم هذا الواجب قد يكون قربة مقصودة بذاتها، وقد لا يكون؛ كالصلاة، والصوم، فسجدة التلاوة من حيث إنها وجبت ابتداءً كانت واجبة لعينها، فمن حيث إنها وجبت موافقة للأبرار ومخالفة للكفار لم يكن مقصودًا بنفسه فكانت واجبة لعينها، غير مقصودة بنفسها لعدم التنافي.
ألا ترى أن صلاة الجنازة عُدَّت من هذا القبيل مع أنها وجبت لغيرها، وهو قضاء حق الميت، ولكنها لما شرعت ابتداءً صح جعلها واجبة لعينها من هذا الوجه، فكذا هذا، كذا قرره شيخي ﵀.
وفي الْمُجْتَبى: الأصل أن ما يتوقف وجوبه على فعله كالمنذور، وقضاء التطوع أفسده، وركعتي الطواف، وسجدة السهو ونحوها لا يجوز، وما لا يتوقف عليه كسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة يجوز". (^٢)
وعن أبي يوسف: لا يكره المنذور لأنه واجب بالنذر كسجدة التلاوة، وكذا في التحفة (^٣).
ولا أثر لإيجاب العبد؛ فإنه لا تكره سجدة التلاوة وإن وجبت بواسطة
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٢).
(٢) انظر: حاشية السلبي على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (١/ ٨٦).
(٣) تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ١٠٧).
[ ١ / ٥١٦ ]
تَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَفِي حَقِّ رَكْعَتَي الطَّوَافِ، وَفِي الَّذِي شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ، لِأَنَّ الوُجُوبَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ خَتْمُ الطَّوَافِ وَصِيَانَةُ المُؤَدَّى عَنِ الْبُطْلَانِ.
تلاوة العبد.
وقلنا: النهي باعتبار كون الوقت مشغولًا بالفرض والمنذور، ولا يخرج عن النفلية نظرًا إلى الأصل فيما يرجع إلى الوقت بخلاف الواجب لعينه فإنه الأهم، والفرض والواجب لغيره لا يساويه، ولا يجوز قضاء ركعتي الفجر بعده.
وعن الفضلي وإسماعيل الزاهد: إذا خشي فوت الجماعة في الفجر يشرع في السنة ثم يقطعها، ويقضيها بعد الفجر قبل الطلوع.
قيل: في هذا نوع خطأ وهو إفساد العمل قصدًا، لكن الأحسن أن يشرع، ثم يكبر للفجر فيصير منتقلا من النفل إلى الفرض، لا مفسد قصدًا (^١).
وقال الإمام السَّرَخْسِي: هذا ليس بقوي؛ لأن ما وجب بالشروع لا يكون أقوى مما وجب بالنذر (^٢).
وقد نص محمد أن المنذور لا يؤدى بعد الفجر قبل الطلوع كذا ذكره التمرتاشي.
(من جهته)، أي من جهة الناذر ويجوز رجع الضمير إليه من غير سبق ذكره؛ لما أن المنذور يدل عليه لما كان من جهته لا من جهة الشارع جعل كالتطوع المبتدأ من حيث إن كلا منهما من جهة العبد.
قوله: (وفي حق ركعتي الطواف)، وفي المبسوط: كراهة ركعتي الطواف بالأثر وهو ما روي أن عمر ﵁ طاف بالبيت أسبوعًا بعد صلاة الفجر، ثم خرج من مكة حتى كان بذي طوى - اسم موضع ينصرف ولا ينصرف - فطلعت الشمس فصلى ركعتين، فقال: ركعتين مقام ركعتين (^٣)، فقد أخر ركعتي الطواف إلى ما بعد الطلوع، وفيه تأمل.
_________________
(١) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٤١٠).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٩).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٠٠).
[ ١ / ٥١٧ ]
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَي الفَجْرِ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وقال الشافعي: يجوز في هذين الوقتين ركعتي الطواف، وتحية المسجد، وكل نفل له سبب؛ كركعتي الوضوء، وسنن الرواتب والمنذور؛ لقوله ﵇: «إذا دخل أحدكم المسجد فليُحَيّهِ برَكعتين» (^١)، مطلقا، ولما روي أنه ﵇ دخل بيت أم سلمة بعد العصر فصلى ركعتين، فسألته عنهما فقال: «أتاني ناس من عبد القيس فَشَغلوني عَنِ الرّكعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (^٢)، وما روي أنه ﵇ رأى قيس بن فهد أنه يصلي بعد الصبح فقال: «ما هاتان الركعتان؟» فقال: إني لم أكن صليت ركعتي الفجر، فسكت ﵇ ولم ينكر عليه (^٣).
وقلنا: ذاك منسوخ بحديث النهي؛ فإن الصحابة رووه في آخر الدهر، كذا في المبسوط.
وروى الطحاوي: أن عمر ﵁ كان يضرب الرجل إذا رآه يصلي بعد العصر حتى ينصرف من صلاته (^٤)، مع حرصه فالترك مع الحرص على إحراز فضيلة النفل دليل الكراهة.
وفي الْمُجْتَبى: ويخفف القراءة في ركعتي الفجر؛ لقول ابن عمر ﵁: سمعت النبي ﷺ يقرأ فيهما بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (^٥).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: والنهي عما سوى ركعتي الفجر فيه لحق ركعتي الفجر لا لخلل في الوقت، وهو متعين لركعتي الفجر، حتى لو نوى تطوعًا كان
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٩٦، رقم ٤٤٤)، ومسلم (١/ ٤٩٥، رقم ٧١٤) من حديث أبي قتادة السلمي ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٦٩، رقم ١٢٣٣)، ومسلم (١/ ٥٧١، رقم ٨٣٤).
(٣) أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٦٤، رقم ١١١٦)، والدارقطني (٢/ ٢٢٦، رقم ١٤٣٩)، والحاكم (١/ ٢٧٤، رقم ١٠١٧). قال الحاكم: صحيح على شرطهما.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٠٤، رقم ١٨٢٩).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٤١١).
[ ١ / ٥١٨ ]
وَالسَّلَامُ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ (وَلَا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الغُرُوبِ قَبْلَ الفَرْضِ)
منهما بخلاف الفرض؛ لأنه فوقه فجاز أن يصرف الوقت إليه.
وفي التجنيس للمصنف: تطوع آخر الليل، فلما صلى ركعة طلع الفجر كان الإتمام أفضل؛ لأنه وقع في التطوع بعد الفجر لا عن قصد.
قوله: (ولا يتنفل بعد الغروب)؛ لقوله ﵇: «بين كل أذانين صلاة، إن شاء» (^١) إلا المغرب، قال الخطابي: يعني الأذان، والإقامة (^٢).
وعن عمر رضي عنه ﵁ أنه صلى المغرب فرأى كوكبًا عتق نسمة، كذا في الْمُجْتَبى (^٣).
وعند بعض أصحاب الشافعي يستحب ركعتين قبل المغرب، كما يجيء في باب النوافل (^٤).
وفي فتاوى قاضي خان: الأوقات التي لا تجوز فيه الصلاة اثنا عشر، فثلاثة تكره فيها الصلاة لمعنى الوقت وهي: وقت الطلوع، والغروب، والاستواء، فلذلك يكره فيها جنس الصلاة فرضًا ونفلا، والبواقي لمعنى في غير الوقت فلذلك أثر في النوافل، وما في معناها لا في الفرائض، والبواقي تسعة، وهي: بعد طلوع الفجر، وبعد فرضه قبل التطوع، وبعد صلاة العصر قبل التغيير، وبعد الغروب قبل المغرب، وعند الخطبة، وعند الإقامة يوم الجمعة، وعند خطبة العيدين، وعند خطبة الكسوف، وخطبة الاستسقاء، كذا في التحفة، ولكن لفظها بالكراهة، وفيها ومنها قبل صلاة العيد (^٥).
وفي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ: لا يتنفل بعد صلاتي الجمع بعرفات والمزدلفة، كذا في الْمُجْتَبى.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٢٧، رقم ٦٢٤)، ومسلم (١/ ٥٧٣، رقم ٨٣٨) من حديث عبد الله بن مغفل المزني ﵁.
(٢) معالم السنن للخطابي (١/ ٢٧٧).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٤١١).
(٤) انظر: الوسيط للغزالي (٢/ ٢٠٨)، والمجموع للنووي (٤/¬٨).
(٥) انظر: فتاو قاضي خان (١/¬٣٥).
[ ١ / ٥١٩ ]
لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ (وَلَا إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الاشْتِغَالِ عَنْ اسْتِمَاعِ الخُطْبَةِ.