قَالَ ﵁: (لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا سَائِمَةً، وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى تِسْعِ، فَإِذَا كَانَتْ عَشْرًا فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى أَرْبَعَ
فصل في الإبل
قدم الإبل؛ اقتداء بكتاب النبي ﵇ كما ذكرنا، أو لأنها أفضل المواشي وأعز الأموال عند العرب.
والإبل: اسم جمع كالغنم، لا واحد لهما من لفظهما، وهما مؤنثان، ولهذا يقال في تصغيرهما: أبيلة وغنيمة، وكأن الغنم مأخوذ من الغنيمة؛ إذ ليس لها آلة الدفاع كالقرن والناب المنثور، والبعير والذود من الإبل من الثلاث إلى العشرة، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها. كذا في الصحاح (^١).
وقيل: من اثنين إلى التسعة، وإضافة الخمس إلى الذود من قبيل إضافة العدد إلى مميزه؛ كما في قوله تعالى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]، والمميز الذي بمعنى الجمع في إدارة الفرد؛ لأن الرهط من ثلاثة إلى عشرة، وأريد في الآية الفرد، فكأنه قيل: تسعة أنفس. كذا في الكشاف (^٢)، فكذا هنا، فكأنه قيل: من خمسة جمال.
وفي المبسوط: إنما وجبت الشاة في الإبل، مع أن الأصل في الزكاة أن تجب في كل نوع منه؛ لأن المأمور بالأخذ ربع العشر من كل مال (^٣)، إلا أن الإبل لما بلغت خمسا؛ كانت مالًا كثيرًا، فيجب فيها، ولا يمكن إيجاب واحدة منها؛ لما فيه من الإجحاف برب المال، ولأن المأمور به ربع العشر؛ لقوله عليه الصلاة السلام: «هاتوا رُبعَ عُشر أموالِكُم» (^٤)
وفي إيجاب الشقص من الخمس ضرر عيب الشركة، وأوجبت الشاة؛ لما أنها تقرب ربع عشر الإبل، فإنها كانت تقوم بخمسة دراهم هناك، وابنة مخاض
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٤/ ١٦١٨).
(٢) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري (٣/ ٣٧٢).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٥٠).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
عَشْرَةَ، فَإِذَا كَانَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهِ إِلَى تِسْعَ عَشْرَةَ، فَإِذَا كَانَتْ عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهِ إِلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضِ) وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّانِيَةِ.
بأربعين درهما، فإيجاب الشاة في خمس؛ كإيجاب الخمس في المائتين من الدراهم.
قوله: (ففيها بنت مخاض): على هذا اتفقت الآثار وأجمع العلماء، إلا ما روي عن علي شاذا أنه قال: في خمس وعشرين؛ خمس شياه، وفي ستة وعشرين؛ ابن مخاض.
وقال سفيان الثوري: هذا غلط وقع من رجال علي، أما علي أفقه فلا يقول هكذا؛ لأن في هذا موالاة بين الواجبين لا وقص بينهما، وهذا خلاف أصول الزكوات، فإن مبنى الزكاة على أنه تتلو الوجوب، والوقص ما بين النصابين.
ثم اعلم: أن الشرع جعل الواجب في نصاب الإبل الصغار دون الكبار؛ بدليل أن الأضحية لا تجوز بها، وإنما تجوز بالثني فصاعدا من السديس والبازل.
وإنما اختار ذلك؛ تيسيرًا لأرباب المواشي، وجعل الواجب أيضًا من الإناث لا الذكور، حتى لا يجوز الذكر إلا بطريق القيمة، ولهذا لم يُجَوِّز الشافعي أخذ ابن المخاض؛ لأنه لا يُجَوِّز دفع القيمة؛ بل قال: يؤخذ مكان بنت مخاض ابن لبون؛ لأن الأنوثة تعد فضلا في الإبل (^١).
وقد جاءت السنة بتعيين الوسط، ولم يعين الأنوثة في البقر والغنم؛ لأنها فيهما لا تعد فضلا.
وإنما سميت بنت مخاض؛ لأن أمها صارت مخاضًا بأخرى؛ أي: حاملا. وفي المغرب: مخضت الحامل مخاضا؛ أخذها وجع الولادة، والمخاض أيضًا: النوق الحوامل الواحدة خَلِفَة، ويقال لولدها إذا استكمل سنة ودخل في الثانية؛ ابن مخاض؛ لأن أمه لحقت بالمخاض من النوق (^٢).
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٧٩٣)، والبيان للعمراني (٣/ ٢٠٠).
(٢) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٤٣٧).
[ ٢ / ٥٨٠ ]
(إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونِ) وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ (إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ) وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ (إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ) وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الخَامِسَةِ (إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونِ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ) بِهَذَا اشْتَهَرَتْ كُتُبُ الصَّدَقَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (ثُمَّ) إِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ تُسْتَأْنَفُ الفَرِيضَةُ فَيَكُونُ فِي الخَمْسِ شَاةٌ مَعَ الحِقَتَيْنِ، وَفِي العَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاءٍ، وَفِي العِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهِ،
وكذلك سميت بنت لبون؛ لأن أمها لبون بولادة الأخرى، وسميت حِقَّة؛ لأنه يحق لها أن تُركَبَ ويُحمل عليها.
وسميت جذعة؛ لمعنى في أسنانها معروف عند أرباب الإبل، وهي أعلى الأسنان التي توجد، وبعدها ثني وسديس وبازل.
ولا يجب شيء من ذلك في الزكاة؛ لنهيه ﵇ السعاة عن أخذ كرائم أموال الناس. كذا في المبسوط (^١).
(اشتهرت كتب الصدقات)؛ فإنه ﵇ كتب هذا في كتابه لأبي بكر وعلي، وكتب أبو بكر هكذا لأنس حين وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة، فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله تعالى بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها؛ فلا يعطه، ثم يبين في ذلك الكتاب كما ذكر في المتن.
قوله: (وفي العشر شاتان)؛ أي: مع الحقتين.
[(وفي خمس عشرة ثلاث شياه)؛ أي: مع الحقتين. (وفي] (^٢) عشرين أربع شياه)؛ أي: مع الحقتين.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٥٠).
(٢) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٥٨١ ]
وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، إِلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَيَكُونُ فِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ، ثُمَّ تُسْتَأْنَفُ الفَرِيضَةُ فَيَكُونُ فِي الخَمْسِ شَاةٌ، وَفِي العَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاءٍ، وَفِي العِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاءٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِي سِتٌ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَسِئًا وَتِسْعِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ إِلَى مِائَتَيْنِ، ثُمَّ تُسْتَأْنَفُ الفَرِيضَةُ أَبَدًا كَمَا تُسْتَأْنَفُ فِي الخَمْسِينَ الَّتِي بَعْدَ المِائَةِ
(وفي عشرين أربع شياه) (^١) أي: مع الحقتين. ثم [يستأنف] (^٢) الفريضة؛ (في الخمس شاة)؛ أي: مع ثلاث حقاق. (وفي العشر شاتان)؛ أي: مع ثلاث حقاق، هكذا إلى خمس وعشرين؛ ففيها بنت مخاض مع ثلاث حقاق. (وفي ست وثلاثين بنت لبون)؛ أي: مع ثلاث حقاق، إلى ست وأربعين؛ ففيها أربع حقاق.
وفي المبسوط، وفتاوى قاضي خان: ثم هو مخير، إن شاء أدى منها أربع حقاق من كل خمسين حقة، وإن شاء أدى خمس بنات لبون من كل أربعين بنت لبون (^٣).
فإن قيل: هذا الكتاب بين أربع حقاق، وخمس بنات لبون؛ كيف يصح فيما بلغ النصاب مائة وستا وتسعين؛ لأنه لا يستقيم بهذا الحساب؟. قلنا: إن لم يصح فيما قبل المائتين، فيصح في المائتين، فله الخيار في تأخير أداء الزكاة إلى أن كانت الإبل تبلغ مائتين، فإذا بلغت مائتين؛ فله الخيار في أربع حقاق، أو خمس بنات لبون.
قوله: (كما تستأنف في الخمسين إلى آخره) قيد بهذا؛ احترازًا عن الاستئناف الذي بعد المائة والعشرين، فإن في ذلك الاستئناف ليس إيجاب بنت
_________________
(١) كذا في الأصول، وفي المتن: " وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ ".
(٢) في الأصل: (يستأنس)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٥١)، وفتاوى قاضي خان (١/ ١٢١).
[ ٢ / ٥٨٢ ]
وَالخَمْسِينَ)، وَهَذَا عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ،
لبون ولا إيجاب أربع حقاق؛ لانعدام وجود نصابها؛ لأنه لما زاد خمس وعشرون على المائة والعشرين صار كل النصاب مائة وخمسة وأربعين، فهو نصاب بنت المخاض مع الحقتين، فلما زاد عليها خمس صارت مائة وخمسين، فوجب ثلاث حقاق.
ولأن في الاستئناف الأول تغير الواجب من الخمس إلى الخمس، إلى أن تبلغ النصاب إلى مائة وخمسين، ثم استؤنفت الفريضة، وفي الاستئناف الثاني تغير الواجب من خمس وعشرين إلى ست وثلاثين؛ أي: من مائة وخمس وسبعين إلى مائة وست وثمانين، فيكون العفو في الاستئناف الأول خمسة، وفي الثاني عشرة، ثم تغير الواجب في الاستئناف الثاني من ست وثلاثين إلى مائة وست وتسعين، وليس هو في ما دونها؛ أي: ما دون الخمسينات والأربعينات.
قوله: (وقال الشافعي: إذا زادت على مائة وعشرين؛ ففيها ثلاث بنات لبون) إلى آخره وبه قال الأوزاعي، وأبو ثور، وأحمد، ومالك في رواية.
وقال مالك (^١)، وأحمد (^٢): لا يتغير الفرض بالزيادة على مائة وعشرين حتى تبلغ عشرا، فيجب فيها حقة وبنتا لبون.
وعن مالك رواية ثالثة: لو زادت واحدة على المائة والعشرين؛ يتغير الفرض، يخير الساعي بين حقتين وبين ثلاث بنات لبون.
والأصح عن أحمد: مثل مذهب الشافعي (^٣).
وللشافعي: ما روي في الصحيحين (^٤) رواه ابن عمر أنه ﵇ قال:
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١٧/ ٣٤١)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ١٥١).
(٢) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٨٧)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٣٥).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٨٠)، والبيان للعمراني (٣/ ١٦٦).
(٤) أخرجه البخاري (٢) ١١٨، رقم (١٤٥٤) من حديث أنس ﵁، ولم يروه مسلم، وأما حديث ابن عمر رواه أبو داود (٢/ ٩٨، رقم ١٥٦٨) الترمذي (٢/¬١٠ - ١١، رقم ٦٢١) وقال: حديث حسن.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
فَإِذَا صَارَتْ مِائَةٌ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، ثُمَّ يُدَارُ الحِسَابُ عَلَى الْأَرْبَعِينَاتِ وَالخَمْسِينَاتِ فَتَجِبُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ كَتَبَ: «إِذَا زَادَت الإِبِلُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ عَوْدِ مَا دُونَهَا».
«إذا زادَتِ الإبلُ على المائة والعشرين؛ فَفِي كل أربعين بنت لبون، وفي كُلِّ خمسينَ حِقَّةٌ».
ولنا: ما كتبه في كتاب عمرو بن حزم في آخره: «فما كان أقل من ذلك أي: من خمس وعشرين -؛ ففي كل خمس ذَودِ شاة» (^١)، وهذا مذهب علي، وابن مسعود، وكان علي عامل رسول الله ﷺ على الصدقة، وهو القدوة في ذلك.
وقال علي: ما عندنا شيء نقرأه إلا كتاب الله تعالى، وهذه الصحيفة فيها أسنان الإبل، أخذتها من رسول الله ﷺ.
وما رواه الشافعي نحن قائلون به؛ لأنا نوجب في الأربعين بنت لبون؛ لأن الواجب فيها ما هو الواجب في ست وثلاثين وفي الخمسين حقة.
وهذا الحديث لا يتعرض لنفي الواجب عما دونه، وإنما هو على مفهوم النص، ونحن عملنا بالنص، وأعرضنا عن مفهومه لما روينا. كذا في الإيضاح (^٢).
ولأن المثبت أولى من النافي، مع أن المفهوم لا يعارض الصريح.
والبخت جمع بختي، وهو التي تولد من العربي والعجمي، ذو سنامين منسوب إلى بخت نصر.
والعراب: جمع عربي، والعرب: جمع رجل عربي، تفرقوا بين جمع الأناسي وغيره، والعرب: هم الذين استوطنوا المدن والقرى العربية، والأعراب: أهل البدو، واختلف في نسبتهم؛ فالأصح: أنهم نسبوا إلى عربة -
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٦١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٢٣).
[ ٢ / ٥٨٤ ]
وَلَنَا: أَنَّهُ ﵊ كَتَبَ فِي آخِرِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ: «فَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَفِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ» فَنَعْمَلُ بِالزَّيَادَةِ وَالبُخْتُ وَالعِرَابُ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ لِأَنَّ مُطْلَقَ الاِسْمِ يَتَنَاوَلُهُمَا.