الشك في الباقي، وكذا الحمر لو بالت في الكرش فغسل بعضها، أو أكل الكلب بعض العنقود يغسل الباقي ثلاثًا يطهر.
ولو عصر عنبا فأدمى رجله وصار إلى العصير ولا يظهر أثر الدم لا يتنجس عند أبي حنيفة وأبي يوسف كالماء الجاري، ولو ألقى الدهن النجس في خابية ثم يصب فيه مثله ماء ويحرك، ثم يترك حتى يعلو الدهن فيؤخذ، أو يثقب في أسفل الخابية حتى يخرج، هكذا يفعل ثلاثًا يطهر، ولو جعل الدهن النجس في الصابون يفتي بطهارته؛ لأنه تغير، والتغير مطهر عند محمد ففت به للبلوى، الكل في الْمُجْتَبى (^١).
وفي القنية: دبغ الجلد بودك الميتة، أو الكيمخت (^٢) بدهن الخنزير ثم غسل يطهر، ولا يضر بقاء الأثر.
وفي التحفة: أصاب الجلد نجاسة فغسلها ثلاثا بلا تجفيف يطهر (^٣).
وفي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ: وكذا الخف، والمكعب، والجرموق إذا أمر الماء عليه ثلاثا يطهر بلا تجفيف.
وفي فتاوى قاضي بديع: والمختار أنه يغسل ثلاثًا، ويترك في كل مرة حتى تذهب الندوة، ولا يشترط اليبس.
[فَصْلٌ فِي الاسْتِنْجَاءِ]
اتبع المصنف القدوري، وهو اتبع محمدًا في أنه لم يورد ذكره (^٤) عند ذكر سنن الوضوء، قال بعض المشايخ: ذكر الاستنجاء عند ختم الطهارة إشارة إلى أنه ضابط لتصنيفه، ومتيقظ في تأليفه، حيث ختمها بما بدأ بها، وإعلاما بأن
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٩٢).
(٢) قال ابن الأعرابي الكَيْمَخْت ضرب من الجلود دخيل المخصص لابن سيده (١/ ٤٠٤). وقال عليش المالكي: (الْكِيمَخْتِ) بفتح الكاف، والميم وسكون المثناة، والخاء المعجمة أي جلد الحمار، أو البغل، أو الفرس المدبوغ منح الجليل شرح مختصر خليل (١/ ٥٢).
(٣) انظر: تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ٧١).
(٤) في النسخة الثانية: (ذكر الاستنجاء).
[ ١ / ٤٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المقصود الطهارة الصغرى؛ إذ هي مفتاح الدرجات الكبرى، وفيه ضعف.
وفي المغرب: نَجَا، وَأَنْجَى: أحدث، وأصله من النُّجْوَةِ، وهي المكان المرتفع؛ لأنه يستتر بها وقت قضاء الحاجة، ثم قالوا: اسْتَنْجَى إذا مسح موضع النَّجْوِ، وهو ما يخرج من البطن، أو غسله، وقيل: من نجاء الجلد إذا قشره (^١).
وجاز أن يكون السين للطلب يعني طلب النجو ليزيله، والاستطابة، والاستجمار بمعناه.
وقيل: الاستجمار يختص بالحجر، بخلاف الاستنجاء، والاستطابة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: الاستنجاء نوعان نوع بالحجر والمدر، ونوع بالماء، والاستنجاء بالحجر، أو بما يقوم مقامه كالأعيان الطاهرة والعود والخرقة سنة، وبه قال المزني (^٢)، ومالك في رواية (^٣)؛ لأنه ﵇ فعله على سبيل المواظبة، وكذلك الصحابة، وإتباع الماء أدب؛ لأنه ﵇ كان يستنجي بالماء مرةً، وتركه أخرى، وهو حد الأدب، وهكذا روي عن بعض الصحابة.
قال مشايخنا: إنما كان ذلك أدبًا في الزمن الأول، فأما في زماننا سنة، حتى قيل للحسن البصري كيف يكون سنة وقد فعله النبي ﵇ مرةً، وتركه أخرى، وكذا اختيار الصحابة؟ فقال: إنهم كانوا يبعرون بعرًا، وأنتم تثلطون ثلطًا، ولا خلاف في الأفضلية (^٤).
وقال الشافعي: الاستنجاء من البول والغائط فريضة (^٥)، وبه قال أحمد (^٦)،
_________________
(١) المغرب في ترتيب المُعْرَب للمطرزي (ص ٤٥٧).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١١٧)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٢١٠).
(٣) انظر: مختصر المزني (ص ٩٥).
(٤) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٤٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٧٤٨).
(٥) انظر: الأم للشافعي (١/¬٣٦).
(٦) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٩٩)، والإنصاف للمرداوي (١/ ١١٣).
[ ١ / ٤٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومالك في رواية (^١)، وداود (^٢)، وأبو ثور، والمسألة في الحاصل فرع لمسألة أخرى، وهي أن النجاسة إذا كانت قدر الدرهم أو أقل هل يفترض إزالتها؟ فعندنا لا، وعنده يفترض؛ لجواز الصلاة، إلا أن في هذا الموضع تطهر بالحجر، وما يقوم مقامه، وفي سائر المواضع لا تطهر إلا بالماء.
واحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] أي النجاسة، ولم يفصل بين القليل والكثير، وكذا في حديث أبي أيوب الأنصاري، أنه ﵇ قال: «لِيَسْتَنْجِ بثلاثة أحجار» (^٣)، والأمر للوجوب وبما روي أنه ﵇ قال: «إذا جلس أحدُكُم لِحَاجَتِهِ فَلْيمسَحْ ثلاث مسحات»، وبما روى سلمان: أنه ﵇ أمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار (^٤)، والأمر للوجوب، ولأن هذه نجاسة قليلة كانت أو كثيرة فيجب إزالتها كما في الحكمية بل أولى؛ لأنها فوق الحكمية إلا أن ترى أن الحكمي يزول بالتراب والحقيقي لا.
ولنا ما روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فليوتر، من فعل فحَسَنٌ، ومَن لا فَلَا حَرجَ» (^٥)، فقد نفى الحرج عن تاركه فدل أنه غير واجب.
وأما الآية فمحمولة على أكثر من قدر الدرهم.
وأما الحديث فمحمول على الاستحباب؛ لأن حديث أبي هريرة محكم في
_________________
(١) انظر: الفواكه الدواني للنفراوي (١٣١١)، وكفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي (١/ ١٧٢).
(٢) انظر: المحلى لابن حزم (١/ ١٠٥، ٣٣٢)، وحلية العلماء للشاشي (١/ ٢٠٦).
(٣) أخرجه أبو داود (١/¬٣، رقم ٨)، والنسائي (٣٨/¬١، رقم ٤٠)، وابن ماجه (١/ ١١٤، رقم ٣١٣)، وابن حبان (٤/ ٢٧٨، رقم ١٤٣١) من حديث أبي هريرة ﵁. وأصل الحديث أخرجه مسلم (١/ ٢٢٤، رقم ٢٦٥).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٢٢٤، رقم ٢٦٢).
(٥) أخرجه أبو داود (١/¬٩، رقم ٣٥)، وابن ماجه (١/ ١٢١، رقم ٣٣٧)، وابن حبان (٤/ ٢٥٧، رقم ١٤١٠)، وأحمد (٢/ ٣٧١، رقم ٨٨٢٥) من حديث أبي هريرة ﵁. قال ابن عبد البر: هو حديث ليس بالقوي لأن إسناده ليس بالقائم فيه مجهولون. التمهيد (١١/¬٢١)، وقال البيهقي: إن صح. السنن الكبرى (١/ ١٠٤).
[ ١ / ٤٦٣ ]
(الِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ (وَيَجُوزُ فِيهِ
التخيير، وما رواه محتمل، فيحمل على المحكم، أو محمول على ما إذا لم يحصل الإنقاء بما دونه، لكن لما كان في الأغلب حصول التنقية بالثلاث قيد به.
وأما قوله: إن هذه نجاسة فيمنع كما في الحكمية يشكل باليسير من الدم كدم البراغيث فإنه لا يمنع، وليس هذا كالطهارة الحكمية؛ لأنه لا ضرورة فيها في القليل كما لا ضرورة في الكثير؛ فإن اتصال الماء إلى جميع الأعضاء ممكن، ألا ترى لو ترك قدر ما لا يأخذه البصر إلا بتكلف لا يجزيه، وهاهنا لو كان مثل ذلك يجزيه، فدل أن الفرق ثابت بالإجماع.
ثم الكلام في العدد، فعندنا (^١)، وداود (^٢): لو استنجى بحجر وحصل الإنقاء يكون مقيمًا للسنة، وتجوز الصلاة، وقال الشافعي: الاستنجاء بثلاثة أحجار، أو بحجر له ثلاثة أحرف فرض، حتى لو تركه لم تجز صلاته (^٣)، وبه قال أحمد (^٤) وإن حصلت التنقية بالواحد بما روي من الأحاديث، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قال شيخ شيخي: لما نفى الشارع الحرج عن تاركه فدل أنه ليس بواجب، وتركه لا يضر، فترك وصفه أولى، فدل الحديث على انتفاء المجموع.
قوله: (واظب عليه ﵇، فإن قيل: المواظبة من غير ترك دليل الوجوب، ولم ينقل الترك عنه ﵇.
قلنا: دل الدليل على أن المراد عدم الوجوب؛ لأن قدر الدرهم معفو، فعلم أن الاستنجاء ليس بواجب، كذا في الكاثي، وفيه تأمل فإن عند الخصم قدر الدرهم غير معفو، بل نقول: نفس المواظبة دليل السنة، والترك لم يثبت فلا
_________________
(١) انظر: الجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٤٠)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٢١٤).
(٢) انظر: حلية العلماء للشاشي (١/ ٢٠٨). قال ابن حزم: وقال أبو حنيفة ومالك: بأي شيء استنجى دون عدد فأنقى أجزأه، وهذا خلاف ما أمر به رسول الله ﷺ الله لأنه نهى أن يكتفي أحد بدون ثلاثة أحجار وأمر بالوتر في الاستجمار. المحلى (١/ ١١٠).
(٣) انظر: الأم للشلافعي (١/¬٣٦).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١١٣)، والإقناع للحجاوي (١٨/¬١).
[ ١ / ٤٦٤ ]
الحَجَرُ وَمَا قَامَ مَقَامَهُ، يَمْسَحُهُ حَتَّى يُنْقِيَهُ) لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الْإِنْقَاءُ فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ المَقْصُودُ (وَلَيْسَ فِيهِ عَدَدٌ مَسْنُونٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا بُدَّ مِنْ الثَّلَاثِ لِقَوْلِهِ ﵊: «وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ»، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ»، وَالإِيتَارُ يَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ، وَمَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، فَإِنَّهُ لَو اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ جَازَ بِالإِجْمَاعِ.
(وَغَسْلُهُ بِالمَاءِ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ كَانُوا يُتْبِعُونَ الحِجَارَةَ المَاءَ. ثُمَّ هُوَ أَدَبٌ، وَقِيلَ: هُوَ
يدل على الوجوب، وعدم نقل الترك لا يدل على عدمه.
وفي الكافي: المراد من قوله: (حتى ينقيه) تقليل النجاسة لا حقيقة الطهارة، وغسله بالماء أفضل، يعني إذا أتبع الحجارة بالماء فهو أفضل بالإجماع.
وفي الحلية: الأفضل الجمع بينهما، فإن اقتصر على أحدهما فالماء أولى، وإن اقتصر على الحجر جاز (^١).
وفي شرح الوجيز: لو كان الخارج من السبيلين نادرًا كالدم، والقيح ففيه قولان، أحدهما: أنه يتعين إزالته بالماء؛ لأن الاقتصار على الحجر تخفيف على خلاف القياس فيقتصر فيما تعم به البلوى فلا يلحق به غيره، والثاني: أنه يجوز فيه الاقتصار على الحجر، وهو الأصح نظرًا إلى المخرج (^٢).
وفي المبسوط: يستنجى من الغائط، والبول، والمذي، والودي، والمني، والدم الخارج من السبيلين دون سائر الأحداث.
وفي البدرية: كون الغسل أفضل وإذا نقاه بالأحجار؛ لأن النص ورد على هذا الوجه.
(نزلت في أقوام)، وهم أهل قباء، والقباء بالضم والمد من قرى المدينة.
روي لما نزلت الآية مشى رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون حتى وقفوا على
_________________
(١) حلية العلماء للشاشي (١/ ٢٠٧).
(٢) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (١/ ٤٧٨).
[ ١ / ٤٦٥ ]
سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا، وَيَسْتَعْمِلُ المَاءَ إِلَى أَنْ يَقَعَ فِي غَالِبِ ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ، وَلَا يُقَدَّرُ بِالمَرَّاتِ إِلَّا إِذَا كَانَ مُوَسْوِسًا
باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس، فقال: «أَمُؤمنون أنتم؟» فسكت القوم، ثم أعادها، فقال عمر ﵁: إنهم لمؤمنون وأنا معهم، فقال ﵇: «أترضون بالقضاء؟ قالوا: نعم، قال: أَتَصْبِرُونَ على البلاء؟» قالوا: نعم، قال: «أتشكرون في الرخاء؟» قالوا: نعم، قال ﵇: «مُؤمِنونَ وربّ الكعبة»، فجلس، ثم قال: «يا مَعْشَرَ الأنصار، إنهُ تعالى أثنى عليكم، فما الذي تصنعونَ عِنْدَ الغائِطِ؟» فقالوا: يا رسول الله، نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فَتَلَا النبي ﵇ الآية (^١)، فهذا التخصيص يشير إلى أن الغسل بالماء أفضل، ولأن الماء يزيل النجاسة والاستنجاء بها يخففها، وإزالتها أفضل من تخفيفها.
قوله: (موسوس) بالكسر، ولا يقال بالفتح، ولكن يقال: موسوس إليه، أو له، أي تلقى إليه الوسوسة، قال الليث: الوسوسة حديث النفس، وإنما قال: (موسوس)؛ لأنه يحدث ما في ضميره، كذا في المغرب (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٩/ ١٦٣، رقم ٩٤٢٧)، وابن بشران في الأمالي (٤٩٤) من حديث أنس بن مالك ﵁، إلى قوله: «مؤمنون ورب الكعبة»، فجلس. قال الطبراني: لم يرو هذين الحديث عن عطاء إلا يوسف بن ميمون، ولا عن يوسف إلا أبو يحيى الحماني، تفرد بهما الحسن بن حماد الوراق. وضعفه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (ص ١٤٠١)، والهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥٤) أما الشطر الثاني أخرجه البزار في "المسند" كما في كشف الأستار (١/ ١٣١، رقم ٢٤٧) عن ابن عباس ﵄. قال البزار: لا نعلم رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه، وقال ابن الملقن: وفيه ضعف. خلاصة البدر المنير (١٤٦). وأخرج أبو داود (٤٤)، والترمذي (٣١٠٠)، وابن ماجه (٣٥٧) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية». قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وصححه ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٢٤٥).
(٢) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٨٤).
[ ١ / ٤٦٦ ]
فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ فِي حَقِّهِ، وَقِيلَ: بِالسَّبْعِ (وَلَوْ جَاوَزَت النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إِلَّا المَاءُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: إِلَّا المَائِعُ، وَهَذَا يُحَقِّقُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَطْهِيرِ
وفي الكاثي: الوسوسة لغة الحس الذي يوجد من خلخال المرأة، فإيقاع الشيطان شيئًا في قلب المؤمن يسمى وسوسة؛ لأنهما يوجدان على سبيل الوقار والخفة.
(فيقدر بالثلاث في حقه)، أي في حق الموسوس كما في نجاسة غير مرئية؛ لأن البول غير مرئي، والغائط وإن كان مرئيا فالمستنجي لا يراه فكانت بمنزلته.
وقيل: بالسبع بالحديث الذي ورد في ولوغ الكلب، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وفي الْمُجْتَبى: عدد الصبات مفوض إلى رأي المبتلى به، وقيل: بثلاث، وقيل: بتسع، وقيل: بعشرة، وقيل: للإحليل بثلاث، وللمقعد بخمس، وذلك بعد ما خطا خطوات (^١).
(وهذا)، أي قوله: (إلا المائع) يدل على أن إزالة النجاسة الحقيقة من البدن يجوز بالمائع.
وقوله: (إلا الماء) يدل على أن إزالتها من البدن لا يجوز إلا بالماء.
وفي الْمُجْتَبى: قالوا أراد بالمخرج نفسه وما حوله من موضع الشرج؛ فإنما يجب الغسل عندهما إذا تجاوز موضع الشرج أكثر من قدر الدرهم (^٢).
وعند الشافعي إن عدا المخرج وما حوله ولم يجاوز باطن الإليتين ففيه قولان، في قول: لا يجوز فيه إلا الماء؛ لأنه انتشار لا يعم ولا يغلب، فإذا اتفق وجب غسله كسائر النجاسات، وفي أظهر قوليه: يجزي فيه الحجر؛ لأنه لم يزل من زمان النبي ﵇ إلى اليوم رقة البطون، وكان أكثر أقواتهم التمر وهو مما يريق البطن ومن رق بطنه انتشر خلافه عن المخرج وما حوله، ومع ذلك أمروا بالاستجمار.
ولو جاوزت الغائط الإليتين والبول الحشفة تعين الغسل بالماء كسائر
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٩٥).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٩٥).
[ ١ / ٤٦٧ ]
العُضْوِ لِغَيْرِ المَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَهَذَا لِأَنَّ المَسْحَ غَيْرُ مُزِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِهِ فِي مَوْضِعِ الاسْتِنْجَاءِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ، ثُمَّ يُعْتَبَرُ المِقْدَارُ المَائِعُ وَرَاءَ مَوْضِعِ الاسْتِنْجَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ المَوْضِعِ، وَعِنْدَ
النجاسات لأنه نادر بمرة، كذا في شرح الوجيز (^١).
وفي الْمُجْتَبى: وأما كيفية الاستنجاء هو أن يأخذ الذكر بشماله ويمره على جدار، أو حجر، أو مدر ناتئ من الأرض، ولا يأخذ الحجر بيمينه، ولا الذكر به والحجر بشماله؛ لأنه ﵇ نهى عن الاستنجاء باليمين، ومس الذكر به، وإن اضطر يمسك مدرا بين عقبيه ويمر الذكر بشماله، فإن تعذر ذلك أمسك الحجر بيمينه ولا يحركه لأنه أهون من العكس (^٢).
وفي النظم، والخلاصة: يدبر الرجل في الصيف بالحجر الأول، ويقبل بالثاني، ويدبر بالثالث، وكذا المرأة صيفا وشتاء (^٣).
وفي فتاوى قاضي خان يقبل الرجل بالحجر الأول في الشتاء، ويدبر بالثاني، ويقبل بالثالث؛ لأن في الصيف خصيتاه متدليتان، فلو أقبل بالأول تتلوث خصيتاه، ولا كذلك في الشتاء (^٤).
قال صاحب الْمُجْتَبى: المقصود هو الإنقاء فيختار ما هو الأبلغ والأسلم عن زيادة التلويث، وأما كيفيته بالماء فيرخي جالسًا كل الإرخاء ليظهر ما بداخله من النجاسة إلا الصائم مخافة فساد صومه بوصول الماء باطنه، حتى قالوا: لا يتنفس حال الاستنجاء، ولا يقوم حتى ينشفه بخرقة.
وفي النظم: يستنجي بيساره فيصعد إصبعه الوسطى على غيرها قليلا، ويغسل موضعه، ثم بَنْصَرَهُ، ثم خَنْصَرَهُ، ثم سبّابته، ويغسل حتى يطمئن قلبه، والمرأة تصعد بنصرها ووسطاها أولا معًا دون الواحدة كيلا يقع في قلبها فتنزل
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/¬٣٧)، وفتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (١/ ٤٨٠).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٩٥).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/¬٤٣)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬٤٠).
(٤) فتاو قاضي خان (١/¬١٥).
[ ١ / ٤٦٨ ]
مُحَمَّدٍ ﵀ مَعَ مَوْضِعِ الاسْتِنْجَاءِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ المَوَاضِعِ (*) (وَلَا يَسْتَنْجِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ،
فيجب الغسل (^١).
وفي الجامع الأصغر: يكفيها أن تغسل ما وقع من فرجها على راحتها، قاله أبو مطيع، وقيل: تدير أصبعها في فرجها.
قال محمد بن سلمة: قول أبي مطيع أحب إليَّ (^٢).
ولو جرى ماء الاستنجاء على الخف يحكم بطهارته تبعًا، وكذا لو دخل من جانب وخرج من جانب آخر وفي موضع احتاج إلى كشف العورة يستنجي بالحجر لا الماء، ولو كشف العورة للاستنجاء صار فاسقا.
وكيفيته عن الشافعي وجهان، قال علي بن أبي هريرة: يضع حجرًا على مقدم الصفحة اليمنى ويمره إلى مؤخرها، ثم يديره إلى الصفحة اليسرى ويمره عليها إلى الموضع الذي بدأ منه، ويأخذ الثاني فيمره من مقدم صفحة اليسرى ويمرها إلى مؤخرها، ويديره إلى اليمنى على ما ذكرنا، ويأخذ الثالث فيمره على الصفحتين والمسربة.
وقال أبو إسحاق: يأخذ حجرين للصفحتين وحجرًا للمسربة، والأول أصح.
وينبغي أن يضع الحجر على موضع طاهر بالقرب من النجاسة، وإن كان يستنجي من البول أمسك ذكره باليسار ومسحه على الحجر، والثيب والبكر سواء وهو الصحيح، والواجب أن تغسل ما ظهر من فرجها عند جلوسها وذلك دون البكارة، كذا في الحلية (^٣).
وأما حكمه، فقيل: الاستنجاء بالماء على سبعة أوجه، في وجهين فرض:
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) انظر: درر الحكام لابن فرامرز (١/¬٤٩)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٤٧).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٩٥).
(٤) انظر: حلية العلماء للشاشي (١/ ١٦٣).
[ ١ / ٤٦٩ ]
وَلَوْ فَعَلَ يُجْزِيهِ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وَمَعْنَى النَّهْيِ فِي الرَّوْثِ لِلنَّجَاسَةِ، وَفِي العَظْمِ كَوْنُهُ زَادَ الجِنِّ.
(وَلَا) يَسْتَنْجِي (بِطَعَامِ) لِأَنَّهُ إِضَاعَةٌ وَإِسْرَافٌ.
(وَلَا بِيَمِينِهِ إِلَّا إِذا كَانَ بِشمَالِهِ عِلَّةٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِاليَمِينِ.
في الغسل عن الجنابة، وفيما زاد على قدر الدرهم، وفي قدر الدرهم واجب، وفيما دونه سُنة، وفيما لم يجاوز المخرج والإحليل يستحب. وفي البعر أدب (^١)، وفي الريح بدعة.
(ولو فعل يجزيه)، مع الكراهة، وبه قال مالك إذا كان العظم طاهرا (^٢)، وقال الشافعي: لا يجزيه بالعظم والروث للنهي، وبالأشياء المحترمة، وجزء من الحيوان (^٣).
وفي مبسوط بكر: يكره الاستنجاء بالآجر، والخذف، والفحم، وبشيء له قيمة أو حرمة كخرقة الديباج، أو القرطاس.
وفي النظم: ويستنجي بثلاثة أمداد، فإن لم يجد فبالأحجار، فإن لم يجد فبثلاث أكف من التراب، ولا يستنجي بما سواها من الخرقة، والقطن ونحوهما؛ لأنه روي في الحديث أنه يورث الفقر.
وعند الشافعي يجوز الاستنجاء بالقطعة من الخشبة، ومن الذهب والفضة في أظهر الوجهين، كما يجوز بالقطعة من الديباج عنده، ومعنى النهي في الروث النجاسة.
وقيل: معنى النهي فيه أنه علف دواب الجن، ويكره الاستنجاء بعلف الدواب.
_________________
(١) في الأصل: (وفي البعرات).
(٢) انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٢٧)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٥٥).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/¬٣٧)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ١٧٠).
[ ١ / ٤٧٠ ]