(وَإِذَا وَقَعَتْ فِي البِئْرِ نَجَاسَةٌ نُزِحَتْ، … ..
وأما الفيل كالخنزير عند محمد، وعندهما يطهر بالذكاة، وعند محمد شعره طاهر يجوز الانتفاع به حتى لو صلى معه وهو أكثر من قدر الدرهم تجوز صلاته، وفي ظاهر الرواية نجس لا تجوز الصلاة معه (^١).
وعظم الفيل نجس عند محمد، وعن أبي يوسف أنه طاهر وهو الأصح (^٢).
وقال مالك: إن ذكى الفيل فعظمه طاهر (^٣).
أعاد سنه أو أذنه بعد الإبانة جازت صلاته في ظاهر المذهب، وعن محمد لا تجوز؛ لأن عظم الإنسان نجس على رواية الظاهر لقوله ﵇: «مَا أُبِينَ مِنْ الحَيِّ فهو مَيِّتُ» (^٤)، وعند محمد لو: أعاد من نفسه يجوز، ولو أعاد سن غيره لا يجوز بالاتفاق، والرواية الصحيحة ظاهر المذهب لعدم حلول الموت فيه كذا في الكافي، والله أعلم.
(فَصْلٌ فِي الْبِئْرِ)
لما ذكر حكم الماء القليل بتنجسه بوقوع النجاسة ورد عليه ماء البئر نقضًا في أنه لا ينزح كله في بعض الصور استدعى ذكره بفصل على حده؛ لأن كونه من الماء القليل يقتضي الاتصال وكونه مخالفا له في بعض الصور يقتضي الانفصال ذكره بفصل على حدة مرتبا عليه رعاية للمعنيين.
(نزحت) أي البئر، يعني ماؤها، أطلقوا اسم المحل على الحال، والثأنيث باعتبار الإسناد الظاهري، ولا يجوز إسناد (نزحت) إلى النجاسة لأن بنزحها لا تطهر البئر فلا يتم جواب المسألة، وقوله: (نزحت) لبيان حكم المسألة، كذا
_________________
(١) انظر: الاختيار لتعليل المختار لابن مودود (١/¬١٦)، والجوهرة النيرة للحدادي (١/¬١٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٣)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٧٦).
(٣) انظر: التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق (٤/ ٣٣٠)، وشرح زروق على الرسالة (٢/ ١١٤).
(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ١١١، رقم ٢٨٥٨)، والترمذي (٣/ ١٢٦، رقم ١٤٨٠) من حديث أبي واقد الليثي ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب،
[ ١ / ٢١٧ ]
وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ المَاءِ طَهَارَةً لَهَا) بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَمَسَائِلُ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتبَاعِ الآثَارِ دُونَ القِيَاسِ، (فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ مِنْ بَعْرِ الإِبِلِ أَوْ الغَنَمِ:
في البدرية (^١).
وفي قوله: (كان نزح ما فيها طهارة لها) إشارة إلى أنه لا يجب غسل الأحجار ونزح الطين مبنية على اتباع الآثار؛ إذ القياس فيها أحد الشيئين: إما أن تطم البئر طما كما قاله بشر المريسي؛ لأنه وإن نزح ما فيها يبقى الطين والحجارة نجسا، وإما أن لا تنجس كما نقل عن محمد: اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الماء الجاري لأنه ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه فلا يتنجس كحوض الحمام إذا كان يصب من جانب ويؤخذ من جانب حيث لم ينجس بإدخال اليد النجسة إلا أنا تركنا القياس، وأمرنا بنزح بعض الدلاء اتباعًا للسلف، وهو الصحابة ومن بعدهم (^٢).
وقيد بقوله: (وقعت فيها) لأنها لو وقعت في جب أهريق الماء كله، كذا في المبسوط.
وعند الشافعي: إذا بلغ ماؤها قلتين لم ينجس، وتستخرج الفأرة، ويبقى الماء طاهرا (^٣).
وعند مالك لا ينجسه ما لم يتغير أحد أوصافه كما مر (^٤)، وبعض من لا خبرة له من أصحابه (^٥) يطعنون في هذا ويقولون: ما أكيس دلو أبي حنيفة حيث ميز الماء النجس من الطاهر (^٦)، وهذا في الحقيقة طعن [في] (^٧) السلف من
_________________
(١) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٧٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٣٢).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٨)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٧٥).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٧/ ١٧٣)، والحاوي الكبير للماوردي (١/ ٣٣٨).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٣١)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/¬٤٢).
(٥) أي أصحاب الشافعي.
(٦) قال الماوردي: ولأجل ذلك قال الجاحظ: لم أر دلوا أعقل من دلو أبي حنيفة، يعني أنه يميز بين الماء الطاهر والنجس، والجاحظ غير معذور بمثل هذه الخلاعة في أبي حنيفة مع فضله وتقدمه في علمه، لكن تطرق باضطراب المذهب وذهابه إلى الاسترسال بهذا القول المستهجن. الحاوي الكبير (١/ ٣٣٨)
(٧) ما بين المعقوفتين غير موجود بالأصول، وهي زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٢١٨ ]
لَمْ تُفْسِدُ المَاءَ) اسْتِحْسَانًا، وَالقِيَاسُ: أَنْ تُفْسِدَهُ لِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي المَاءِ القَلِيلِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ آبَارَ الفَلَوَاتِ لَيْسَتْ لَهَا رُؤُوسٌ حَاجِزَةٌ،
الصحابة والتابعين.
فيقال لهم: ما أكيس قرعة الشافعي حيث ميزت بين الحر والرقيق، وكذا قال الشافعي في البينات: إذا تعارضت يميز الحق من الباطل بالقرعة، وقرعته تلك أكيس من دلونا، كذا في الفوائد الظهيرية.
وفي المبسوط: ثم هم قالوا بالرأي ما هو أشد من هذا، فقالوا: في بئر فيها قلتان ماتت فيها فأرة ينزح منها دلو فإن حصلت الفأرة في الدلو فالماء الذي في الدلو نجس والذي بقي في البئر طاهر، وإن بقيت الفأرة في البئر فماء الدلو طاهر والذي بقي في البئر نجس، ودلوهم هذا أكيس من دلونا (^١).
وفي قوله: (ليس لها رؤوس حاجزة)، إشارة إلى أن حكم آبار الأمصار خلاف هذا، وهذا أحد وجهي الاستحسان الذي ذكره الإمام المحبوبي حيث قال: إن للاستحسان وجهين:
أحدهما: الضرورة لأن آبار الفلوات ليس لها رؤوس حاجزة، والإبل والغنم تبرك حولها وتبعر والرياح تلقيها في البئر فلا يمكن الاحتراز عنها، فلو حكمنا بنجاسة الماء لأدى إلى الحرج، فعلى هذا لا فرق بين الرطب واليابس، والصحيح والمنكسر، والبعرة والروث، ولكن نفرق بين آبار الفلوات والأمصار (^٢).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: فلو كانت في الأمصار اختلف المشايخ فيه.
قيل: تنجس بوقوع بعرة أو بعرتين لعدم الضرورة؛ لأنها لا تخلو عن حائل من تابوت أو حائط.
وقيل: لا تنجس، اعتبار الوجه آخر من الاستحسان وهو أن البعرة شيء صلب على ظاهرها، رطوبة الأمعاء لا تتداخل في إخراجها، فعلى هذا إن وقع
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٩٠).
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٧٦)، والمحيط البرهان لابن مازة (١/ ١٠٥).
[ ١ / ٢١٩ ]
وَالمَوَاشِي تَبْعَرُ حَوْلَهَا، فَتُلْقِيهَا الرِّيحُ فِيهَا، فَجَعَلَ القَلِيلَ عَفْوًا لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الكَثِيرِ، وَهُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ إِلَيْهِ، فِي المُرَوِّي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَاليَابِسِ، … ..
نصف البعرة يفسده لأن النصف منه غير مستمسك، وهذا كالفأرة والحية والهرة إذا وقعن في البئر وأخرجت حية لا ينجسها، وذنب الفأرة ينجسها.
قال شيخ الإسلام والصحيح أن الكل والنصف سواء للضرورة والبلوى (^١).
وذكر الحاكم الشهيد: إن كان رطبا ينجس وإلا فلا؛ لأن الرطب لا ينبعث بالريح لثقله ولصوقه بالأرض فلا ضرورة بخلاف اليابس.
وعن الفضلي، وشمس الأئمة السَّرَخْسِي، والصدر الشهيد التسوية بينهما لتحقق الضرورة (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: قيل وهو الأصح (^٣)، وذكر التمرتاشي. واختلف في آبار البيوت والأصح التسوية بينها وبين آبار الفلوات.
واختلف المشايخ في الروث والخثي، وفي المبسوط: الروث أو الخثي قليله وكثيره سواء لعدم صلابتهما، وكذا المتفتت من البعر في ظاهر الرواية يفسده إلا في رواية عن أبي يوسف أنه قال: القليل من الروث معفو وهو الأوجه، ووافق المحبوبي.
ويعلم بهذه الروايات فائدة قوله: (ولا فرق بين الرطب واليابس).
ثم البعر للبعير أو الشاة، والروث للفرس والحمار والبغل، والخثي بكسر الخاء واحد الأخثاء للبقر، كذا في الصحاح وغيره (^٤).
وذكر التمرتاشي: وبعر الإبل والغنم لا يفسد الماء ما لم يكثر، استحسانًا. واختلف في حد الكثير.
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٨٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٣٧).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٨٨).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٣٠).
(٤) انظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٦/ ٢٣٢٥).
[ ١ / ٢٢٠ ]
وَالصَّحِيحِ وَالمُنْكَسِرِ، وَالرَّوْثِ وَالخِثْيِ وَالبَعْرِ، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الكُلَّ، وَفِي الشَّاةِ تَبْعَرُ فِي المِحْلَبِ بَعْرَةً أَوْ بَعْرَتَيْنِ، قَالُوا: تُرْمَى البَعْرَةُ وَيُشْرَبُ اللَّبَنُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، وَلَا يُعْفَى القَلِيلُ فِي الإِنَاءِ عَلَى مَا قِيلَ.
قيل: ما يأخذ ربع الماء وقيل أكثره. وقيل: كله وقيل: ما لم يسلم كل دلو من بعرة أو بعرتين، وقال في المبسوط: وهو الصحيح.
وقيل: ما يغير به طعم الماء، أو لونه، أو ريحه، وقيل: ما يستقبحه الناظر.
وقيل: مفوض إلى رأي المبتلى به، لكن ذكر البعرتين في الكتاب يشير إلى أن الثلاث كثير.
(وعليه) (^١): أي على المروي عنه؛ لأن من رأي أبي حنيفة أن لا يقدر بشيء بالرأي، في مثل هذه المسائل التي تحتاج إلى التقدير كما في البئر المعين كذا في الكافي وقيل الضمير في (عليه) يرجع إلى المروي عنه وهو الذي رواه البعض أنه مفوض إلى رأي المبتلى به. وقد ذكر في جامع الكردري: المختار قول أبي حنيفة وهو أنه مفوض إلى رأي المبتلى به.
قوله: (يرمي البعرة ويشرب)، يعني إذا رميت من ساعته ولم يبق لها لون لعموم البلوى، إذ من عادتها أنها تتبعر عند الحلب كما في الأرواث والأخثاء في الكرش فإنها عفو، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وفي الْمُجْتَبى: وقع عظم الميت في البئر وعليه لحم أو دسم ينجس، وإلا لا، ولو تلطخ العظم بنجاسة وتعذر إخراجه يطهر بالنزح وكان غسلا للعظم، ولو سال النجس على الآجر ثم وصل إلى الماء فنزحها طهارة للكل، وفي البعد المانع بين البالوعة والبئر من وصول النجاسة خمسة أذرع في رواية أبي سليمان، وفي رواية أبي حفص: سبعة أذرع، قال الحلواني: المعتبر الطعم والريح، فإن لم يوجد فيه طعم ماء البالوعة ولا ريحه فهو طاهر وإن كان بينهما ذراع، وإلا ينجس وإن كان بينهما عشرة أذرع، وكذا في فتاوى العصامي، وإن حفروا منها مقدار ما وصلت إليه النجاسة فنبع الماء فهو طاهر وإلا فلا (^٢).
(على ما قيل): أي لاختلاف المشايخ، فالقليل عفو عند البعض.
_________________
(١) انظر المتن ص ٢٢٠.
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٢٩).
[ ١ / ٢٢١ ]
لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُ كَالْبِئْرِ فِي حَقِّ الْبَعْرَةِ وَالبَعْرَتَيْنِ. (فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا خُرْءُ الحَمَامِ أَوْ العُصْفُورِ لَا يُفْسِدُهُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُ: أَنَّهُ اسْتَحَالَ إِلَى نَتَنِ وَفَسَادٍ، فَأَشْبَهَ خَرْءَ الدَّجَاجِ. وَلَنَا: إِجْمَاعُ المُسْلِمِينَ عَلَى
وقيل: المواشي تبعر فالقليل عفو للضرورة.
(إنه): أي للإناء كالبئر.
قوله: (خُرْءُ الْحَمَامِ)، إلى آخره، ولنا إجماع المسلمين، روى أبو أمامة الباهلي: أن النبي ﵇ شكر الحمامة فقال: «إنها أوكَرَتْ على باب الغارِ فجزاها الله تعالى بأن جعل المساجد مأواها»، فهذا دليل طهارة خرئها.
وعن ابن مسعود أنه خريت حمامة عليه فمسحه بإصبعه، وكذلك عمر ذرق عليه طائر فمسحه بحصاة ثم صلى.
وخرؤ ما لا يؤكل من الطيور، ذكر محمد في الجامع الصغير أنه لا تجوز الصلاة به وإن كان أكثر من قدر الدرهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا تجوز لأنه بمنزلة خرء ما لا يؤكل من السباع (^١).
ثم اختلف المشايخ في قولهما، منهم من قال: ينجس عندهما، لكن التقدير بالكثير الفاحش لمعنى البلوى، والأصح أنه طاهر عندهما إذ لا فرق بين ما يؤكل وما لا يؤكل في الخرء، وخرء ما يؤكل طاهر، فكذا خرء ما لا يؤكل، كذا في المبسوط (^٢).
ولأنها تذرق من الهوى، ولا يمكن الاحتراز عنه، ولا كذلك الدجاج، والبط، والأوز.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: اختلف العلماء في خرء الحمام والعصفور في طهارته ونجاسته، مع اتفاقهم على سقوط حكم النجاسة، لكن عند البعض السقوط من الأصل، وعند الآخرين للضرورة.
وعلى قوله: استحال إلى نتن وفساد يشكل المني فإنه يستحيل إلى فساد
_________________
(١) انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (ص ٨١).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٧).
[ ١ / ٢٢٢ ]
اقْتِنَاءُ الحَمَامَاتِ فِي المَسَاجِدِ مَعَ وُرُودِ الأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا وَاسْتِحَالَتِهِ لَا إِلَى نَتْنِ رَائِحَةٍ فَأَشْبَهَ الحَمْأَةَ. فَإِنْ بَالَتْ فِيهَا شَاةٌ نُزِحَ المَاءُ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ
مع أنه طاهر عنده، وكذلك سائر الأطعمة إذا فسدت لا ينجس.
وفي حلية المؤمن: وذرق الحمام طاهر في الاختيار (^١).
(بتطهيرها): أي بتطهير المساجد، قال الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال ﵇: " جَنِّبُوا مساجِدَكم صبيانَكُم " (^٢)، فأشبه الحمأة فإن لها رائحة وليس لها نتن وهي المعزة، وبالفارسية: (كل سياه).
قوله: (فإن بالت فيها شاة)، وفي السهيلي: وكذا لو وقعت فيها قطرة دم أو غيره من النجاسات، وينزح ماء البئر فيطهر الحبل والدلو؛ لأن نجاستهما بنجاسة البئر فيطهران بطهارتها كحب الخمر إذا صار خلا، كذا في فتاوى الولوالجي (^٣).
ثم عند محمد بول ما يؤكل طاهر، وبه قال زفر، ومالك (^٤)، وأحمد (^٥)، والزهري، والثوري، وعطاء (^٦)، إلا أن يكون البول غالبا فحينئذ لا يجوز التوضؤ بمائها، كما في اللبن ولو أصاب الثوب لا يمنع الصلاة وإن كان الثوب مملوءًا به، ويجوز شربه للتداوي وغيره.
وعندهما نجس لا يجوز التوضؤ به، وبه قال الشافعي (^٧)، وإن غلبه الماء ويمنع الصلاة إذا فحش وعند أبي حنيفة لا يجوز شربه للتداوي ولغيره، وعند
_________________
(١) انظر: الاختيار لتعليل المختار لابن مودود (١/¬١٧)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٠٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٤٧، رقم ٧٥٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٠٣، رقم ٢٠٧٦٥) من حديث واثلة بن الأسقع ﵁. قال البيهقي: العلاء بن كثير هذا شامي منكر الحديث، وكذا ضعفه في خلاصة الأحكام (٨٩٦)، وابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٥٦٥)، وابن حجر في فتح الباري (١/ ٥٤٩).
(٣) انظر: مراقي الفلاح للشرنبلالي (ص ٢٠).
(٤) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٢٨)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١/ ١٥٥).
(٥) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٦٥)، والإقناع للحجاوي (١/ ٦٣).
(٦) انظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢٣٧).
(٧) انظر: الوسيط للغزالي (١/ ١٥٥)، والمجموع للنووي (٢/ ٥٤٩).
[ ١ / ٢٢٣ ]
مُحَمَّدٌ: لَا يُنْزَحُ إِلَّا إِذَا غَلَبَ عَلَى المَاءِ، فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا (*)، وَأَصْلُهُ: أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ، نَجِسٌ عِنْدَهُمَا. لَهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ العُرَنِيِّينَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» وَلَهُمَا: قَوْلُهُ ﵊: «اسْتَنْزِهُوا مِنْ البَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنهُ» مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ …
أبي يوسف يجوز شربه [للتداوي لا] (^١) لغيره.
واحتج محمد بحديث العرنيين وهو مشهور، وعرنة واد بحذاء عرفات، وبتصغيرها سميت عرينة وهي قبيلة ينسب إليها العرنيون، وإنما سقطت ياء التصغير عند النسبة لما أن يائي فعلية وفعيلة يسقطان عند النسبة قياسًا مطردًا، فيقال حنفي، ومدني، وجهني.
وروي أنه ﵇ قال: «في أبوال الإبل شفاء للدرب (^٢) (^٣)، وهُوَ فساد المعدة».
ولهما قوله ﷺ: "استنزهوا من البول" من غير فصل فيعم الجميع لأنه محلى باللام.
في بعض نسخ الأحاديث (عن) مكان (من)، وفي المغرب: وأما قولهم استنزهوا البول لحن (^٤).
وفي المبسوط: لما ابتلي سعد بن معاذ بضغطة القبر سئل رسول الله ﷺ عنه، فقال: «إنه كان لا يستنزهُ مِنَ البول» (^٥)، ثم قال: «استنزهوا» الحديث.
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) في الأصل (يجوز شربه له لغيره)، والمثبت من النسخة الثانية.
(٣) الذرب: بالتحريك، الداء الذي يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام، ويفسد فيها فلا تمسكه. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٢/ ١٥٦).
(٤) أخرجه أحمد (١/ ٢٩٣، رقم ٢٦٧٧) من حديث ابن عباس ﵄. قال الهيثمي: في سنده ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. مجمع الزوائد (٥/ ٨٨).
(٥) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٤٦٢).
(٦) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٤)، وفيه: ولما ابتلي سعد بن معاذ ﵁ بضغطة القبر سئل رسول الله ﷺ عن سببه، فقال: " إنه كان لا يستنزه من البول، ولم يرد به بول نفسه فإن من لا يستنزه منه لا تجوز صلاته، وإنما أراد أبوال الإبل عند معالجتها.
[ ١ / ٢٢٤ ]
إلَى نَتَنِ وَفَسَادٍ فَصَارَ كَبَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.
وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ عَرَفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيَا، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي
وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس: أنه ﵇ مر بقبرين فقال: «إنهما لا يُعذِّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول - وفي رواية: لا يستنزه من البول - وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (^١).
فأما حديث العرنيين رواه أنس، فقد ذكر قتادة عن أنس أنه ﵇ رخص لهم في شرب الألبان، ولم يذكر الأبوال، فإذا دار بين أن يكون حجة، وبين أن لا يكون سقط.
ثم نقول: خصهم النبي ﵇ بطريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، أو أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام ثم نسخ كما نسخت المثلة.
وقيل: حدثهم قبل أن تنزل الحدود ثم نسخ، وفي بعض الروايات: «إنما فعل النبي ﵇ بهم ذلك لأنهم مثلوا بدعاته فجزاهم بمثل فعلهم».
ثم وجه مناسبة عذاب القبر مع استنزاه البول هو أن القبر أول منزل من منازل الآخرة، والطهارة أول منزل من منازل الصلاة، والاستنزاه أول منزل من منازلها، والصلاة أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة، وكانت الطهارة أول ما يعذب بتركها في أول منزل من منازل الآخرة.
(إلى نتن وفساد): قيد بهما احترازًا عما لا نتن فيه؛ فإن ما يحيله الطبع على نوعين: نوع يحيله إلى الفساد، وهو نجس كالدم والغائط، ونوع لا يحيله إليه كالبيضة وهو ليس بنجس، هذا هو القياس الصحيح، كذا ذكره في الأسرار (^٢).
وذكر المحبوبي في جواب محمد أن كون اللحم طاهرًا لا يدل على طهارة البول؛ فإن لحم الآدمي طاهر، وحرمته لكرامته، وبوله نجس.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٥٣، رقم ٢١٦)، ومسلم (١/ ٢٤٠، رقم ٢٩٢).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/¬٢٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٣٨).
[ ١ / ٢٢٥ ]
حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي وَلَا لِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ بِالشِّفَاءِ فِيهِ، فَلَا يُعْرَضُ عَنْ الحُرْمَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي لِلْقِصَّةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُ (*).
قَالَ: (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا فَأَرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ أَوْ صَعْوَةٌ أَوْ سُودَانِيَّةٌ أَوْ سَامٌ أَبْرَصُ: نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ عِشْرِينَ دَلْوًا إِلَى ثَلَاثِينَ، بِحَسَبِ كِبَرِ الدَّلْوِ وَصِغَرِهَا) يَعْنِي: بَعْدَ
(للتداوي): لقول ابن مسعود إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم (^١).
وقوله: (لطهارته عنده)، منقوض بلبن الأتن السودانية.
طويرة: طويلة الذنب تأكل الجراد وتقتله وتأكل العنب أيضا.
(وسام أبرص) كبار الوزغ.
(وصغرها) أي: صغر الدلو.
وفي المجتبى: بحسب كبر الفأرة وصغرها (^٢).
وقيل: بحسب كبر البئر، وصغرها، وفي البدرية: ما زاد على الصاع فهو كثير وما دونه صغير.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: قدر هذا الدلو بالصاع بعد إخراج الفأرة؛ لأنها سبب النجاسة، ومع بقائها لا يمكن الحكم بالطهارة، ولو كان الدلو يقطر فيها لا يضرها لأن الاحتراز عنه متعذر، ولو صب الدلو الأخير في بئر آخر فينزح منها دلو مثلها كما لو صب في البئر الأولى لأن حالهما واحدة، ولو صبت الدلو الأولى منها في بئر طاهر ينزح عشرون دلوا لما ذكرنا، كذا في المبسوط (^٣).
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي يوسف.
(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ٢١٨، رقم ٧٥٠٩)، وعلقه البخاري (٧/ ١١٠) باب: باب شراب الحلواء والعسل. وأخرجه ابن حبان (٤/ ٢٣٣، رقم ١٣٩١) والبيهقي في السنن الكبرى (٥/¬١٠، رقم ٢٠١٧١) من حديث أم سلمة ﵂ مرفوعًا.
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٣١).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٩١).
[ ١ / ٢٢٦ ]
إِخْرَاجِ الفَارَةِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي الفَارَةِ: «إِذَا مَاتَتْ فِي البِثْرِ وَأُخْرِجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا نُزِحَ مِنهَا عِشْرُونَ دَلْوا» وَالعُصْفُورَةُ وَنَحْوُهَا … …
ثم اعلم أن الحيوان الواقع في البئر نوعان، نوع أخرج حيا، فإن كان آدميا طاهرا قد استنجى لم يجب نزح شيء، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يُنزَح عشرون دلوا، وإن كان محدثا فأربعون، وإن كان جنبًا فالجميع، وإن كان لم يستنج ينزح الجميع، ثم غير الآدمي إن كان طاهر السؤر وما ينفصل منه كالحمام لا ينزح شيء، وإن كان المنفصل نجسًا كالشاة يلطخ فخذها ببولها ينزح عشرون دلوا عند أبي حنيفة لخفة نجاستها، وعند أبي يوسف جميعها كما لو وقع فيها قطرة من بولها.
وإن كان مكروه السؤر كسكان البيوت، والسنّور، والدجاجة المخلاة ينزح منها دلا عند أبي حنيفة وإن لم ينزح فلا بأس به، وكذا الفرس عنده، وإن كان نجسا كالكلب والحمار والسباع ينزح كله (^١).
وفي الخزانة: ثمانية أشياء لو انغمست وأخرجت حيا ينزح الماء كله: البغل، والحمار، والكلب والخنزير، والفهد والنمر، والأسد، والذئب، وكذا كل ذي ناب من السباع، وقال الولوالجي: لو كان الحيوان حيا لا ينجس إلا الكلب والخنزير.
والنوع الثاني: ما أخرج ميتًا، وهو نوعان متغير، وغير متغير، فإن كان قبل التغيير ففي الفأرة ونحوها ينزع عشرون دلوا أو ثلاثون، كذا أمر النبي ﵇ بذلك في رواية أنس، وعن علي ﵁ مثله.
وفي الفاختة: والحمام والسنور أربعون أو خمسون، وفي رواية الحسن: ستون. وأمر أبو سعيد فيها بنزح أربعين دلوا، وفي الجدي فصاعدا ينزح كله لأنه ثقيل يصل إلى جميع الماء باضطرابه، ولحديث ابن عباس، وابن الزبير.
وذكر التمرتاشي: يُنزَحُ في ولد الفأرة والحلمة عشرون، وفي الفأرة الهاربة
_________________
(١) انظر: الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير لمحمد بن الحسن (ص ٧٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٠٢).
[ ١ / ٢٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من الهرة والهرة الهاربة من الكلب أخرجت حية تنزح كلها لأنها تبول غالبا.
وقيل: بخلافه وعن أبي يوسف في الفأرة عشرون إلى أربع فأرات وفي الخمس أربعون إلى التسع وفي العشر كله كذا في فتاوى الظهيرية.
وعن محمد في الثلاث: أربعون، وقيل: ثلاثون، وعنه إن كانت الفأرتان كالدجاجة فأربعون، وعن أبي حنيفة ﵁ في الصغير من الفأرة عشرون، وفي الكبير: أربعون، وبه قال زفر والحسن.
وفي أجرابها كلها ثلاثون، وعن أبي حنيفة: السنوران كالواحدة، والثلاث كالشاة، وعن أبي يوسف في السنور الكل، وعن أبي حنيفة الإوز والسخلة أو الجدي كالدجاج وعنه كالشاة، وفي فتاوى الولوالجي: الفأرة الثلاث كالدجاجة، وحكم ما أخرج حيا حكم سؤره إن أصاب فمه الماء وإلا فطاهر (^١).
وفي المكروه عن أبي حنيفة ينزح ست أو خمس، وقيل: عشرون. وعن محمد: لا يكون النزح في شيء أقل من عشرين، وفي المشكوك ينزح الكل، وفي الطاهر الذي لم يستنج والحائض والكافر والذمي كله، هذا من تتمة ما ذكره التمرتاشي، وفي بحر المحيط: وجب نزح ماء البئر ثم ازداد.
قيل: ينزح كله وقيل بقدر ما فيها وقت الوقوع. واختلفوا في التوالي فمن لم يشترطه إذا نزح بعضها ثم جاء في الغد وقد ازداد.
قيل: ينزح كله وقيل مقدار البقية. وإن كان الدلو منخرقا يطهر إذا بقي فيه أكثر مائه ولو وجب نزح مائها فغار الماء ثم عاد نجسه، [في] (^٢) الجامع الأصغر قال شداد هو طاهر وفي الملتقط وهو الصحيح لأنه بمنزلة النزح. وفيه ولو وجب نزح البئر فنزحوا كل يوم عشر دلاء أو أقل أو أكثر، حتى نزحوا مقدار الواجب. أجزأهم وقال نصر وكذا لو غار من الماء بقدر عشرين طهر الباقي. وعن محمد غار ثم عاد ينزح عشرون ولو نحي الدلو الأخير عن وجه الماء دون رأس البئر
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٠٥).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ٢٢٨ ]
تُعَادِلُ الفَأرَةَ فِي الجُنَّةِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا، وَالعِشْرُونَ بِطَرِيقِ الإِيجَابِ، وَالثَّلَاثُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ.
يجوز التوضؤ من البئر عند محمد خلافا لأبي يوسف عشر آبار وقعت في الكل فأرة فصب من الأولى دلوًا في الثانية ثم في الثالثة فكذا إلى العاشرة. روى بشر عن أبي يوسف نصب من الأربع الأولى عشرون ثم التاسعة تسعة وثلاثون ونزح كل العاشرة.
وفي المحيط، وفتاوى قاضي خان: وقع سبع ولم يُصِبْ فَمُهُ الماء ينزح الماء كله كما في الكلب والخنزير (^١).
وفي المحيط: ألحق الكافر بالكلب (^٢)، وفي شرح الطحاوي: وقع الكلب فيها ثم خرج منها فانتفض فأصاب ثوب إنسان من ذلك الماء أكثر من قدر الدرهم لا تجوز الصلاة به.
قوله: (تُعادل الفأرة)، فإن قيل: قد مر أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار والنص ورد في الفأرة والدجاجة والآدمي وقد قيس ما عادلها بها.
قلنا: بعد ما استحكم هذا الأصل صار كالذي ثبت على وفاق القياس في حق التفريع عليه كما في الإجارة وسائر العقود التي يأبى القياس جوازها إذا ورد الشرع بما صار بمنزلة العقود التي على وفاق القياس في حق التفريع، كذا في المستصفى والخبازية (^٣).
والأولى أن نقول: هذا إلحاق بطريق الدلالة لا بالقياس.
قوله: (والعشرون بطريق الإيجاب، والثلاثون بطريق الاستحباب)، وهذا الوضع لمعنيين ذكرهما في مبسوط شيخ الإسلام، أحدهما: أن السنة جاءت في رواية أنس عنه ﵇ أنه قال في الفأرة ينزح منها عشرون دلوًا أو ثلاثون، و(أو) لأحد الشيئين فكان الأقل ثابتًا بيقين، وهو معنى الوجوب، والأكثر يؤتى
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٠٢)، وفتاوى قاضي خان (١/¬٤).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٠٢).
(٣) انظر: المستصفى شرح الفقه النافع للنسفي (١/ ٢٨٣).
[ ١ / ٢٢٩ ]
قَالَ: (فَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا حَمَامَةٌ أَوْ نَحْوُهَا كَالدَّجَاجَةِ وَالسِّنَّوْرِ، نُزِحَ مِنهَا مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ دَلْوًا إِلَى سِتِّينَ، وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَرْبَعُونَ أَوْ خَمْسُونَ) وَهُوَ الأَظْهَرُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَاجَةِ: إِذَا مَاتَتْ فِي البِئْرِ نُزِحَ
لئلا يترك اللفظ المروي وإن كان مستغنى عنه في العمل، وهو معنى الاستحباب.
والثاني: أن الرواية اختلفت فيه فروى ميسرة عن علي في الفأرة: ينزح منها دلا، وفي رواية: سبع دلاء، وفي رواية: عشرون، وفي رواية: ثلاثون.
وعن ابن عباس أنه قال: فيها أربعون فأوجب بعضهم عشرين، وبعضهم أقل وبعضهم أكثر منه فأخذ علماؤنا بعشرين لأنه هو الوسط بين القليل والكثير وكان هو واجبًا لتعيينه وفيما رواه استحبابا.
قوله: (وهو الأظهر)، أي ما ذكر في الجامع الصغير أظهر؛ لأنه آخر التصنيفات فيكون القول المرجوع إليه، يعني كما ثبت التفاوت في الفأرة بين المحتوم والمستحب في حكم النزح بعد العشرة فكذا هاهنا.
وقوله: (لما روي عن أبي سعيد الخدري) إن كان موقوفا عليه فهو كالمروي لأنه من المقادير ولا تعرف بالرأي كما في مقادير الصلاة والزكاة، مع أنه ذكر في مبسوط فخر الإسلام: روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ سئل عن فأرة تموت في البئر، فيجوز أن يكون في الدجاجة كذلك (^١).
دلوها الذي يستقي بها، وفي القدوري: وعَددُ الدّلاء يُعْتَبَرُ بالدلو الوسط المُسْتَعمَل في الآبار في البلدان لأنه أعدن.
_________________
(١) المراد بـ: مبسوط شيخ الإسلام هو البزدوي. وجاء في مبسوط شمس الأئمة = السرخسي: ثم قلنا، وما علينا لو أمرنا بنزح بعض الدلاء، ولا نخالف السلف، وتركنا القياس لحديث، علي ﵁ قال في الفأرة تموت في البئر ينزح منها دلاء، وفي رواية سبع دلاء. وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال في الدجاجة تموت في البئر: ينزح منها أربعون دلوا. (ولنا) حديث النخعي والشعبي في الفأرة تموت في البئر ينزح منها عشرون دلوا، وروي عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال في الفأرة تموت في البئر: «ينزح منها عشرون دلوا»، ولكنه شاذ. (١/ ٥٨).
[ ١ / ٢٣٠ ]
مِنهَا أَرْبَعُونَ دَلْوَا»، وَهَذَا لِبَيَانِ الإِيجَابِ، وَالخَمْسُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ المُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِثْرٍ دَلْوُهَا الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ مِنهَا، وَقِيلَ: دَلْمٌ يَسَعُ فِيهَا صَاعًا، وَلَوْ نُزِحَ مِنهَا بِدَلْوِ عَظِيمٍ مَرَّةٌ مِقْدَارَ عِشْرِينَ دَلُوا جَازَ لِحُصُولِ المَقْصُودِ.
قَالَ: (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا شَاةٌ أَوْ كَلْبٌ أَوْ آدَمِيٌّ، نُزِحَ جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ المَاءِ) لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ وَابْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ أَفْتَيَا بِنَزْحِ المَاءِ كُلِّهِ حِينَ مَاتَ زِنْجِيٌّ فِي بِثْرِ زَمْزَمَ. (فَإِنْ انْتَفَخَ الحَيَوَانُ فِيهَا أَوْ تَفَسَّخَ، نُزِحَ جَمِيعُ مَا فِيهَا صَغُر الحَيَوَانُ أَوْ كَبُرَ)، لِانْتِشَارِ البِلَّةِ فِي أَجْزَاءِ المَاءِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ البِثْرُ مَعِينًا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا، أَخْرَجُوا مِقْدَارَ
وقيل: دلو يسع خمسة أمناء، وقيل: أربعة، وقيل: منوين، وذكر الولوالجي: فإن لم يكن لها دلو يعتبر بدلو ثمانية أرطال، وفي رواية: قوله بدلو عظيم، قاله الحسن بن زياد، وفي جامع الكردري زفر مكان الحسن.
وفي الْمُجْتَبى: قال زفر والحسن: لا يطهر بهذا؛ لأن عند التكرار ينبع الماء من أسفلها، ويؤخذ من أعلاها فيكون في حكم الماء الجاري وهذا لا يحصل بدلو عظيم (^١).
وقلنا لما قدر الشرع الدلاء بقدر خاص عُرف أن المعتبر القدر المنزوح، وأن معنى الجريان ساقط، وهذا يحصل بالدلو العظيم، كذا في المبسوط (^٢).
وفي الْمُجْتَبى قال القدوري: وهذا أحب إلي (^٣).
قوله: (لانتشار البلة)، وذلك لأن عند الانتفاخ ينفصل منه بلة نجسة وتلك البلة نجاسة مائعة بمنزلة قطرة خمر أو بول يقع فيها، ولهذا قال محمد: لو وقع فيه ذنب فأرة ينزح جميع الماء؛ لأن موضع القطع لا ينفك عن نجاسة مائعة، بخلاف ما إذا أخرجت قبل الانتفاخ لأن شيئًا من أجزائها لم يبق في الماء؛ لأنه لم يزايل من أجزائها شيء، والنجاسة بسبب المجاورة (^٤).
قوله: (معينا)، وفي بعض النسخ (معينة)، وفي المغرب: معين أي ذات
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٣٣).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٩٢).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٣٣).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٨)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٧٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
مَا كَانَ فِيهَا مِنْ المَاءِ) وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ: أَنْ تُحْفَرَ حُفْرَةٌ مِثْلُ مَوْضِعِ المَاءِ مِنْ البِشْرِ، وَيُصَبَّ فِيهَا مَا يُنْزَحُ مِنهَا إِلَى أَنْ تَمْتَلِئَ، أَوْ تُرْسَلَ فِيهَا قَصَبَةٌ وَيُجْعَلَ لِمَبْلَغِ المَاءِ عَلَامَةٌ ثُمَّ يُنْزَحُ مِنهَا عَشْرُ دِلَاء مَثَلًا، ثُمَّ تُعَادُ القَصَبَةُ فَيُنْظَرُ كَمِ انْتُقِصَ، فَيُنْزَحُ لِكُلِّ قَدْرٍ مِنهَا عَشْرُ دِلَاءٍ، وَهَذَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: نُزِحُ مِائَتَا دَلْوِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، فَكَأَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى مَا شَاهَدَ فِي بَلَدِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: فِي مِثْلِهِ مَا يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُم المَاءُ. وَلَمْ يُقَدِّر الغَلَبَةَ بِشَيْءٍ … …
عين جارية من قولهم عين معيونة، والقياس أن يقال معينة كما في بعض النسخ؛ لأن البئر، مؤنثة، وإنما ذكرها نظرًا إلى اللفظ، أو توهم أنه فعيل بمعنى مفعول (^١).
وفي الصحاح: ماء معين أي معيون مفعول من عِنْتُ الماء إذا حفرت واستنبطته وبلغت العيون، وماء معين، أي جار المعانة (^٢)، (روان شدن راب).
(من الماء)، أي من الماء الذي وقعت وقوع النجاسة إذ هو المعتبر للضرورة والبلوى، وهو المروي عن أبي يوسف، والمروي عن أبي حنيفة نزح مائة دلو، وهو بناء على آبار الكوفة لقلة الماء فيها، كذا في المبسوط (^٣). وفي الْمُجْتَبى عنه مائتي دلو، وعنه يفوض إلى رأي المبتلى به (^٤). وفي المبسوط: وعن محمد في النوادر ينزح ثلاثمائة دلو ومائتا دلو، وإنما أجاب هكذا بناء على كثرة الماء في آبار بغداد (^٥).
قوله: (حتى يغلبهم)، أي حتى يعجزوا، والماء لا يفنى فحينئذ يسقط التكليف؛ لأنه يعتمد الاستطاعة، كذا في جامع الكردري.
وروي عن علي أنه قال في فأرة أو وزغة ماتت في بئر: فانزحها حتى يغلبك الماء (^٦)، وفي فتاوى العتابي: عن أبي حنيفة: إذا نزح مائتان أو ثلاثمائة
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٣٥).
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للفارابي (٦/ ٢١٧١).
(٣) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٨).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٣٤).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٨).
(٦) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ١٠٢)، والبناية شرح الهداية (١/ ٤٥٩).
[ ١ / ٢٣٢ ]
كَمَا هُوَ دَابُهُ (*). وَقِيلَ: يُؤْخَذُ بِقَوْلِ رَجُلَيْنِ لَهُمَا بَصَارَةٌ فِي أَمْرِ المَاءِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بالفقه.
فقد غلب عليهم الماء هو المختار.
(كما هو دأبه)، أي دأب أبي حنيفة فإنه لا يقول المقادير بالرأي والاجتهاد كما في حبس الغريم، وحد التقادم، وانقطاع حق الحضانة.
فإن قيل: أنه قدر مدة البلوغ بثماني عشر، وسبعة عشرة سنة، وقدر في دفع المال إلى من لم يؤنس منه رشد بخمس وعشرين سنة بالرأي، وكذا مدة موت الفأرة الواقعة في البئر بيوم وليلة، ومدة تفسخها بثلاثة أيام بالرأي.
قال شمس الأئمة: أردنا بقولنا المقادير لا تعرف بالرأي المقادير التي ثبتت بحق الله تعالى ابتداءً دون المقادير التي فيها يتردّد بين القليل والكثير، والصغير والكبير، وما نحن فيه من قبيل ما يتردد بينهما فكيف يستقيم ما ذكرتم من التعليل؟
قلنا: إنما قدر أبو حنيفة ما يتردّد بينهما بالرأي إذا لم يمكن معرفة ذلك بالرجوع إلى أحوال الناس في الاستقلال والاستكثار، أما إذا أمكن فلا كما فيما نحن بصدده، كذا في الفوائد.
(وهذا أشبه بالفقه)، أي بالمعنى المستنبط من الكتاب والسنة، وهذا كذلك حيث اعتبر الله تعالى قول رجلين عدلين في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءُ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، واشترطت البصارة لأن الأحكام تستفاد ممن له علم بها كما في قيم الأشياء تصار إلى من له بصارة.
وفي جامع الكردري والمختار ما روي عن محمد بن سلام أنه قال: يؤتى برجلين لهما بصارة في تقدير الماء فينزح منها ما حكما حتى يتحققوا (^١).
التحقق درست شدن ودرست دانستين لازم ثم القياس ما قالا؛ لأن
_________________
(١) (*) الراجح: قول محمد.
(٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٨٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٠٩).
[ ١ / ٢٣٣ ]
قَالَ: (وَإِنْ وَجَدُوا فِي البِئْرِ فَأَرَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَلَا يُدْرَى مَتَى وَقَعَتْ، وَلَمْ تَنْتَفِخُ، وَلَمْ تَنْفَسِخْ، أَعَادُوا صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِذَا كَانُوا تَوَضَّؤُوا مِنهَا، وَغَسَلُوا كُلَّ شَيْءٍ أَصَابَهُ مَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ انْتَفَخَتْ أَوْ تَفَسَّخَتْ أَعَادُوا صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ شَيْءٍ حَتَّى يَتَحَقَّقُوا مَتَى وَقَعَتْ) (*) لِأَنَّ اليَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكَ، وَصَارَ كَمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ: أَنَّ لِلْمَوْتِ سَبَبًا ظَاهِرًا - وَهُوَ الوُقُوعُ فِي المَاءِ -
طهارة البئر يقين فيما مضى، وشك في النجاسة في الحال، واليقين لا يزول بالشك كما في رؤية النجاسة على ثوبه، وكان أبو يوسف يقول [بقول] (^١) أبي حنيفة حتى رأى طائرًا في منقاره فأرة ميتة فألقاها في بئر فرجع إلى القول الأول؛ لأن اليقين لا يزول به، يعني وقع الشك في وقوعه قبل هذا الزمان فلا يثبت الوقوع قبله بالشك.
فإن قيل: الحال يدل على ما قبله كما في مسألة الرَّحَى بحكم الحال فيها لمعرفة الحكم فيما مضى.
قلنا: عارضه استصحاب الحال الثابت قبل ذلك وهو طهارة الماء في الأصل، والحاصل أنه حجة دافعة لا ملزمة ففي كل موضع وجد سبب الوجوب، ووقع الشك في السقوط لا يسقط بالشك، وفي كل موضع وقع الشك في الثبوت لا يثبت بالشك لا يدري مدى أصابته، يعني لا يلزمه إعادة شيء من الصلوات، وكذا لو وجد المصلي حمامته في كمه ميتة ولا يدري متى ماتت، أو رأت المرأة في كرسفها دما لا تدري متى نزلت، وكذا لو مات المسلم وله امرأة نصرانية فجاءت مسلمة بعد موته وقالت: أسلمت قبل موته، وقالت الورثة: بعده، فالقول لهم.
ولأبي حنيفة ﵀ (أن للموت)، يعني وجد لموت الحيوان الدموي. (سببًا ظاهر)، وهو الوقوع في الماء.
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ١ / ٢٣٤ ]
فَيُحَالُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ الاِنْتِفَاخَ وَالتَّفَسُّخَ دَلِيلُ التَّقَادُمِ فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ، وَعَدَمُ الانْتِفَاخِ وَالتَّفَسُّخِ دَلِيلُ قُرْبِ العَهْدِ، فَقَدَّرْنَاهُ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ سَاعَاتٌ لَا يُمْكِنُ
(فيحال)، أي يضاف (به)، أي بالموت (عليه)، أي على الوقوع، وإن احتمل أن يكون الموت بغيره؛ لأن السبب الموهوم لا يعتبر في مقابلة السبب الظاهر كمن رأى إنسانًا وفي عنقه حية ملتوية يغلب على الظن أنها نهشته فقتلته، كذا ذكره شمس الأئمة الكردري.
وكمن جرح إنسانا فلم يزل صاحب فراش حتى مات أن الموت يضاف إلى الجرح، وإن احتمل أن يكون بسبب شيء آخر، كذا في المبسوط (^١).
وكذا لو وُجِدَ قتيل في محلة يضاف القتل إلى أهلها، وإن احتمل أنه قتل في موضع آخر ثم حمل إليها.
(دليل التقادم)، وجد التقادم في الانتفاخ ثلاثة أيام، ولهذا لو دفن ميت قبل أن يصلى عليه يصلّى على قبره إلى ثلاثة أيام، ولا يصلّى بعد ذلك.
(لأن ما دون ذلك)، أي اليوم والليلة إذ العادة تغطية رأس الآبار ليلا، فالظاهر وقعت أمس، فقدرناه باليوم والليلة في غير المتغير احتياطا.
وجواب مسألة الثوب مذكور في المتن، وفي المسألتين جوابهما المذكور في المتن، وفي مسألة الميراث المرأة تحتاج إلى الاستحقاق، والظاهر لا يصلح حجة له وإنما يصلح للدفع، والورثة هم الدافعون.
فإن قيل: إن أضفت الموت إلى الوقوع فلم أثبت سبق الوقوع على الحال وأية حاجة وضرورة إلى ذلك، وإن أضفته إلى المكث بعد الوقوع فلم أثبت سبق النجاسة وأنها مقتصرة على زمان الموت.
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنا أضفنا الموت إلى الوقوع، لكن الظاهر من حال البئر لا يوقف عليها حال وقوع النجاسة لبعدها عن أعين الناس، وإنما يوقف عليها بعد مدة فقدرناه بما ذكرنا.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٩).
[ ١ / ٢٣٥ ]
ضَبْطُهَا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَالَ المُعَلَّى: هِيَ عَلَى الخِلَافِ، فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ فِي البَالِي وَبِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الطَّرِيِّ، وَلَوْ سُلَّمَ فَالثَّوْبُ بِمَرْأَى عَيْنِهِ وَالبِثْرُ غَائِبَةٌ عَنْ بَصَرِهِ فَيَفْتَرِقَانِ.
والثاني: أنا أضفنا الموت إلى الوقوع لتنجسه من زمان الوقوع، وأضفناه إلى المكث بعده ليثبت سبق الوقوع بالاحتياط، وهذا كما قال أبو حنيفة في المتنفل: لو صلى أربعًا ولم يقرأ في إحدى الأوليين يجب عليه قضاء الأربع؛ لأنه قال بفساد تحريمته في حق الشفع الأولى حتى يجب قضاؤه، وقال بصحتها في حق الشفع الثاني حتى يجب قضاؤه بعد صحة الشروع أخذا بالاحتياط في الوجهين، كذا في الخبازية.
وفي المُجْتَبَى: وحكم ما عجز به حكم الوضوء والغسل، وكان الصباغ يفتي بقول أبي حنيفة فيما يتعلق بالصلاة وبقولهما فيما سواه.
وفي المنتقى: وُجِد طير في بئر ولا يُدرَى متى مات، فإن كان منتفخا يعيد الصلاة ثلاثة أيام عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وإلا فيوم وليلة عنده، وعند أبي يوسف لا يعيد شيئًا (^١).
وفي الإيضاح: فأرة ماتت في جُبِّ ماء فأريق الماء في البئر، قال محمد: ينزح الأكثر مما كان في الجب، ومن عشرين دلوا؛ لأن الفأرة لو وقعت فيها وجب نزح عشرين فكذا بالصب، إلا إذا زاد المصبوب (^٢).
وقال أبو يوسف: ينزح المصبوب وعشرون بمنزلة الفأرتين إذا وقعتا في البئر وجب نزحهما ونزح عشرين دلوا.
ولو صب الماء المستعمل في البئر وجب نزح الكل عند أبي يوسف لأنه نجس عنده، وعند محمد نُزِحَ عشرون لأنه وإن كان طاهرا فليس بطهور إذا اختلط بماء البئر أوجب تغييره، إلا أنه لا يزيد على وقوع الفأرة فوجب نزح عشرين.
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٢٣٤).
(٢) انظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن (١/¬٣٣، ٨٤).
[ ١ / ٢٣٦ ]