قدم البقر على الغنم؛ لقربها في الضخامة والقيمة من الإبل، ولهذا أشملها اسم البدنة.
البقرة: من بَقَرَ إِذا شَقَّ، وسمي البقر به؛ لأنه يشق الأرض.
وفي الصحاح: البقر اسم الجنس والبقرة واحدة، ويقع على الذكر والأنثى، وأدخلته الهاء على أنه واحد من الجنس (^٢).
وفي المبسوط (^٣): والأصل فيه: ما روي أنه ﵇ قال: «لا ألفِيَنَّ أحدكم وعلى عاتقه بعير له رغاء، فيقول: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، ألا قد بلغتُ …» الحديث (^٤)، والحديث في المصابيح (^٥).
ولا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر؛ ما في حديث معاذ حين بعثه إلى اليمن، وقال له: «خذ من كُلِّ ثلاثين بقرة تبيعًا أو تبيعة، ومن كُلِّ أربعين مُسِنَةً، ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافِرٌ، ولا تأخذ من الأوقاص شيئًا» (^٦).
ثم لا خلاف أن الثلاثين والأربعين نصاب على ما ذكر في الكتاب، واختلفت الرواية فيما زاد عليه.
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للخورازمي (ص ٣٠٨).
(٢) الصحاح (١/ ٣٣٧).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٦).
(٤) أخرجه البخاري (٤/ ٧٤، رقم ٣٠٧٣) ومسلم (٤/ ١٤٦١، رقم ١٨٣١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) مشكاة المصابيح للتبريزي (٢/ ١١٧٠).
(٦) أخرجه أبو داود (٢/ ١٠١، رقم ١٥٧٦) والترمذي (٢/¬١٣، رقم ٦٢٣) وابن ماجه (١/ ٥٧٦، رقم ١٨٠٣) قال الترمذي: حديث حسن.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
(لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنْ البَقَرِ السَّائِمَةِ صَدَقَةٌ، فَإِذَا كَانَتْ ثَلَاثِينَ سَائِمَةً وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ) وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّانِيَةِ (وَفِي أَرْبَعِينَ
قوله: (ليس في أقل من ثلاثين من البقر صدقة): واختلف في زكاة البقر؛ فقالت الظاهرية: لا زكاة في أقل من ستين من البقر وفيه بقرة، وفي المائة بقرة، ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين (^١).
وقال آخرون: في خمس من البقر شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمسة عشر ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بقرة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة؛ ففيها بقرتان إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة؛ ففي كل أربعين بقرة مسنة. هكذا روي عن عمر، وجابر بن عبد الله، وابن المسيب وغيره.
ومذهبنا قول علي، وأبو سعيد الخدري، والشعبي، وطاووس، وأكثر التابعين، ومالك (^٢)، والشافعي (^٣)، وأحمد (^٤)، وما رووا من الأثر منقطع فلا يعبأ به.
(تبيع): سمي الحولي من أولاد البقر تبيعا؛ لأنه يتبع أمه بعد، والمُسِنُّ ما تم له سنتان ودخل في الثالثة من البقر والشاة، وفي الإبل ما دخل في الثامنة. كذا في المغرب (^٥).
وفي الغريبين: العجل الذي يتبع أمه إلى تمام السنة سمي تبيعًا (^٦)، والمُسِنَّةُ ما دخل في الثالثة، ثم الأنثى لا تزيد على الذكر في البقر والغنم، ولهذا كان مخيرا بين أداء التبيع أو التبيعة، وقال مالك: في ثلاثين التبيع ذكر. والتبيع عند المالكية: ما له سنتان، والمُسِنُّ: ما له أربع سنين (^٧)، ولأن
_________________
(١) انظر: المحلى لابن حزم (٤/ ٨٩).
(٢) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٣٥٥)، والتلقين للثعلبي (١/ ٦٣).
(٣) انظر: الأم للشافعي (٧/ ١٥٢)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٠٦).
(٤) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٨٩)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٤٣).
(٥) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٥٨).
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٢٦).
(٧) انظر: الفواكه الدواني للنفراوي (١/ ٣٤٣)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٥٠١).
[ ٢ / ٥٨٦ ]
مُسِنٌّ أَوْ مُسِنَّةٌ) وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ، بِهَذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَاذًا ﵁ (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى أَرْبَعِينَ وَجَبَ فِي الزِّيَادَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ إِلَى سِتِّينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ فَفِي الوَاحِدَةِ الزَّائِدَةِ رُبْعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ، وَفِي الاثْنَيْنِ نِصْفُ عُشْرِ مُسِنَّةِ، وَفِي الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ عُشْرِ مُسِنَّةٍ.
وَهَذِهِ رِوَايَةُ الأَصْلِ لِأَنَّ العَفْوَ ثَبَتَ نَصًّا بِخِلَافِ القِيَاسِ وَلَا نَصَّ هُنَا.
النص ورد بلفظ البقر والشاة، وهو يتناول الذكر والأنثى، وخص الأنثى في الإبل بالنص.
قوله: (ثبت نصًا بخلاف القياس)؛ لما فيه من إخلاء المال عن الواجب مع قيام الغنى والزكاة شرعت شكرًا لنعمة المال.
وفي الإيضاح: وجه رواية الأصل: إن إثبات الوقص والنصاب بالرأي لا يجوز، وإخلاء المال عنه لا يجوز، فأوجبنا فيما زاد بحسابه، ويحملنا إثبات التشقيص وإن كان خلاف موضوع الزكاة؛ لضرورة تعذر إخلائه عن الواجب (^١).
ورجحنا اختيار لزوم الكسور في زكاة السوائم على إثبات النصاب بالرأي؛ لأن لزوم الميسور موجود في الزكاة كما في الذهب والفضة، فيقاس عليه؛ بجامع أن كل واحد منهما نعمة مالية مستدعية للشكر.
وأما إثبات الوقص والنصاب بالرأي؛ إخلاء للموجب على ما أوجبه، والعبادات يحتاط في إثباتها، مع أن القياس غير موجود، فإنهما يثبتان الوقص من أربعين إلى ستين، فكان الوقص تسعة عشر، وليس له نظير في الزكاة؛ لما أن العفو في ابتداء النصاب تسعة وعشرون، وفي الثاني تسعة، فكان ما قال أبو حنيفة أولى.
وروى الحسن عن أبي حنيفة وجه روايته: أن الأوقاص في البقر تسع تسع، بدليل ما قبل الأربعين وما بعد الستين، فلذلك فيما بين ذلك (^٢).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٢٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/¬٣٢٧).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٧)، وبدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٢٨).
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وَرَوَى الحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ، ثُمَّ فِيهَا مُسِنَّةٌ وَرُبْعُ مُسِنَّةٍ أَوْ ثُلُثُ تَبِيعِ، لِأَنَّ مَبْنَى هَذَا النِّصَابِ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كُلِّ عَقْدَيْنِ وَقَصٌ، وَفِي كُلِّ عَقْدٍ وَاجِبٌ. (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ) (*)، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ ﵊ لِمُعَاذٍ: «لَا تَأْخُذْ مِنْ أَوْقَاصِ البَقَرِ شَيْئًا» وَفَسَّرُوهُ بِمَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ. قُلْنَا: قَدْ قِيلَ: إِنَّ المُرَادَ مِنْهَا الصِّغَارُ
وَقَصُ الوَقْصِ: بفتح القاف، واحد الأوقاص في الصدقة، وهو ما بين الفريضتين، وكذا الشَّنْقُ بفتح النون، وبعض العلماء يجعل الوقص في البقر خاصة، والشنق في الإبل. كذا في الصحاح (^١)، وقيل: العفو في الغنم.
(وهو رواية عن أبي حنيفة)؛ أي: قولهما رواية عنه، رواه أسد بن عمرو عنه. وفي المحيط: وهو أوفق الروايات عنه (^٢).
وفي جوامع الفقه: وهو المختار (^٣)، وهو قول الشافعي (^٤)، ومالك (^٥)، وأحمد (^٦)؛ لقوله ﵇ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «لا تأخُذ مِنَ الأوقاص» (^٧).
(وفسروه بما بين الأربعين إلى ستين منها)؛ أي: من الأوقاص.
(الصغار)؛ وهي العجاجيل، وبه يقول أنه لا شيء فيها؛ إذ المراد منها: إن أريد العفو؛ فله العود في الابتداء، فإن الوقص في الحقيقة لما لم يبلغ نصابا،
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٣/ ١٠٦٢).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٥٤).
(٤) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٢٧).
(٥) انظر: الأم للشافعي (٢/¬١٠)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٠٨).
(٦) انظر: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد (٢/¬٢٣)، والذخيرة للقرافي (٣/ ١١٥).
(٧) انظر: الفروع لابن مفلح (٤/¬٢٣)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٣١٦).
(٨) تقدم تخريجه قريبا.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
(ثُمَّ فِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ أَوْ تَبِيعَتَانِ، وَفِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ، وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ، وَفِي تِسْعِينَ ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةِ، وَفِي المِائَةِ تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٌ. وَعَلَى هَذَا يَتَغَيَّرُ الفَرْضُ فِي كُلِّ عَشْرٍ مِنْ تَبِيعِ إِلَى مُسِنَّةٍ وَمِنْ مُسِنَّةٍ إِلَى تَبِيعِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعُ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنُّ أَوْ مُسِنَّةٌ» (وَالجَوَامِيسُ وَالْبَقَرُ سَوَاءٌ) لِأَنَّ اسْمَ البَقَرِ يَتَنَاوَلُهُمَا إِذْ هُوَ نَوْعٌ مِنهُ، إِلَّا أَنَّ أَوْهَامَ النَّاسِ لَا تَسْبِقُ إِلَيْهِ فِي دِيَارِنَا لِقِلَّتِهِ، فَلِذَلِكَ لَا يَحْنَثُ بِهِ فِي يَمِينِهِ: «لَا يَأْكُلُ لَحْمَ بَقَرٍ»، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.