(إِذَا كَانَتِ الخَيْلُ سَائِمَةً ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَصَاحِبُهَا بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَعْطَى عَنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينَارًا، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَعْطَى عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَم خَمْسَةَ دَرَاهِمَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَقَالَا: لَا زَكَاةَ فِي الخَيْلِ (*) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وقال الشافعي: لا يؤخذ الذكور إلا في خمس وعشرين من الإبل؛ فإنه يُجزي فيها ابن لبون عند عدم بنت مخاض (^١)، ويروى هذا عن مالك (^٢)، أو النصاب على ذكور، وكذا في نصاب البقر؛ يجب أخذ الذكور؛ لورود الآثار في الأخذ بلفظ الأنوثة في الإبل، وما ورد في الغنم مطلقا عن صفة الذكورة؛ يحمل على المقيد، وإن كانا في حادثتين، إلا في البقر؛ فإن النص ورد بالذكورة والأنوثة، فلم يمكن الحمل عليه، وكذا لو كان النصاب كله ذكورًا؛ لأن الواجب جزء من النصاب.
ولنا: قوله ﵇: «في كُلِّ أربعين شاة شاة» (^٣)، واسم الذكر ينتظم الذكر والأنثى؛ فإنهما أدنى تجوّز بإطلاق النص، بخلاف الإبل؛ لأن الاسم ثمة خاص ببنت المخاض وبنت لبون، وهو لا يتناول الذكر، وأما الحمل ففاسد عندنا؛ لما ذكر في الأصول.
فصل في الخيل
وهو اسم جمع لا واحد له؛ كالغنم والإبل.
قوله: (وقالا)؛ أي: أبي يوسف، ومحمد (^٤)، وهو قول الشافعي (^٥)،
_________________
(١) (*) الراجح: قول الصاحبين.
(٢) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/ ١١٨)، والبيان للعمراني (٣/ ٢٠٠).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٣/ ١٠٩)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ٢٥٧).
(٤) تقدم تخريجه قريبا.
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٣٤)، والاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ١٠٨).
(٦) انظر: الأم للشافعي (٢/¬٢٨)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٣١٥).
[ ٢ / ٥٩٣ ]
والسلام: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة»، وله قوله ﵊: «في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم» وتأويل ما روياه
ومالك (^١)، وأحمد (^٢)، ويروى ذلك عن عمر، وعلي، وبه قال عطاء.
لهم: قوله ﵇: «ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة» (^٣)، وقوله ﵇: «عفوت لأمتي صدقة الخيل والرقيق» (^٤)، وقوله ﵇: «ليس في الجبهة ولا في الكسعة ولا في النحة صدقة» (^٥).
وفي المغرب: الجبهة: الخيل، والكسعة: الحمير، وقيل: صغار الغنم (^٦).
وعن الكرخي: النحة - بالضم والفتح: الرقيق (^٧).
وفي فتاوى قاضي خان، والخلاصة: قالوا: والفتوى على قولهما (^٨).
ورجح في الأسرار قولهما؛ فقال: لا يجب من عينها شيء، ومبنى زكاة السائمة على أن الواجب جزء من العين، وللإمام فيه حق الأخذ (^٩).
ولا يأخذ الإمام صدقة الخيل بالإجماع، ولأن أئمة العدل والجور لم يشتغلوا بأخذ الزكاة منها، مع احتيالهم في أخذ الزكاة في الأموال، فثبت أن الأصل لهذه الزكاة.
ولأبي حنيفة: حديث ابن الزبير: أنه ﵇ قال: «في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم وليس في المرابط شيء» (^١٠).
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٣٢٣)، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد (٢/¬١٢).
(٢) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٨٣)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٦٣).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) أخرجه الترمذي (٢/¬٩، رقم ٦٢٠) وابن ماجه (١/ ٥٧٩، رقم ١٨١٣) من حديث علي ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه لهذا الحديث.
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد للهيثمي (٣/ ٦٩، رقم ٤٣٧٤) وقال: فيه سليمان بن أرقم، وهو متروك. وضعفه الشيخ الألباني في الضعيفة (٥/ ١٣٦، رقم ٢١١٥).
(٦) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٤٠٨).
(٧) انظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٦٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٤١).
(٨) فتاوى قاضي خان (١/ ١٢٢).
(٩) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٨)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١١٩).
(١٠) أخرجه الدارقطني (٣/¬٣٥، رقم ٢٠١٩) من حديث جابر ﵁ مختصرا على أوله وقال: تفرد =
[ ٢ / ٥٩٤ ]
فرس الغازي، وهو المنقول عن زيد بن ثابت.
وما كتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح يأمره أن يأخذ من كل فرس دينار أو عشرة دراهم، ووقعت هذه الواقعة في زمن مروان، فشاور الصحابة، فروى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «ليس على الرجل في عبده ولا فرسه صدقة»، قال مروان لزيد بن ثابت: ما تقول يا أبا سعيد؟، فقال أبو هريرة: عجبا من مروان، أحدثه بحديث رسول الله ﷺ وهو يقول: وماذا تقول يا أبا سعيد، فقال لزيد: صدق رسول الله ﷺ، وإنما أراد به فرس الغازي، فأما ما يطلب نسلها؛ ففيها الصدقة، فقال: كم؟، فقال: في كل فرس دينار أو عشرة دراهم (^١)، ولأنه ﵇ لما قرن الفرس بالعبد؛ كان ذلك قرينة على أن المراد عبد الخدمة وفرس الركوب، فإنها إذا كانا للتجارة؛ تجب فيهما الزكاة بالإجماع.
وفي الصحيحين (^٢) ما يدل على أن في الفرس صدقة؛ فإنه روى أبو هريرة في حديث طويل، قيل: يا رسول الله، والخيل؟، قال: «هي ثلاثة: لرجل وزر، ولرجل ستر، ولرجل أجر»، إلى أن قال: «ورجل ربطها تعففا، ثم لم ينس حق الله في رقابها وظهورها؛ فهي لذلك ستر».
والمعنى: أنه حيوان تسام في غالب البلدان كالإبل والبقر والغنم، إلا أن الآثار فيها لم يشتهر لغيره خيل النسل في ذلك الوقت، وما كانت إلا معدة للجماد، وإنما لم يثبت أبو حنيفة للإمام حق الأخذ؛ لأن الخيل مطمع كل طامع؛ لأنه سلاح والظاهر: أن الأئمة إذا علموا به لا يتركونه لصاحبه، وإنما لم يؤخذ من عينه؛ لأن مقصود الفقير لا يحصل به؛ لأن عينه غير مأكول عينه.
_________________
(١) = به غورك عن جعفر وهو ضعيف جدا ومن دونه ضعفاء. والحديث بتمامه يذكره بعض السادة في كتبهم مثل المبسوط (٢/ ١٨٨) وغيره ولا يوجد بالسياق الذي يذكره الحنفية في كتب الحديث.
(٢) ذكره الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٣٥٧) وقال: غريب، وذكره أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار فقال: إن زيد بن ثابت لما بلغه حديث أبي هريرة ﵁، قال: صدق، رسول الله ﷺ إنما أراد فرس الغازي، قال: ومثل هذا لا يعرف بالرأي، فثبت أنه مرفوع انتهى. وأخرج ابن زنجويه في الأموال نحوه من قول ابن عباس، وسنده صحيح كما قال ابن حجر في الدراية (١/ ٢٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣/ ١١١، رقم ٢٣٧١) ومسلم (٢/ ٦٨٠، رقم ٩٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الدِّينَارِ وَالتَّقْوِيمِ مَأْثُورٌ عَنْ عُمَرَ (وَلَيْسَ فِي ذُكُورِهَا مُنْفَرِدَةً زَكَاةً) لِأَنَّهَا لَا تَتَنَاسَلُ (وَكَذَا فِي الإِنَاثِ المُنْفَرِدَاتِ فِي رِوَايَةٍ) وَعَنْهُ: الوُجُوبُ فِيهَا، لِأَنَّهَا تَتَنَاسَلُ بِالفَحْلِ المُسْتَعَارِ بِخِلَافِ الذُّكُورِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَجِبُ فِي الذُّكُورِ المُنْفَرِدَةِ أَيْضًا
قوله: (والتخيير بين الدينار والقيمة): روى عن عمر كما روينا، ولأن حديث جابر يدل عليه.
وقيل: هذا في أفراس العرب لتفاوت قيمتها، فأما في أفراسنا؛ يقومها لا غير لتفاوتها. كذا في مبسوط فخر الإسلام (^١).
قوله: (لأنها لا تتناسل): فإن قيل: يشكل على هذا ذكور الإبل والبقر والغنم، فإن فيها منفردة زكاة ولا يتناسل.
قلنا: النماء شرط الوجوب، والنماء في الخيل بالتناسل لا غير، وفي غيرها به، وبالوبر واللحم، ولحم الخيل لا يؤكل عنده، فلم يتحقق النماء فيه إلا من جهة التناسل، وذلك معدوم في الذكورة المنفردة.
وفي الإيضاح: لحمه غير مأكول عنده، فلم تكن الزيادة في اللحم مقصودة لعينها، بخلاف سائر السوائم؛ لأنها مأكولة اللحم، فكانت الزيادة سمنا مقصودة؛ كالزيادة من حيث النسل (^٢).
وفي الخبازية: أراد بالذكور: الفحول؛ إذ بمجرد الذكور ولا يحصل النسل، وكذا في الإيضاح، وإليه أشير في المبسوط (^٣).
(وعنه)؛ أي: عن أبي حنيفة.
(أنها)؛ أي: الزكاة.
(تجب في الذكور المنفردة أيضًا)؛ باعتبار أنها سائمة. كذا في الإيضاح (^٤).
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٤٠)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٣٣).
(٢) انظر: الجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١١٩).
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٩).
(٤) انظر: حاشية الشِّلْبي على تبيين الحقائق (١/ ٢٦٥)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٤١).
[ ٢ / ٥٩٦ ]
(وَلَا شَيْءَ فِي البِغَالِ وَالحَمِيرِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِمَا شَيْءٌ» وَالمَقَادِيرُ تَثْبُتُ سَمَاعًا (إِلَّا أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ حِينَئِذٍ تَتَعَلَّقُ بِالمَالِيَّةِ كَسَائِرِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وفي المبسوط: وجهه: أن الآثار جعلت هذا نظير سائر أنواع السوائم؛ فإن بسبب السوم تخف المؤنة، وبه يصير المال مال الزكاة، فكذلك في الخيل (^١).
قوله: (ولا شيء في البغال والحمير)؛ لأنه ﵇ قال: «لم ينزل فيهما شيء» (^٢)، والمقادير تثبت سماعًا، ولما روينا من حديث الكسعة، وأجمعت الأمة على ذلك، إلا أن تكون للتجارة.
وفي المبسوط: لأنها لا تسام في غالب البلد مع كثرة وجودها، والنادر لا يعتبر، فلا يجب فيها زكاة السائم (^٣).
وفي التحفة: والركوب هو المقصود فيها غالبًا دون التناسل، لكنها تسام في غير وقت الحاجة؛ لدفع مؤنة العلف (^٤).
وفي الْمُجْتَبى: اختلف في نصاب الخيل؛
قال الطحاوي: خمسة.
وعن أبي أحمد العياضي: ثلاثة (^٥).
وفي شرح الإرشاد: لا يعتبر فيها النصاب (^٦).
وقال الطحاوي: قال أصحابنا: لا يجب في أقل من الثلاثة، والصحيح: عدم اعتبار النصاب (^٧).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٩).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٨٩).
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/¬٣٥)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/ ٢٦٦).
(٥) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٥٢).
(٦) انظر: حاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١٧٧).
(٧) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٣٧)، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام (١/ ١٧٧).
[ ٢ / ٥٩٧ ]