(وَيُحْفَرُ القَبْرُ وَيُلْحَدُ) لِقَوْلِهِ ﵊:
أحد، فقال ﵊: «لكن حمزة لا بواكي له»، قالت الراوية: فأتينا بيت النبي ﵊ فندبنا حمزة ﵁ حتى سمعنا نشيجه، فأرسل إلينا: «قد أصبتُم وأحسَنتُم» (^١).
قوله: وكيفية الحمل: أن يضع … إلى آخره هذا لفظ الجامع الصغير، بلفظ الخطاب، خاطب أبو حنيفة به أبا يوسف، قال يعقوب: رأيت أبا حنيفة يفعل هكذا.
ثم في حمل الجنازة سنتين نفس السنة، وكمالها.
أما نفس السنة: هو أن يأخذها بقوائمها الأربع على طريق التعاقب؛ بأن تحمل من كل جانب عشر خطوات فقد جاء في الحديث: «من حمل جنازة أربعين خطوة كُفّرت له أربعون كبيرة» (^٢)، وقد قيل نص الشافعي هكذا (^٣).
وأما كمال السنة: أن يبدأ الحامل فتحمل بيمين مقدمها؛ لأنه تعالى يحب التيامن في كل شيء، والمقدم أيضًا أول الجنازة، والبداية بالمشي إنما يكون من أوله، ثم يتحول إلى الأيمن المؤخر؛ كيلا يحتاج إلى المشي أمامها، وله رجحان التيامن أيضًا، فبقي جانبان الأيسر المقدم والأيسر المؤخر، فتختار تقديم أيسر المقدم؛ لأن للمقدم فضلًا على المؤخر، أو لأن الختم في الأيسر المؤخر أولى؛ ليبقى الفراغ خلف الجنازة؛ لأن المشي خلفها أفضل. إليه أشير في المبسوط، والجوامع (^٤).
فصل في الدفن
قوله: (ويلحد): يحتمل أن يكون مجهول لحد، وألحد له؛ أي: حفر له
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٥٠٧، رقم ١٥٩١) من حديث ابن عمر ﵁، وفي سنده أسامة بن زيد العدوي قال ابن حجر في التقريب (٩٨)، رقم (٣١٥): ضعيف.
(٢) أخرجه ابن عساكر (٢٧/ ٨١، رقم الترجمة ٣١٨٦) من حديث واثلة ﵁ وضعفه جدا الشيخ الألباني في أحكام الجنائز (ص: ٢٤٩) وضعيف الجامع الصغير (ص ٨٠٢، رقم ٥٥٦٦).
(٣) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٣١)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٣٩).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥٦).
[ ٢ / ٤٩٩ ]
«اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» (وَيُدْخَلُ المَيْتُ مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، … .
لحدا، وألحد الميت؛ جعله في اللحد، واللحد هو: الشق المائل من جانب القبر. كذا في المغرب (^١).
وقال الشافعي: يشق ويلحد؛ لتوارث أهل المدينة (^٢).
ولنا: قوله ﵇: «اللّحد لنا والشَّقُّ لغيرنا» (^٣)، ولأنه فعل اليهود، والتشبه بهم مكروه، وكان بالمدينة حفاران: أحدهما يلحد، وهو أبو عبيدة الجراح، والآخر يشق، وهو أبو طلحة الأنصاري، فلما قبض النبي ﵇ بعثوا إلى طلب الحفار، فقال العباس: اللهم خير لنبيك، فوجد الذي يلحد.
وأما فعل أهل المدينة بالبقيع؛ لضعف أراضيهم، ولهذا اختار المشايخ في بخارى الشق؛ لضعف أراضيهم.
وصفة الشق: أن يحفر حفرة كالنهر في وسط القبر، ويبني جانباه باللبن أو غيره، ويوضع الميت فيه ويسقف. كذا في المبسوط، والإيضاح، والمحيط (^٤).
ولكن ذكر في عامة كتب الشافعي: أن اللحد أولى من الشق (^٥).
والشق جائز؛ لقوله ﵇: «اللحدُ لَنا والشقُّ لغيرنا» (^٦)، ولما روينا من حديث حافر قبر النبي ﵇.
ولو كانت الأرض رخوة؛ فالشق، فحينئذ لا يبقي الخلاف إلا في كراهية الشق، واللحد أفضل من الشق عند الأئمة الأربعة (^٧).
واختلف في عمق القبر:
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٤٢٢).
(٢) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/¬٢٥)، والبيان للعمراني (٣/ ١٠١).
(٣) تقدم تخريجه قريبا.
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦١)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩٠).
(٥) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/¬٢٥)، والوسيط للغزالي (٢/ ٣٨٨).
(٦) تقدم تخريجه قريبا.
(٧) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣١٨)، والتلقين للثعلبي (١/ ٥٧)، والوسيط للغزالي (٢/ ٣٨٨)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٧١).
[ ٢ / ٥٠٠ ]
فَإِنَّ عِنْدَهُ يُسَلُّ سَلًّا لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ سُلَّ سَلًّا». وَلَنَا: أَنَّ
قيل: قدر نصف قامة الرجل وسط القامة. وقيل: إلى صدره.
وقال الشافعي: قدر قامته (^١).
وقال بعض المالكية: قدر الذراع (^٢)، وقال مالك: ليس بمحدود ولكن الوسط.
وقال أحمد: يحفر إلى الصدر للرجل والمرأة (^٣).
قوله: (فإن عنده)؛ أي: عند الشافعي (^٤)، وبه قال أحمد (^٥)، ومالك: خير في ذلك (^٦)، وهو قول الظاهرية (^٧)، وعن أحمد: لا بأس بذلك كله.
وتفسير السل لغة: النزع والحذف، يقال سل سيفه من غمده؛ أي: نزعه، ومنه سل النبي ﵇؛ لأنه ﵇ نزع من الجنازة من عند رأسه.
وصورة السلّ: أن توضع الجنازة عند آخر القبر، بحيث تكون رأس الميت عند رجل القبر؛ لما روى أنه ﵇ سُلَّ في قبره، ولأنه في حياته لو دخل بيته يبدأ برجله، فكذا القبر بيته بعد الموت، فيبدأ بالرجل.
وهذا التعليل لما ذكر الحلواني من صورة؛ وهي: أن توضع الجنازة في مقدم القبر، حتى يكونا رجلا الميت بإزاء موضع رأسه من القبر، ولكن ما وجدت تفسير السلّ هكذا في كتبهم، فلا يستقيم هذا التعليل على ما فسروه.
ولنا: ما روى إبراهيم التيمي، أنه ﵇ أدخل في قبره من جهة القبلة (^٨)، وهكذا روى عن ابن عباس أنه ﵇ دخل قبره من قبل القبلة (^٩).
_________________
(١) انظر: التنبيه للشيرازي (ص ٥٢)، والبيان للعمراني (٣/ ١٠٠).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٧٨)، والتاج والإكليل للمواق (٣/¬٣٨).
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٧١)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٧١).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣١١)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٥٤).
(٥) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٧١)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٧٠).
(٦) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٢٧٤)، والتاج والإكليل للمواق (٣/¬٤٤).
(٧) انظر: المحلى لابن حزم (٣/ ٤٠٩).
(٨) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٩٩، رقم ٦٤٧١) وابن أبي شيبة (٣/¬١٨، رقم ١١٦٨٦).
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة (١٨/¬٣، رقم ١١٦٩١).
[ ٢ / ٥٠١ ]
جَانِبَ القِبْلَةِ مُعَظَّمٌ فَيُسْتَحَبُّ الإِدْخَالُ مِنهُ، وَاضْطَرَبَت الرِّوَايَاتُ فِي إِدْخَالِ النَّبِيِّ ﵊ (فَإِذَا وُضِعَ فِي لَحْدِهِ يَقُولُ وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ
رواه الطحاوي، والترمذي (^١)، وقال: حديث حسن.
فإن صح هذا؛ يصح المذهب، وإن صح ما روى؛ فقيل: إنما كان ذلك لأجل الضرورة؛ لأنه ﵇ مات في حجرة عائشة ﵂ من قبل الحائط، وكانت السنة في دفن الأنبياء ﵈ أن يدفنوا في الموضع الذي قبضوا فيه، فلم يتمكنوا من وضع السرير قبل القبلة لأجل الحائط، فلهذا سُلَّ إلى قبره. ولا يدخل الميت من جانب القبلة؛ لما روى ابن عباس، وابن عمر أن الميت يدخل من قبل القبلة.
ولأنه أشرف جهات القبر، ولهذا تختار في الجلوس في الحياة استقبال القبلة، كما ورد في الخبر، فكذا يختار بعد الوفاة من قبلها. كذا في المبسوط (^٢).
وفي الإيضاح: روي عن علي ﵁ أنه قال: شهد النبي ﵇ على جنازة رجل، وقال: «يا علي، استقبل به القبلة استقبالًا، وقولوا جميعًا: بِسْمِ اللَّهِ وعلى مِلَّةِ رسولِ اللَّهِ، وضَعوه بجنبه، ولا تكبّوه بوجهه، ولا تُلقوه بظهره» (^٣).
(واضطربت الروايات في إدخال النبي ﵇ كما ذكرنا، فتعارضت الروايات، وقد صح أنه ﵇ قال لعلي: «استقبل به القبلة». فكذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٤).
(ويقول واضعه: بسم الله) وفي المبسوط: أي: بسم الله وضعناك، وعلى
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣/ ٣٦٣، رقم ١٠٥٧) من حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ دخل قبرا ليلا، فأسرج له سراج، فأخذه من قبل القبلة … الحديث. وأنبه هنا أن عزو المصنف الحديث للترمذي فيه نظر فرواية الترمذي فيها أن النبي ﷺ هو الذي تناول الميت من قبل القبلة ثم دفنه.
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦١).
(٣) لم أقف عليه في كتب الحديث ويذكره السادة الحنفية في كتبهم مثل الكرابيسي في الفروق (١/ ٥٨).
(٤) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩١)، والاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٩٦).
[ ٢ / ٥٠٢ ]
رَسُولُ اللَّهِ) كَذَا قَالَهُ ﵊ حِينَ وَضَعَ أَبَا دُجَانَةَ ﵁ فِي القَبْرِ (وَيُوَجَّهُ إِلَى القِبْلَةِ) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَتُحَلُّ العُقْدَةُ) لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنَ الانْتِشَارِ (وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ) لِأَنَّهُ ﵊ جُعِلَ عَلَى قَبْرِهِ
ملة رسول الله سلمناك (^١).
(وضع أبا دجانة): والصحيح: أنه ﵇ وضع ذا النجادين؛ لأن أبا دجانة مات بعد رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر ﵁. كذا وجد بخط شيخ شيخي، وهكذا ذكر في التواريخ (^٢).
(بذلك أمر رسول الله ﷺ: روي عن علي أنه قال: مات رجل من ولد عبد المطلب، فقال ﵇: «يا عَلِيُّ اسْتقبله …» الحديث، كما روينا. كذا في المحيط، وشرح الأقطع (^٣).
ثم لا بأس أن يدخل الميت في قبره وترا ويشفع عندنا.
وعند الشافعي: يستحب الوتر، فإن تعذر فواحد، وإلا فثلاثة؛ لما روي أن الذين دخلوا قبر النبي ﵇ ثلاثة: علي، والعباس، واختلف في الثالث؛ قيل: الفضل بن عباس، والصحيح: أسامة بن زيد. كذا في تتمتهم (^٤).
ولأنه ﵇ قال: «إن الله تعالى وتر يحبُّ الوتر» (^٥).
ولنا: ما روى أنه ﵇ لما أدخل في قبره أدخله العباس، والفضل ابن العباس، وعلي، وصهيب واختلف في الرابع؛ قيل: المغيرة بن شعبة، وقيل: أبو رافع.
وذكر البيهقي: شقران مولى رسول الله ﷺ لقبه صالح، وقيل: قثم. وفي العارضة: دخل قبره علي والفضل أبناء عمه، وعبد الرحمن بن عوف خاله وصاحبه، وأسامة مولاه.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢/ ٦١).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١٣٨٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٥٠).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩١).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣٢٢)، والبيان للعمراني (٣/ ١٠٣).
(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٦١، رقم ١٤١٦) والترمذي (١/ ٥٧٦، رقم ٤٥٣) وابن ماجه (١/ ٣٧٠، رقم ١١٦٩) من حديث علي ﵁، قال الترمذي: حديث حسن.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
اللَّبِنُ (وَيُسَجَّى قَبْرُ المَرْأَةِ بِثَوْبِ حَتَّى يُجْعَلَ اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ، وَلَا يُسَجِّى قَبْرُ الرَّجُلِ) لِأَنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ وَمَبْنَى حَالِ الرِّجَالِ عَلَى الإِنْكِشَافِ
ولأن المقصود وضع الميت فيه، وأنه يحصل بالشفع، فلا حاجة إلى الزائد. كذا في المبسوطين، وفي شرح المجمع (^١).
قيل: الرابع: صالح مولى رسول الله ﷺ.
قوله: (وَلَا يُسَجَّى قَبْرُ الرَّجُلِ): وبه قال أحمد (^٢)، ومالك (^٣)، وأبو الفضل من أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي: يستر قبر الرجل أيضًا؛ لأنه ﵇ سجى قبر سعد بن معاذ، ولأنه يحتاج إلى حل الأكفان وتسوية اللبن، فربما ينكشف منه شيء، فيستحب أن يستر (^٤).
ولنا: ما روي عن علي ﵁ أنه مرَّ بقبر رجل سُجِّي، فنزعه وقال: إنه رجل.
ولأن مبنى حاله على الانكشاف، والتسجية للستر، وذلك يليق بالنسوان، إلا لضرورة؛ وهي الحر الشديد، أو المطر أو الثلج على الداخلين في القبر.
وتأويل حديث سعد: أنه إنما سجي؛ لأن كفنه لا يستر بدنه، فسجي حتى لا يقع الاطلاع لأحد على شيء من أعضائه، بخلاف المرأة؛ لأنها عورة، فربما يبدو شيء من عورتها، ولهذا اختصت بالنعش على جنازتها.
وقد صح أن قبر فاطمة ﵂ سجي بثوب، ونعش على جنازتها، وأوصت قبل موتها أن تستر جنازتها، واتخذوا لها نعشًا من جريد النخل، فبقي سُنَّة في حق النساء، ولهذا استحسن مشايخنا اتخاذ التابوت للنساء للتستر، والتحرز عن مسها عند الوضع في القبر. كذا في المحيط (^٥).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ٦١)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩٠).
(٢) انظر: الشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة (٢/ ٣٧٨)، والفروع لابن مفلح (٣/ ٣٧٥).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٧٨)، والتاج والإكليل للمواق (٣/¬٤٣).
(٤) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣١٥)، والبيان للعمراني (٣/ ١٠٣).
(٥) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩١).
[ ٢ / ٥٠٤ ]
(وَيُكْرَهُ الْآجُرُّ وَالخَشَبُ) لِأَنَّهُمَا لِإِحْكَامِ البِنَاءِ وَالقَبْرُ مَوْضِعُ البِلَى، ثُمَّ بِالْآجُرٌ
ويكره الآجر والخشب: هذا ظاهر الرواية.
وفرق بعض المشايخ بينهما؛ وقال: كراهة الآجر لما فيه من مس النار، فلا يتفائل به، وهذا لم يوجد في حق الخشب فلا يكره.
ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن مساس النار لا يصلح علة للكراهة؛ فإن السنة أن يغسل الميت بالماء الحار، وبه مساس النار.
وقيل في جوابه: مست الحاجة فيه لزيادة النظافة، ولهذا يستحب الإجمار بالنار عند مساس الحاجة إلى دفع الراوئح الكريهة، أو المكروه إدخال ما مسته النار في القبر؛ إذ القبر محل العذاب بالنار، وأول منزل من منازل الآخرة، ولهذا يكره الإجمار بالنار عند القبر، وإتباع الجنازة بها، ويستحب غسله.
وقال السرخسي: التعليل بإحكام البناء أوجه؛ لأنه جمع في كتاب الصلاة بين الآجر ورفوف الخشب؛ أي: ألواحه، ولا يوجد معنى النار فيها (^١).
قال التمرتاشي: هذا إذا كان حول الميت، فإن كان فوقه لا يكره؛ لأنه يكون عصمة من السبع، وهذا كما اعتادوا التسنيم باللبن صيانة عن النبش، ورأوا ذلك حسنا (^٢).
وقال مشايخ بخار: لا يكره الآجر في بلدتنا؛ لضعف الأراضي، حتى قال الفضلي: ولو اتخذوا تابوتا من حديد؛ لم أر به بأسًا في هذه الديار، ولكن ينبغي أن يوضع مما يلي الميت من اللبن. كذا في المحيط (^٣).
وفي الْمُجْتَبى: قال مشايخ خوارزم فعلى هذا لا بأس به أيضًا في ديارنا؛ لأنها أرض رخوة (^٤).
وفي جامع الكُشَانِي: ولو تعذر اللحد لا بأس بالتابوت؛ لكن السنة أن
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ١٣٩)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٥٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٥٦)، ورد المحتار على الدر المختار (٢/ ٢٣٦).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩٢).
(٤) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٢٠).
[ ٢ / ٥٠٥ ]
يَكُونُ أَثَرُ النَّارِ فَيُكْرَهُ تَفَاؤُلًا (وَلَا بَأْسَ بِالقَصَبِ)
يفترش فيه التراب (^١)، وأن يجعل من يمين الميت ويساره لبنا خفيفًا، واللبن الخفيف: أن يطين الطبقة العليا مما يلي، فيصير كاللحد.
ورخص إسماعيل الزاهد الآجر خلف اللحد، وأوصى به (^٢)، وإن أهيل عليه التراب لا بأس بالآجر والحجر، وكذا على القبر إذا احتيج إلى الكتابة.
وفي جامع قاضي خان: ولا بأس بكتابة شيء، أو بوضع الأحجار على القبر ليكون علامة (^٣).
وفي الإيضاح، والتحفة: ولا يُطين ولا يجصص القبر (^٤).
وكره أبو حنيفة البناء عليه، وأن يُعلّم بعلامة (^٥).
وكره أبو يوسف أن يكتب عليه كتابًا (^٦)؛ لما روي أنه ﵇ قال: «لا تُجَصَّصوا القبور، ولا تبنوا عليها، ولا تقعدوا عليها، ولا تكتبوا» (^٧)، وبه قال الشافعي (^٨)، ومالك (^٩)، وأحمد (^١٠).
ويكره أن يزاد على تراب القبر الذي خرج منه؛ لأن الزيادة عليه بمنزلة البناء، وبكل ذلك قال الشافعي (^١١)، ولكن يستحب أن يوضع عند رأسه صخرة أو خشبة ونحوها؛ لما روي أنه ﵇ وضع على قبر عثمان بن مظعون.
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٤٨)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٠٨).
(٢) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٦١٠)، والمجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٢١).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٥٩)، والبحر الرائق لابن نجم (٢/ ٢٠٩).
(٤) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٠٩)، وفتاو قاضي خان (١/ ٩٥).
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣٢٠)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩٣).
(٦) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٥٩).
(٧) بنحوه أخرجه مسلم (٢/ ٦٦٧، رقم ٩٧٠) من حديث جابر ﵁، وفيه النهي عن الثلاثة الأولى، والنهي عن الكتابة أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٩٨، رقم ١٥٦٣) من حديث جابر أيضا، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير (٢/ ١١٥٥، رقم ٦٨٤٣).
(٨) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٢٢٦)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٩٦).
(٩) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ٢٦٣)، ومنح الجليل لعليش (١/ ٥١٧).
(١٠) انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٣٧٢)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٣٧٨).
(١١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣١٦)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٥٦).
[ ٢ / ٥٠٦ ]
وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَيُسْتَحَبُّ اللَّبِنُ وَالقَصَبُ، لِأَنَّهُ ﵊ جُعِلَ عَلَى قَبْرِهِ طُنُّ مِنْ قَصَبٍ
وكذا يستحب رش الماء على القبر بالإجماع؛ لأن بلالا رش قبر النبي ﷺ. ولو وضع عليه حجر، أو كتب عليه؛ لا بأس به عند البعض، وكذا التطيين والتابوت الصغير.
وفي الفتاوى: اليوم اعتادوا البناء على رأس القبور. كذا في الخلاصة (^١).
قوله: (وفي الجامع الصغير): وإنما صرح بلفظ الجامع؛ لما أن التفاوت بين الروايتين من وجهين:
أحدهما: أن رواية القدوري لا تدل على إباحة الجمع بينهما، ورواية الجامع تدل.
والثاني: أن روايته تدل على نفي الشدة، ولا يدل على الاستحباب، ورواية الجامع تصريح به.
الطن بالضم؛ الحزمة من القصب، وبالفارسية: سدو هال التراب صبه.
وفي المجتبي: اختلف في المنسوج من القصب، وما ينسج من البردي؛ يكره في قولهم؛ لأنه للتزيين (^٢).
ويكره المضربة وغيرهم في القبر، وبه قال أكثر أهل العلم.
وحكي نص الشافعي على ذلك (^٣)، وقال في المهذب: لا بأس به؛ لما روي عن ابن عباس أنه جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء (^٤)، وهو قول أهل الحجاز.
وفي فتاوى الظهيرية: وبما روي عن عائشة ﵂ غير مشهور، فلا يؤخذ به (^٥).
_________________
(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٠٩).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٥٢١).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٢٤)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٣٩).
(٤) أخرجه مسلم (٢/ ٦٦٥، رقم ٩٦٧).
(٥) انظر: البحر الرائق لابن نجم (٢/ ٢٠٨).
[ ٢ / ٥٠٧ ]
(ثُمَّ يُهَالُ التُّرَابُ وَيُسَنَّمُ القَبْرُ وَلَا يُسَطَّحُ) أَيْ: لَا يُرَبَّعُ
قال الترمذي: قال شقران: أنا طرحت القطيفة تحته (^١)، ولم يكن ذلك عن اتفاق؛ بل إنما جعلت تحته؛ لأن المدينة سبخة.
وفي العارضة: روي أن عليًا والعباس تنازعا في القطيفة، فبسطها شقران تحته؛ لينقطع التنازع في الميراث، فقال شقران: والله لا يفترشها بعده ﵇ أحد.
(ثم يهال التراب): كذا التوارث؛ لكن لا يزاد على القبر أكثر من ترابه؛ لما ذكرنا، وبه قال الشافعي (^٢).
وكذا لا ينقل تراب قبر إلى قبر آخر، وعن محمد: لا بأس بأن يزاد على تراب القبر (^٣).
وفي شرح الوجيز (^٤): وروي أنه ﵇ حثى على قبر ثلاث حثيات (^٥)، وهو المستحب لكل أحد.
وفي التتمة: ويستحب أن يقول مع الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، ومع الثانية: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾، وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (^٦).
(أي: لا يربع): وبه قال مالك (^٧)، وأحمد (^٨)، وعلي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي، وأكثر أصحابه، واختاره في الوجيز (^٩)، وظاهر مذهب الشافعي: التسطيح لا التسنيم (^١٠).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٣٥٦، رقم ١٠٤٧) وقال: حسن غريب.
(٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ٣٢٢)، والحاوي الكبير للماوردي (٣/¬٢٤).
(٣) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٢٥٧).
(٤) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٢٢٢).
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير كما في مجمع الزوائد للهيثمي (٣/¬٣٥، رقم ٤١٨٤): فيه القاسم بن عبد الله العمري، وهو متروك ..
(٦) انظر: المجموع للنووي (٥/ ٢٩٣)، وروضة الطالبين للنووي (٢/ ١٣٦).
(٧) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٧٩)، والتاج والإكليل للمواق (٣/¬٣٦).
(٨) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٧٧)، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٢/ ٣٨٤).
(٩) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٥/ ٢٢٣).
(١٠) انظر: نهاية المطلب للجويني (٣/¬٢٧)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٩٧).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
روى المزني: أنه ﵇ سطح قبر ابنه إبراهيم (^١).
وقد روي عن القاسم بن محمد (^٢) أنه قال: رأيت قبر النبي ﵇، وقبر أبي بكر وعمر ﵄ مسطحة، إلا أن ابن أبي هريرة اختار التسنيم؛ لأن التسطيح صار شعار الروافض.
وفي المصفى: من جانب الشافعي أن القبر مسكنه بعد الوفاة، فيعتبر بمسكنه المشروع في حياته، وذاك مربع، وفيه تأمل.
ولنا: ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن جبريل صلى بالملائكة على آدم ﵇ وسنم قبره (^٣).
وعن إبراهيم النخعي أنه قال: أخبرني من رأى قبر النبي، وأبي بكر، وعمر ﵄ عليها فلق من مدر بيض (^٤).
والفلق: القطعة.
وروى البخاري في صحيحه (^٥) عن سُفْيَانَ التَّمَّارِ، أنه رأى قبر النبي ﵇ مُسَنَّما.
وعن محمد بن الحنفية: أنه جعل قبر ابن عباس مُسَنَّمًا، وقبور شهداء أحد مُسَنَّما.
ولأن تربيعه يشبه تصنيع أهل الكتاب، والتشبه فيما لنا منه بديل مكروه.
وتأويل حديث إبراهيم أنه ﵇ سطح قبره أولا ثم سنم. كذا في المبسوط، والمحيط (^٦).
_________________
(١) انظر: مختصر المزني (٨/ ١٣١).
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢١٥، رقم ٣٢٢٠) من حديث عائشة ﵂ وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٣١٩).
(٣) أخرجه الداقطني (٢/ ٤٣٠، رقم ١٨١٢) من حديث ابن عباس ﵁.
(٤) أخرجه محمد بن الحسن في الآثار (٢/ ١٨٢، رقم ٢٥٥).
(٥) تقدم تخريجه قريبا.
(٦) المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ١٩٣).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ تَرْبِيعِ القُبُورِ وَمَنْ شَاهَدَ قَبْرَهُ ﵊ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُسَنَّمٌ.
قال النواوي من الشافعية: حديث إبراهيم إسناده ضعيف مرسل (^١).
ولأنه ﵇ نهى عن تربيع القبور.
وتسنيم القبر: ارتفاعه من الأرض قدر شبر أو أكثر. كذا في المحيط (^٢).