(لَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنْ الذَّهَبِ صَدَقَةٌ. فَإِذَا كَانَتْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا فَفِيهَا نِصْفُ مِثْقَالِ) لِمَا رَوَيْنَا وَالمِثْقَالُ مَا يَكُونُ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنهَا وَزْنَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَهُوَ المَعْرُوفُ (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ قِيرَاطَانِ) لِأَنَّ الوَاجِبَ رُبْعُ العُشْرِ وَذَلِكَ
فصل في الذهب
(لما روينا)؛ وهو حديث معاذ في فصل الفضة. الضمير في (منها) راجع إلى (ما)، أو إلى (المثقال) على تأويل المثاقيل. فإن قيل: في تعريف المثقال بما ذكرنا في الكتاب؛ لأنه عرف المثقال بوزن السبعة، وعرف وزن السبعة به.
قلنا: نعم كذلك، إلا أنه دفع هذه الشبهة بقوله: (وهو المعروف)؛ لأنهما معروفان، لكن الجهالة وقعت في نسبة أحدهما إلى الآخر، لكنه عرفه به؛ ليعلم أن المعتبر مثقال بوزن السبعة؛ لأنه قد يستعمل في غيره. كذا قيل.
وحكي عن [عطاء] (^١) وطاووس أنهما قالا: نصاب الذهب معتبر بالفضة، فيعتبر أن تبلغ قيمته مائتي درهم، حتى لو كان معه خمسة عشر مثقالًا، منه تبلغ مائتي درهم؛ وجبت فيها الزكاة. ولو كان معه عشرون مثقالًا لا تساوي ما دون مائتي درهم؛ لم يجب فيها الزكاة.
وعن الحسن البصري في رواية: نصابه أربعون مثقالًا، فيجب مثقال. وكل ذلك بخلاف الإجماع والنص.
(وهو)؛ أي: المثقال معروف بالنص بين الناس، وهو قدر وزن الدينار من الذهب.
وأما تعريفه، وهو المسمى بالدينار على وجه التمام، ما ذكره السجاوندي في تصنيف له في قسمة التركات فقال: اعلم أن الدينار ستة دوانيق، والدانق
_________________
(١) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
فِيمَا قُلْنَا: إِذْ كُلُّ مِثْقَالِ عِشْرُونَ قِيرَاطًا (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ صَدَقَةٌ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا: تَجِبُ بِحِسَابِ ذَلِكَ (*)، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الكُسُورِ، وَكُلُّ دِينَارٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي الشَّرْعِ، فَيَكُونُ أَرْبَعَةُ مَثَاقِيلَ فِي هَذَا كَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
أربع طسوجات، والطسوج حبتان، والحبة شعيرتان، والشعيرة ستة خرادل، والخردل اثنا عشر فلسا، والفلس ست فسلات، والفسيل ست نقيرات، والنقيرة ثمانية قطميرات، والقطميرة اثنا عشر ذرة (^١).
وذكر فيه الدينار بسنجة أهل الحجاز عشرون قيراطا، والقيراط: خمس شعيرات، والدينار عندهم مائة شعيرة، وعند أهل سمرقند: ستة وتسعون شعيرة، فيكون القيراط عندهم طسوجا وخمسة.
قال شيخي ﵀ فخر الإسلام أهل سمرقند ستة وتسعين شعيرة ستة أجزاء (^٢)، وسموا كل جزء دانقًا وجزءا، وكل دائق أربعة أجزاء، وسموا كل جزء طسوجا، وقسموا كل طسوج جزئين، وسموا كل جزء حبة، وسموا كل حبة بشعرتين، فإذًا: الدينار ثمان وأربعون حبة وأربعة وعشرون طسوجا، وعلى هذا الوزن تدور المعاملات في ما وراء النهر، فوزن القيراط بهذا الوزن: أربع شعيرات وأربعة أخماس شعيرة.
والقيراط عند أهل الحجاز: خمس شعيرات فكان الدرهم سبعين شعيرة، وهو الدرهم المعتبر في الشرع، ثم ضرب الدراهم ببلاد ما وراء النهر بعد الوقعة العظيمة على نصف مثقال بوزن سمرقند، وهو ثمانية وأربعون شعيرة، فالنصاب من هذه الدراهم يكون مائتين وإحدى وتسعين وثلثي درهم، وهما اثنان وثلاثون شعيرة؛ لأن وزن الدرهم الحجازي سبعون شعيرة على ما ذكرنا زائد على هذا الدرهم باثنين وعشرين شعيرة، وذلك مساو لوزن نصف الدرهم ناقصا عنه نصف سدسه، فيزاد على المائتين نصفها، وهو مائة ناقصًا عنه نصف سدسها وثمانية وثلاثة، وهو ما ذكرنا، ومقدار الواجب منها سبعة دراهم وأربعة عشر شعيرة،
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٧٢).
(٣) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٧٢).
[ ٢ / ٦٤٤ ]
قَالَ: (وَفِي تِبْرِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَحُلِيْهِمَا وَأَوَانِيهِمَا الزَّكَاةُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا
ومجموع النصاب ثمانية وأربعون دينارًا ونصف دينار ونصف وثلثا درهم؛ لأنهم يعدون كل ستة دينارًا، ثم ضرب الدرهم في بلادنا في هذا الزمان على ثلث مثقال بالوزن السمرقندي، وهو اثنان وثلاثون شعيرة، فالنصاب منه أربع مائة درهم وسبعة وثلاثون درهما ونصف، فإن وزن هذا المجموع أربع عشر آلاف شعيرة، كما أن وزن النصاب الشرعي وهو مائتا درهم كذلك، ومجموع الدراهم بحسابهم اثنان وسبعون دينارًا وخمسة دراهم ونصف درهم، والواجب منه عشرة دراهم وخمسة عشر جزءًا من ستة عشر جزءًا من درهم، وذلك ثلاثون شعيرة.
وفي الْمُجْتَبى: وفي مشكل الآثار: المعتبر في الدينار وزن مكة (^١).
وعن الترجماني: المعتبر في الدينار والدرهم وزن مكة؛ لقوله ﵇: «والوزن وزن مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة» (^٢)، ووزن مكة في الدراهم كل عشرة بوزن سبعة مثاقيل، فوزن الدرهم ثلثا مثقال وطسوج غير شعيرة، كما استقر في ديوان عمر ﵁، وفي المعاملات كالعقود والإقرارات؛ يعتبر الوزن الذي يتعامل به الناس في كل بلدة (^٣).
قوله: (وفي تبر الذهب والفضة): التبر منهما: ما كان غير مضروب.
(وَأَوَانِيهِمَا): الأواني - بسكون الياء بالتخفيف -: جمع الجمع الكثرة للإناء، وجمع القلة: آنية، كسوار وأسورة وأساور. كذا في المغرب (^٤).
والحلي: جمع حُليّ، كندي، جمع ثُدي بالضم.
والحلية: الزينة من ذهب أو فضة أو جوهر. والحلي: ما تتحلى به المرأة.
(وقال الشافعي …) إلى آخره: كل ذهب وفضة مصوغ لأجل الاستعمال، فإن كان يباح استعماله كحلي النساء وخاتم الفضة للرجال؛ ففي وجوب الزكاة
_________________
(١) المجتبى لنجم الدين الزهدي (١/ ٥٦١).
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٤٦، رقم ٣٣٤٠) والنسائي (٧/ ٢٨٤، رقم ٤٥٩٤) وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٥/ ١٩١، رقم ١٣٤٢).
(٣) انظر: المجتبى لنجم الدين الزهدي (١/ ٥٦١)، والبناية شرح الهداية للعيني (٣/ ٣٦٨).
(٤) المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٣٠).
[ ٢ / ٦٤٥ ]
تَجِبُ فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ وَخَاتَمِ الفِضَّةِ لِلرِّجَالِ، لِأَنَّهُ مُبْتَذَلَّ فِي مُبَاحٍ فَشَابَهَ ثِيَابَ البِذْلَةِ.
فيه له قولان:
في قول: يجب، وهو مذهبنا، والثوري، وقول عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري، وكثير من التابعين.
وفي أظهر قوله: لا يجب (^١)، وهو قول مالك (^٢)، وأحمد (^٣)، وأبي ثور، وابن عمر، وجابر، وعائشة.
أما لو كانت محظورة الاستعمال؛ فالزكاة واجبة فيها بالإجماع.
له: أن جواز الاستعمال لعدم وصف النماء للتضاد بينهما، كعبيد الخدمة وثياب البذلة، فتعتبر الصنعة؛ لأنه ابتذال حكمًا.
أما لو كان محظورًا شرعًا يسقط اعتبار الصنعة والابتذال حكمًا، فيكون كالمعدوم، وما روى جابر، وأنس، وعائشة أنه ﵇ قال: «لا زكاة في الحلي» (^٤).
ولنا: حديث عمرو بن العاص أنه ﵇ رأى امرأتين تطوفان بالبيت عليهما سواران من ذهب، فقال: «أتُؤدِّيانِ زكاتَهُما؟»، قالتا: لا، قال لهما: «أتُحِبّانِ أن يُسوِّرَكُما الله تعالى سِوارَينِ مِنَ النارِ؟»، قالتا: لا، قال: «فأديا زكاتهما». رواه الترمذي والنسائي، وأبو داود (^٥).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (٢/¬٤٥)، والمهذب للشيرازي (١/ ٢٩٢).
(٢) انظر: الفروع لابن مفلح (٤/ ١٣٩)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٣٦١).
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٣/¬٤٩)، والتاج والإكليل للمواق (٣/ ١٥١).
(٤) حديث جابر مرفوعا أخرجه البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٦٧) وقال: لا أصل له مرفوعا، والصحيح أنه موقوف على جابر. وحديث أنس لم أقف عليه مرفوعا وإنما أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٠٣، رقم ١٩٦٥) موقوفا عليه. وحديث عائشة لم أقف عليه مرفوعا وإنما أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٨٢، رقم ٧٠٥١) موقوفا عليها.
(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٩٥، رقم ١٥٦٣) والترمذي (٢/¬٢٢، رقم ٦٣٧) والنسائي (٥/¬٣٨، رقم ٢٤٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (ص ١٨٧، رقم ٦٢٠).
[ ٢ / ٦٤٦ ]
وَلَنَا: أَنَّ السَّبَبَ مَالٌ نَامٍ، وَدَلِيلُ النَّمَاءِ مَوْجُودٌ وَهُوَ الإِعْدَادُ لِلتِّجَارَةِ خِلْقَةٌ،
وما قيل: أن الترمذي ضعفه، فقد اعترض على الترمذي الثقات على تضعيفه، وقالوا: حديث حسن صحيح.
وفي مسند أبي داود عن عائشة قالت: دخل رسول الله ﷺ عَلَيَّ ورأى في يدي فَتَخاتٍ من وَرِقٍ، فقال: «ما هذا؟»، فقلت: صنعتهن لأزين لك يا رسول الله، قال: «أتؤدِّينَ زكاتهن؟»، فقلت: لا، وما شاء الله، فقال: «هي حسبْكِ من النار» (^١).
وفي الموطأ (^٢): عن عطاء قال: بلغني أن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحًا (^٣) من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكَنزٌ هي؟، قال: «إن أدَّيْتِ منها الزكاةَ فَلَا».
والمعنى: أن الزكاة تعلقت بعين الذهب والفضة؛ لأنهما خلقا للتجارة، فيكونان معدان للنماء، فلا يسقط هذا الوصف بالصنعة، سواء كانت لاستعمال مباح أو محظور [كحكم الربا أو التقابض، ولم يعرف الحال من كونه مباحًا أو محظورًا] (^٤) كما في السوائم؛ إذ جعلها حمولة حمر حيث لا تجب الزكاة، لا باعتبار الحذر؛ بل باعتبار كونها حمولة، فكذلك هاهنا لم يفترق الحال بين كونها مباح الاستعمال أو محظورة.
وأما ما روي؛ فلم يشتهر فيما تعم به البلوى، فلا يقبل أو يحمل على الحلي من الجواهر واللآلئ؛ توفيقا بين الأحاديث بقدر الإمكان.
وقال سبط ابن الجوزي: حديث جابر ضعيف مع أنه موقوف على جابر،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٩٥، رقم ١٥٦٥) وصححه الحاكم (١/ ٥٤٧، رقم ١٤٣٧) على شرط الشيخين.
(٢) لم أجده في المطبوع من طبعات الموطأ وأخرجه بنحوه أبو داود (٢/ ٩٥، رقم ١٥٦٤) وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٧، رقم ١٤٣٨) على شرط البخاري.
(٣) الأوضاح- جمع وضح: وهي نوع من الحلي يعمل من الفضة. النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٩٦).
(٤) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وَالدَّلِيلُ هُوَ المُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الثَّيَابِ.
أنه كان يرى الزكاة في كثير الحلي دون قليلها.
قال البيهقي (^١): حديث جابر لا أصل له مع تعصبه للشافعي.
قوله: (بخلاف الثياب)؛ يعني: المقصود من الابتذال بهما؛ هو التحمل الزائد لا تتعلق به حياة النفس والمال، فلا تنعدم صفة الثمنية أو النمو الثابتة لهما خلقة بالصنعة والاستعمال، بخلاف الثياب، فإنه ثمة أمر أصلي؛ لأن فيه صرفًا لهما إلى الحاجة الأصلية المتعلقة، وهي دفع الحر والبرد، فجاز أن يبطل الأمر الأصلي فيها ما هو دونه، وهو معنى التجارة فيها.
وأما حكم الزكاة في الحلي والأواني؛ تختلف بين أداء الزكاة من عينها وبين أدائها من قيمتها، مثلا: له إناء فضة وزنه مائتا وقيمته ثلاثمائة، فلو زكى من عينه زكى ربع عشره، ولو أدى من قيمته؛ فعند محمد (^٢)، وابن سريج من أصحاب الشافعي (^٣): يعدل إلى خلاف جنسه، وهو الذهب؛ لأن الجودة معتبرة.
أما عند أبي حنيفة، وأحمد (^٤): [لو أدى] (^٥) خمسة من غير الإناء؛ سقطت عنه الزكاة؛ لأن الحكم غير مقصور على الوزن، فلو أدى منه ما تبلغ قيمته خمسة دراهم غير الإناء؛ لم يجز في قولهم جميعا؛ لأن الجودة متقومة عند المقابلة، بخلاف الجنس، فإن أدى القيمة وقعت عن القدر المستحق. كذا في الإيضاح (^٦).
_________________
(١) في الخلافيات (٢/ ٤٦٧)، وانظر البدر المنير لابن الملقن (٥/ ٥٦٩).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٤٥)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١٢٣).
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٢٧٦)، والبيان للعمراني (٣/ ٣٠٤).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٣/¬٤٤).
(٥) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.
(٦) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٤٥)، والجوهرة النيرة للزبيدي (١/ ١٢٣).
[ ٢ / ٦٤٨ ]